islamaumaroc

دعوة للحق

  دعوة الحق

54 العدد

يخطب الخطباء على المنابر على تعاقب الشهور والأعوام، ويتناوب المرشدون على كراسي الإرشاد، والأعوام، ويتناوب المرشدون على كراسي الإرشاد، وتنشر المجلات والجرائد اليومية للعموم المقالات المفعمة بالنصائح والتوجيهات، وإلى جانب ذلك تتكرر المحاضرات في شتى الموضوعات هدف الجميع تغيير وضعية المجتمع ورفع مستواه الثقافي، وبالرغم مما بدل من الجهود في هذا الباب فلا يسعنا إلا الاعتراف بأن دار لقمان هي دار لقمان لم يلح في أفق الإصلاح ما يؤذن بأن الحالة تحسنت والأخلاق تهذبت، قل إن تحضر مجلسا لا تسمع فيه التذمر والشكوى مما يشاهد ويسمع في الغدو إلى الرواح مما ذكرني قول القائل:
كنا إذا جئنا لمن قبلكم
       بادر بالترحيب قبل السلام
والآن صرنا حين ناتيكم
       نقنع منكم بلذيـذ الـكلام
لا يدل الله بكم خشية
       من أن يجي من لا يرد السلام
وفي معناه :
إن دام السير يا مسعود
       لا جمل يبقى ولا قعود
من أجل ذلك لجأت الضرورة إلى تغيير أساليب الإرشاد، وتحويل وجهة التوجيه لعل الله يهدي رجال الإصلاح للتي هي أقوم، لذلك جئت بهذا المقال الافتتاحي في بابه أودي زكاة ما عندي من تحصيل وتجارب، مساهمة في المشروع الذي استلفت الأنظار إليه عملا بقول حكيم الشرق واحد زعماء الإصلاح العظام المرحوم جمال الدين الأفغاني حيث يقول لرفيقه وشريكه في عملية التجديد الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية في وقته.
ما من أحد بأصغر من أن يعين
       ولا أكبر من أن يعان
وفي معناه ما يؤثر عن التابعي الجليل سعيد ابن المسين ومن خبره أنه كان .... إحدى عينيه في الجهاد وبعد مدة سمع النفير لغزوة أخرى فكان في طليعة من هبوا إليها عملا بقول المربي الأعظم : رحم الله رجلا ممسكا بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها، فقال له بعض معارفه يا سعيد سقطت عنك فريضة الجهاد لأنك من أولي الضرر فإن الله يقول : لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله فكان الجواب من سعيد : (إن الله استنفرنا خفافا وتقالا إذا لم يمكني قتال الله السواد وأحفظ المتاع)، نعم بمثل هذه الروح، بمثل هذه العقيدة بسط الإسلام سلطانه على إنقاض الدولة الرومانية في الشام وما حوله، وقضى على دولة الأكاسرة، ولولا هذه الروح ما قام للإسلام عمود ولا اخضر للإيمان عود، ويؤيد القول أيضا بضرورة تغيير أساليب الإرشاد ومناهج الوعظ هو أن أبناءنا أصبحوا اليوم يتخرجون من الجامعات والكليات ومن كان هذا شأنه تدفعه ملكته العلمية إلى ربط المسببات بأسبابها، والنتائج بمقدماتها لا يقنعون بقال فلان وروى فلان، بل رائدهم وحاديهم فيما يسمعون أويقرؤون العقل والمنطق، وبعد هذا وذاك فإن أوثق وأصح مقياس لمن أراد الكتابة أو الكلام على الإسلام أن يجعل نصب عينيه بادئ بدء أن رسالة الإسلام عامة (وما أرسلناك إلا كافة للناس ـ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)، ورسالة بهذه الصفة من العموم والشمول، الشأن فيها أن تكون مرجوة القبول ممن تعرس عليه مهما كانت جنسيته، العربي والعجمي في ذلك سواء، ولا تكون مرجوة القبول إلا إذا كانت مبراة الساحة من الأساطير والخرافات ومختلف الأسانيد التي  لا تمت إلى العقل بصلة، ولا تتجاوب مع السنن الكونية والنظم الاجتماعية، وعلام الغيوب سبحانه وحده يعلم ما تنطوي عليه أكداس التفاسير ودواوين الأثار الأمر الذي دفع الكاتب الشهير المرحوم إسحاق النشاشبي إلى الصيحة التي صاحها في كتابه الإسلام الصحيح حيث قال في فورة من الغضب : (دين محمد ما هو لا في التفاسير ولا في كتب الحديث، محمد لا يخالف ربه)، ومن المعلوم أن كلامه هذا لا يؤخذ على عمومه، إنما قصده بأن قناة الإسلام في أمس الحاجة إلى عملية تطهير. وفي معناه جاء في تفسير المنار من كلام مفتي الديار المصرية المرحوم الشيخ محمد عبده في آخر سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى : وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله. ما نصه: (فلو انتقدت من جهة سندها لقضت المنون على كثير من الأسانيد بالنقض، ومن كلام هذا الزعيم العظيم أيضا قوله : صلاح الإسلام يكون بالقرءان وشيء قليل من السنة.
