islamaumaroc

اللغة العربية في معركة التغريب والتبعية الثقافية

  دعوة الحق

55 العدد

كان من رأي الاستعمار في العالم العربي أن القضاء على مقومات الشخصية العربية هي وسيلته للبقاء والاستمرار في السيطرة على مقدرات البلاد، وكانت اللغة العربية في مقدمة عوامل الوحدة والتجمع والالتقاء بين العرب ولذلك ركز غزوه الثقافي عليها محاولة للقضاء عليها.
ولقد كان هدف الاستعمار أن تصير اللغة العربية إلى ما صارت عليه اللغة اللاتينية، لغة متحف تدرس على الآثار والتحف، وأن تصبح اللهجات المحلية في أقطار العالم العربي لغات مستقلة لها أدبها وثقافتها وبذلك تتعدد اللغات ويقضي  على اللغة العربية.ويقضى على القرآن الكريم والتراث العربي الإسلامي الضخم الذي اشترك في إبداعه مئات الفلاسفة والكتاب والعلماء منذ بزوغ فجر الإسلام حتى اليوم.
ولقد جند الاستعمار قواه لهذه الغاية وحرص عليها ورسم لها خططا بعيدة المدى، وقامت في الأقطار
المحتلة منظمات لهذا الغرض ليس لها مهمة غير توجيه الحملات إلى اللغة العربية واتهامها بالقصور وعدم الكفاية العلمية، أو ارتفاع مستواها عن مفاهيم المجموعات العامة، أو اتهام حروفها ونطقها وكتابتها بالصعوبة والتعقيد. وكانت هذه الاتهامات مقدمة للنقاد إلى الدعوة إلى اللغة العامية أو استخدام الحروف اللاتينية وتحطيم عمود الشعر.
ولقد واجه الشمال الإفريقي عملا أشد عنفا فقد قضى على اللغة العربية نهائيا في المدارس الرسمية ولم يبق إلا في الكتاتيب وحلقات المساجد والمدارس الأهلية وجامعتي الزيتونة والقرويين.
وكان هذا أعنف إجراء في القضاء على اللغة العربية وإحلال لغة المحتل مكانها.
أما في المشرق العربي فقد توالت الحملة في صورة دعوات متوالية استمرت وتوالت وتعددت واحدة بعد أخرى يحمل لواءها في أول الأمر غربيون مقيمون ثم وطنيون مستغربون.
وكان من هؤلاء وليم ويكوكس المهندس الذي دعا إلى العامية وحاول ترجمة الإنجيل إليها، والقاضي وبلمور الذي دعا إلى العامية مع كتابتها بالحروف اللاتينية ثم ظهر على الأثر لطفي السيد يحاول في عبارات ساحرة أن يحمل نفس اللواء على نحو خادع عنوانه تقريب اللغة العامية إلى العربية وتحسين عباراتها وتمصير اللغة العربية وجرى ما أطلق عليه اسم « أزمة » اللغة العربية وحمل الدعوة إليها فريق المعتدلين، غير أن سلامة موسى وأمين الخولي ومحمود تيمور ـ وقد عاد عن هذه الدعوة بعد ـ وعبد العزيز فهمي وجورجي صبحي في مصر كل هؤلاء حملوا لواء هذه الدعوة، كما حملها في لبنان كثيرون في مقدمتهم الخوري مارون غصن وآخرون غيرهم من بينهم سعيد عقل في الفترة الأخيرة، وهكذا عاش العالم العربي في خلال فترة ستين عاما في صراع بين دعوة تريد أن تحطم اللغة العربية لتقضي عليها وبين مقاومة لها شقان : يدافع عن عظمة اللغة العربية، وشق يصلح هذه اللغة ويبحث في عناصر التعريب والنحت والاشتقاق لتمكين اللغة من استقبال المصطلحات العلمية الجديدة، حتى الشعر كان له دور في الدفاع عن اللغة فقد أنشد حافظ قصيدته المعروفة:
وقد أعان أنصار اللغة العربية في القضاء على دعوى العامية عوامل كثيرة، منها أن اللغة العربية واجهت في العصر العباسي مثل ما تواجهه اليوم عندما ترجمت إليها مؤلفات الرومان واليونان، فقد استطاعت أن تستقبل عشرات ومئات من المصطلحات دون أن يعجز ذلك، وأن عشرات من أعلام  الغرب الذين درسوا اللغة العربية قد اعترفوا بعظمة هذه اللغة وكمالها وقدرتها القادرة على تقبل كل تطور والاستجابة لكل عصر.
وكان من عوامل ضعف الدعاة إلى العامية أنهم لم يستطيعوا أن يكتبوا بها أو أن يحققوا نموذجا صالحا لما يدعون إليه، وقد حاول لطفي السيد في الماضي وطه حسين في القريب الكتابة بالطريقة القديمة جدا التي تدمج الشكل في الكلمات، غير أن هذه الدعوة قد لقيت السخرية والامتهان كما لقيت دعوة الكتابة بالحروف اللاتينية التي دعا إليها عبد العزيز فهمي وكان قد سبقه إلى الدعوة إليها كثيرون.
وشارك المغرب ماسنيون إلى العامية والكتابة بالحروف اللاتينية عام 1928 في أندية الشباب العربي في باريس ولقي معارضة كبيرة، كما وجد المستشرق كولون ردا عنيفا على دعوته من الكاتب العربي المغربي عبد الله كنون.
