islamaumaroc

مشاهد طريفة من رحلة ابن بطوطة

  دعوة الحق

54 العدد

بعد أن قدمت للقراء حديثا حول رحلة ابن بطوطة وحول كاتبها ابن جزي ابن جزي أرى من واجبي تتميما للفائدة أن أقدم عرضا موجزا لبعض مشاهدها الطريفة.
فقد غادر ابن بطوطة مدينة طنجة في ثاني رجب سنة 725 هـ ومر على الجزائر ثم تونس فطرابلس ومنها توجه إلى الإسكندرية التي وصفها بقوله : (1) « هي النغر المحروس والقطر المأنوس العجيبة الشأن، الأصيلة البنيان، بها ما شئت من تحصين وتحسين، ومآثر دنيا ودين، وكرمت مغانيها ولطفت معانيها، وجمعت بين الضخامة والأحكام مبانيها، فهي الفريدة تجلى سناها والخريدة تجلى في حلاها الزاهية بجمالها المغرب، الجامعة لمفترق المحاسن لتوسطها بين المشرق والمغرب، فكل بديعة بها اجتلاؤها، وكل طرفة فإليها انتهاؤها، وقد وصفها الناس فأطنبوا في عجابئها فأغربوا وحسب المشرف إلى ذلك ما سطره أبو عبيد في كتاب المسالك ». وذكر من غرائب هذه المدينة عمود الرخام الهائل الذي بخارجها المسمى عندهم بعمود السواري قال : (2)« وهو متوسط في غابة نخل وقد امتاز عن شجراتها سموا وارتفاعا وهو قطعة واحدة محكمة النحت قد أقيم على قواعد حجارة مربعة أمثال الدكاكين العظيمة ولا يعرف كيفية وضعه هنالك ولا يتحقق من وضعه » قال ابن جزي : « أخبرني بعض أشياخي الرحالين أن أحد الرماة بالإسكندرية صعد إلى أعلى ذلك العمود ومعه قوسه وكنانته واستقر هنالك وشاع خبره فاجتمع الجم الغفير لمشاهدته وطال العجب منه وخفي على الناس وجه احتياله وأظنه كان خائفا أو طالب حاجة فأنتج له فعله الوصول إلى قصده لغرابة ما أتى به، وكيفية احتياله في صعوده أنه رمى بنشابة قد عقد فوقها خيطا طويلا وعقد بطرف الخيط حبلا وثيقا فتجاوزت النشابة أعلى العمود معترضة عليه ووقعت على أعلى العمود فجذبه حتى توسط الحبل أعلى العمود مكان الخيط، فأوسطه من إحدى الجهتين في الأرض وتعلق به صاعدا من الجهة الأخرى واستقر بأعلاه وجذب الحبل واستصحب من احتمله فلم يهتد الناس لحيلته وعجبوا من شأنه ».
وبعد خروجه من الإسكندرية مر على عدد من المدن والقرى ثم وصل إلى دمياط قال (3) : « وهي مدينة فسيحة الأقطار متنوعة الثمار عجيبة الترتيب آخذة من كل حسن بنصيب » قال « وإذا دخلها أحد لم يكن له إلى الخروج عنها إلا بطابع الوالي، فمن كان من الناس معتبرا طبع له في قطعة كاغد يستظهر به لحراس بابها، وغيرهم بطبع على ذراعه فيستظهر به »
قال ابن بطوطة : « ودمياط هذه حديثة البناء والمدينة القديمة هي التي خربها الإفرنج على عهد الملك الصالح، وبها زاوية الشيخ جمال الدين الساوي قدوة الطائفة المعروفة بالقرندرية، وهم الذين يحلقون لحاحهم وحواجبهم،» قال ويذكر أن السبب الداعي للشيخ جمال الدين الساوي إلى حلق لحيته وحاجبيه أنه كان جميل الصورة حسن الوجه فعلقت به امرأة من أهل ساوة وكانت تراسله وتعارضه في الطريق وتدعوه وهو يمتنع ويتهاون فلما أعياها أمره دست له عجوزا تصدت له إزاء دار له طريقه إلى المسجد وبيدها كتاب مختوم، فلما مر بها قالت لها سيدي أتحسن القراءة؟ قال : نعم. قالت له هذا الكتاب وجهه إلي والدي وأحب أن تقرأه علي، فقال لها نعم، فلما فتح الكتاب قالت له يا سيدي إن لولدي زوجة وهي بأسطوان الدار فلو تفضلت بقراءته بين بابي الدار بحيث تسمعها، فأجابها لذلك، فلما توسط بين البابين غلقت العجوز الباب وخرجت المرأة وجواريها فتعلقن به وأدخلنه إلى داخل الدار وروادته المرأة عن نفسه فلما رأى أن لا خلاص له قال لها إني حيث تريدين فأريني بيت الخلاء، فأرته إياه فأدخل معه الماء وكانت عنده موسى حديدة فحلق لحيته وحاجبيه وخرج عليها، فاستقبحت هيئته واستنكرت فعله وأمرت بإخراجه وعصمه الله بذلك فبقي على هيئته فيما بعد. وصار كل من يسلك طريقته يحلق رأسه ولحيته وحاجبيه.
