islamaumaroc

مفهوم الكائن

  دعوة الحق

54 العدد

إن الكائن الإنساني معطى خام، يظهر ويصير كلما ازداد اتجاهه نحو التشخصن، ونحو الاندماج في مجتمع من الأشخاص. فهو باق «كائنا» خاما لم يظهر للآخرين، وبذلك نتوصل إلى معنى الارتباط بين الكائنات، لأن الظهور لا يكون إلا بالنسبة للآخرين. وهذا الارتباط هو الذي يجعلنا في طريق التشخصن. و «الظهور» لا يحمل في ذاته معاني خاصة، انه يقتصر على كشف «الكائن» باعتباره مادة أولية فقط. فلنتذكر المثل المشهور لقطعة من المزمر، والتمثال المنحوت منها، أو لنفكر قليلا في مثال أسهل: قطعة من القماش وضعت فوق منضدة الخياط، فهي عند ظهورها لأول مرة، عارية من كل دور خاص، ثم تصبح سروالا، أو معطفا أو شيئا غير ذلك عقب تدخل الخياط، وحسب إرادته. هكذا يصبح لقطعة القماش اسم معين، بعد أن كانت لها قابلية لتصير كل شيء، قبل هذه التدخلات (معطف، أو صدرية.. دون أن تكون احداها بالذات). كانت كثيرا من الأشياء ولا شيء، في الوقت نفسه. يكفي أن يتحرك المقص حركاته الأولى، حتى نشهد اضمحلال كل الامكانيات. وهنا لا يبقى القماش كل ما كان يمكن أن يكونه، بل يصبح ما بدأ يكون. ولكي يكون للقماش بنية تعطيه الأخرى الممكنة. انه «كائن» ولكن كيانه الجديد ينحصر، من الآن، في اللباس الذي حددته تدخلات الخياط.
فإذا استعرنا التعبير الارسطي، جاز لنا القول بأن القماش قد انتقل من مرحلة «النوع» إلى مرحلة «الوحدة»، أي من القطعة إلى اللباس. ولئن كان النوع أكمل من الفرد، فلأنه يتضمن في «ماهية» وحيدة الكمال النوعي للانهاية من الوحدات الممكنة: وفي ضوء هذا المعنى، نستطيع أن نتحدث عن تفوق النوع على الفرد. ونلاحظ (في مستوى الماهية فقط) أن «الفطعة – النوع» قد أصيب، في كينونتها، بصدمة انعدام الوجود الذي كانت ترمي إليه، منذ حياكتها في المصنع، بينما للصدرية وجود في الواقع أن في قطعة واحدة من القماش عددا من الكائنات الممكنة، أكثر من كل الثياب المقصوصة والمخيطة في الواقع، لكن ثوبا واحدا موجودا اغزر كينونة وواقعية من كل امكانياته مجتمعة.
وليس هذا المصير خاصا بالقطعة من القماش فحسب، بل هو مصير كل الكائنات، حتى الكائن البشري. إن المرء يجد نفسه منذ ولادته، وبشكل خاص به، أمام خياطه، أي «الآخرين»، (الغير). يوضع له سجل هويته: فهو طفل لقيط، أو ابن تاجر كبير أو ابن بواب.. وينسب إلى جنسية، وتاريخ قومي ودين... فطفلنا هذا يصنف ويرتب، ويعين له مكان من سجل المجتمع. لقد جند وعبئ دون موافقته، بل دون أن يسأل: من الآن فصاعدا يجب أن يحمل اسما معينا، ويتكلم لغة لم يخترها، ويحشر في معاشر جماعية لا يعرفها. هكذا سيربي ويعلم، حسب نظرة خاصة إلى العالم. فالآخرون اذن، يرسمون له برنامج وجوده ويهيئونه له، دون أن يؤخذ رأيه (على أنه لا وجهة نظر له، حتى الساعة) في هذه الوضعية، يتفتح شعور الطفل، وسيعكس فيما بعد، كل ما اكتسبه منذ وصوله إلى العالم، فينتقل من مرحلة الظهور إلى مرحلة الوجود.
نقول، للمزيد من التوضيح، ان التشبيه بالقطعة من القماش، تشبيه ناقص: فللطفل منذ ولادته، استعداد فطري نوعي للنضج. وبعبارة أخرى، أن له قوى ذاتية تؤهله لقبول الحوادث، والانفعال بها. هذه القوى الفطرية، هذه العفوية لتنسيق الأشياء والمعاني، وللتصرف فيها، تتعقد في صميم عملية تنازعية، فلكل كائن بشري قوة اندفاعية خاصة به، كنتيجة لنضجه العضوي ولمكتسباته في الحياة.