وقد حملت معركة الهجوم على اللغة العربية روح التعصب والغرض والهوى، ولم تكن خالصة صادقة، وقد واجهتها مقاومة علمية صارمة قائمة على أساس من التفكير العلمي الخالص، ومن أهم أسسها:
ـ إن الفرق بين لغة الكتابة ولغة التكلم عندنا نيس بالشيء الكبير، وقد لا يكون أكثر من الفرق بين لغة كتاب الإنجليز ولغة عامتهم.
ـ إن الناطقين باللغة العربية تختلف لغتهم العامة باختلاف الأصقاع، والفرق بين لغة مصر والشام ليس بأقل من الفرق بين الفصحى والعامية، فاستبدال العامية بالفصحى يحرم كل قطر من الانتفاع بإنتاج القطر الآخر.
ـ إن إغفال الفصحى يستوجب إغفال كل ما كتب عنها من العلوم منذ ألف وأربعمائة عام وهي خسارة لاحد لها.
ـ الوحدة بين أجزاء العالم العربي قائمة بالمحافظة على اللغة الفصحى، إذ لولا القرآن لتشتت شمل الشعب العربي.
ـ إن اللغة العامية منحطة لانحطاط عقول الناطقين بها ولا تقوم مقام الفصحى في اللغة العربية التي هي بشهادة المنصفين أرقى لغات العالم.
وقد كشف المنصفون عن عظمة اللغة العربية واتساعها وكثرة ألفاظها وتعدد معانيها وقد أمكن حصر مائة ألف مادة من كلامها مما لا يمكن معه وصفها بالقصور، كما أشاروا إلى اتساع مجالها لأغراض الكتابة وفنون البلاغة من أطناب وإيجاز وتصريح وتلميح واستعارة.
وإنها قد خاضت معركة الترجمة من اليونانية والهندية إبان العصر العباسي حيث استطاعت أن تستوعب كتب الطب، والحكمة، والحيوان، والنبات، والكمياء، والحيل، والرياضيات، والفلك، مما لا يقع تحت حصر، ولم يستعص عليها أي مصطلح.
وشهد للغة العربية كبار مفكري الغرب ـ حتى من بلغوا غاية التعصب ضد الإسلام والعرب، مثل « أرنست رينان » الذي سجل في كتابه (تاريخ اللغات السامية) أن اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وإن هذا عنده من أغرب ما وقع في تاريخ البشر وصعب حله، وقد انتشر سلسلة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، إذ ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم بالعربية ليفهمها النصارى.
وقال شبنجلر في كتابه، انهيار الغرب : إن اللغة العربية لعبت دورا أساسيا كوسيلة لنشر المعارف وآلة للتفكير في خلال المرحلة التاريخية التي بدأت حين احتكر العرب على حساب الرومان واليونان طريق الهند.
وقال العلامة فريتاغ الألماني أن اللغة العربية ليست أغنى لغات العالم فحسب، بل إن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتي عليهم العد، وإن اختلافنا عنهم في الزمان والسجايا والأخلاق أقام بيننا ونحن الغرباء عن العربية وبين ما ألفوه حجابا لا يتبين ما وراءه إلا بصعوبة.
وقال ريتشرد كوبتهيل أنه لا يعقل أن نحل اللغة الفرنسية أو الإنجليزية محل اللغة العربية، وأن شعبا له أداب غنية منوعة كالآداب العربية، ولغة مرنة لينة ذات مادة تكاد لا تفنى لا يخون ماضيه ولا ينبذ إرثا اتصل إليه بعد قرون طويلة عن آبائه وأجداده وأن التباين الجزئي الذي يبدو بين اللهجات العربية لابد أن يزول، وعليه فستكون عندنا منطقة عربية تتكلم لغة واحدة شاملة وقال : لقد كان للعربية ماضي مجيد وفي مذهبي أنه سيكون لها مستقبل باهر.
وقال وليم ورل: إن اللغة العربية لم تتقهقر قط فيما مضى أمام أي لغة من اللغات التي احتكت بها وإنها ستحافظ على كيانها في المستقبل كما فعلت في الماضي، وأن لها لينا ومرونة يمكنانها من التكيف وفقا لمقتضيات العصر، وأن اللغات الأوروبية في خلال 250 سنة لم تستطع السيطرة على العربية أو إضعاف مكانها. وقال ما جليوث أن اللغة العربية لا تزال حية حياة حقيقية، وأنها إحدى ثلاث لغات استولت على سكان المعمورة استيلاء لم يحصل عليه غيرها « الإنجليزية والإسبانية » وهي تخالف أختيها بأن زمان حدوتهما معروف ولا يزيد سنهما على قرون معدودة، أما اللغة العربية فابتداؤها أقدم من كل تاريخ.
ولعل خير ما نختم به هذا الفصل ما سجله الخليل بن أحمد في كتاب (العين) من أن عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل (412/305/12) كلمة (إثنى عشر مليونا من الأبنية وثلاثمائة ألف) وأن عدد الألفاظ العربية (400/699/6) لفظا (ستة ملايين وستمائة وتسعة وتسعين ألفا) ولا يستعمل منها إلا 5620 لفظا والباقي مهمل.

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here