islamaumaroc

العدالة الاجتماعية حقيقتها وسبل تحقيقها

  دعوة الحق

54 العدد

يقول الله تعالى في كتابه العزيز (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ومن غرائب هذا الخلق، الذي خلق الله عليه الإنسان، أنه قلما يرغب في الفساد المكشوف والفتنة العارية. فعندما يدعوه الشيطان إلى طريق الفساد والشر يلبسهما ثوب الصلاح والخير ـ زورا وبهتانا ـ لإيقاعه في مصيدته المنصبة لذلك.
فمثلا لم يكن الشيطان ليستطيع أن يلقى آدم وحواء عليهما السلام في شباك خديعته لو قال لهما صارحا: « إني أريد أن تعصيا ربكما وتخرجا من الجنة ». بل خدعهما بقوله : « هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ». هذا من خصائص الإنسان الفطرية التي لا تزال فيه حتى اليوم، فجميع الأخطاء والحماقات التي يوقع الشيطان في مخالبها الإنسان لم يكن ليرضى باقترافها إلا بعد ما زين له الشيطان هذه الأخطاء والحماقات وقدمها إليه في صورة شعارات مزورة.
ومن المكايد التي يحيكها الشيطان للإنسان في العصر الجديد، تلك التي يقال لها : « العدالة الاجتماعية » (Social Justice)  ومما يعرفه من له أدنى إلمام بالتاريخ الإنساني أن الشيطان خدع الإنسان إلى زمن غير يسير باسم الحرية الفردية ( Individual Liberty) والتسامح (Liberalisme) وعلى أساسهما جعله يختلق نظاما للرأسمالية والديمقراطية في القرن الثامن عشر الميلادي. فكان من استيلاء هذا النظام في الدنيا تعتبره النقطة النهائية لرقي الإنسان وحضارته، وكل من كان يريد أن يلقب بالرجل المتقدم المتحضر اضطر إلى المناداة بالحرية الفردية والتسامح. وكان الناس قد أشرب في قلوبهم اليقين بأنه إذا كان هناك نظام يتلاءم مع الحياة الإنسانية فليس ذلك إلا النظام الرأسمالي الذي أسس بنيانه في أوربا. ولكن بعد ذلك أتى على الدنيا حين من الدهر ظل يشعر فيه الإنسان أن هذا النظام الشيطاني قد ملأ الأرض جورا وفسادا وطغيانا من أقصاها إلى أقصاها. فلم يبق بعد ذلك للشيطان الرجيم أي متسع لإبقاء البشر في حبال خديعته مستندا بهذه النعرة المزورة، فجاء إلى الإنسان بمكيدة أخرى سماها « العدالة الاجتماعية » أو « الاشتراكية ». وجعله يبذل جهده في تأسيس نظام جديد للحياة الإنسانية. وهذا النظام أيضا قد ملأ بعض نواحي العالم ظلما وهمجية وتجرع منه بعض الشعوب كؤوس الاستبداد والاضطهاد، مما ترتجف بسماعه الأوصال وتقشعر منه الأبدان. إلا أن قوة التزوير الشيطاني والمكر الإبليسي، البالغة منتهاها جعلت كثيرا من البلاد الأخرى تتشوق إليه وتتوق إلى قبوله اعتقادا منها أن هذا النظام هي النقطة النهائية من تقدم البشر وحضارته. ولم ينكشف بعد رجله.
أما المسلمون، فيختلف حالهم عن غيرهم، لأن عندهم كتاب الله وسنة رسوله. فيهما من نور الهداية الأبدية ما يكفل لهم التفطن لدسائس الشيطان، والاهتداء بالطريق القويم في جميع شؤون حياتهم.
