islamaumaroc

الحركة الدينية في عهد المرابطين

  دعوة الحق

55 العدد

انتشر الإسلام بسرعة في المغرب، ووجد بين قبائله المختلفة في عهد إدريس الأول ودولته التي استمرت أزيد من ثلاثة قرون، حيث دخل المغاربة في دين الإسلام أفواجا وتقبلوا أحكامه، وانقادوا لتعاليمه، وبطلت عادة الارتداد التي تكررت عندهم اثنتي عشرة مرة على ما ذكر المؤرخ الاجتماعي الكبير العلامة ابن خلدون في مقدمته، ولسنا في معرض مناقشة هاته الدعوى ونحن نعلم أن المغرب كغيره من الأمم والشعوب مرت به فترات متناقضة من تاريخه العقائدي والديني، وكان ينفعل طبعا للمذاهب التي كانت تظهر في الشرق العربي نظرا لما كان بينهما من علاقات وروابط لا تنحصر في ميدان معين، فالخوارج ظهروا بالمغرب كما ظهروا بالمشرق، ومذهب الاعتزال لم يخل المغرب أو بعض قبائله على الأصح من التأثر به، على أن المذاهب السنية كانت دائما تريح المعركة، لأن المغاربة قوم عرفوا بالذكاء والحدة والصفاء، وحسن النية، إذا نوظروا وأيدت المذاهب بالحجة لديهم وعرفوا أنها حق اتبعوها، ولذلك نرى تاريخهم سلسلة حلقات تشيد بمواقفهم من الدين الإسلامي حينما كانت تلم به الملمات أو تنتابه النوائب، وقد كانوا يتعاونون على نشره وتأييده بكل ما لديهم من قوة وسلطان ومال وجاه وعلم وفكر بوجه عام، يؤسسون لذلك الجمعيات السرية والرسمية، ويقيمون الرباطات في شرق البلاد وغربها، وفي كثير من النقط في القرى والمدن، ويذكر علماء التاريخ أن رباط وجاج بن زولو اللمطي السوسي الذي كان يسمى دار المرابطين بنفيس المغربية هو أقدم رباط مغربي، وأن منه انتشرت فكرة تكوين أول دولة مغربية بعد الدولة التي قام بتأسيسها إدريس الأول ونسبت إليه، لأن الرباط كما لا يخفى مدرسة دينية يجتمع فيها العلماء والصالحون والأتقياء من الشعب، وفيها يدرسون الحقوق والواجبات، ويتعرفون على تعاليم الإسلام، وما تطالب به من صلاح وإصلاح ديني ودنيوي، ويعتبر عبد الله بن ياسين أحد خريجي هذه المدرسة، ومؤسس رابطة الساحل المغربي التي أقام فيها نحوا من ثلاثة أشهر يعلم طائفة من كدالة تعاليم الإسلام وأحكامه، ويشرح لهم الأسباب التي جعلت المسلمين الأولين يعيشون في سعادة أبدية في دينهم ودنياهم، وقد كان في مقدمة تلاميذ الرابطة إبراهيم بن يحيى الكدالي أمير صنهاجة الذي عمل بكل ما لديه من الوسائل على بث الروح الدينية ونشر التعاليم الإسلامية حتى استطاع بفضله وبفضل سياسة أستاذه عبد الله أن يجمع شمل كثير من المتشردين من صنهاجة في كتلة واحدة تضم ما يزيد على ألف رجل من أشرافهم، كلهم مؤمنون محتسبون يقدرون واجباتهم الدينية والدنيوية، ويعرفون حقوقهم فلا يتعدونها، ويعملون لتكون كلمة الله هي العليا وليستقيم أمر الإسلام في ديار المغرب كما هو قائم في المشرق الشقيق، وتطبيقا لما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن الثقات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لايزال أهل المغرب قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله »، وقد كتب العلامة أبو بكر الطرطوشي من الإسكندرية إلى السلطان المغربي رسالة يبين فيها أن المغاربة هم المشار إليهم بهذا الحديث حقا لأن الطوائف الضالة لم تؤثر فيهم كما أثرت في إخوانهم بالشرق الإسلامي، وقد كان هؤلاء المرابطون النواة الأولى لتأسيس الدولة المغربية الثانية دولة المرابطين التي كان فيها الدين عزيز الجانب رفيع القدر يمتاز بكون رجاله وأعلامه يتحكمون في كل صغيرة وكبيرة وقولهم مسموع وأمرهم مطاع تتكون منهم المجالس الاستشارية في قصور السلاطين وبلاطات الملوك وبمقتضى فتاويهم تنفذ الأحكام وتطبق القوانين الصادرة ووفقا لإشارتهم تمضى المراسيم وتوقع الظهائر الملكية.
