islamaumaroc

[كتاب] النبوغ المغربي في الأدب العربي (لـ ع.ل.كنون)

  دعوة الحق

54 العدد

للأستاذ الكبير السيد عبد الله كنون فضل كبير على المغرب في رفع مستوى الثقافة وفي اكتشاف الأدب المغربي ونشره في الآفاق، وهو من الطليعة المغربية التي لها دور عظيم في النهضة المغربية التي اعتمدت ـ في أول أمرها ـ على السلفية واعتنقت آراء جمال الدين والكواكبي ومحمد عبده وتأثرت بأساليبهم وتفاعلت مع النهضة الأدبية في الشرق وتأثرت بما يجري هناك من معارك أدبية، ولعقيدتها الإسلامية كان حبها يميل لمصطفى صادق الرافعي، ولهذه الطليعة في نفسي خاصة تقدير عظيم لأني تربيت في أجواء علمهم وثقافتهم وقد تاثرنا بهم تأثرا كبيرا، وكنا نقرأ ونحن تلاميذ في الابتدائي كل ما يكتبون ونحفظ كل ما يقولون، وكان النبوغ المغربي من الكتب التي قرأناها وشعرنا إذاك بأننا أمام عمل ضخم ومجهود جبار، إلا أن الإنسان قد يتغير رأيه في كثير من الأشياء والأشخاص عندما يودع مراحل الطفولة والتلمذة وخلال تطور عقليته ودراسته، فيبدو له الشارع الكبير زقاقا ضيقا، والساحة الواسعة الأرجاء فسحة محدودة والصخرة العالية حجرة متوسطة، والخطيب المصقع متصنعا تافها، والكاتب القدير سطحيا ضيق الأفق إلا أن هناك أشياء وأعمالا وأشخاصا تحتفظ دائما بمناعة ضد هذه النسبية وتظل أبدا منطوية على القيمة الموضوعية رغم التطورات والأحداث، بل قد يحدث أحيانا أن تكون لها نسبة إيجابية صاعدة.
والنبوغ المغربي من المكتب التي ضمنت لنفسها المناعة والخلود ويبدو الآن عملا ضخما ومجهودا كبيرا كما كان في أول عهده لأنه لم يعتمد في نيل قيمته على بساطة القراء أو انخفاض المستوى الثقافي والعلمي وإنما حدد مستواه حسب ما تقتضيه طبيعة البحث العلمي الرصين، ومما زاده تلك المناعة قوة هو المجهود العظيم الذي بذل في طبيعته الثانية مما أبرزه ككتاب جديد في أسلوب رائع.
والنبوغ المغربي عمل أدبي ووطني كتبه الأستاذ السيد عبد الله كنون بدافع التأثر والشعور بفراغ ميدان الأدب العربي من الإنتاج الأدبي المغربي وجهل العرب ـ وحتى المغاربة ـ بالتراث المغربي في هذا الميدان.
وهناك عامل قوي كان يحمل أمثال الأستاذ عبد الله كنون على إبراز الحضارة المغربية والكشف عن عظمة المغرب وتاريخه ـ وهو التهجمات الاستعمارية على المغرب في الميدان الثقافي والعلمي والديني والافتراء والتزييف والأباطيل التي كان يرميه بها ويخترعها للحط من قدره، فكان لابد إذن من المقاومة الفكرية والنضال، ولا يقدر هذا « الرد الفعل » إلا الذين عانوه أشد معاناة، ولقد رأينا إحدى صور هذا الشعور في محاضرة الأستاذ محمد الحمداوي في مهرجان تطوان الثقافي التي كان عنوانها « الحضارة المغربية بين الإصالة والاقتباس ».
ولهذا فإن كتاب النبوغ المغربي يعتبر ثمرة الشعور بالخطر الاستعماري على تاريخ الأدب المغربي وهو صورة رائعة لرد فعل عنيف في المجال العلمي، ولم يكن هذا الرد تلقائيا ساذجا وإنما كان مركزا وضربة قاصمة إذ استطاع أن يكشف للعالم أجمع عن نبوغ المغرب وعبقريته في المجال الأدبي.
وإذا كان الرحوم الأمير شكيب أرسلان يقول في الطبعة الأولى لهذا الكتاب : « ... أن من لم يقرأ كتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي فليس على طائل من تاريخ المغرب العلمي والأدبي والسياسي ...بل إنه أولى بهذا الوصف من نفح الطيب لأنه خلاصة منحولة وزبدة ممخوضة .. »
وإذا اعترف كارل بروكلمان بأنه استفاد كثيرا من كتاب الأستاذ عبد الله كنون الذي فات بحثه في الأدب العربي ـ إذا كانت هاتان الشخصيتان العظيمتان  تدليان بما للنبوغ المغربي من قيمة جليلة فما عساي أن أقول .. وبالأخص في الطبعة الجديدة التي تعد بحق أروع من الطبعة الأولى.