إلا أن هؤلاء المساكين نراهم جاهلين كل الجهل دينهم الحق، مفتتنين أي افتتان بالثقافة الاستعمارية، منهزمين أبشع انهزام أمام غزو الغرب الفكري. ومن جراء ذلك أن كل صوت يرتفع من معسكرات الأمم الغربية المسيطرة على الدنيا تسمع صداه في بلادهم على الفور. فعندما كانت النظريات التي أثارتها الثورة الفرنسية بالغة أشدها، كان المسلم المثقف ينادي بها في جميع المناسبات ويحاول إفراغ نفسه في قالبها، لأنه كان يعتقد أنه ليس له مقام عز وكرامة في ما سواها وهو يعد رجعيا لو لم يقم بها. فما أن تقشع سحاب هذه النظريات عن وجوه الدنيا حتى بدأت قبلة هؤلاء المثقفين المسلمين تتغير. وما أن ألقى العصر الجديد عصاه حتى برزت في المجتمع الإسلامي فئة تحمل في أيديها لواء العدالة الاجتماعية والاشتراكية. ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد. ولكن من الطامة الكبرى والبلية العظمى أن هؤلاء القوم ما رضوا بتحويل قبلة نظرياتهم فحسب، بل أرادوا كذلك أن يحول الإسلام قبلته، كأنهم لا يهنا لهم العيش ولا يسوغ لهم اللقمة بدون الإسلام.. فمن اللازم أن يشاركهم الإسلام في جميع تقلباتهم ويتشرف ـ على حد زعمهم ـ باتباع ما قد تشرفوا هم باتباعه لئلا يوجه إليه تهمة كونه دينا رجعيا. فعلى هذا جعل التصورات الغربية حول حرية الفرد والتسامح والرأسمالية والديمقراطية تصورات إسلامية خالصة. وعلى هذا تبذل الجهود اليوم في جعل الإسلام مؤيدا لتلك العدالة الاجتماعية التي ينشدها هؤلاء القوم ويقيمون عليها الدنيا ويقعدونها.
وفي هذه العجالة أريد أن أبين : ما هي العدالة الاجتماعية في حقيقة أمرها وما هي الطريقة الصحيحة لتحقيقها في هذا العصر.
أنه لا يرجى من الذين قد اقتنعوا بأن الاشتراكية هي الطريقة الوحيدة لتحقيق العدالة الاجتماعية في الدنيا، أن يعترفوا بغلطهم هذا ويتبرأوا منه. وذلك لأن الجاهل ما دام جاهلا محضا، فمن الممكن إلى حد كبير إرشاده إلى الطريق الصحيح وإرجاعه إلى ما هو الحق. أما إذا تربع هذا الجاهل على كرسي الحكم فزعمه بأنه (ما علمت لكم من اله غيري) لا يتركه صالحا لأن تجد كلمة الخير إلى قلبه سبيلا. أما عامة الناس فمن فضل الله عليهم أن ءاذانهم مصغية إلى كلمة الخير، وقلوبهم واعية صالحة للتنبه لدسائس الشيطان ومكايده إذا نبههم لها أحد من أهل الدعوة والفكر بطريقة صحيحة. وهذه الطبقة من الناس هي التي يتخذها الضالون المضلون مجال نشاطهم لنشر أباطيلهم. فلذلك لا أوجه الخطاب في كلمتي إلا إلى هذه الطبقة لأبين لها حقيقة العدالة الاجتماعية وطريق القيام بها.
الأمر الأول، الذي أريد التنبيه عليه في هذا الصدد هو : أن بعض الناس يقولون : أن في الإسلام أيضا عدالة اجتماعية. فهذا القول فيه نقص كبير أما الصحيح فهو « أن الإسلام هو العدل بعينه » الإسلام هو دين الحق الذي أنزله خالق الكون وربه لهداية الإنسان. فإقامة العدل بين الناس وتحديد ما هو العدل وما هو الظلم والجور إنما هذا من شأن خالق الإنسان وربه. أن الإنسان ليس مالكا لنفسه ولا حاكمها حتى يحق له اختيار مقياس للعدل أو وضعه من تلقاء نفسه، لأن مكانته في العالم ليست إلا أنه عبد مملوك لله تعالى. ثم أن الإنسان مهما كانت مرتبته عالية وشخصيته بارزة، ومهما بذل الجهود في التماس طريق للعدل وشارك معه في هذا جماعة من ذوي الرأي، لن تتكلل جهوده بالنجاح. وذلك لأن محدودية علم الإنسان وقصور فكره وسيطرة أهوائه وعصبياته على عقله لا مناص منها في أي حال من الأحوال. فليس من الممكن أن يضع الإنسان لنفسه نظاما يتنزه عن شوائب خصائصه البشرية ويحقق العدل الحقيقي بمعنى الكلمة. وربما يبدو في بداية الأمر أسس العدل في النظام الوضعي البشري، إلا أن التجارب العلمية لا تلبث أن تكشف اللثام عن حقيقتها وتقيم الشواهد على كونها بعيدة كل البعد عن العدل. ومن الثابت تاريخيا أن كل نظام وضعه الإنسان مع كل هذا لا يزال يقدم بحماقته على اختبار نظم أخرى يضعها ويراها أصلح من الأول. وعلى كل، لن يتحقق العدل الحقيقي أبدا إلا في وضعه الله السبوح القدوس عالم الغيب والشهادة.
