islamaumaroc

الدين والمجتمع

  دعوة الحق

55 العدد

 إن الحياة الاجتماعية التي يعيشها الإنسان عبارة عن قطاعات متعددة يرتبط بعضها ببعض ويساند أحدها الآخر، ولعل هذا الارتباط وهذا التساند يكون بين الجميع لحمة اتصال نفسر به أوجه الاتصالات والترابطات، بل لا يتأتى لنا أن نعرف كل قطاع على حدة إلا بعد معرفة القطاعات الأخرى ومدى اتصاله بها جميعا. لذلك كان من الضروري لفهم الحياة الاجتماعية أن تفهم في قطاعاتها المتعددة وأن تربط دائما بين وحداتها حتى نتمكن من أخذ الأمر من ناحية ونتعمق في فهم المسببات والعلل.
ويظهر أن القطاع السياسي والقطاع العقائدي عظيم الأهمية يتصلان ببعضها اتصالا وثيقا ويمسان جوهر باقي الميادين الحيوية للإنسان، ولا يمكن بحال أن يعرف أي إنسان مهما كان عظيم الثقافة سبر الأحداث واتجاه الأعمال، والالتزام للفكرة ما لم يكن واعيا لما يجري فيهما معانيا مشاكلهما وتجاربهما، ولهذا يظهر أيضا أن ابن خلدون لم يكن حين زين للعلماء أن يكونوا أبعد الناس عن السياسة، أو حين رأى عن تجربته أنهم أبعد الناس عن السياسة.
ذلك لأن الحياة السياسية هي قطاع حيوي لا يمكن أن يصرف رجل العلم عن معرفة مجرياته أو أن لا يكون محركا لعجلاته، ومن البديهي أن رجل الدين أكثر اتصالا من رجل العلم بالحقل السياسي، مع اعتبار أن الإسلام لا يقيم رجالا للعلم ورجالا للدين، لأن العقيدة الإسلامية إنما تكون نماذج يمتزج فيها العلم بالدين امتزاجا وثيقا، لأن أعمال الدين الإسلامي كلها معللة بأسبابها ومفهومة بحقائقها ومركزة في كل شخصية مسلمة لا في جماعة خاصة تمتاز بمعرفة خفاياه دون البشر أجمعين، ولو أن ابن خلدون قال أن الدين أبعد الأشياء عن السياسة، أو العلم العملي لتجلى له الخطأ بدقة.
وإذا فمن واجبنا كمواطنين مسلمين أن نهتم بالقضايا الإنسانية الاجتماعية والسياسية على السواء ويقتضي ذلك أن نكون في كل مشكلة رأيا وحكما، وأن نكون إجابيين إزاء القضايا التي تعرض لنا، لا سلبيين متفرجين أو سلبيين محتجين، كما يقتضي ذلك أن نؤسس جمعيات موحدة الاتجاهات مختلفة الأعمال منتقاة من العناصر المؤمنة الحية.
وان تكاثر الأعضاء لا يساعد البيئة على سير العمل سيرا مستقيما أو أن يصون نزاهة المبدأ، فأحسن الجماعات من توفرت على عناصر قليلة مؤمنة واعية واسعة أفق التفكير لتدرس الدين الإسلامي بدقة وتعيد إليه قوته وصفاء جوهره.
فقد أصبح الدين في جوهره أو كاد، وأصبح في نظر المعتنقين له طقوسا وشكليات، كما أصبح في نظر بعض أدعياء المفكرين أداة تعوق التقدم، رغم أن الواقع التاريخي والفلسفي هو أن الدين مصدر القوة البشرية وفكرة أصيلة في الإنسان، وهو القوة الوحيدة التي تسيطر على النفس الداخلية والذاتية الإنسانية سيطرة دقيقة، ومزاولة طقوسه عمليا تسمو بالنفس وتكبح الشهوات وتجعل من الإنسان مخلوقا أسمى من الحيوان، ولنضرب مثلا لما ذكرنا من أثر الدين في الشخصية الإنسانية والفهم الذي يجب أن نفسر به عملية الرياضة الدينية (الصيام)، تلك العملية التي تنظم الإشراف الباطني على الجسم وتوجه الإرادة وتكبح الرغبة وتزجر الرعونة، فالصيام هو دعوة سافرة لإنكار الذات عن طريقة قهر الجسد، وأثر الصيام في النفس البشرية المسلمة كأثر الصلاة والحج والزكاة إن لم يكن أكثر عملا إذا أدى على وجه كامل بنزاهة حرفية أي على أساس كبح الذات، فالصيام الذي يستدعي صياما ينتهي إلى شهوة ويكون وقت ممارسته مصحوبا بتفكير شهواني مادي، لا يؤثر في النفس إلى غايته، ولهذا فلابد أن يساير الصيام الجسدي صيام عقلي باطني.
ويقتضي ذلك تربية على الطهر والتفكير النقي حتى لا تتبع الأفكار الغير المرغوب فيها وتنتصر على الإرادة النزيهة ولعل الدين لا يستطيع أن يعطي لكل إنسان مجنا للحراسة من هذه الأفكار المخاتلة، فكل إنسان يستطيع أن يبحث في أعماقه عن مجنه الذي يتقي به شر الأفكار الشيطانية وتعتبر الأدعية، والصلوات المنتظمة كفيلة بتكوين حصن نفسي لحراسة مراكز الطهر في النفس البشرية العفيفة، وإذا فالطقوس الدينية يجب أن تنبعث عن الوعي الداخلي لنفسية الإنسان والعظات تمازج النفس فتسمو بها إلى درجة التقى.
ومن الأسف فجل المتدينين التقليديين الدنيويي التفكير إنما يمارسون الطقوس انسجاما مع العرف لااستجابة لنداء الروح المحق.
وإني لا عجب كيف يكون الإنسان متدينا حقا إذا لم يكن أصيلا في التقى والسمو الإنساني، هذا السمو الذي إذا تملك النفس أصبحت عظيمة مجيدة لا تستشعر العظمة والجاه إلا في جلائل الأعمال لا عن طريق إذلال إخواننا في البشرية واحتقار الضعفاء وابتزاز أموال المظلومين واستغلال جهاد المكبوتين لتشعر شعورا قريبا بالاستعلاء والعظمة الفارغة.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here