islamaumaroc

نظرية ابن رشد في التوفيق بين الشريعة والفلسفة -1-

  دعوة الحق

49 العدد

عرض ابن رشد نظريته في التوفيق في كتاب يجمع بين ثلاث مؤلفات هي: (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) وضميمة لمسألة القديم وهي ملحقة بالرسالة السالفة يبحث فيها المؤلف موضوع علم الله بالجزيئات ويحاول أن يحل المشكلة، وأخيرا (كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة) هذه الكتب الثلاثة تجمعها دفة مجلد واحد، يعتبرها غوتيه عظم عمل قام به الفيلسوف في مسألة الاتصال بين الدين والفلسفة من خلال هذه الرسائل. وذلك في كتابه السابق الذكر (نظرية ابن رشد في علاقة..) ويمكننا أن نضيف كمكمل لنظرية ابن رشد هذه، بعض الملاحظات الواردة في التهافت، عن صلة الدين بالفلسفة، حيث تعرض لبعض النقاط كمسألة بعث النفوس والاجساد من غير الناحية التي تعرض لها في الكتب الأخرى.
وأول منكشف عن كتاب الفصل ولواحقه وطبعه بالعربية هو المستشرق الألماني ج موللر سنة 1859، وإلى هذا التاريخ، كانت هذه الكتب مخطوطات، وهي لا تعد في جملة ما ترجم من كتب ابن رشد إلى اللاتينية ولذلك فلا العالم الإسلامي ولا العالم المسيحي  كان مطلعا عليها، لأنها في العالم الإسلامي لم تلاق الاهتمام الذي تستحقه، وفي العالم المسيحي  كانت غير معروفة لأنها لم تترجم إلى اللاتينية كما هو لشأن كتبه الأخرى، اعني شروحه على ارسطو وكتبه الأخرى.
وقد افلتت نظرية ابن رشد في هذه الرسائل  من الباحثين، حتى المتأخرين منهم –كما يذكر غوتييه  الذين لم يكن ينقصهم الإلمام بالعربية ولا كانت تعوزهم المصادر في أصولها العربية.
كانت نظرية ابن رشد في التوفيق بين الشريعة والفلسفة ضحية أخطاء سببتها الأفكار المسبقة التي كانت شائعة منذ القرون الوسطى عن هذا الفيلسوف، كزندقته وبعده عن الدين، أو "ازدواج الحقيقة" لديه، أي اعتناقه مذهبا  ذا اتجاهين، فلسفيا في ميدان الفلسفة، وآخر إيمانيا عندما يتعلق الأمر بالعامة. وترجع هذه الأخطاء في الحقيقة إلى شهرة ابن رشد في الغرب المسيحي منذ القرن الثالث عشر على أنه صاحب  مدرسة مبطلة تنكر مبادئ جميع الديانات، بدعوتها إلى مبادئ جميع الديانات، بدعوتها إلى مبادئ كعدم بقاء النفوس الفردية، وخلود النفس الكلية فحسب، وان الفلاسفة هم الحكماء الوحيدون ..الخ.. وقد كان لابن رشد المزيف هذا اتباع عرفوا باسم "الرشيديين" يحملون هذه المبادئ التي تختلف في أكثر الأمر عن حقيقة رأي ابن رشد.
واستهدف اسم "الشارح الأعظم" للوصم بالزندقية واستهدفت مبادئه المزيفة وخصوصا شهرته المزيفة كعدو للدين لغضب الكنيسة الكاثوليكية وتحريمها، وكذلك إتباع ابن رشد الوهميون تعرضوا لسخط الكنيسة وانتقامها، وكانوا ضحية الاضطهاد الذي كثيرا ما وصل إلى الموت حرقا.
وقد كان لليون غوتييه، فضل تبيين موقف ابن رشد الحقيقي من الدين تبيينا نهائيا، والكشف عن الاغلاط التي ارتكبت في حق هذا الفيلسوف نتيجة الافكار المسبقة.
ونظرية ابن رشد أخذت بناءها العام النهائي من الوجهة النظرية وفي ناحية من الوجهة العملية في كتاب الفصل، أما كتاب الكشف فهو تطبيق لمنهج التوفيق، باستخراج الدلائل على الحقائق الدينية الأساسية (كوجود الله، وبعث الرسل، والايمان باليوم الآخير ...) من ينبوعي الدين الأساسيين في الديانة الاسلامية القرءان والحديث.