والأمر الثاني، الذي لابد أن نفهمه في البداية هو أن القول : « في الإسلام عدل » أيضا تعبير ناقص لا يؤدي للإسلام حقه. فهدف الإسلام الأول هو العدل وما أتى الإسلام إلا لإقامة العدل في الدنيا. يقول الله سبحانه وتعالى (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز) إن الإنسان إذا لا يغفل عن هذين الأمرين المذكورين آنفا لا يصدر عنه خطأ ابتغاء العدالة الاجتماعية من المصادر الأخرى غير الذي أنزله الله وجاء به رسوله صلى الله عليه وسلم. وأنه عندما يشعر بضرورة العدل يعلم أنه لا يجده ـ ولن يجد ـ إلا عند الله وعند رسوله كما يعلم أن لا وسيلة لإقامة العدل إلا أن يقيم هو الإسلام كاملا. والعدل ليس شيئا زائدا على وإنما الإسلام هو العدل ليس شيئا زائدا على الإسلام وإنما الإسلام هو العدل، وإقامة الإسلام وإقامة العدل شيء واحد.
هذا، ولننظر الآن ما هو العدل الاجتماعي في حقيقة الأمر، وما هي الطريقة الصحيحة لتحقيقه.
مما يعرفه كل منا أن المجتمع الإنساني يتكون من آلاف مؤلفة بل من ملايين من الأفراد، ولكل فرد روح وعقل وشعور وشخصية مستقلة تحتاج إلى الفرص الكافية لنموه وازدهاره، كما لكل فرد طبيعة نختلف عن طبائع غيره وغرائز تقتضيه تحقيقها، فهذه المجموعة من الأفراد الإنسانية ليست بمثابة الأجزاء في الماكينة حيث لا أهمية لها إلا في هيئتها الموحدة، بل الأمر بالعكس من ذلك. أن المجتمع الإنساني عبارة عن مجموعة من الأفراد ذات الأرواح والمشاعر. هؤلاء الأفراد ليسوا لهذه المجموعة وإنما المجموعة للأفراد. والغرض الرئيسي لاجتماع هؤلاء الأفراد إنما هو التكافل والتعاون على تحقيق حاجاتهم وتهيئة الفرص لإنجاز ما لأرواحهم وأجسادهم من المطالب. ومن الناحية الأخرى فإن كلا منهم مسؤول أمام الله تعالى. ولكل منهم أجل مسمى. إذا قضى أجله حاسبه الله تعالى : من أي نوع كون شخصيته: بمزاولة الصلاحيات والكفاءات التي أعطاه الله إياها، وبممارسة الوسائل التي يسرها له في الدنيا. وهذه المسؤولية لا تكون جماعية وإنما تكون فردية، أي لا تقوم الإنسانية أمام الله يوم القيامة بصورة الأسر والقبائل والشعوب، بل يحضر الله كل نفس إلى محكمته بصورة فردية ليسألها: ماذا اكتسبت، وعلى أي نوع كونت شخصيتك؟ فهذان الأمران ـ أي ضرورة نمو الشخصية الإنسانية في الدنيا، ومسؤولية الإنسان أمام الله يوم القيامة بصفة فردية ـ يقتضيان أن يكون لكل فرد حرية في أعماله وأفكاره. لأن الإنسان إذا لم يجد الفرص المواتية لإكمال شخصيته في المجتمع تذبل إنسانيته وتتضايق عليه نفسه وتضمحل قواه ومؤهلاته فيعتريه الخمول والتعطيل والبطالة ويصبح مقهورا محبوسا. وهؤلاء الناس المقهورون المحبوسون تنتقل معظم مسؤولياتهم إلى الذين وضعوا نظاما اجتماعيا كبل حرياتهم الأساسية. فواضعو هذا الطراز من النظام لا يحاسبون يوم القيامة على ما أتوا من أعمالهم الفردية فحسب، بل يحاسبون كذلك على ما اقترفوا من جريمة تكبيل حريات الآخرين وإرغامهم على تكوين شخصياتهم ناقصة مبتورة.
