islamaumaroc

دواء الشاكين وقامع المشككين -24-

  دعوة الحق

55 العدد

شعور الإنسان من أول نشأته بوجود الله سبحانه وشمول ربوبيته         
قال المؤلف : أن هناك حقيقة لا ريب فيها، وهي أن الإنسان في كل مكان وفي كل زمان منذ ابتداء خلقه إلى يومنا هذا، قد شعر بحافز يدعوه إلى أن يستعين بشيء يعتقد هو أنه أسمى منه وأجل وأعظم، يدلنا ذلك على أن الدين فطري فيه، ويجب أن يعترف العلم بذلك. سواء أحس الإنسان في باطنه أن في الخارج صورة قادرة على الضر والنفع أم لا، فليس ذلك هو المهم. وإنما المهم أنه من قرارة نفسه يشعر بما يدفعه إلى الاعتراف بوجود الله العلي العظيم.
ونحن الذين أوتينا معرفة العالم لا ينبغي لنا أن ننظر نظرة ازدراء إلى قلة علم الذين سبقونا في طلب معرفة الخالق الأعلى ويؤمنون به. أليست روح الإنسان هي التي تشعر باتصالها برب العالمين). أم نخاف أن نؤكد أن الحافز الديني الذي لا يوجد إلا في الإنسان هو جزء من الكائن الأعلى كسائر صفاته؟ إن وجود هذا الحافز لبرهان على قصد العناية الربانية، وكذلك عقل الإنسان المادي العجيب الذي يكمن في إحساسه.
إن الذرات والجزيئات التي يشتمل عليها جسم الإنسان ليس لها فكر البتة، وكذلك اتحاد العناصر لم يصدر عنه رأي قط. ولم يكن في إمكان أي قانون من قوانين الطبيعة أن يبني كنيسة. ولكن كائنات حية قد خلقت تبعا لحوافز معينة للحياة، وهذه الكائنات تشتمل على شيء تطيعه جزئيات المادة بدورها، وكل ما نراه من عجائب المدنية هو نتيجة لذلك. فما هو هذا الكائن الحي؟ أهو ذرات وجزئيات؟ نعم. وماذا غير ذلك؟ شيء لا يدرك باللمس، لأنه أعلى من المادة بكثير إلى حد أنه يسيطر على كل شيء، وهو مختلف جدا عن الشيء المادي الذي خلق منه العالم، حتى أنه لا يمكن أن يرى أو يوزن أو يقاس. وليس له فيما نعلم قوانين تحكمه. إن روح الإنسان (هي سيدة مصيره)، ولكنها تشعر باتصالها بالمصدر الأعلى لوجودها. وقد أصدرت للإنسان قانونا للأخلاق لا يوجد عند أي حيوان آخر ولا حاجة له به. فإذا سمى أحد ذلك الوجود فضلة لتركيبات المادة، لأننا لا نعلم حقيقته بأنبوب الاختبار، كان ذلك دعوى خالية من البرهان. إنه موجود، ويبرهن على وجوده بأعماله، وبما يبذله، وبسيطرته على المادة، وفوق ذلك كله، بقدرته على رفع الإنسان المادي من ضعف البشرية وضلالها إلى موافقة إرادة العلي الأعلى. هذه حقيقة مراد الله سبحانه. وفيها إيضاح للاشتياق الكامن في الإنسان، للاتصال بأشياء هي أعلى منه، وفيها كشف لأساس الداعي الديني في الإنسان. وذلك هو الدين.