واستمر في سفره بعد ذلك إلى أن بلغ إلى مدينة مصر (4) فقال : « هي أم البلاد وقرارة فرعون ذي الأوتاد ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة المتناهية في كثرة العمارة المتباهية بالحسن والنضارة والقادر، وبها ما شئت من عالم وجاهل وجاد وهازل » وأطنب في وصفها وفي الحديث عنها فذكر نيلها ومساجدها وعلماءها وأمراءها وأهرامها وتحدث عن يوم المحمل بها.
ومن طريف ما ذكر زيارته لمدينة منية بن خصيب قال : « وهي مدينة كبيرة الساحة متسعة المساحة مبنية على شاطئ النيل وحق حقيق لها على بلاد الصعيد التفضيل، بها المدارس والمشاهد والزوايا والمساجد وكانت في القديم منية لخصيب عامل مصر »
ثم قال : « يذكر أن أحد الخلفاء من بني العباس رضي الله عنهم غضب على أهل مصر فآلى أن يولي عليهم أحقر عبيده وأصغرهم شأنا قصدا لإرذالهم والتنكيل بهم، وكان خصيب أحقرهم إذ كان يتولى تسخين الحمام، فخلع عليه وأمره على مصر وظنه أنه يسير فيهم سيرة سوء ويقصدهم بالإذاية حسبما هو المعهود ممن ولي من غير عهد بالعز، فلما استقر خصيب بمصر سار في أهلها أحسن سيرة وشهر بالكرم والإيثار فكان أقارب الخلفاء وسواهم يقصدونه فيجزل لهم ويعودون إلى بغداد شاكرين لما أولاهم، وأن الخليفة افتقد بعض العباسيين وغاب عنه مدة ثم أتاه فسأله عن مغيبه فأخبره أنه قصد خصيبا وذكر له ما أعطاه خصيب وكان عطاء جزيلا فغضب الخليفة وأمر بسمل عيني خصيب وإخراجه من مصر إلى بغداد وأن يطرح في أسواقها، فلما ورد الأمر بالقبض عليه حيل بينه وبين دخول منزله وكانت بيده ياقوتة عظيمة الشأن فخباها عنده وخاطها في ثوب له ليلا وسملت عيناه وطرح في أسواق بغداد فمر به بعض الشعراء، فقال له يا خصيب إني كنت قصدتك من بغداد إلى مصر مادحا لك بقصيدة فوافقت انصرافك عنها وأحب أن تسمعها، فقال كيف بسماعها وأنا على ما تراه فقال إنما قصدي سماعك لها وإما العطاء فقد أعطيت الناس وأجزلت جزاك الله خيرا، ففعل فأنشده :
أنت الخصيب وهذه مصر
        قتدفقا فكلاكما بحر
فلما أتى على آخرها قال له أفتق هذه الخياطة ففعل ذلك فقال له خذ الياقوتة فأبى فأقسم عليه أن يأخذها فأخذها وذهب بها إلى سوق الجوهريين، فلما عرض عليهم قالوا له أن هذه لا تصلح إلا للخليفة فرفعوا أمرها إلى الخليفة فأمر الخليفة بإحضار الشاعر واستفهمه عن شأن الياقوتة فأخبره بخبرها فتأسف على ما فعله بخصيب وأمر بمثوله بين يديه وأجزل له العطاء وحكمه فيما يريد فرغب أن يعطيه هذه المنية ففعل ذلك وسكنها خصيب إلى أن توفي وأورتها عقبه إلى أن انقرضوا ». قال ابن بطوطة : « وكان قاضي هذه المنية أيام دخولي إليها فخر الدين النويري المالكي، وواليها شمس الدين أمير خير كريم دخلت يوما الحمام بهذه البلدة فرأيت بها الناس لا يستترون فعظم ذلك على واتيته فأعلمته بذلك فأمرني أن لا أبرح وأمر بإحضار المكترين للحمامات وكتب عليهم العقود أن متى دخل أحد الحمام دون مئزر فإنهم يؤاخذون على ذلك واشتد عليهم أعظم الاشتداد ثم انصرفت عنه ».
ومن هذه الملاحظة التي قدمها ابن بطوطة نعرف. قوة شخصيته وكيف كان يحاول أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يستغل سلطة الولاة للمصلحة الإسلامية العليا.
وللعمل على التقيد بقواعد الإسلام وكذلك كان دأبه في رحلته فإننا نراه في كثير من المواضيع التي تحدث فيها يقوم بذلك.