فمن الواضح أنه لا يرضى أحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف أمام الله حاملا في عنقه تلك المسؤولية الكبرى التي ذكرتها آنفا. بل هو يرغب دائما إلى إعطاء الأفراد حرياتهم إلى أبعد مدى وأقصى حد ليكون كل منهم شخصيته حسب إرادته ومسؤوليته. ولا تنتقل مسؤوليته إليه.
هذا من ناحية الحرية الفردية. أما من ناحية المجتمع يتكون من الأسر والقبائل والشعوب وكافة البشر حسب الترتيب الفطري. لقد بدأ هذا المجتمع من رجل وامرأة وأولادهما ثم تكونت منهم الأسرة، ومن الأسر تتكون القبيلة، ومن القبائل تبرز إلى حيز الوجود الشعوب والأمم التي تشكل نظاما للدولة لتطبيق إرادتها وتحقيق مراميها. وهذه المجتمعات العديدة في أشكالها المتنوعة غرضها الرئيسي أن تتوفر لدى الفرد، بمساعدتها وحمايتها، الفرص التي تضمن له إكمال شخصيته على الوجه المرضي، والتي لا يظفر بها إذا كان بمعزل عن هذه المجتمعات. ولكن لا يتم هذا الغرض إلا بسيادة المجتمع على الأفراد وبسيادة المجتمع الكبيرة على المجتمعات الصغيرة لتحديد حرية الفرد أولا حتى لا تنتهي إلى العدوان على الآخرين ثم لاستخدام الفرد في المصالح الضرورية لترقية جميع أفراد المجتمع والنهوض بها. وهذه هي النقطة التي ينشأ عندها السؤال عن ضرورة العدالة الاجتماعية، وينشب الخلاف بين مقتضيات الفرد ومطالب المجتمع في صورة معضلة يستعصى على الإنسان حلها. ففي جانب تقتضي المصلحة البشرية حرية الفرد في المجتمع ليكمل شخصيته حسب مؤهلاته الفطرية على الوجه المرضي كما تقتضي حرية الأسر والقبائل والشعوب والأمم نفس الفرض. وفي الجانب الآخر تقتضي المصلحة البشرية أيضا سيادة الأسرة على الأفراد وسيادة القبائل على الأسر وسيادة الدولة على كافة الأفراد والمجتمعات لئلا يتجاوز أحد من هذه الجماعات البشرية الحدود التي تنتهي إلى الظلم والعدوان. وهذا السؤال ينشأ كذلك عن الإنسانية كلها. ففي جانب، لابد لكل أمة ودولة من البقاء على سيادتها وحريتها. وفي الجانب الآخر لابد من قوة قاهرة تأخذ على أيدي الناس عند ما يتعدى بعضهم على بعض.
فالعدالة الاجتماعية في حقيقة أمرها هي عبارة عن كون كل فرد من الأفراد، وكل أسرة من الأسر، وكل قبيلة من القبائل، وكل أمة من الأمم على حظ متناسب من الحرية، وكون كل مجتمع من المجتمعات العديدة على نصيب ضروري من سيادة بعضها على بعض سدا لباب الظلم والعدوان واستخداما لمختلف الأفراد والمجتمعات فيما تقتضيه المصالح الاجتماعية. أن الذي يدرك حقيقة العدالة الاجتماعية تمام الإدراك يتضح له في أول وهلة : أن النظام الاجتماعي الذي قام نتيجة للثورة الفرنسية ناشد حرية الفرد والتسامح والرأسمالية والديمقراطية على قدر ما كان يناقض العدالة الاجتماعية ـ بل أكثر منه بكثير ـ النظم الاشتراكية الحاضرة التي يكب عليها بعض السذج اتباعا لنظريات كارل ماركس وإينجلس. فمن قصور النظام الأول أنه أعطى الفرد حرية تجاوز الحد المتناسب، وأرخى له العنان في التعدي على الجماعات، بما فيها الأسر والقبائل والمجتمعات، وجعل سيادة المجتمع على الفرد بصدد استخدامه لصالح المجتمع أضعف وأوهن من بيت العنكبوت. ومن قصور النظام الثاني وخطاه أنه سلب الأفراد والأسر والقبائل والأمم حريتها الأساسية بإعطاء الدولة الصلاحيات اللانهائية وإلقاء حبلها على غاريها في شأن استخدام الفرد للمصالح الاجتماعية، حيث يتحول الفرد من إنسان ذي روح إلى قطعة في الماكينة التي لا روح فيها ولا شعور.