والقول الفصل فيما نحن فيه من أن النهضة التي ننشدها في أمس الحاجة إلى تهذيب في أساليب الإرشاد هو ما نقتبسه من سورة المائدة، وشرح ذلك أن الأمم إلى ائتمنها سبحانه على وحيه في آخر الأمر ثلاثة : اليهود على الترتيب الزماني فقال : وكيف يحكمونك وعندهم التوارة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين. إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتال الله وكانوا عليه شهداء. الخ الآية، وثني بالنصارى فقال عز من قائل : وقفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور. ثم ثلث بالمسلمين فقال : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه. فالقارئ يرى أن القرءان جاء مهيمنا ورقيبا على كتاب كليم الله موسى، وعلى كتاب روح الله وكلمته عيسى بن مريم، فإذا كان القرءان مهيمنا على الكتب السماوية أفلا يجدر به ويحق له أن يهيمن على ما سواها من سائر الكتب إبان كان أصحابها، فكان بهذه الخصوصية شبه محكمة النقض والإبرام يجب أن يعرض عليه من جديد ما علق بأصول التربية الصحيحة من مزيج التقاليد والتعاليم الزائفة التي تنتشر عدواها فيما بين الأمم بحكم الجوار والمخالطة من جهة، وبحكم ما يحاك من المؤامرات من طرف خصوم الإسلام من الجهة الأخرى، فإنهم لما أعياهم إطفاء نوره وإحباط دعوته لجأوا إلى الكيد والدس في تعاليمه والمبادئ التي جاء بها لما فيها من قلب للأوضاع التي تقبلتها أنفسهم، ومن تنديد بالغلو الذي خرج من حظيرة التعاليم المقدسة التي لا تزال حمرة شفقها في كثير من الآيات البينات من الكتاب العزيز، (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين. لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا أنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم. الذين آتيناهم الكتاب من قبله ـ أي من قبل القرءان ـ هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا أنه الحق من ربنا أنا كنا من قبله مسلمين أولئك يوتون أجرهم مرتين. وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة). نعم إلى جانب هؤلاء الذين أشاد القرءان بمناقبهم وشهد لهم بأنهم تبوأوا مقعد صدق في برازخ الإيمان ظهرت طائفة أخرى في نفس العهد تكيد للإسلام في السر والجهر تستعمل الأخضر واليابس في التنفير منه، ومن هنا جاءت الإسرائليات التي يندد بها علماء المسلمين ويحذرون من الوقوع في حبائلها، وما يقال في اليهود يقال في المبشرين من الجانب الآخر: ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم.
وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا ءاخره لعلهم   يرجعون ـ ولا غرابة في صدور مثل هذا من مثل من يقولون ويعتقدون نحن أبناء الله وأحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ـ كبر عليهم أن يجيء ما يهدم هذا الاعتقاد ويحطهم من هذه المرتبة الممتازة ليلحقهم بمستوى العموم تقريرا للقاعدة التي جعلت أساس التفاضل الأعمال عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال : أن رجلا دخل الجنة فرآى عبده فوق درجته، فقال يا رب هذا عبدي فوق درجتي، فقال له سبحانه نعم جزيته بعمله وجزيتك بعملك (نقلا عن الخطيب البغدادي ج 7 ص 129)، وفي معناه جاء في أسباب النزول أن اليهود كانوا ذات يوم يتفاخرون مع المهاجرين والأنصار في المدينة يقولون نحن شعب الله المختار ينص القرءان نفسه حيث يقول : يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين. إلى غير ذلك من الآيات فيجيبهم المسلمون : نعم كنتم وكنتم فضلكم الله على عالمي زمنكم ولكن صدر منكم ما أوجب عزلكم فقد بلغت بكم الحال إلى قتل الأنبياء بغير حق : فيما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق). ثم نظر سبحانه في خلقه وهو أعلم بهم فوجدنا أحق الناس وأولاهم بحمل أمانة الرسالة، كنتم خير أمة أخرجت للناس ويكون الرسول عليكم شهيدا. بينما هم في تفاخرهم نزل قول الله عز وجل : ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. معناه ليس أمر نجاتكم وسعادتكم منوطا بأمانيكم ولا نجاة أهل الكتاب منوطة بأمانيهم والاعتزاز بالانتساب إلى أنبيائهم وكتبهم، من يعمل سواء منكم معشر المسلمين أو منكم يا أهل الكتاب يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا.
يعني من يعمل سواء يلق جزاءه لأن الجزاء بحسب سنة الله تعالى أثر طبيعي للعمل، روى حديث عن الحسن : ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهذا الحديث عند من يتأمله بتجاوب مع قوله تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون.
اعتبر المفسرون والكتاب من المصلحين هذه الآية كبرنامج عام للإسلام من الناحيتين الخلقية والروحية وبطبيعة الحال الناحية الاجتماعية تابعة لهاتين الحلتين.
والخلاصة أن الغاية المتوخاة من هذا المقال أن الطريقة المثلى لنجاح الإصلاح هي كما قلت في البداية في تطهير قناة الإسلام مما يشوبه من كثرة الروايات والأساطير لا سيما فيما كان من هذه الروايات والأساطير ماسا بجوهر الدين وأسسه، وأجدد الذكر بأن الإسلام دين عام والعام من شأنه أن يكةن مظنة القبول ممن يعرض عليه والأساطير والروايات المتضاربة غير مرجوة القبول، هذا هو المقياس الذي يطلب من كل مرشد أن يتمسك به ويجعله نصب عينيه ويرحم الله ابن عمار حيث يقول :
وإذا ما النسيم كان دليلي
        لم يحلني سوى على الأزهار


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here