ولما خرج من منية ابن خصيب استمر في طريقه فزار القدس وبلاد الشام، ومن طريف ما يذكر أنه لما وصل إلى المعرة تحدث عن جماعة من الأرفاض الذين يبغضون الصحابة العشرة ويكرهون اسم عمر، والمعرة هي التي ينسب إليها الشاعر أبو العلاء المعري وكثير سواه من الشعراء قال ابن جزي : « وإنما سميت بمعرة النعمان لأن النعمان بن بشير الأنصاري صاحب رسول الله (ص) توفي له ولد أيام إمارته على حمص فدفنه بالمعرة فعرفت به، وكانت قبل ذلك تسمى ذات القصور وقيل أن النعمان جبل مطل عليها سميت به » قال ابن بطوطة : « (5).. والمعرة مدينة صغيرة حسنة أكثر أشجارها التين والفستق ومنها يحمل إلى مصر والشام، وبخارجها على فرسخ منها قبر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ولا زاوية عليه ولا خديم له، وسبب ذلك أنه وقع في بلادهم صنف من الرافضة أرجاس يبغضون العشرة من الصحابة رضي الله عنهم ولعن مبغضهم ويبغضون كل من اسمه عمر وخصوصا عمر بن عبد العزيز (رضي ) لما كان من فعله في تعظيم علي (رضي)، ثم سرنا منها إلى مدينة سرمين وهي حسنة كثيرة البساتين وأكثرها الزيتون وبها يصنع الصابون المطيب لغسل الأيدي، ويصبغونه بالصفرة والحمرة ويصنع بها ثياب قطن حسان تنسب إليها وأهلها سبابون يبغضون العشرة ومن العجب أنهم لا يذكرون لفظ العشرة وينادي سماسرتهم بالأسواق على السلع فإذا بلغوا إلى العشرة قالوا تسعة وواحد وحضر بها بعض الأتراك يوما فسمع سمسارا ينادي تسعة وواحد فضربه بالدبوس على رأسه وقال : « قل عشرة بالدبوس، وبها مسجد جامع فيه تسع قباب ولم يجعلوها عشرة قياما بمذهبهم القبيح ».
وفي هذا العرض الطريف يصور ابن بطوطة جانبا من الجوانب التي أضرت بالإسلام وكانت سبب الانحلال الذي أصابه فإن هذا التعصب الطائفي الذي انتشر بين العوام والذي أدخل البغض في القلوب غير الوجهة السديدة وجعل من المسلمين سادة العالم أمما متفرقة متناحرة، ولذلك سنرى ابن بطوطة في بعض مشاهداته يستنكر هاته الفرقة ويحبذ الاتحاد.
ومن سرمينا توجه إلى حلب ثم إلى تزين تم إلى قنسرين ثم أنطاكية ولما خرج من هاته المدينة مر على عدد من الحصون كانت تقيم بها جماعة من الشيعة يستغلهم ملك مصر لأغراضه السياسية، قال ابن بطوطة : « وهذه الحصون لطائفة يقال لهم الإسماعيلية ويقال لهم الفداوية ولا يدخل عليهم أحد من غيرهم وهم سهام الملك الناصر بهم يصيب من يعدو عنه من أعدائه بالعراق وغيرها ولهم المرتبات وإذا أراد السلطان أن يبعث أحدهم إلى اغتيال عدو له أعطاه ديته فإن سلم بعد تأتي ما يراد منه فهي له وأن أصيب فهي لولده ولهم سكاكين مسمومة يضربون بها من بعثوا إلى قتله وربما لم تصح حيلتهم فقتلوا (6) ». ثم جد في رحيله إلى دمشق في شهر رمضان سنة 726 هـ فوصفها ثم ذكر جامعها المعروف بجامع بني أمية الذي تولى بناءه الوليد بن عبد الملك ولاحظ تعدد الأئمة به بحيث تقام الصلوات مرارا متعددة في اليوم حسب تعدد المذاهب الإسلامية، ثم ذكر المعلمين والمدرسين بهذا الجامع فقال (7) : « ولهذا المسجد حلقات التدريس في فنون العلم والمحدثون يقرأون بالأصوات الحسنة صباحا ومساء وبه جماعة من المعلمين لكتاب الله يستند كل واحد منهم إلى سارية من سواري المسجد يلقن الصبيان ويقرئهم، وهم لا يكتبون القرءان في الألواح تنزيها لكتاب الله تعالى وإنما يقرأون القرءان تلقينا، ومعلم الخط غير معلم القرءان يعلمهم بكتب الأشعار وسواها فينصرف الصبي من التعليم إلى التكتيب وبذلك جاد خطه لأن المعلم للخط لا يعلم غيره ».
وبوصف هذه الظاهرة الثقافية نعرف مدى اهتمام ابن بطوطة بدراسة المجتمعات فهو يتحدث في كل مناسبة عن أحوال البلاد التي يزورها سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية أو العقائدية.
وفي دمشق تحدث عن ابن تيمية فقال : « وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلية تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون، إلا أن في عقله شيئا وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم ويعظهم على المنبر، وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بأشخاصه إلى القاهرة وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي وقال أن هذا الرجل قال كذا وكذا وعدد ما أنكر على ابن تيمية وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي القضاة، وقال قاضي القضاة لابن تيمية ما تقول؟ قال لا إله إلا الله، فأعاد عليه فأجاب يمثل قوله فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعواما وصنف في السجن كتابا في تفسير القرءان سماه بالبحر المحيط في نحو أربعين مجلدا، ثم أن أمه تعرضت للملك الناصر وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلم به فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضربا كثيرا حتى سقطت عمامته وظهر على رأسه شاشية حرير فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة فأمر بسجنه وعززه بعد ذلك فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيزه ورفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدين تنكيز وكان من خيار الأمراء وصلحائهم فكتب إلى الملك الناصر بذلك وكتب عقدا شرعيا على ابن تيمية بأمور منكرة منها أن المطلق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلا طلقة واحدة (8)، ومنها المسافر الذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف زاده الله طيبا لا يقصر الصلاة وسوى ذلك مما يشبهه، وبعث العقد إلى الملك الناصر فأمر بسجن تيمية بالقلعة فسجن بها حتى مات في السجن ».