 وها أقدم إليكم في ما يلي باختصار : ما هو العدل الإسلامي:
لا يتصور في الإسلام أن يخترع شخص أو أشخاص فلسفة للعدل ومشروعا لإفراغها في قالب التطبيق، ثم يسلطوها على الناس قرأ حيث لا يدعون أي إنسان ينطق بالنقد عليها. أن هذه المكانة العليا والسلطة المطلقة لم يحرزهما محمد صلى الله عليه وسلم فضلا عن أبي بكر وعمر وغيرهما من أصحابه وخلفائه صلى الله عليه وسلم. إن الإسلام لا مكانة لدكتاتور فيه. والحاكم المطلق الذي لا يسأل عما يفعل ولا معقب لحكمه، فهو الله الواحد القهار وله الحق أن يطأطئ الإنسان رأسه أمام سدته العليا.
وكان النبي صلى الله عيه وسلم نفسه يطيعه ويخضع له رأسه. وكانت طاعته صلى الله عليه وسلم واجبة، على أساس أنه صلى الله عليه وسلم كان يصدر الأحكام من قبل الله تعالى ولم يكن يضع من تلقاء نفسه فلسفة أو نظاما. ونظام الحكم الذي جاء به صلى الله عليه وسلم وابتعه خلفاؤه رضوان الله عليهم أجمعين لك يكن أحد يأمن فيه التقيد والمؤاخذة على نفسه إلا الشريعة الإلهية الغراء.
 فعدى الشريعة كان لكل شخص حق أن ينكر على غيره أعماله ومعاملاته متى شاء.
إن الله تعالى قد حدد معالم الحرية التي يجب أن تتقيد بها الأفراد، كما أنه تعالى بين ما هي الأعمال المحرمة التي يجب على المسلم اجتنابها، وما هي الواجبات التي يجب على المسلم اجتنابها، وما هي الواجبات التي عليه القيام بها، وما هي الحقوق التي يجب عليه أداؤها، وما هي الطرق التي يجوز منها انتقال الأموال إلى ملكيته والتي لا يجوز منها انتقال الأموال إلى ملكيته وما هي الواجبات التي يجب القيام بها على المجتمع لصالح الفرد وعلى الفرد لصالح المجتمع وما هي القيود التي يجب مراعاتها على الأسر والقبائل والأمم أو الخدمات التي يجب إسداؤها على الناس بعضهم نحو بعض. فجميع هذه الأمور والتوجيهات ينص عليها الدستور المذكور في الكتاب والسنة، الذي لا مجال لأحد لإعادة النظر فيه أو إدخال التعديل عليه. ومن مزايا هذا الدستور أنه لا يجوز للمسلم أن يتجاوز حدود الحرية الشخصية المحددة من قبل الله ورسوله.
كما أن الحرية التي منحها الله ورسوله إياه لا يستطيع أحد سلبه إياها. والطرق التي حرم الله تعالى اكتساب المال منها وإنفاقه فيها لا يجوز للمسلم أن يقربها فضلا عن أن يسلكها. جزاء بما كسب تكالا من الله. أما المال الذي اكتسب من الطرق المشروعة فلصاحبه عليه حق ثابت مضمون. وكذلك ما في استطاعة أحد أن يحرم الإنسان من إنفاق ماله في الوجوه الجائزة شرعا. وكذلك الواجبات التي يجب على الفرد القيام بها لصالح المجتمع لابد عليه من القيام بها أما ما عداها من المجتمعات فلا يجوز لأحد أن يجبر الناس عليها قسرا ألا أن يقوموا هم أنفسهم تطوعا واحتسابا. وكذلك المجتمع والدولة لا يختلف حالهما عن حال الأفراد. فإن الحقوق التي يجب عليهما القيام بها نحو الفرد يلزم عليهما أداؤها على قدر ما يحق لهما مطالبة الرد بإسداء ما عليه من الحقوق نحوهما.