وبين يدي مجلد ضخم يبلغ حوالي ألف صفحة بورق صقيل وطباعة أنيقة وقد طبع هذه المرة في لبنان، ولست أدري ماذا كان يمنع مطابعنا المغربية أن تتشرف بطبع هذا الكتاب القيم، أن دور النشر في بلادنا أصبحت كثيرة ولكنها ما تزال تجري من وراء الربح السريع، ولذلك تكثر من طبع الكتب المدرسية ولكنها لن تقوم برسالتها الحقة إلا إذا تحملت مسؤولية نشر التراث المغربي والإنتاج الجديد في هذا الوطن.
وقد لاحظت أن الأستاذ الجليل أعاد صياغة كثير من العبارات، وبعبارة ألفها من جديد كما أدخل تعديلات على بعض الأفكار والتعليلات، وقد أعيدت كتابة بعض الفصول كالوسط الفكري في عصر الفتوح وقد خفف هنا من حملته العنيفة السابقة على البربر وعقليتهم « التي نسجت من الجهل والغباوة ولم يكن عندهم استعداد لقبول ما جاء به العرب من مدينة وعرفان.. » ولكن الأستاذ في الطبعة الجديدة غير الفصل وإن أبقى على بعض الأفكار الأخرى، وقد ترجم في هذا الباب لمن فاته في الطبعة الأولى مثل دراس بن اسماعيل وأبو جيدة والأصيلي وابن العجوز كما ذكر أسماء شخصيات علمية وأدبية جديدة.
وفي هذه الطبعة أعطى الأستاذ المؤلف للدولة المرابطية حقها بعد أن لم تنل من الطبعة الأولى إلا النزر اليسير، وقد أفرد لها فصلا خاصا بها استهله بقوله : « لقد آن للبحث العلمي أن ينصف دولة  المرابطين ويقول فيها كلمة عادلة لا تتأثر بعصبية بلدانية ولا بحمية دينية ».
والواقع أن الأغراض الشخصية والعواطف الجارفة والروح المسيحية المتعصبة كان لها الحظ الأوفر في تشويه سمعة المرابطين وتصويرهم بصور الوحشية والغلظة والبعد عن المدينة، وما خلت أمة من طبقة المنتفعين من الفساد، الذين تهيء لهم الأجواء الفاسدة والتدهور السياسي والأخلاقي في الأمة شروط حياتهم وسعادتهم، وكما أن للاتجاهات الصالحة مناضلين يسترخصون أنفسهم وأموالهم في سبيل نصرة المثل العليا فكذلك للباطل والانحطاط والاتجاهات المتعفنة مناضلون ومخلصون وماذا كان ينتظر من عصابة من الماجنين والمنتفعين من التعفنات، يقضون لياليهم في اللهو والعبث وفي الدس والمكر والاستغلال، ويعبثون فسادا، وينخرون جسم الأمة الإسلامية في الأندلس ـ ماذا كان ينتظر منهم إذ قام رجل صالح يردعهم عن منكرهم، ويجنت فسادهم، ويحرمهم لذائذهم، وينغص عليهم انحلالهم وانحرافهم، إنهم لا شك ـ كما وقع بالفعل ـ مفجرون أحقادهم ومرسلون لسانهم في السب والشتم في هذا الرجل ودولته وتمنوا زوالها كما نرى في مواقف كثير من الأحزاب إزاء بعضها وبالأخص في الدول المتخلفة، كذلك كانت قصة المرابطين مع الأندلسيين أو بعبارة أصح مع الطبقة الفاسدة والحاكمة منهم والذين أضاعوا كثيرا من الأجزاء الأندلسية وأوشكوا أن يسلموا ما تبقى منها إلى النصارى كما وقع بالفعل بعد أن ضعف المغرب عن الدفاع عن الأندلس.
وقد كشف الأستاذ المؤلف عن أسباب الطعن في المرابطين ودافع عنهم دفاعا حارا بمنطق رزين وأسلوب رائع وروح علمية، وأبرز أن المرابطين كانوا كرماء، حلماء مع أعدائهم واستشهد لذلك بشواهد عدة، كما أنهم أكرموا المعتمد إكراما بالغا عندما أنزلوه طنجة وأغمات المدينة العظيمة المزدهرة، وتركوا له الحرية التامة، وكان الشعراء يفدون عليه ويتصلون به اتصالا حرا..