وابن بطوطة في الحديث عن ابن تيمية يصور لنا المحاكمة بكل عناصرها، فالعقود تسجل ما ينكر عليه، والقضاة يتولون الحكم في ذلك فيحكمون بالسجن أولا، ثم بعد ذلك يطلق سراحه إلا أنه يعيد الكرة فيعاد الحكم عليه إلى أن يموت في سجنه.
أن ابن تيمية يسمو في أعين القراء حينما يرون استماتته على أفكاره وعدم تنازله عنها تحت الضغط والإكراه.
وفي دمشق يصور لنا ابن بطوطة ظاهرة دينية تدل على اعتمام المسلمين بالمشاكل الاجتماعية والثقافية يحق لنا أن نعدها من مفاخر حضارتنا في الماضي وأن نعتز بها أمام التيارات التقدمية في هذا العصر، تلك هي وجود مدرسة بربط الصالحية من أحواز دمشق لتعليم الشيوخ والكهول كتاب لله وعليها أوقاف تنفق عليهم وعلى معلميهم بحيث تجري لهم كفايتهم في المأكل والملبس.
إن اهتمام المسلمين بتعليم الكهول والشيوخ ليعد مفخرة عظمى في تاريخنا المجيد نستدل به على التفكير الواعي السديد الذي كان يتمتع به أجدادنا وعلى الخطة الرشيدة التي كانوا ينهجونها.
ثم سجل لنا بعد ذلك ظاهرة أخرى لها أثرها العظيم في الإصلاح الاجتماعي وهي تتعلق بالتحدث عن الأوقاف الإسلامية بدمشق وأنواعها ومصاريفها، فقد ذكر منها أوقاف لتجهيز البنات الفقيرات إلى أزواجهن وأخرى لفك الأسارى والإنفاق على أبناء السبيل وتزويدهم حين رجوعهم إلى بلادهم.
وفي خلال الحديث عن الأوقاف قال (9) « ومنها أوقاف تعديل الطرق ورصفها لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون ويمر الركبان بين ذلك » قال  « وهناك أوقاف أخرى سوى ذلك من أفعال الخير » وهنا ذكر حكاية تدل على الروح الكريمة التي كان يتمتع بها المسلمون وعلى عمق معرفتهم للنفس البشرية وعلى اهتمامهم بأبعاد الانكسار عن الطفل الصغير حتى يلسم من العقد النفسية التي قد يشب بسببها في اضطراب يجعله منحرفا فيما بعد ، قال « مررت يوما ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكا صغيرا قد سقطت من يده صفحة من الفخار الصيني وهم يسمونها الصحن فتكسرت واجتمع عليه الناس فقال له بعضهم أجمع شقفها وأحملها معك لصاحب أوقاف الأواني فجمعها وذهب معه الرجل فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن » وهنا انطلق ابن بطوطة يتحدث عن استحسانه لهذا النوع من الإحسان فقال : « وهذا من أحسن الأعمال فإن سيد الغلام لابد له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك فكان هذا الوقف جبرا للقلوب جزى الله خيرا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا ».
ثم ذكر المؤلف دراسته الشخصية في دمشق وأخذه العلم عن كثير من مدرسيها ومدرساتها ولما غادر دمشق مر على بصرى وتبوك والمدينة المنورة ومنها انتقل إلى مكة المكرمة فذكر مسجدها ووصف الكعبة ثم ذكر عادة أهلها في صلواتهم ومواضع أئمتهم فقال : « من عادتهم أن يصلي أول الأئمة، أمام الشافعية وهو المقدم من قبل أولي الأمر .. ويصلي بعده إمام المالكية في محراب قبالة الركن اليماني، ويصلي أمام الحنبلية معه في وقت واحد مقابلا ما بين الحجر الأسود والركن اليماني، ثم يصلي أمام الحنفية » قال : « وترتيبهم هكذا في الصلوات الأربع وأما صلاة المغرب فإنهم يصلونها في وقت واحد كل إمام يصلي بطائفته لئلا يدخل عليه السهو ».
وفي هذه الصورة قد نقل إلينا مظهرا من المظاهر التي تكرهنا في الخلاف المذهبي بالنسبة للعبادات وكأنه يومئ إلى ذلك بقوله ويدخل على الناس من ذلك سهو وتخليط.
ومن أعظم ما يمتاز به ابن بطوطة وصف أحوال الملوك والأمراء مثل ما يفعله بعض المؤرخين وبذلك تعتبر رحلته دراسة لأحوال المجتمعات العامة في عصر قال : (10) « وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس، وأكثر لباسهم البياض فنرى ثيابهم أبدا ناصعة ساطعة ويستعملون الطيب كثيرا ويكتحلون ويكترون السواك بعيدان الأراك الأخضر، ونساء مكة فائقات الحسن بارعات الجمال ذوات صلاح وعفاف وهن يكثرون التطيب حتى أن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيبا، وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة فيأتين في أحسن زي وتغلب على الحرم رائحة طيبهن وتذهب المرأة فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقا »
وفي يوم الخميس سنة 726 هـ وقف وقفته الأولى، وبعد انتهاء موسم الحج ذهب إلى العراق وفي طريقه لاحظ وجود عدد كبير من الآبار والمصانع المائية من المآثر التي خلفتها زبيدة امرأة هارون الرشيد فقال (11) : « .. ولولا عنايتها بهذه الطريق ما سلكها أحد ».