ومما يفجأ الخيال ويمتع الحاسة الفنية، في أسلوب عرض هذه النظرية، تلك السهولة والبساطة في التعبير، اللتان اقتبسهما ابن رشد ولاشك من فلاسفة اليونان. فهو يبدأ كتابه (فصل المقال) بمحمد الله والصلاة والسلام على رسوله قائلا:(فان الغرض من هذا القول أن نفحص على وجهة النظر الشرعي، هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع ام مأمور على جهة الندب وأما على جهة الوجوب فنقول) (1)
وكذلك مما يبعث على الاعجاب تلك الصبغة العلمية التي تسود بحث ابن رشد، وقدرته الخارقة على متابعة التفصيلات الدقيقة، وتفريع المسائل تفريعا واسعا، واتيانه بالحلول البسيطة المستقاة من أصفى الينابيع الشرعية وابعادها عن الكدر والاختلاط بالآراء المستحدثة، ثم احلاله ذلك كله في نظرة تجمع في انسجام غريب وكامل، جميع تلك التفصيلات في وحدة متراصة.
ومن المناسب، أن ننبه من جديد الى أن هذه النظرية –في خطوطها العامة- مشتركة بين جميع الفلاسفة العرب الذين تبنوا الفلسفة اليونانية، اعني من الكندي الى ابن رشد كأنه المتحدث عن هؤلاء الفلاسفة، وبوضعه هذه النظرية في اطار خاص ومعالجته اياها في بحث مستقل وبروح علمية صحيحة حاز الاولوية في هذا المضمار من بين زملائه الآخرين، فعمله اذن يبرهن على أولويته، اذن هو يعتبر العمل الوحيد في الفلسفة العربية من هذا النوع والفلاسفة الآخرون كما ذكرنا لم يشجموا انفسهم مشقة تأليف كتاب في موضوع التوفيق بصورة مباشرة فلا حاجة اذن لسوق البراهين والحجج على أفضلية ابن رشد في هذا الميدان، فيكفي أن نعرض آراءه ونكون على علم بأنه الوحيد الذي عالج هذه المسألة باستقلال تام، لنعرف مقدار فضله.. على ان نظريته تفرض نفسها علينا ما نطلع عليها، وهي بعناصر المتعددة المستقاة من هنا وهناك تكاد- أو هي تكون فعلا – مذهبا مستقلا بذاته، بالرغم من تكامله مع باقي فلسفته
يحل ابن رشد المشكلة المدرسية أو علاقة الدين بالفلسفة من الوجهة النظرية العامة في كتاب الفصل كما ذكرنا، على الشكل التالي (2) :
يبدأ ببيان غرضه من تأليف الكتاب، ذاكرا أنه الفحص على جهة النظر الشرعي هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح "بالشرع أو محظور أم.."
وابن رشد في الحقيقة لايعالج فقط، هل النظر في الفلسفة وعلم المنطق أم المنطق مباح أم لا وما يتفرع عن ذلك، أي علاقة الدين والفلسفة وعلم الكلام اذ كما اشرنا الى ذلك من قبل، نجد صدى عداوة علم الكلام.اذ كما  اشرنا الى ذلك من قبل، نجد صدى عداوة علم الكلام للفلسفة والصراع الذي كان محتدما بينهما، قويا واضحا في كتابات ابن رشد هذه التي تمس موضوع التوفيق.
وهو يعرف الفلسفة ويعرف الدين.فالفلسفة ليست (شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع لمعرفة صنعها) ص 2 من الطبعة العربية. أما الشرع فان مقصوده (إنما هو تعلم العلم الحق والعمل الحق، والعلم الحق هو معرفة الله وسائر الموجودات على ما هي عليه، وبخاصة الشريعة منها ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي. والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد  الشقاء) ص 19. وهناك علم الكلام، الذي يمكن ان نستخرج تعريفه الضمني من خلال كلام ابن رشد، فهو النظر العقلي في النصوص الدينية أو في الحقائق التي تحويلها تلك النصوص. ويلاحظ هنا ليون غوتييه أن كثيرا من الباحثين قد اخطأوا في عدم التمييز بين الدين وعلم الكلام، وذلك أن أولئك الباحثين حسبوا ان علم الكلام هو الدين نفسه في درجة عليا من الترتيب، والتنظيم العقلي، كما هو الشأن  في الديانة المسيحية، وليس الامر كذلك فيما يتعلق بالإسلام، لأنه ليس هناك سلطة ي هذا الدين تتولى الاشراف على العقائد وتحديدها كالسلطة البابوية في الكنيسة المسيحية. فعلم الكلام في الاسم يمكن ان يكون نسخة مشوهة عن الدين بعيدة عن الحقيقة، كما يعتبره ابن رشد، وكما سنرى بعد قليل.
