islamaumaroc

معرفة وجود الله

  دعوة الحق

54 العدد

إلى معالي العلامة الكبير الدكتور عبد الرحمن الكيالي أدام المولى فضله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فقد طلعت على تلك الصفحات الميمونة التي تفضلتم بإهدائها إلى بعد استيفائكم لمطالعة كتابي في حياة الإمام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي، فابتهجت بها، واستفدت منها الشيء الكثير، وإني أقدم إليكم شكري الخالص، وثنائي العطر، على ما أتحفتموني به من فضل ونبل، وأسأله سبحانه أن يجزيكم عنا وعن العلم خير الجزاء.
إن الذي دعاني إلى دراسة كثير من مصنفات فريد عصره ابن تيمية، وإيجاز كل موضوع منها بصفحات، هو حاجة عصرنا إلى مثلها، وعدم اتساع أوقات الدارسين لمطالعتها، والغاية منها ألا تنقطع السلسلة بيننا وبين هدى السلف.
ولقد ذكرتني شجاعة شيخ الإسلام ابن تيمية لدى السلاطين والأمراء بكلمة السيد الإمام، محمد رشيد رضا، إذ كان بدمشق الشام في عهد الحكومة العربية الفيصلية فكنت كلما قدمت إليه عالما، يسألني عن شجاعته، إذ كنت أصفه له بعلمه، وكان يقول لي أن الشجاعة هي التي تظهر العلم والحق، وتمحو الخوف والباطل.
ومن ذلك سعيه المشكور في أطلاق أسرى المسلمين والمسيحيين واليهود على السواء، بعد أن خاطب في شأنهم غازان وقطلوشاه وأصر على فك أسر الجميع من أيدي التثار فأجيب إلى طلبه بعد إصراره. وقد أعادت هذه المأثرة إلى الذاكرة كلمة الطيب الذكر غرغوريوس بطرك الروم الأرتودكس حين قال له الملك فيصل الأول : بايعني على العروبة، قال بل أبايعك على الإسلام أيضا، قال : تبايعني على لإسلام وأنت رأس النصرانية في هذا البلاد قال : نعم، لأني أعلم أن الإسلام لا يظلم ولا يهضم.
أوردتم بعد ما عرضتم خلاصة ما ورد في الكتاب ذلك العرض الجميل، ما ألهمتكم إياه مطالعته في سؤالين، الأول : ما هو الأهم للإنسان العاقل قبل كل شيء : هل معرفته وجود الإله؟ أم معرفة ذاته وصفاته؟ والثاني هل الفكرة الإلهية أصيلة في الإنسان، وكيف كانت تطورت؟ ونوهتم بأن في الجواب عنهما ما يغني عن البحث في القضايا التي هي مصدر الخلافات، ومبعث الشقاق والنظريات ثم قلتم :
أجل يجب البحث أولا عن وجود الله، لأنه هو الحقيقة التي تكمن في الموجودات، ولأن عقلنا الذي هو وسيلتنا لمعرفة الحقيقة سيظل باحثا عنها وعن الموجودات حيب طاقته ومقاييسه.
وأقول : هذا حق، ولم يفت علماءنا السابقين ذلك، على أنهم رأوا أن الشعور بوجود الله تعالى أمر فطري، والإذغان بخالق قادر فوق المادة، محيط من وراء الطبيعة شيء غريزي في الإنسان مفطور عليه وهو عقد في المرء طبع عليه جنانه، وتأثره لسانه وبيانه.
وأما معرفة الله المكتسبة فمعرفة توحيده وصفاته، وما يجب أن يثبت له من الصفات وما يجب أن ينفى عنه، وهذه المعرفة هي التي دعا الأنبياء إليها، وحثوا عليها، ولهذا قالوا (عليهم الصلاة والسلام) لمن بعتوا إليهم: قولوا :  لا إله إلا الله، ولم يدع أحد منهم إلى معرفته تعالى بكنهه وحقيقته، بل دعا إلى توحيده.
وقد جعل تعالى لكل إنسان من نفسه وبدنه عالما صغيرا، أوجد فيه مثل ما هو موجود في العالم الكبير، ليكون مع كل أحد نسخته يتأملها في الحضر والسفر، والليل والنهار، فإن نشط وتفرغ للتبسط في العلم نظر في الكتاب الكبير الذي هو العالم، فيطلع منه على الملكوت ليعزز علمه، ويتسع فهمه.
قلت : أنه لم يفت علماءنا وحكماءنا من قبل، إقامة الدلائل الواضحة على وجود الله تعالى، كالفارابي، وابن رشد، وابن مسكوبه، والقزويني، والراغب الأصفهاني، والزمشخري، وحجة الإسلام الغزالي والفخر الرازي، والوزير جمال الدين ابن المغطي، المؤرخ ابن خلدون، ومحمد بن المرتضى اليماني وغيرهم من حكماء المتأخرين والمعاصرين.