ولما وصل إلى البصرة ذكر أن أهلها يتحلون بمكارم الأخلاق ويعنون بالغريب فلا يشعر بينهم بوحشة، إلا أنه لاحظ عند دخوله إلى مسجد أمير المؤمنين علي ليصلي الجمعة أن الخطيب يلحن في خطبته فعز عليه ذلك وعادت به الذكريات إلى أيام مجدها العلمي فقال (12) : « .. شهدت مرة بهذا المسجد صلاة الجمعة فلما قام الخطيب به إلى الخطبة وسردها لحن فيها لحنا كثيرا جليا فعجبت من أمره وذكرت ذلك للقاضي حجة الدين فقال لي أن هذا البلد لم يبق به من يعرف شيئا من علم النحو، وهذه عبرة لم تفكر فيها، سبحانه مغير الأشياء ومقلب الأمور هذه البصرة التي إلى أهلها انتهت رياسة النحو وفيها أصله وفرعه ومن أهلها أمامه الذي لا ينكر سبقه لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة على دوبه عليها ».
ومن الطرائف التي ذكرها حول هذا المسجد قوله : ولهذا المسجد سبع صوامع إحداها الصومعة التي تتحرك بزعمهم عند ذكر علي بن أبي طالب (رضي) تحركي وهز المقبض فتحركت الصومعة، فجعلت أنا يدي في المقبض وقلت له وأنا أقول برأس أبي بكر خليفة رسول الله (ص) تحركي وهززت المقبض فتحركت الصومعة فعجبوا من ذلك،وأهل البصرة على مذهب السنة والجماعة ولا يخاف من يفعل مثل فعلي عندهم ولو جرى مثل هذا بمشهد علي أو مشهد الحسين أو  بالحلة أو البحرين أو قم أو قاشان أو ساوة أو آوة أو طوس لهلك فاعله لأنهم رافضة غالية.
هو بهذه الملاحة يريد أن يثبت أن تحرك الصومعة ليس بناتج عن هاته المعتقدات وإنما هو أمر خارج عن ذلك، ولعل لهندسة البناء أثر في ذلك بدليل توقف تحركها على هز المقبض ولما رأى ابن جزي غرابة هاته القصة أتى بما يوازيها. فقال : « قد عاينت بمدينة برشانة من وادي المنصورة من بلاد الأندلس حاطها الله صومعة تهتز من غير أن يذكر لها أحد من الخلفاء أو سواهم وهي صومعة المسجد الأعظم بها وبناؤها ليس بالقديم ».
وعند خروجه من البصرة زار عددا كبيرا من المدن العراقية وفي طريقه إلى الكوفة قال : « ومن عادتي في سفري أن لا أعود على طريق سلكتها ما أمكنني ذلك » وبهذا التصريح نعرف حرص ابن بطوطة على الاستفادة من رحلته مهما أمكنه الأمر فهو حريص على زيارة أكبر عدد من المدن والقرى والولايات.
ولما وصل إلى الكوفة قال : (13) هي إحدى أمهات البلاد العراقية المتميزة فيها بفضل المزية مثوى الصحابة والتابعين ومنزل العلماء والصالحين، وحضرة علي بن أبي طالب أمير  المؤمنين، إلا أن الخراب استولى عليها بسبب أيدي العدوان التي امتدت إليها وفسادها من عرب خفاجة المجاورين لها فإنهم يقطعون طريقها ولا سور عليها وبناؤها بالأجر وأسواقها حسان ».
وفي الكوفة رأى قبر ابن ملجم قاتل علي كرم الله وجهه، وقد اسود بسبب إحرام أهل الكوفة لترابه مدة سبعة أيام في كل سنة انتقام للإمام وسخطا على قاتله.
ولما غادرها مر على كربلاء إلى أن وصل بغداد التي قال عنها أنها مدينة دار السلام وحضرة الإسلام، ثم نقل وصف ابن جبير لها ثم تحدث عن ملكها وتاريخها بعد زيارته لها انتقل إلى الموصل ثم إلى جدة ومنها رجع إلى مكة للمرة الثانية فوقف حاجا يوم الخميس من سنة 727 هـ ومكث بها مجاورا فحج سنة 728 وسنة 729 هـ.
وفي موسم سنة 730 هـ وقعت فتنة بمكة اضطر بسببها أن يغادرها وتوجه إلى اليمن فزار عددا من مدنها وذكر سلطانها ولما وصل إلى مدينة ظفار قال (14) : « ومن الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم، نزلت بدار الخطيب بمسجدها الأعظم وهو عيسى بن علي كبير القدر كريم النفس فكان له جوار مسميات بأسماء خدم المغرب، إحداهن إسمها فخيتة والأخرى زاد المال، ولم أسمع هذه الأسماء في بلد سواها وأكثر أهلها رؤوسهم مكشوفة لا يجعلون عليها العمائم، وفي كل دار من دورهم سجادة الخوص معلقة في البيت يصلي عليها صاحب البيت كما يفعل أهل المغرب، وأكلهم الذرة وهذا التشابه كله مما يقوي القول بأن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من حمير ».