وابن رشد يستنتج من تعريف الفلسفة ومعرفة مقصد الشرع أن الموضوع الذي تبحثه الفلسفة والذي تبحثه الفلسفة والذي يبحثه الدين موضوع واحد هو الموجودات على ما هي عليه" وسنرى كيف وبماذا تختلف الحقيقة الدينية عن الحقيقة الفلسفية.
ولنستعرض قبل كل شيء الجواب على السؤال الأول الذي ألقاه ابن رشد واعتبره "الغرض من قوله" هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح أم محضور أم مأمور به الخ...
فالشرع ندب إلى اعتبار الموجودات.وهذا نجده في غير ما آية من القرءان: فبين "أن ما يدل عليه هذا الاسم (أي الفلسفة وعلوم المنطق) أما واجب بالشرع أو مندوب اليه. فإما أن الشرع دعا الى اعتبار اموجودات بالعقل وطلب معرفها به. فهذا بين في القرءان "فاعتبوا يااولي الأبصار" "او لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء" "افى ينظرون الى الابل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت" ويسوق ابن رشد آيات كثيرة في هذا المعنى ويعتبر انها غيض من فيض وقليل من كثير لا يحصى.
يستنتج ابن رشد من ذلك وجوب النظر العقلي في الموجودات من الناحية الشرعية، والاعتبار الذي ورد ذكره في القرءان الكريم و القياس، أي القياس العقلي، لذلك يجب على من يريد معرفة الموجودات (الله، والملائكة الخ..) ان يتقدم فيعلم أنواع البراهين وشروطها أي يعلم الآلة التي تؤدي إلى العلم الحقيقي الذي هو الفلسفة. وهذه الآلة هي المنطق.
واستنتاج ان الاعتبار الوارد في القرءان هو القياس العقلي سيكون أحد الأسس التي يبنى عليها بن رشد كل نظريته في التوفيق.
ولكن قد يقال إن هذا بدعة، إذ لم يكن معروفا في الصدر الأول من الإسلام ،ولكن ابن رشد يرد على هذا الاهتمام بأن الآلة التي تعين على النفقة في الاحكام المأمور بها من جانب الشريعة هي القياس الفقهي، واذا كان الفقيه يستنتج من الامر بالتفقه في الاحكام وجوب معرفة القياس الفقهي فاحرى أن يستنتج العارف من الامر بالنظر في الموجودات، وجوب معرفة القياس العقلي أي المنطق، والقياس الفقهي شيء " مستحدث في الاسلام لم يكن في الصدر الاول (3).
ولم يعتبر مع ذلك بدعة. "فكذلك يجب أن نعتقد في النظر في القياس العقلي.
بهذا يدحض ابن رشد من يزعم أن معرفة القياس العقلي بدعة في الاسلام، ويبقى عليه بعد ذلك أن يزيل الصعوبات من الطريق ليصل الى النتيجة التي يريدها، وهي استنتاج وجوب معرفة الفلسفة اليونانية نفسها وليس أي فلسفة، والاطلاع على المنطق الارسطي أو المنطق اليوناني عامة، وليس كل منطق وقياس عقلي.
والحد الأوسط الذي يوصلنا إلى ذلك هو هذه الفكرة "وجوب استعانة المتقدم بالمتاخر" هذه الفكرة هي المفتاح السري في يد ابن رشد. ولنر كيف يتم ذلك.
اذا كنا وصلنا إلى نتيجة صحيحة وهي وجوب معرفة القياس العقلي شرعا، فينبغي ان ننظر إذا كان المتقدمون قبلنا قالوا شيئا في هذا القياس وقرروا احكاما ووصلوا الى نتائج.
