islamaumaroc

الفولكلور -1-

  دعوة الحق

54 العدد

كنت أود، حين فكرت في موضوع هذا الحديث، أن أتناوله مباشرة في الصميم من غير احتياج إلى  تقديم أو شبهه، لولا شيوع المصطلح الذي نحن بصدده وتبلبل معناه في أذهان العامة من الناس وربما خاصتهم، ولولا كذلك أني أحب السير في الطرق المستقيمة الواضحة التي لا منعطف فيها ولا غبار. فمعذرة للذين يضيقون بالتفسيرات حتى حين تخرج عن نطاق المعاجم والقواميس.
وأول ما أقول أن الفولكلور Folklore  كلمة إنجليزية ترجع في تاريخها إلى أصل جرماني قديم، وهي مركبة من جزئين : فولك Folk ومعناه الشعب أو الجماعة من الناس، ولور Lore ومعناه العلم أو الحكمة. وإذا كان العالم الإنجليزي وليم جيمس تومس William James Thoms هو أول من استعمل هذه اللفظة بمعنى الثقافة المتواترة بين أفراد الشعب وأطلقها اصطلاحا على أحد فروع علم الأجناس أو ما يسمى بالأثنولوجيا، فقد سبقه إلى الاهتمام بمدلولها الفني كثير من الهواة الذين جمعوا بحافز حب الوطن آثار بلادهم الشعبية، أمثال مكفرسون الإنجليزي (1738 ـ 1796) Maepherson، وهردر الألماني (1744 ـ 1803) Herder وتيير (1797 ـ 1877) Thiers وبيرو (1628 ـ 1703)  Perraultالفرنسيين، والأخوين الألمانيين جاك (1785 ـ 1863) وغليوم (1786 ـ 1863) جريم Grimme اللذين كان لهما فضل كبير على أصحاب هذا الفن.
وقد ظهرت للفولكلور في كثير من البلاد الأروبية تسميات مختلفة للدلالة عليه، ففي فرنسا وإيطاليا عرف بالتقاليد الشعبية Tradition populaire والأدب الشعبي Littérature Populaire، وفي ألمانيا أطلقوا عليه الفولكسكندي Volkskunde، بل وجد في إيطاليا عالم هو جيوزبي بيتري Giuseppi Pitrè سماه ديموسوكولوجيا Demosocologia أي علم نفسية الشعب، وهذا ما يفسر لنا اتجاه علماء الفولكلور إلى علم النفس وبعض الفلسفات بحاولون تفسير مادته. ومع ذلك فقد وافقت معظم دول العالم بما فيها البلاد المذكورة على استعمال كلمة فولكلور، وبقيت البلاد العربية والشرقية عامة في أخذ ورد يختلف كتابها حول استعمال هذا المصطلح أو ذاك. فمنهم من ينقل كلمة فولكلور بلفظها ومنهم من يعربها حتى لا تناكر الوزن العربي وصيغته، ومنهم من يترجمها بالتراث الشعبي أو الفنون الشعبية أو الأدب الشعبي أو المأثورات الشعبية وهي الترجمة التي أقرها المجمع اللغوي في القاهرة. وكانت آخر هذه المناقشات ما كتبه الأستاذ العقاد (1) الذي يقترح استعمال « المرددات الشعبية » وبفضلها على نقل كلمة الفولكلور بلفظها، وحجته أن الفولكلور بطبيعته شيء يتصل بملامح الأمة وخصائصها ويدل على الخلائق والعادات التي تميزها من غيرها، فلا يصح أن تطلق عليه كلمة مستعارة من لغة أجنبية وأنه لا معنى لهذه الاستعارة مع إمكان الترجمة وإمكان الاستغناء بها عن النقل أو التعريب. ويرى أنها أصلح من كلمة « التراث الشعبي » لأن التراث يطلق على الآثار المحفوظة من الأدب والحكمة، وليس هذا هو المقصود بأدب الفولكلور عند الغربيين، فإنه قد يكون متداولا في الوقت الحاضر، ولا يشترط أن يكون تراثا موروثا من الماضي منقطعا بانقطاعه، وهو فيما عدا ذلك قد يشتمل على الحكمة وغير الحكمة، وقد يكون فيه السقط من الكلام والمكروه من المراسم والعادات.