فإذا كنت كائنا من الكائنات تميزت بالإحساس الذاتي الداخلي الملازم لوجودي، هذا الإحساس، هو امتياز تخلو منه الأشياء، كما تخلو منه الكائنات اللاشاعرة، كهذه القطعة من القماش، أو هذا الكرسي أو تلك الأزهار..
سنحاول هنا، أن نتتبع خطى الشعور في تطوره كما سنحاول استخراج جملة المفاصل والركائز التي تستند عليها المراحل المختلفة لعمليات التشابك الداخلي والخارجي. ومن هنا، سنرى في هذا الفصل الأول من دراستنا، كيف ينبثق الشعور، وكيف ينمو، أو بعبارة أخرى، سندرس تحديد نطاق الشعور، نطاق الوعي، ثم نبرز جذور الوعي وتطوره.
نعالج اذن فيما يلي معضلتين:
أولا: معضلة تتصل بمفهوم العفوية النوعية، وتميز الكائن البشري من الكائن (الخام الشعور الغافي)
ثانيا: معضلة تتعلق بالعفوية الغامضة: كيف تخرج من غموضها لتعي ذاتها (أي كيف يصل المرء إلى الشعور بالذات).
وهاتان المعضلتان لا يمكن أن تعالجا، من أول وهلة، بل لا بد من التمهيد لهما.
الكائن كمعطى أول
لو كان في الإمكان تصور شعور «محض»، لما جاز لهذا الشعور أن يعتبر (الآخرين والأشياء) موجودين أو غير موجودين. فالطفل بالنسبة للشعور، كقطعة القماش قبل تدخل الخياط، فعلام يتفتح الشعور اذن؟ وما هو موضوع هذا الشعور؟
إن الشعور (ولو كان شعورا محضا) في حاجة إلى موضوع. وكلمة «محض» تفترض مسبقا، امكانية المزج والعدوى. يقول (برجسون): أن الـ «أنا» المجتمعي يعدي الـ «أنا» العميق، ويحدث اضطرابا في حياة الشعور المحض. هكذا يضع (برجسون)، بادئ ذي بدء، الحقيقة المجتمعية في ثنائية، قبل أن يدعو إلى الغائها، ليجد الديمومة في صفائها، كرة أخرى، عن طريق توارد الذات مع الذات. وبذلك يكون عدم شفوف عالمنا الداخلي حدثا يأتي من «الأنا السطحي». وفي الحقيقة، الشعور يتفتح من الجانب الذي يكون فيه موضوعا للعدوى من قبل «الأنا السطحي». فالكائن البشري ينمو من الجانب الذي تتحدد فيه استعداداته، وحيث تنمحي امكانيات الكائن المجرد العام، (لفائدة الكائن ذي الموقف المعين، وسط مجتمع في تاريخ عصر من العصور). ويتكون الشعور، ثم يتفتح، ويمتلئ، حين يندمج الكائن في الموجودات، وبعبارة أخرى حين يصبح شيئا أكثر من ذاته، وبتعبير أدق، حين يصير شيئا غير –ذاته، وفي نفس الوقت يتخذ موقفا من بين الآخرين. فهو لا يظهر للغير فحسب، بل يظهر لذاته كذلك، ويصير موضوعا لشعوره. ان الوعي دائما وعي –لشيء، وبـ شيء: وعي – للذات، ولحضور – الأشياء، ولوجود – الغير. ثم هو وعي – الذات – مع – الآخرين – في – عالم – من – الموضوعات – و – الظاهرات.
إن الكائن، حين يصبح ذاتا شاعرة وموضوعا لشعوره، يصل إلى درجة الوعي (أي الشعور بالشعور) والكائن الواعي، كائن يتعرف على الطبيعة، ويعمل على التصرف فيها. هذا الكائن هو الشخصية.
فبالإضافة إلى كون الشخصية شعورا –بالذات، أي وعيا، انها اتجاه متوتر نحو الشخص. وليس الشخص إلا صيرورة ترمي إلى الكمال، في تصاعدها نحو الإنسان.
ما هي الشخصية؟
إنها الكائن المتأطر، في الزمان والمكان، والذي يبقى معادلا لنفسه، من هذه الوجهة، أي أنه يتلاقي مع محتوى بطاقة هويته. فـ «فلان» هو الشخصية صاحبة الوضع المعين (شهادات جامعية، درجات في الجيش، اعمال...) وصاحبة الملكيات المعينة، والعلاقات المعينة... فالشخصية هي ما نحن عليه، وما نملكه، في نفس الوقت: بطاقة الهوية، حيث تتواجد فيها قسمات الوجه، ولون البشرة، مع المهنة، وتاريخ الولادة (سنوات التاريخ التي نحملها(1) والكائن لا يكون كائنا بشريا إلا على أساس هذه الأبعاد: أحواله المدنية التي تحدد مكانه ووضعه الراهن، وعلاقته وصفاته المميزة (جنس، لون). ثم يدخل الطفل، بعد ذلك، عند يقظة شعوره، في الحقيقة العارية للعالم، ويشعر بنفسه في صميم حضوره المباشر الخاص، بالواسطة التصنيفية لمعطيات بطاقة الهوية. انه يستقبل عملية التشخصن، قبل أن يعي شخصيته.