هذا، فالدستور المستقل الأبدي ـ الذي ذكرت بعض نواحيه آنفا ـ لو حاز بالتطبيق والتنفيذ في أي بقعة من بقاع الأرض لرأي الناس فيها من العدل الاجتماعي ما لا يرضون بعده بهذا أو ذاك من النظم الوضعية. وما دام هذا الدستور منصوصا في كتاب الله وسنة رسوله ليس في استطاعة أحد أن يوقع المسلمين في حبال خديعته ويقدم إليهم النظم الاشتراكية المستوردة باسم الإسلام.
ومن مزايا دستور الإسلام أنه قد روعي فيه الاعتدال الكامل بين مطالب الفرد ومقتضيات المجتمع. فلا الفرد أوتي من الحرية ما يطغى على مصالح المجتمع. ولا المجتمع قد أحيل إليه من الصلاحيات ما يسلب الفرد حريته التي لا غنى عنها لإكمال شخصيته وتنميتها على الطريقة المستقيمة الفطرية.
إن الإسلام جاء بثلاثة وجوه لانتقال الأموال إلى ملكية فرد من أفراد المجتمع:
الأول : الإرث.
والثاني : الهبة.
والثالث : الكسب.
أما الإرث الذي تعتبره الشريعة إرثا صحيحا، فذلك هو الذي ينتقل إلى من يرث من الموروث الذي كان مالكا شرعيا لما تركه من الأموال والعقارات.
وأما الهبة المعتبرة في الشريعة فهي التي وهبها الواهب تحت قواعد الشريعة وحدودها، من ماله الذي ثبتت عليه ملكيته شرعا. فإذا كانت الهبة أو الإقطاع من لدن الحكومة فيلاحظ في هذا الصدد ما يأتي من الأمور:
ـ أن يكون ذلك الإقطاع مكافأة لخدمة صحيحة شرعية أسداها الرجل إلى الحكومة.
ـ أو أن يكون ذلك الإقطاع مبنيا على المصلحة الاجتماعية.
ـ وأن يكون ذلك الإقطاع من أموال الدولة الخاصة.
ـ وأن يكون ذلك على الشكل المعروف.
ـ وأن تكون الحكومة التي تقوم بالإقطاع على الناس تجرى أمورها على مبدأ الشورى كما يقتضيها الدستور الإسلامي ويكون الشعب على حرية من محاسبة أعمالها وإجراءاتها.
وأما الكسب الجائز فذلك هو الذي لا يكتسبه الإنسان من الطريق الحرام، فالسرقة، والاغتصاب، والتطفيف، والخيانة، والبغاء، والاحتكار، والمقامرة والغرر، وتعاطي المسكرات والأعمال التي تشيع بها الفاحشة في المؤمنين ـ فكل هذه الأمور حرام في الشريعة ولا يجوز اكتساب المال منها. وأما المال الذي اكتسبه الإنسان من الطريق المشروع فلا يشك في أن ملكيته عليه ثابت شرعا، قليلا كان ذلك المال أو كثيرا. فلا قتلته تبيح اغتصاب أموال الناس باسم إقامة العدل بينهم. ولا كثرته تعطي الدليل لتجديده قسرا. إلا أن المال الذي اكتسب من الطرق غير المشروعة فللمسلمين حق في أن يسألوا صاحبه : من أين لك هذا؟ ولكن لابد أولا من البحث عن مصادره تحت القانون ثم إذا انتهى البحث إلى أنه قد اكتسب من طرق الحرام فللحكومة الإسلامية أن تصادرها وتضمنها إلى بيت مال المسلمين.