فان لم نجد من ذلك شيئا وجب علينا  ان نبدأ بالفحص عنه بأنفسنا. وانظر كيف يمهد ابن رشد الطريق امام الهدف الذي جعله نصب عينيه من هذا البحث كله. يقول ابن شد متابعا كلامه "وان يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم حتى تكمل المعرفة به ، فإنه عسيرا أو غير ممكن ان يقف واحدا من الناس من تلقاء نفسه وابتداء على جميع ما يحتاج اليه في ذلك، كما أنه عسيرا أن يستنبط واحدا من الناس جميع ما يحتاج اليه من معرفة أنواع القياس الفقهي، بل معرفة القياس العقلي احرى بذلك" ص4.
م هذا يستنتج وجوب الاستعانة بما قاله المتقدمون في هذا الأمر. وهويقصد بذلك منطق اليونان خاصة، اذ يمكن ان تبدو صعوبة جديدة، وهي أن أصحاب هذه الآلة الذين سنأخذ عنهم العلم بها قد يكونون غير مشاركين لنا في الملة ((أي من غير ديننا). ولكن هذه المشكلة محلولة في نظر ابن رشد، اذ "الآلة التي تصح بها التذكية (كما في نحر الضحية مثلا، أو الاناء الذي يغتسل به في الوضوء) ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة المشارك لنا في الملة أو غير مشارك، اذ كانت فيها شروط الصحة (ص4) هكذا الأمر في آلة العلوم التي هي المنطق، وابن رشد يقول أنه يقصد بغير المشاركين نا في الملة "القدماء قبل ملة الإسلام" ولا شك انه يتجه بنظرة الى اليونان خاصة، فيجب أن نستعين اذن في هذه الآلة بما قاله المتقدمون، فما كان موافقا منها للحق فبلناه وما كان مخالفا نبهنا عليه.
وكذلك نفعل -متى فرغنا من النظر في الآلة- في الفحص عن الموجودات، أي في صميم الفلسفة، فقاعدة استعانة المتأخر بالمتقدم تطبق هي نفسها أيضا هنا "اذ صناعة أصول الفقه، والفقه نفسه لم يكمل النظر فيها الا في زمان طويل. ولو ران إنسان من تلقاء نفسه أن يقف عى جميع الحجج التي استنبطها النظار من أهل المذاهب في مسائل الخلاف التي وضعت المناظرة فيما بينهم في معظم بلاد الاسلام ما عدا المغرب لكان أهلا لان يضحك منه ..ص5.
فيجب اذن،  اذا وجدنا للمتقدمين نظرا في الموجودات، ان ننظر فيه ونستعين به- وذلك كما سبق في المنطق – على شرط ان "ماكان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها  غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم .. ص6".
وهذا قول يدل على ما كان يتمتع به ابن رشد من مرونة  فكرية – وهو يدحض القول الذي يدعي ان ابن رشد كان مستعدا دائما لأن يتبع معلمه ارسطو في كل ما يقوله. ومما يؤكد هذا قوله السابق: ان المعرفة تكمل –ويجب ان نلح على كلمة تكمل- باستعانة  المتأخر بالمتقدم. فهذا يتنافى مع اعتبار أن ما جاء به أرسطو هو الكامل النهائي. ومع ذلك لا يمكن إنكار إعجاب ابن رشد بأرسطو. ولكن المستبعد هو تقليده الأعمى له. وكذلك لا يمكن إنكار أن الفلسفة التي تعني ابن رشد بجعلها موافقة للدين هي الفلسفة الأرسطية. وذلك بطبيعة الحال لأنها مذهبه الفلسفي الشخصي، الذي كان يؤمن به، والذي أضاف إليه الكثير من عنده،وهذه النقطة يتفق فيها جميع الفلاسفة العب من أصحاب المذهب اليوناني.



(1) انظر في كل ما يتعلق بهذه النظرية ليون غوتييه في كتابه الأساسي "نظرية ابن رشد" وكذلك كتابه "ابن رشد" الفصل الثاث".
(2) انظر في هذا الصدد كاردوفر في المرجع السابق ورينان في "ابن رشد والرشدية.
(3) يذكر غوتييه ان هذا القول يذكر بنظرية باسكال في اعتباره الانسانية من ناحية المعرفة شخصا واحدا يتكامل، وهذا القول من ابن رشد يدحض أيضا ادعاء انه كان مقلدا اعمى لارسطو.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here