وإذا كان خلاف علماء العرب يدور حول استعمال هذا اللفظ أو ذاك، ففي أروبا خلاف من نوع آخر، يتناول موضوع الفولكلور ذاته. فهارتلاند Hartland من جمعية الفولكلور الإنجليزية يرى أن موضوعه المأثورات والتقاليد، وتشعل الطقوس والمعتقدات والآراء والأمثال والحكم والأناشيد وكل ما يحتفظ به الشعب من تاريخه القديم. والمقصود بالمعتقدات تلك التي نسخت وظائفها العقيدية، أما الشعائر الحية فتندرج تحت الميتولوجيا أو علم الأساطير وهو غير الفولكلور.
ويضيف جوم Gomme إلى هذه الأشياء المعتقدات الخرافية وما ظل في ذهن الشعب من معارف قديمة سواء ما اتصل منها بتاريخ الدين أو السياسة.
أما تيلور Taylor فيذهب إلى أن موضوع دراسة الفولكلور هو الرجل الساذج متحضرا كان أو بدائيا.
وغير هؤلاء علماء كثيرون يرون أن دراسة الفلكلور تنتظم المأثورات الشفوية والآداب والفنون الشعبية القائمة على الأساطير. وعلى أساس هذه الفكرة يرى موار Muller ضرورة البحث عن أصول الأساطير والقصص الشعبية المعروفة في أوربا هندية الأصل، وصلت إلى أروبا عن طريق شعوبها الهندية الأروبية أو عن طريق العرب والفرس.
وكان نتيجة لهذه الدراسات والآراء المختلفة أن اتسع معنى الفولكلور، وأصبح يدل على كل ما ينتجه الشعب في الميدانين المادي والأدبي في ماضيه وحاضره بجميع طبقاته بدائية كانت أو متحضرة، كل ما يميزه عن باقي التراث أنه لا يقوم على أسس مدروسة.
وكان كذلك أن أحس المهتمون به ضرورة تكتيل الجهود وتوحيد النشاط، فكونوا في إنجلترا سنة 1878 أول جمعية لفلكلور ضمت كثيرا من المشتغلين بفنونه، هدفها صيانة المأثورات الشعبية وجمع الأشعار والأمثال والحكم والعادات وغير هذا مما يتصل بحياة الشعب ويصدر عنه، وأنشأت لذلك « صحيفة الفولكلور » التي تعتبر ثاني صحيفة لهذا الفن، إذن إن الأولى صدرت بباريز سنة 1875 وكان اسمها Mélusine ميلوزين. ومثل هذه الجمعية والصحيفة جمعيات وصحف كثيرة أنشئت في روسيا وفنلندا وغيرهما، بل أن في أمريكا وحدها ما يزيد على خمسين هيئة للفنون الشعبية كانت أولها « الجمعية الأمريكية للفولكلور » التي تأسست سنة 1888.
كما أنهم دعوا إلى مؤتمرات قصد تبادل الآراء ووجهات النظر، فكان أن انعقد بباريز سنة 1889 أول مؤتمر دولي للفولكلور، تلاه مؤتمر لندن سنة 1891، والمؤتمر الدولي للفولكلور الذي عقده المعهد الدولي للتعاون الثقافي التابع لعصبة الأمم سنة 1927، ثم مؤتمر رومة الذي تمخضت عنه لجنة دولية للفنون والتقاليد الشعبية. وقد دعا اليونسكو « صيانة الفنون الشعبية وتنميتها » وانتهوا إلى تحديدها كما يلي :
ـ النحت والتصوير الشعبي.
ـ الفنون التطبيقية الشعبية
ـ الموسيقى والرقص والتمثيل
ـ الأدب والفنون اللفظية الشعبية.