وكذلك لا تعطي الشريعة حرية مطلقة للتصرف في ماله المكتسب من الطريق المشروع بل وضعت أمامه بعض العراقيل التي تحول دون تصرف المال في الوجوه التي تضر مصالح المجتمع أو تفسد على نفسه هو دينه وأخلاقه. إن الإسلام لا يبيح لأحد أن ينفق ماله في وجوه الفسق والفجور فعلى هذا يسد في وجهه باب تعاطي الخمر والقمار والزنا واتخاذه الأحرار عبيدا له وإماء وبيعهم وشراهم في الأسواق كالحيوانات العجماء، والتبذير.
وكذلك لا يبيح له أن يشبع هو وجاره جائع إلى جنبه. ولا يعطى له حقا في الاستفادة من ماله إلا من طريق مشروع معروف. وإذا أحب أحد اكتساب المال باستثمار ما عنده من المال الذي يزيد على حاجته فله أن يفعل كذا، لكن بالطريق الذي أحله الله له، ولا يتجاوز الحدود التي حددتها الشريعة بهذا الصدد.
ثم أن الإسلام يفرض الزكاة لخدمة المجتمع على المال الذي يبلغ نصابها، وكذلك على الأموال التجارية والزروع والمواشي وغيرها من الأموال والعقارات بنسبة محددة فانظروا ـ مثلا ـ إلى أي بلد من بلاد الإسلام : لو أننا أخذنا من أهاليها الزكاة .......
فهل بعد ذلك يبقى هناك مسلم يحرم من حاجاته الأساسية؟
ثم إن المال الذي تكدس عند أحد من أفراد المجتمع يقسمه الإسلام عندما يتوفاه الموت بين ورنته لئلا يصبح هذا التكدس تكدسا أبديا.
وعلاوة على كل ذلك أن الإسلام أحب أن تجرى المعاملات بين ملاك الأراضي ومزارعيها وبين أصحاب المصانع والعمال على أساس من التفاهم والتراضي والتعاون بالمعروف بحيث لا تبقى ثم حاجة إلى تدخل القانون في معاملاتهم. إلا أن الحكومة الإسلامية إذا رأت المعاملات تجري على القوة والجور وإرهاق النفس فلها أن تتدخل فيها وتصلحها على أساس العدل والقسط.
أما التأميم فإن كان معناه مصادرة أموال الناس والقبض على ممتلكاتهم بدون أي تعويض فهو حرام بتاتا في نظر الشريعة الإسلامية. وأما إذا كان هدفه أن تقوم الحكومة نفسها بأي عمل تجاري أو صناعي دعت إليه المصلحة الاجتماعية فيجوز للحكومة القيام به إذا رأت الأفراد لا يهتمون به، أو أن قيامهم بذلك يفوت المصلحة الاجتماعية. وكذلك إذا كان هناك عمل من أعمال التجارة أو الصناعة يمارسه الأفراد على طريقة تضر بمصلحة المجتمع يجوز للحكومة توليه واختيار طريقة متناسبة بعد التعويض المالي للقائمين به. فهذه التدابير الإصلاحية لا يحول دون الأخذ بها أي مانع شرعي. على أن الإسلام لا يعترف بتاتا ـ كمبدأ من المبادئ ـ بأن الحكومة هي التي عليها أن تملك جميع وسائل تنمية الثروة واستثمار الأموال وتكون هي وحدها صناعا وتاجرا ومالكا لأراضي البلاد كلها دون غيرها.
وأما بيت المال ـ خزانة الدولة ـ فمن أحكام الإسلام الواضحة أنه لله ولرسوله وللمؤمنين، ولا يجوز لأحد التصرف فيه كمالك له. ويجب الرجوع بصدد جميع أموره ـ كسائر أمور البلاد ـ إلى الأمة  وممثليها الأحرار. كما يجب أن تكون جميع موارده ومصادره على ما تقره الشريعة الإسلامية من القواعد والمناهج. وأن المسلمين لهم حق مشاع في احتسابه.
هذا، وفي الختام أني أتساءل كل إنسان يعقل ويشعر: أن العدالة الاجتماعية إذا كان معناها ـ كما يزعمه بعض الناس ـ عدلا اقتصاديا، فهل لا يحقق ذلك الغرض، النظام الذي جاء به الإسلام لحياة الإنسان الاقتصادية، هل يبقى بعد ذلك حاجة تمس إلى سلب الأفراد حرياتهم ومصادرة أموالهم وجعل الأمة بأسرها عبيدا أذلاء.


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here