وقال المؤلف عن رعاية المرابطين للأدب والعلوم : « ليس هناك من ينكر أن الازدهار الذي عرفته الأندلس أيام المرابطين والموحدين بعدهم يكاد يفوق ما كان لها من قبل .. والحياة العلمية والأدبية التي ازدهرت أيام الموحدين ليست إلا غرس ورعاية المرابطين ». والحق ما قاله المؤلف الكريم لأن الحياة العلمية ليست أمرا تلقائيا مفاجئا فلابد من غراس ومغارس وأجواء ملائمة سابقة ولولا المرابطين الذين أعطوا للمغرب الإسلامي بما فيه الأندلس أول قوة عظيمة يرهبها الأعداء، وأشاعوا الأمن والرخاء وأتاحوا الفرص للاتصال لما كانت تلك النتائج الاجتماعية والعلمية والأدبية التي شهدناها أوائل الموحدين و بعدهم .. ويقول المؤلف : « وما وقع من اضطهاد لبعض الأفكار والعلماء في عهد المرابطين والموحدين وقع مثيله في الأندلس من قبل ». ولعل هذه النزعة أندلسية .. ويؤيد الأستاذ رأيه بدلائل، وبين أن إحراق كتاب الأحياء تولى كبرها أبو عبد الله بن حمدين قاضي قرطبة. وقد أسهب المؤلف في الدفاع عن المرابطين من الناحية السياسية والروح العلمية وبين أنه كان للمرابطين ذوق أدبي وقدوة على الحكم الفني، وضرب لذلك أمثلة كما وجه أمثلة أخرى كانت تفهم على غير حقيقتها، وقد كان اختيار المرابطين لكتابهم دليلا على ذلك الذوق والتقدير لمنزلة الكتاب .. ويمتازون بالتجاوز عن الأدباء الأعداء الذين كانوا يضمرون لهم السوء كموقفهم مع أبي محمد بن أبي الخصال وكان هذا يحقد عليهم ـ وهو ينعم في ظلهم ـ ويهتبل الفرص لنفث حقده وبث عواطفه الصريحة، وقد تفطن أمير المسلمين لمغامرة، يقول المؤلف : « ولا ندع هذه الحادثة تمر دون أن نقيمها حجة على من يتهم المرابطين بعدم الذوق الأدبي وكثافة الإحساس الفني .. فكيف فطن علي بن يوسف لمغامر ابن أبي  الخصال وتورياته التي ظن إنها تخفي على مخدومه إن لم يكن مثقفا ... » (ص 80 ج 1).
وقد تكلم الأستاذ المؤلف عن ولوع الأسرة المرابطية الحاكمة بالأدب والشعر ولم يقتصر ذلك على الرجال بل شاركت النساء بنصيبهن في ذلك كالأميرة بنت يوسف بن تاشفين وزينب بنت إبراهيم، وقد ترجم الأستاذ لبعض علماء وأدباء هذا العصر ...
وقد رأينا في الطبعة الجديدة فقرات رائعة عن مدى تقدم المغاربة في ظل الموحدين في ميدان الطبخ والحلوى حيث كان لدى الموحدين أكثر من خمسمائة لون من ألوان الطعام والشراب والحلوى مما يدل على الحضارة والرقي، كما تحدث عن العالمات ومشاركة المرأة في النهضة العلمية.
وقد ترجم في باب الموحدين ـ لشخصيات جديدة لم تذكر في الطبعة الأولى مثل أبي القاسم الجزيري وأبي محمد صالح وعبد الجليل القصي ـ من القصر الكبير ـ وابن فرتون وأبي حفص عمر، وقد فعل مثل ذلك في الكتاب كله.
وإذا انتقلنا لقسم النصوص وجدنا أنفسنا أمام نصوص جديدة لم تذكر في الطبعة الأولى وتصحيح نسبة بعضها كما قال في المقدمة، ويقول المؤلف في المقدمة : « ويقوى الداعي إلى هذا التصحيح أننا رأينا الذين كتبوا في موضوع الأدب المغربي يقلدوننا في تلك الأغلاط .. » وباختصار فإن الطبعة الجديدة للنبوغ تحمل معنى الجدة في الشكل والمضمون مما يدل على المجهود الجبار الذي بذله المؤلف في سبيل أمته ووطنه، وبذلك سيظل إسم الأستاذ عبد الله كنون دائما مقترنا بالأدب المغربي باعتباره البطل الأول والمبرز في هذا الميدان فجزاه الله عن أمته خير الجزاء.
وبعد فإننا نرجو أن يقدم لنا الأستاذ الجليل دراسة وافية عن المراجع في الأدب المغربي وعن قيمتها وعن أماكن وجودها.
كما نطالبه أن يؤلف لنا كتابا خاصا بالنصوص للأدب المغربي خلال عصوره الإسلامية بما فيها الغث والسمين.
وأخيرا اعتذر إذا أنا لم أف التعليق حقه لأن ذلك الأمر شاق بالنسبة لضيق الوقت وأرجو أن أوفق للكتابة عنه بكل تفصيل عندما تتاح لي الظروف.


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here