وما ذكر ابن بطوطة هو أقوى الاتجاهات في إرجاع سكان المغرب إلى العرب خصوصا بعد ما كتب علماء الحضارة أن هناك تجانسا بين التصميمات المعمارية في اليمن والمغرب(15).
ولما وصل إلى عمان زار عاصمتها نزوى ولاحظ أن أهلها أباضية المذهب ويصلون يوم الجمعة ظهرا أربعا، فإذا فرغوا منها قرأ الإمام ءايات من القرءان ونثر كلاما يرضي فيه عن أبي بكر وعمر ويسكت عن عثمان وعلي قال : « وهم إذا أرادوا ذكر علي (رضي) كنوا عنه بالرجل فقالوا ذكر عن الرجل أو قال الرجل ويرضون عن الشقي اللعين ابن ملجم، ويقولون فيه العبد الصالح قامع الفتنة » وهو بنقله لهذه الصورة قد أعطانا وجهة أخرى تناقض ما رأيناه في الكوفة تمام المناقضة فهؤلاء يعتبرون ابن ملجم قامعا للفتنة وأولئك يحرقون قبره انتقاما وتلك سنة الله لا مبدل لها.
وبعد خروجه من عمان توجه إلى هجر ومنها رجع إلى مكة حيث حج للمرة الخامسة في سنة 732 هـ وبعد انتهاء الحج غادر مكة متوجها إلى اليمن أيضا ثم إلى الهند وفي طريقه مر على تركيا قال : وقصدنا تركية المعروف ببلاد الروم وبها كثير من النصارى تحت ذمة المسلمين من التركمان » قال : « وجيمع أهل هذه البلاد على مذهب الإمام أبي حنيفة (رضي) مقيمين على السنة لا قدري فيهم ولا رافضي ولا معتزلي ولا خارجي ولا مبتدع، وتلك فضيلة الله تعالى بها ». إن القراء سيطمئنون إلى الأخلاق الكريمة التي كان يتصف بها ابن بطوطة لأنه يرى الخلف من أعظم البلايا الإنسانية ويعتبر الاتحاد فضلا عظيما.
وكأني بالقراء أيضا سيعرفون من هاته الملاحظة مدى التوسع العقلي الذي كان يتصف به ابن بطوطة فهو لم يكن متعصبا بدليل كونه مالكا، ومع ذلك نراه يمدح هؤلاء الذين اتحدوا على مذهب أبي حنيفة لأن الغاية من مدحه لم تكن ترجع إلى الجزئيات المذهبية، وإنما كانت ترجع إلى الاتحاد في العقيدة.
ثم ذهب بعد ذلك إلى المجر ثم إلى البلغار، وفي تحدثه عن البلغار من الزيف ما هو ظاهر قال : (16) « وكنت سمعت بمدينة البغار فأردت التوجه إليها لأرى ما ذكرى عنها من انتهاء قصر الليل بها، وقصر النهار » قال « ووصلتها في رمضان فلما صلينا المغرب أفطرنا وإذن بالعشاء في أثناء أفطارنا فصليناها وصلينا التراويح والشفع والوثر وطلع الفجر أثر ذلك وكذلك يقصر النهار بها في فصل قصره وقمت بها ثلاثا ».
وما ذكر ابن بطوطة يخالفه الواقع العلمي بالنسبة إلى بلغار وهذه الغلطة وأمثالها هي التي دعت كثيرا من الناس إلى أن ينسبوا الكذب إلى هذا الرحالة العظيم.
ثم توجه بعد ذلك إلى القسطنطينية وطلب من ملكها تكفور أن يعين له من يدله على آثار المدينة حتى يتعرف إليها ويذكرها لأهل بلده ولما خرج منها زار عددا من المدن إلى أن وصل إلى بلاد خوارزم قال : وهي أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها لها الأسواق المليحة والشوارع الفسيحة والعمارة الكثيرة والمحاسن الأثيرة، ترتج بسكانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر » ثم قال : « ولهم عادة جميلة في الصلاة لم أرها لغيرهم وهي أن المؤذنين بمساجدها يطوف كل واحد منهم على دور جيران مسجده معلما لهم بحضور الصلاة فمن لم يحضر الصلاة مع الجماعة ضربه الإمام بمحضر الجماعة وفي كل مسجد درة معلقة برسم ذلك ويغرم خمسة دنانير تنفق في مصالح المسجد أو تطعم للفقراء والمساكين ويذكرون أن هاته العادة عندهم مستمرة على قديم الزمان (17).
ومن ثم ذهب إلى بخارى التي ينسب إليها إمام المحدثين قال : « وهذه المدينة كانت قاعدة ما وراء نهر جيحون من البلاد وخربها اللعين تنكيز خان النتري جد ملوك العراق، فمساجدها الآن ومدارسها وأسواقها خربة إلا القليل وأهلها أذلاء وشهادتهم لا تقبل بخوارزم وغيرها لاشتهارهم بالتعصب ودعوى الباطل وإنكار الحق وليس بها اليوم من الناس من يعلم شيئا من العلم ولا من له عناية به (18) » وهو بهاته الملاحظة قد ربط أيضا بين ماضي هاته المدينة وبين حاضرها ليصور لنا مدى الانهيار الذي طرأ على حضارة الإسلام بهاته المدينة.