ونظرا لما للروح الدينية من تغلغل في نفوس المغاربة، وما لهؤلاء من إقبال على العقائد حتى أنهم ليهجرون ديارهم ويتركون أموالهم ويضحون بكل غال ونفيس لديهم في سبيلها قام بعض الزنادقة والمغرضين بمحاولة نشر أفكار هدامة استجابت لها طائفة من شعوب المغرب السليمة الطوية، ولكن هؤلاء الدجالين سرعان ما افتضح أمرهم، وباءوا بغضب من الله، وأصدر عليهم الشعب المغربي أحكاما قاسية أودت بكثير منهم فسجنوا وعذبوا وأحرقوا ونفوا، ومثل بهم شر التمثيل لتزويرهم على الإسلام وكذبهم على الله، وقد ذكر مؤلف الذخيرة السنية أسماء لبعض هؤلاء الشياطين، ومنهم العبيدي الذي أحرق بفاس في باب كبير سمي به باب المحروق من هاته المدينة العظيمة الشهيرة في التاريخ الإسلامي، ومنهم ابن أبي محلى صديق محمد ابن أبي بكر الدلائي، ومنهم أحمد بن قسى الذي تحدث بالأباطيل في مسجد بالبرتغال، ومنهم ابراهيم الفزازي الساحر المتنبئ. وقد ظهرت مقاومة المرابطين لهذه المذاهب الانتحالية، وهاته الحركات الهدامة المغرضة، خصوصا في عهدي يوسف بن تاشفين وابنه على الذي فتح باب العلم على مصراعيه بالمغرب يرده الصغير والكبير ويقوم بنشره علماء البلاد وغيرهم من علماء الأندلس على السواء، وشجع الحركة الدينية تشجيعا لم يعهده قبله، وكان التبادل الثقافي في عصره نشيطا إلى حد كبير حتى كان يجتمع برباطه فطاحل من علماء فاس والقيروان وقرطبة ومراكش وغيرها من العواصم والمدن الإسلامية. ولكن بكل الأسف استغل بعض الفقهاء النفوذ الذي تمكنوا منه في الدولة والسلطان الذي أدركوه على عهد هذا الملك المصلح فقاموا بمحاولات ضد بعض من العلماء الذين ظهر صلاحهم وعرفوا بالطهارة وحسن الاعتقاد، ومن هؤلاء الفقيه أبو العباس بن العريف الذي ذاع صيته وتداول الناس ذكره في الآفاق، وخصوصا في باب العبادة والزهد، فقد ذكر العلامة ابن بشكوال في تاريخه أن اتباعه في طريقته الصوفية قد كثروا إلى حد بعيد، الأمر الذي حمل بعض علماء الدين في عصره على إنكار مذهبه والوشاية به إلى الملك علي الذي أمر بالإتيان به من غرناطة قصد تأديبه وإثابته، وكم له من نظير فقد استقدم أبا الحكم بن برجان من إشبيلية ولم يكن أقل منه في الانتحال والصلاح والفلسفة العميقة حتى لقب بغزالي المغرب. وإذا كان علي بن يوسف قد قام بهاته الحملة ضد هؤلاء العلماء والأبرياء فإننا نلتمس له ألف عذر وعذر، فلقد طغت موجة الزندقة والانتحال الكاذب في عصره، وظهرت المقالات الصوفية المعقدة التي لا تستسيغها عقول كثير من العلماء الذين ألفوا الوضوح فيما بين أيديهم من كتب التفسير والحديث والأصول والفقه والعقائد الإسلامية كلها، وقد كانوا يفسرون أقوالهم على غير ما تشير إليه في نفس الأمر، وبذلك حصل سوء التفاهم بين الراوي والمروى عنه، وحدثت أزمة علماء الفلسفة الإسلامية من المشرق ومن المغرب، وقد تجاوزت هاته الأزمة الحدود المعقولة، فأدت إلى إحراق كتب عزيزة في الدين، هي كتب الإمام الغزالي، وناهيك به من إمام يعرفه الكبير والصغير، ويسمع بعلمه وفهمه أكثر من يمشي على وجه الأرض من الذين يسمعون ويعقلون.