والعلم يعترف ويشهد أتم شهادة بأن الإنسان تواق إلى أشياء أعلى منه، إلا أنه لا يهتم كثيرا باختلاف العقائد، وإن كان يرى أنها كلها طرق يقصد بها الوصول إلى معرفة الله. والذي يراه العلم ويعرفه جميع المفكرين، إن اعتقاد عموم البشر بوجود الله العلي الأعلى له قيمة عظيمة لا حد لها.
إن تقدم الإنسان من الوجهة الخلقية وشعوره بالواجب، إنما هما نتيجة الإيمان بالله والاعتقاد بالواجب، إنما هما نتيجة الإيمان بالله والاعتقاد بالخلود. إن قوة التدين تصفي روح الإنسان وترفعه درجة بعد درجة حتى يصير من العارفين بالوجدان الواصلين إلى حضرة القدس. إن الإنسان مفطور على الاستعانة بالله والابتهال إليه، وكلما دعا الله ازداد منه قربا. إن الوقار، والكرم، والنبل، والخلق الحسن، والإلهام، وسائر الصفات المرضية عند الله، لا يصدر عنها شيء عند الإلحاد والتعطيل، لأنهما أي الإلحاد والتعطيل من الرعونات الناشئة عن غرور الفرد الذي يحمله على دعوى المشاركة في الربوبية. متى زال الإيمان بالله وصلت المدنية إلى الإفلاس، وحلت الفوضى محل النظام، وتلاشى كل قيد بكبح النفوس عن الإجرام، وعم الشر والفساد جميع العالم. فدعونا إذن نتمسك ونعتصم بالإيمان بالله العلي العظيم، وبمحبته، ونتمسك بالأخوة الإنسانية التي ترفع أنفسنا وتقربها من الله، وبذلك نطيع الله تعالى ونتبع مرضاته على بصيرة، ونتقبل تبعة إيماننا واعتقادنا من حيث كوننا خلقه، جديرين بعنايته..
    إن التقدم الخلقي ينمو ويسير ببطء، لكن بخطى ثابتة واطمئنان، يسير بالإنسان إلى تمام الإدراك لعلاقته بإخوانه في البشرية، ويضع المثل العليا التي ترتبط بها الإنسانية في النهاية.
    إن وجود الإنسان على وجه الأرض بالنسبة إلى الأبد الذي لا نهاية له لا يستغرق إلا وقتا قصيرا جدا.وتقصيره عن بلوغ الكمال في الوقت الحاضر ليس إلا دورا من أدوار تطوره من تكوين مادي مجرد إلى ما يمكن أن يصير إليه في النهاية، وهو أن يكون روحا طاهرة كاملة طيبة. وسيهبنا الله العلي العظيم الوقت الكافي، وفي أثناء تقدمنا إلى الأمام ينبغي لنا أن نتوجه إلى الله بكل ما نستطيعه من التضرع والابتهال بإخلاص فنقول: اللهم اهدنا صراطك المستقيم وارفعنا إلى مستوى الأخوة الروحية الشاملة لجميع البشر، وهب لنا القدرة على التقدم في طريق الكمال الروحي ووفقنا لطاعتك، حتى نكون صالحين لتنفيذ مشيئتك، فإنك لم تخلق الإنسان لتهمله.