ثم ذهب بعد ذلك إلى سمرقند ثم إلى خراسان وفي سنة 734 هـ وصل إلى بند آب أي الأودية الخمسة ومن ثم بدأ رحلته إلى الهند في الجزء الثاني من الكتاب.
ولما وصل إلى الهند ذكر كثيرا من أوصافها وشكل نظام الحكم بها وتحدث عن عاداتها وعن ملكها أبي المجاهد محمد بن تغلق قال : « وهذا الملك أحب الناس في إسداء العطايا وإراقة الدماء فلا يخلو بابه عن فقير يغني أو حي يقتل ».
وتولى القضاء بمدينة دلهي وكان له بها جاه عظيم إلا أنه تضايق في نفسه من المعاملات القاسية التي كان يشهدها من ملك الهند فزهد في الخدمة وليس لباس أهل التصوف ولازم الإمام العابد أبا عبد الله الغاري خمسة أشهر، وأخيرا استدعاه السلطان ولابنه وحبب إليه السفر إلى الصين ليكون رسوله إلى سلطانها فقبل.
وفي طريقه إلى الصين مر على جاوة وسومطرة وجزر المهل حيث تولى القضاء قال : « فلما وليت اجتهدت جهدي في إقامة رسوم الشرع وليست هناك خصومات كما هي في بلادنا، فأول ما غيرت من عوائد السوء مكث المطلقات في ديار المطلقين وكانت إحداهن لا تزال ». ثم استقال من منصبه وذهب إلى الصين قال : « وأهل الصين كفار يعبدون الأصنام ويحرقون موتاهم كما يفعل الهنود، وملك الصين تثري من ذرية تنكيزخان، وفي كل مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين ينفردون بسكناهم ولهم فيها المساجد لإقامة الجمعات وسواها، وهم معظمون محترمون، وكفار الصين يأكلون لحوم الخنازير والكلاب ويبيعونها في أسواقهم، وهم أهل رفاهية وسعة عيش إلا أنهم لا يحتفلون في مطعم ولا ملبس، ثم تحدث عن نظامهم في المعاملات بالأوراق عوض الدنانير والدراهيم فقال : « وأهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسكونه قطعا، وإنما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغد كل قطعة منها بقدر الكف مطبوعة بطابع السلطان .. وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكة عندنا، فأخذ عوضها جددا ودفع تلك ولا يعطي على ذلك أجرة ولا سواها، لأن الذين يتولون أعمالها لهم الأرزاق من قبل السلطان ». وهكذا نرى ابن بطوطة بتحدث عن هذا النظام المالي الذي يعتبر بحق من الأنظمة الأولى التي سبقت إليها الصين قبل تعميمها فيما بعد عند كثير من الدول.
 ثم تحدث عن عجائب الصناعات والفنون في الصين فقال : (19) « وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه من الروم ولا من سواهم فإن لهم فيه اقتدارا عظيما ثم قال : « ومن عجيب ما شاهدت من ذلك أنني ما دخلت قط مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد موضوعة في الأسواق ». ولقد أطنب في الحديث عن الصين ثم رحل عنها متوجها إلى مكة فوصل إليها في الثاني والعشرين من شعبان 749 هـ، وقضى بها شهر رمضان ثم انتقل إلى القاهرة، ومنها إلى تونس ثم إلى بلاد المغرب فوصل حضرة فاس في أواخر شعبان من عام 750 هـ وتحدث عن اتصاله بأبي عنان ووزيره ابن ودرار وهنا انتهت الرحلة الأولى الطويلة، ثم بدأ رحلته الثانية إلى بلاد الأندلس فوصل إلى جبل الفتح وهنا ذكر الآثار التي قام بها المرينيون بهذا الجبل العظيم والاهتمام الذي كان يوليه أبو عنان للمحافظة عليه تحت حوزة الإسلام، وتطرق ابن جزي نفسه إلى الإسهاب في الموضوع ومن أعجب ما ذكر قوله يتحدث عن أبي عنان : (20) « وبلغ اهتمامه بأمور الجبل أن أمر أيده الله ببناء شكل يشبه شكل الجبل المذكور فمثل فيه أشكال أسواره وأبراجه وحصنه وأبوابه ودار صنعته ومساجده ومخازن عدده وأصرية زرعه وصورةت الجبل وما اتصل به من التربة الحمراء فصنع ذلك بالمشور السعيد فكان شكلا عجيبا أتقنه الصناع إتقانا يعرف قدره من شاهد الجيل وشاهد هذا المثال، وما ذلك إلا لتشوقه أيده الله إلى استطلاع أحواله وتهممه بتحصينه وإعداده والله تعالى يجعل نصر الإسلام بالجزيرة الغربية على يديه .. الخ » ثم ذهب بعد ذلك إلى مدينة رندة فالتقى بابن عمه الفقيه ابن القاسم القاضي محمد بن يحيى ابن بطوطة ثم ذهب إلى مالقة، قال : « فوصلنا إلى مدينة مالقة إحدى قواعد الأندلس وبلادها الحسان جامعة بين مرافق البر والبحر كثيرة الخيرات والفواكه وبها يصنع الفخار المذهب العجيب، ثم سافر إلى مدينة بلش ثم غرناطة ومنها رجع إلى المغرب مارا على سبتة وسلا، وذهل إلى مراكش لزيارتها ثم رجع منها إلى فاس.