ومن كلام الفارابي في قوله تبارك وتعالى : « وإن من شيء إلا يسبح بحمده، لكن لا تفقهون تسبيحهم» صلت السماء بدورانها، والأرض برجحانها، والماء بسيلانه، والمطر بهطلانه، وقد تصلي له ولا تشعر، ولذكر الله أكبر، وقال الحكيم ابن رشد في مناهج الأدلة : الذي قصده الشرع من معرفة العالم هو أنه مصنوع لله تعالى ومخترع له، وأنه لم يوجد عن الاتفاق ومن نفسه، فالطريق التي سلك الشرع بالناس في تقرير هذا الأصل، هي من الطرق البسيطة المعترف بها عند الجميع. ومن رأي الحكيم ابن مسكوبة، أن الاستدلال بالحركة على الصانع أظهر الأشياء وأولاها. ومن أدلة الإمام القزويني في سراج العقول، على أن معرفة الله واجبة، كونها من الأمور التي تصل العقول إليها، فإن الإنسان إذا دهاه أمر وضاقت به المسالك، فلابد أن يستند إلى إله يتأله له، ويتضرع نحوه، ويلجأ إليه في كشف بلواه، ويسمو قلبه صعودا إلى السماء ويشخص ناظره إليها من حيث كونها قبلة لدعاء الخلائق أجمعين. وفي ذريعة الراغب الأصفهاني، من أشرف ثمرة العقل معرفة الله تعالى وحسن طاعته والكف عن معصيته، فمعرفة الله تعالى مركوزة في النفس، وهي المشار إليها بقوله تعالى : « فطرة الله التي فطر الناس عليها » وبقوله : « صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة » فهذا القدر من المعرفة في نفس كل واحد.
واستشهد الزمخشري بآية « وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم، وأشدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى » قال : ومعنى ذلك أنه نصب الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى. والغزالي في المضنون الكبير سمى الدليل العقلي ـ وهو شهادة كل مخلوق على خالقه وموجده، كشهادة البناء على الباني والكتابة على الكاتب ـ لسان الحال، والمتكلمون يقولون : هذه دلالة الدليل على المدلول، والحمقى من الناس لا يعرفون هذه المرتبة ولا يقرون بها.
هذا وأن علماء الهيئة مجتمعون على كروية الأرض وانعزالها في الفراغ، وعدم ارتكازها على شيء غير قدرة الله تعالت أسماؤه، وترى الفخر الرازي يشير إلى كروية الأرض في مواضع من تفسيره منها في تفسير آية « وهو الذي مد الأرض » وآية « إن في خلق السموات والأرض» وكذلك الإمام ابن حزم في الفصل، فقد عقد مطلبا لبيان كروية الأرض، قال في مقدمته : لم ينكر أحد من المسلمين رضي الله عنهم تكوير الأرض، ولا يحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة، بل البراهين من القرءان والسنة قد جاءت بتكويرها. وقد قال الوزير جمال الدين ابن القفطي: علوم الهيئة طريق إلى الإيمان، ومعرفة قدرة الله عز وجل فيما أحكمه ودبره. ومن الأدلة العقلية على وجوده تعالى الافتقار إلى سبب الأسباب، فإن الحوادث في علم الكائنات سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية، فلابد لها من علل وأسباب متقدمة عليها، ولا تزال تلك الأسباب مرتقبة حتى تنتهي إلى سبب الأسباب وموجدها وخالقها. ومن رأي الحكيم ابن خلدون أن هذا الدليل أقرب الطرق والمئاخذ العقلية لمعرفة الخالق تعالى. ومن كتاب إيثار الحق لأبي عبد الله محمد بن اسماعيل اليماني قوله : اتفق المسلمون وغيرهم على أن العالم في الهواء أرضه وسماؤه وما فيه من البحار والجبال وجميع الأثقال، وقد ثبت بضرورة العقل أن الثقيل لا يستمسك في الهواء إلا بممسك. .وإلى هذا الدليل الإشارة بقوله تعالى : « ومن آبانه أن تقوم السماء والأرض بأمره » وقوله سبحانه : « إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ». ومن الأدلة الملزمة طريق الإمكان، فإن كل ممكن يحتاج إلى سبب يعطيه الوجود، وهو موجبه الواجب الوجود، ومنها : نظام الأكوان، وآية الإنسان، واستحالة كون العالم لنفسه، وتاريخ الخليقة، وتسلسل النبوات، وشهادة الفلاسفة الأقدمين، وأخذ العقل السليم في الخشية، والخروج من الحيرة.
ومنها إثبات وجود الله تعالى والرد على النهريين للسيد جمال الدين الأفغاني، وكانت وفاته في أوائل هذا القرن الرابع عشر الهجري، وللشيخ محمد عبده في تفسير قوله سبحانه « فلينظر الإنسان مم خلق » وللسيد محمد رشيد رضا في تفسيره وفتاويه ومناره، ولشيخنا الجمال القاسمي في كتابه « دلائل التوحيد » ولوالدي الشيخ بهاء الدين في صفوة الشراب، في رد الجواب، على الأسئلة التي كانت وردت من اليابان، وأولها : ما الدليل على وجود الإله الذي تدعوننا إليه؟ وهذا الجواب مخطوط لم يطبع هذا ما حضرني في هذا المقام : وأختم كلمتي كما بدأتها بشكركم على ما أتحفتمونا به في صفحاتكم المشرقة والسلام عليكم وأزكى التحية.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here