    ومع كل هاته الاضطهادات التي كان يلقاها العلماء الفلاسفة والعلماء المتصوفون الماهرون في الدين فلم تركد حركة تكوين الرباطات الدينية وتأسيس الزوايا الصوفية في نقط القطر المغربي في الشمال وفي الجنوب والشرق والغرب، إلا أن هاته الروح الصوفية كانت تستمد تعاليمها من القرءان الكريم وحديث النبي العظيم، وتعتمد على الراجح من أقوال السلف الصالح رضوان الله عليهم. والحقيقة أن الملوك الذين يتوقون إلى تكوين جامعة إسلامية، ويخضعون إلى سلطان من هو أضعف منهم قوة بغية لم الشعب وضم الشتات من أفراد الأمة الإسلامية جديرون بأن ينسبوا إلى الخير ويتوسم فيهم العارفون بالله الصلاح والتقوى والعمل النافع في الدنيا والآخرة، ويوسف بن تاشفين الذي أراد أن يحج إليه حجة الله الغزالي لولا أن المنية عالجت الملك المغربي، لم يكن ليشد عن تعاليم الإسلام ولا يترك رعيته المخلصة لله المتعلقة بأذياله تحيد على الإسلام قيد أنملة، وقد بلغت في عهده أكثر ما تطلب وأفضل ما تطلب.
    وإذا كان الغزالي مع إطلاعه الواسع، وخبرته المنقطعة النظير وتضلعه في الفلسفة الإسلامية بعد دراسة محكمة وأبحاث مستفيضة. رغم وجوده بين بيئات مختلفة ووجوده في عهد مليء بالمتناقضات مليء بالشكوك والأوهام، قد أشاد يوسف بن تاشفين ملك المغرب وعزم على الرحيل إليه لم علم من تقديره للعلم والعلماء وانصياعه لتعاليم الإسلام، وبلوغ نفوذه إلى حد يستبعد أن يتصور تحقيقه في عهد وجيز، كما وقع بالفعل في عهد يوسف الملك المغربي، فإن ذلك ليدل بوضوح على مدى عظمة المغرب الدينية، وتشبع أبنائه بروح الإسلام القويمة التي تحفزهم إلى عمل كل شريف، والقيام بكل ما هو مشرف يرفع من قدر المسلمين ويعلي مستواهم بين العالمين، ويجعل صيتهم يطبق الآفاق وأقلامهم تنفذ إلى ما لا تنفذ إليه السيوف المرهفة، إن نظريات الغزالي في المشرق قد وجدت لها أنصارا عديدين بالمغرب الإسلامي تلك النظريات الدينية المتمثلة في نفي التلازم العقلي بين السبب والمسبب نظرا لما يترتب عن ذلك من بطلان أشياء ثبتت بالشرع، ومنها الوحي والمغيبات والمعجزات وعلم الله بالجزئيات التي لا حصر لها، وعدم تقييد الله تعالى بنظام ثابت لا يتعداه، وفي قوة العقل بجانب العقيدة الدينية وطرق البحث والاستدلال، وقواعد العقائد عند أهل السنة والجماعة، والتدرج في الإرشاد الديني، وصلة قدرة الله بقدرة الإنسان، واختيار الإنسان أو إجباره، وما يريده الله وما لا يريده وبأي شيء تثبت الأحكام هل بالشرع أم بالعقل.
لقد حلل الإمام الغزالي هاته النظريات في كتبه تحليلا فهمه الكثير من علماء المغرب وكان له أثره بينهم وعملوا على نشره بين العامة والخاصة حتى كونوا مجتمعا إسلاميا متين التفكير صحيح العقيدة لا يؤمن بالخرافات ولا يصدق بالأساطير. وكان ذلك باعثا على استمرار امتداد الفلسفة الإسلامية بين الشرق والغرب الإسلاميين، وإن كان حاول بعض الذين لم تنفتح أذهانهم إقفارها بدافع النية الصالحة أو بعدمها قصدا، فإن المغرب الإسلامي في عهد المرابطين استطاع أن يكون رأيا في الدين لا يختلف في فحواه ومعناه عن الآراء التي يدين بها السنيون في الشرق، وحسب المرابطين افتخارا أنهم استطاعوا أن يحافظوا على الروح الإسلامية التي نزل بها الوحي من السماء وأتى بها إدريس إلى المغرب، ودانت بها قبائله المختلفة، وإن كانت ظهرت من ملوكهم فلتات وبدت منهم بوادر قد يفسرها بعض من يجهلون الحقائق جمودا، فإني أقول أن المغرب كالمشرق توأمان في الإسلام تربيا في أحضانه وعاشا تحت ظلاله قرونا وهما متحدان متضامنان يعملان يدا واحدة ويبذل رجالهما من الجهود التي كتب بها للإسلام أن يستمر في أداء رسالته حتى يومنا هذا، وأن كان بعض التقصير قد بدا منهم فذلك أمر عملت عليه ظروف وظروف استثنائية عاشها الإسلام بين منتحليه ومعتنقيه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here