*
لقد قلنا أننا نقصد بالكائن المعطى الخام. انه الشيء الذي يأتي إلى العالم، فيجده الآخرون هناك. ولكنه حتى في حدود تكوينه البيلوجي، يحتوي على كائنات ممكنة لا نهائية، يستطيع أن يحقق منها هذا أو ذاك. نعم؟ ان الحتمية هي التي تجعل من سجل الولادة عقدا يتجرد به الكائن المتأطر من كتلة امكانيات لا تنضب، كان يحملها في نفسه، فيتركها تنسلخ عنه، لكي يحصل من المجتمع، عوضا عنها، على رخصة يعترف فيها بوجوده، وتضمن بها حياته. ان الكائن الذي يحدد على هذه الصورة، والذي يتبناه الآخرون، ويعترفون به كأحد منهم، ككائن بشري ذي حق في الحصول على بطاقة هوية، لا كموضوع من الموضوعات، هو الشخصية، أو هو الخطوط العامة للشخص. أما الإنسان فهو الكائن –الشخص في صيرورته.
والحقيقة، أن كل ما ذكرناه، إنما هو مجموعة آراء لا تعريفات: فلا يعرف إلا ما هو ثابت، قار، لأن التعريف يتناول الأشياء الميتة، أما الشخص والإنسان، فالحياة هي التي تعرفهما، لأن الحياة، في صميمها، نشاط مستمر. يجب أن تكون معرفتنا للإنسان معرفة دينامية، أي في حركة دائمة، دوام تشخصن الإنسان. ولا يمكن أبدا، ان يكون الإنسان موضوعا للتعريف (لأن الإمكانيات والمعطيات الإنسانية، لأي شخص، لا يمكنها أن ترتكز في حاضره)، ولكن التعريف يتناول عملية التشخصن، وعملية التشخصن في غنى عن كل تعريف باعتبارها صيرورة دائمة. الواقع أننا لا نشاهد من الحركة إلا مظاهر جزئية، ولذلك لا يسعنا أن نحدد إلا مواقف معينة، وفترات من عملية التشخصن، ليست الصيرورة إلا نفيا من حركة دائمة، إنها الكائن المفرد، المتطلع إلى التعدد، نحو سلبيات غير قابلة للتعريف، تتحقق بها القوة الدافعة لسير العالم. انها ترفض أن تنحصر، إلى الأبد، في هذا الشيء أو ذاك.
*
إن ضمير المتكلم  (je) يركز، أثناء تشخصنه، الكائن في الحينونة، أي أنه يدمجه، باستمرار، في الأحداث والأعمال التي تستلزمها حياة الجماعات  البشرية. وكل حدث أو عمل يطالب بتحول جديد، كي يسمح للكائن بالاتصال المستمر مع حقائق الحياة في المجتمع.
وبما أن الأحداث والأعمال مستمرة، وبما أن اتصال الكائن بالحياة الجماعية، اتصال طبيعي مباشر لا تقطع فيه، يجد الكائن نفسه مدفوعا، دائما، من تحول لآخر، كما هو الشأن في لعبة الكرة الطائرة، حيث تقضي قواعد اللعب ببقاء الكرة في حركة مستمرة في الفضاء، حتى إذا مست الكرة الأرض، أو تجاوزت حدود الملعب، توقف اللعب. فضياع التوازن، في اللعب، يقابل انتفاء عملية التشخصين، وذلك حين يعتري الكائن البشري الانفصال عن حركة الحياة الجماعية التي يتجه بها نحو الشخص. فعليه أن يعود إلى تركيز انتباهه في المواقف الجماعية، ويندمج، من جديد، في سلسلة لا تنتهي من التحولات. فكل عودة إلى الكائن المحض، هي انقذاف خارج الميدان الذي تدور فيه الحياة الجماعية. انها أمراض الشخصية: اذن لا بد من العودة إلى الإندماج والتكيف في البيئة.

(1)  انظر كتابنا أحرية أم تحرر؟ الفصل المتعلق بـ «الكينونة والملكية».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here