ولم تكن هاته الرحلة طويلة لما كان عليه الحال في الأندلس من صغر رقعتها وانقسام مدنها بين المغرب والملوك النصريين.
ومن فاس خرج للمرة الثالثة ليقوم برحلة إلى السودان، وكانت هاته الرحلة بأمر من أبي عنان ليمكنه من أخبار هاته الناحية من المعمور وليقوم له بالدعاية هناك خصوصا بعد الوقائع العظمى التي حدثت بين أبي عنان وأبيه أبي الحسن، خرج من فاس وتوجه إلى سجلماسة وفي غرة شهر المحرم من سنة 753 هـ غادرها وذهب إلى تغازي، قال : (21) « ومن عجائبها إن بناء بيوتها ومسجدها من حجارة الملح ».
وفي غرة ربيع الأول وصل إلى أيولاتن ومنها اكترى دليلا ليبلغه إلى مالي حضرة ملك السودان ووصل إليها في الرابع عشر لجمادى الأولى سنة 753 هـ وحضر بها حفلا لتابين أبي الحسن المريني حضره الفقهاء والأمراء والقاضي والخطيب وختم به القرءان على ملك الراحل وهذا دليل على العلاقة الودية التي كانت موجودة بين مالي والمغرب.
وفي السودان لاحظ ارتباط أفراد الشعب بملكهم فقال : «والسودان أعظم الناس تواضعا لملكهم وأشدهم تدللا له ويحلفون باسمه ».
ومن طريف ما ذكره أن أحدهم إذا كلم السلطان فرد عليه جوابه كشف ثيابه عن ظهره ورمى بالتراب على رأسه وظهره كما يفعل المغتسل بالماء، قال ابن جزي : وأخبرني الصاحب العلامة الفقيه أبو القاسم الونجراني رسولا عن منسى (22) سليمان إلى مولانا أبي الحسن (رضي) كان إذا دخل المجلس الكريم حمل معه قفة تراب فيترب مهما قال له مولاه كلاما حسنا كما بفعل ببلاده (23).
ثم ذكر بعد ذلك فصلا بين فيه ما استحسنه من أفعال السودان وما استقبحه قال : « فمن أفعالهم الحسنة قلة الظلم، فهم أبعد الناس عنه، وسلطانهم لا يسامح أحدا في شيء منه ومنها شمول الأمر في بلادهم فلا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق ولا غاصب، ومنها عدم تعرضهم لمال من يموت من البيضان ولو كان القناطير المقنطرة إنما يتركونه بيد ثقة من البياض حتى يأخذه مستحقه ومنها مواظبتهم للصلوات.. ثم قال « ومن مساوئ أفعالهم  كون الخدم والجواري والبنات الصغار يظهرن للناس عرايا باديات العورات، ولقد كنت أرى في رمضان كثيرا منهن على تلك الحال منها أن كثيرا منهن يأكلون الجيف والكلاب والحمير (24).
ثم غادر مالي في الثاني والعشرين لمحرم سنة 754 هـ وتوجه إلى ميمة ثم إلى مدينة تنبكتو وأكثر سكانها مسوفة أهل اللثام وذهب بعد ذلك إلى مدينة تعرف بتكدا وبها وصله الأمر من أبي عنان ليرجع إلى المغرب فغادرها يوم الخميس الحادي عشر لشعبان سنة 754 هـ ومر على سجلماسة واستمر في طريقه إلى أن وصل إلى فاس واستقر بها يخدم المرينيين(25).
بهذا العرض الموجز للرحلات الثلاث أكون قد أطلعت القارئ على أهم المشاهد الطريفة وأعطيته صورة مصغرة لشكل الكتاب وموضوعه من حيث الأسلوب والمنهاج والمحتوى فيستطيع بذلك أن يتعرف على إنتاج أدبي بصور جانبا من جوانب الأدب المغربي في كتابة الرحلات كان له أثر في تخليد اهتمام(26) بني مرين بالثقافة العامة في المغرب.

(1) رحلة ابن بطوطة الطبعة الثانية ص 8 الجزء الأول
(2) نفس المصدر ص 9.
(3) كذلك ص 17
(4) نفس الرحلة الجزء الأول ص 19.
(5) ص 27
(6) نفس الرحلة ص 39.
(7) نفس المصدر ص 45.
(8) ص 56.
(9) ما أنكر على ابن تيمية هو المذهب الذي أصبح سائدا في كثير من الأمم الإسلامية وهو ما عليه مدونة الأحوال الشخصية بالمغرب.
(10) نفس المصدر ص 63
(11) نفس المصدر ص 91
(12) كذلك ص 108.
(13) كذلك ص 116.
(14) نفس المصدر ص 137.
(15)  ص 165.
(16) إقرأ بحثا كتبه الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله بمجلة البينة العدد الأول.
(17) نفس المصدر ص 217.
(18) كذلك ص 232.
(19) كذلك ص 237.
(20) نفس المصدر ج 2 ص 159.
(21)  كذلك ج 2 ص 160.
(22) كذلك ج 2 ص 187.
(23) نفس الرحلة ج 2 ص 189.
(24) لفظه منسى السودانيين بمعنى السلطان.
(25) نفس الرحلة ج 2 ص 197.
(26) نفس المصدر ج 2 ص 200.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here