وغير هذه وتلك مؤتمرات كثيرة عقدت في مختلف البلاد الأروبية والأمريكية وخاصة في بلجيكا وفنلندا والبرازيل. وبلغ من اهتمام هذه البلاد بالفولكلور أن أقامت له متاحف وخزائن قيمة أهمها متحف موردسكا الذي أسس في السويد سنة 1872 والذي يعد من أكبر متاحف الآثار الشعبية في العالم، والقسم الخاص بالفولكلور في مكتبة الكونجرس الذي يشتمل على أزيد من خمسين ألف أغنية شعبية.
ولم تقتصر العناية بهذا الفن على مظاهر هذا النشاط، بل توجت بإدراجه في برامج الجامعات وإنشاء كرسي لأستاذيته. وكانت جامعة هيلسنكي (2)
هي أول ما أسرعت إلى تقرير مادته سنة 1888 ثم تبعتها جامعات السويد والدانمارك وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وغيرها من البلدان.
وقد يتساءل القارئ بعد هذا : « وماذا عسى أن يكون حظ العرب في هذا الفن؟ » وقبل أن أرد على هذا التساؤل أشير إلى حقيقة لا يجب إغفالها وهي أن النهضة العربية التي اكتسح تيارها مختلف ميادين الحياة وفروعها لم تكن لتغفل التراث الشعبي بما يحمل من مظاهر حضارية وثقافية تبرز ذاتية الأمة وشخصيتها. وسوف لا أتحدث عن المغرب وعنايته بالآثار الشعبية، فهذا موضوع سأتناوله في بحث خاص، وإنما سأشير بقصد التمثيل إلى بعض مظاهر نشاط البلاد العربية في هذا الميدان، خاصة الجمهورية العربية المتحدة فقد أنشأت بالمجلس الأعلى للفنون والآداب « فرقة الفنون الشعبية » و « لجنة الفنون الشعبية » وكانت تسمى أول الأمر « لجنة أدب اللهجات الدارجة » و « مركز الفنون الشعبية » يضم مكتبة تشتمل على كثير من النماذج المسجلة، كما أنشأت سنة 1957 « متحف الحياة والفنون الريفية » عرضت فيه الصناعات والأزياء الريفية وغيرها مما يتصل بحياة الريف في مصر. ومثله متحف التقاليد الشعبية الموجود في دمشق.
وأذكر أن حكومة الجمهورية العربية المتحدة أوفدت سنة 1960 بعثات ثلاثا إلى جامعة استكهولم وادنبرة ومعهد أنديانا بأمريكا قصد التخصص في الفنون الشعبية. وما ينبغي الإشارة إليه أن وزارة الثقافة والإرشاد في هذه الحكومة ترصد كل سنة جوائز للمهتمين بهذه الفنون، قيمة الأولى منها ألف جنيه أي ما يزيد على عشرة آلاف درهم.
وفي جامعة القاهرة قررت مادة الأدب الشعبي في قسمي الليسانس والماجيستير، بل أنشئ لها كرسي أسند لأستاذنا الدكتور عبد الحميد يونس الذي كان قدم أطروحة عن « الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي ». ومثل السيد يونس أستاذتنا الدكتورة سهير القلماوي التي نالت درجة الدكتوراة برسالة عن « ألف ليلة وليلة »، والأستاذ أحمد رشدي صالح الذي كتب « الفنون الشعبية » و « والأدب الشعبي »، والسيدة نفيسة الغمراوي التي تحدثت في كتابها « حركات شعبية قومية » عن الرقص الشعبي والدكتور عبد الرزاق صدقي صاحب « الفنون الريفية »، والأستاذ سعد الخادم الذي ألف « معالم من فنوننا الشعبية » وغيرها من الكتب المتعلقة بهذا الفن.