تعليقات
1) قوله، هو جزء من الكائن الأعلى إلخ. قال الله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين) روى البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل » في هذا الحديث تفسير وبيان لقوله تعالى (فنفخنا فيها من روحنا) لأنه سماه عبد الله ورسوله، فدل ذلك على أن روح عيسى مخلوقة كسائر الأرواح، وإنما أضافها الله تعالى إلى نفسه تشريفا وتكريما، فتعالى الله أن يحل من خلقه أو يحل فيه شيء من خلقه. (إن كل من السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا) ومن قرأ الأناجيل الأربعة، وكانت عين بصيرته مبصرة يجد فيها التصريح الذي لا لبس فيه بأن عيسى عبد الله ورسوله. ومن استراب في ذلك فالعرب بالباب، فإني مستعد أن أنقل له من ذلك ما يروي الغليل ويشفي العليل.
2) قوله، شيء أعلى من المادة. يريد المصنف بهذا الكلام أن يزيد ما أوضحه من قبل بيانا ويقيم الحجة بعد الحجة، والبرهان تلو البرهان على فساد مذهب الطبيعيين والماديين. وحاصل ذلك أن جسم الإنسان مكون تكوينا عجيبا من الذرات والجزيئات.
وقد تقدم تفصيل القول فيها، ومع كل ما فيها أفرادا وتركيبا من الإبداع والإتقان، فإن الشيء الوحيد الذي تشرف به الإنسان وامتاز به عن الحيوان، لم يأت من تلك الذرات ولا الجزيئات، لا أفرادا ولا تركيبا، وهو أسمى وأجل من ذلك. ولا يستطيع عالم طبيعي أو مادي أن يدعي أنه نتيجة لتفاعل تلك الذرات والجزيئات. وهذا الشيء هو الروح. وهي هبة من الخالق جل وعلا أودعها أسرارا مدهشة ووهب لها الخلود وجعلها حجة على عباده (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).
3) قوله، وإن كان يرى أنها كلها طرق يقصد بها الوصول إلى معرفة الله. بيانه إن الغاية واحدة، وهي معرفة الله وتوحيده واستمداد العون منه ومراقبته والإنس به والاستغناء عن غيره. فتعاليم رسل الله ومن اتبعهم بإحسان لا تختلف إلا في العبارة، وأما الغاية فهي واحدة.
عباراتنا شتى وحسنك واحد
         وكل إلى ذاك الجمال يشير
4) قوله. حتى يصير من العارفين بالوجدان. أقول، أول ما يبدأ به طالب معرفة الله، الاستدلال بالمخلوقات على الخالق، وقد نبه القرآن الكريم إلى ذلك في مواضع كثيرة، وقد تقدم بعضها، كقوله تعالى (أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمنون. وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون. وجعلنا السماء سقفا محفوظا، وهم عن آياتها معرضون) ولا يزال الطالب يرتقي في معرفة الله بالاستدلال حتى تحصل له المعرفة الوجدانية الذوقية وتنزل في قلبه السكينة. وذلك هو الذي يعبر عنه العارفون بالوصول إلى الله.
5) قوله، الذي يحمله على دعوى المشاركة في الربوبية. من التعاليم الفاسدة الموجودة عند فريق من الناس في هذا الزمان، أن الإنسان من حيث المجموع هو القوة العظمى التي لا نهاية لعظمتها، وليس وراء هذه القوة قوة أخرى، وأنه بذلك على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، ولا حاجة له أن يستمد العون والقوة إلا من نفسه. وهذا هو الذي أشار إليه المصنف بدعوى المشاركة في الربوبية. أقول، ومن هذا القبيل كان غرور فرعون ملك مصر، إذ قال أنا ربكم الأعلى.
ومثله نمرود ملك العراق قال لإبراهيم في محاجته له، أنا أحيي وأميت. والعجب من هذا الفريق إذ يعطى كل هذه القوة الإنسان من حيث المجموع، فإنه يحتقره من حيث هو فرد كل الاحتقار ولا يجعل له قيمة أصلا، وهذا في غاية التناقض. والحق أن خضوع الإنسان أمام عظمة الله واستمداد العون والقوة منه ليس حطا من شأنه ولا ضعفا ولا عجزا، بل هو أعظم قوة ترفع الإنسان وتسير به إلى الإمام في طريق الرقي الكامل الحافظ لكرامة الإنسان فردا أو جماعة.
6) قوله، ونتمسك بالإخوة الإنسانية. الأخوة الإنسانية الكاملة هي أجل الغايات التي دعا إليها الأنبياء والصالحون من أتباعهم وكذلك فلاسفة الأخلاق، وهي أسمى الغايات الاجتماعية. قال تعالى في سورة الأنبياء (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين،  » فمحمد رسول الله أرسله الله رحمة لجميع الناس وهو القائل : ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. فيجب على من أراد اتباعه والإقتداء به أن يكون رحمة للعالمين وبذلك تعم المحبة وتتحقق الأخوة والتعاون بين البشر ويتلاشى الشقاق والنزاع ويخسأ شيطان التعصب ويصير الناس إلى المدنية الفاضلة.
7) بهذا المقال تتم ترجمة كتاب (ليس الإنسان مهملا) للعالم الكبير (كريسي مورسون) مع التعليقات التي فتح الله بها. وأني لأشكر إدارة مجلة دعوة الحق التي تفضلت بدعوتي إلى كتابة هذه المقالات، كما أرجو أن تخطو خطوة أخرى فتجمع هذه المقالات وتطبعها وتخرجها كتابا يمكن أن يكون هدية لقراء المجلة تعويضا عن الشهرين اللذين تتوقف فيهما المجلة، فإني على يقين أن كثيرا من قراء مجلة دعوة الحق وغيرهم سيتلقون هذا الكتاب بغاية الارتياح وجزيل الشكل. وما ذلك على الهمم العالية بعزيز.
             وكان ذلك في سادس رجب الحرام سنة اثنين وثمانين وثلاثمائة وألف بمدينة مكناس المحروسة. وصلى الله وسلم على خير خلقه محمد وآله وصحبه.

 

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here