وقبل هؤلاء المرحوم أحمد أمين، فقد ألف « قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية ». وفي غير مصر نجد الأستاذ عبد الله بن خميس يكتب عن « الأدب الشعبي في جزيرة العرب »، والأستاذ محمد العبودي يكتب عن « الأمثال العامية في نجد ».
وإذن فقد ازدهرت دراسة الفولكلور واستقرت قواعدها ومناهجها على نحو ما يبدو من الاهتمام البالغ الذي أوجزنا عنه القول، والذي يرجع في الحقيقة إلى عوامل ساعدت على ازدهار هذا العلم بل على ظهوره واستقلاله قبل أن يطلق عليه اصطلاح الفولكلور، يمكن حصرها في النقط التالية :
أولا : الاتجاه الديمقراطي الذي رفع من الشعب وشأنه ولغته وعاداته وجعله شيئا فشيئا يأخذ مكانة الأسياد والنبلاء الذين كانوا يسخرونه في احتقار وعنف مقابل الفتات والفضلات.
ثانيا : الخوف على مظاهر حياة الشعب التقليدية من الزوال، والرغبة في المحافظة عليها بعد أن أخذت تضيع نتيجة لهذا التطور الجذري في حياة الشعب، خاصة بعد أن ألف ممارسة أساليب العيش الجديدة.
ثالثا : الكفاح من أجل التحرر والاستقلال وما سببه من ثورات كانت حافزة للشعوب أن تلتفت نحو ذاتيتها وشخصيتها وأن تحافظ في حماس على مظاهر حضارتها ومقومات ثقافتها مهما كانت بسيطة أو بدائية.
رابعا : توسع الاستعمار واتصاله بالشعوب وتراثها وعاداتها وتقاليدها ومحاولته بالبحث والدراسة والترجمة أن يكشف النقاب عن خصائص هذا الشعب أو ذاك من خلال ظواهره الاجتماعية التي تبين عن مستواه الفني والحضاري.
خامسا : الرغبة في الإبداع الفني واستنفاذ الطاقات القديمة وما نتج عنهما من تحول نظر الأدباء والموسيقيين وغيرهم من رجال الفن إلى حياة الشعب وأثاره عسى أن يجدوا فيها ما يستوحوه منه مادة إنتاجهم. وقد كان للرومانسيين أثر كبير في هذا المضمار.
سادسا : تقدم مناهج الدرس والبحث والاكتشافات الجديدة في علم الإنسان والأجناس، وما أسفر عنها من علوم اجتماعية جديدة كانت حافزة إلى التنقيب عن الظواهر الاجتماعية عند الشعوب.
بقي أن أقول كلمة عن مادة دراسة الفولكلور والغرض منها. أما المادة فكتب الأدب والتاريخ والحضارة والرحلات إلى جانب الاتصال المباشر بالجماعات البشرية وملاحظة الحياة والناس والعاديين منهم بصفة خاصة، أو ما يسميه بعض الدارسين بالبحث الميداني، ويعتبر أهم مصدر يستقي الباحث منه.
وأما الغرض من دراسته فالكشف عن خصائص الشعوب وظواهرها الاجتماعية قصد التعرف على مستواها الفني والحضاري وتفسير كثير من ألوان حياة أفرادها وسلوكهم، إذ لا علم غير الفولكلور يستطيع الكشف عن الحياة الاجتماعية والتغيرات التي تطرأ عليها شرا كانت أو خيرا. هذا بالإضافة إلى غرض آخر هو إثبات عراقة الأمة في الحضارة والثقافة ومقارنتها بغيرها من الأمم والشعوب.
وبعد ، فهذه مقدمة دراسة الفولكلور لم أقصد منها غير إلقاء بعض الضوء على مفهوم هذا الفن الجديد. وعسى أن أكون وفقت إلى التعريف به في وضوح وإيجاز، وبالتالي إلى تهيء القارئ في غير إجهاد لما ينشر من أبحاث حول آثارنا الشعبية.

(1) مجلة « الشهر » العدد 9 شهر نوفمير 1958.
(2) Helsinki عاصمة فنلندا

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here