islamaumaroc

وشهد شاهد

  محمد الحمداوي

1 العدد

    كان ذلك أيام المحنة الفلسطينية، وكنا جماعة ضمنا مجلس، ونحن ندير الحديث في ألم وحزن وحنق، حول ما انتهى إليه أمر تلك المأساة، من اندحار جيوش العرب المسلمين، ذلك الاندحار الشنيع أمام الفئة القليلة من جنود يهود الذين دخلوا الأراضي المقدسة، وفعلوا فيها بأتباع النبي محمد ?، نساء ورجالا وأطفالا، ما لم يفعله بآبائهم الأولين، آل فرعون يوم كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم في الزمن الأول. فقلت –كما أقول دائما- إن هؤلاء المسلمين لم يقع لهم ما وقع إلا لأنهم اتخذوا مهجورا ذلك الكتاب الذي أخذ به آباؤهم الأولون، فكانوا رجال «العمل» في كل عمل، ورجال الحكم في كل أرض، وأناسي الدنيا في لمحة من الزمن اتخذوا القرآن مهجورا فصاروا أعجز الناس في كل مأتى، وأقعدهم عن كل خير، وبذلك صاروا أذل من الأحمرة المقبرة في رباع آبائهم الأولين، التي امتلكها أناس أجانب وحملوا على ظهورهم في الأراضي المقدسة منها قوما أذلين كانوا أشتاتا في أطراف الأرض. وأذكر أن الحديث كان قد دار في الموضوع دورات فقلت في مداره: ماذا كنتم ترون لو أن بناة (الجامعة العربية الجديدة) بنوا جامعتهم على ما بنى عليه أصحاب محمد الأولون (جامعتهم الإسلامية الأولى) أخوة صادقة لا على دخن، وجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ونصر العقيدة والمبدأ، لا في سبيل الغرض القريب ودنيء المطمع، أكانوا يفترقون ويتأخرون ويندحرون؟

لو أن مدخلهم عندما دخلوا بجيوشهم أراضي فلسطين، كان مدخل آبائهم الأولين، أكانت تمنع يهود حصونهم وأعوانهم من الله؟

لو أن المقاتلين أعرضوا عمن خرج فيهم ليوضع خلالهم يبغيهم الفتنة وفيهم سماعون له، وصموا عن داعي من أتوا المنكر في ناديهم الذي سموه (مجلس الأمن) بإيقاف القتال، ولبوا داعي الله بالصبر والمصابرة والجلاد، أكانوا يردون على أعقابهم خاسرين؟

لو أنهم حينما قال لهم دعاة الهزيمة: إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ زَادَهُمْ ذلك إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، أما كان الله يصدقهم وعده، ويرجعهم برحمة منه وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوانه؟

ولكنهم خشوا تهديد (مجلس الأمن) في اللحظة التي كانوا أحوج فيها إلى خشية من ناداهم بقوله ? "...أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِين" ? [التوبة:13] فباءوا بالخيبة والخسران والاندحار أمام شرذمة إسرائيل الضالة، إنهم نبذوا القرآن وحادوا عن سنة من كان خلقه القرآن في الخاصة وفي العامة، وفي الحرب وفي السلم.

وكان في الحاضرين شاب من أولئك الذين كونهم (برنامج التثقيف الاستعماري) في هذه البلاد، ولم يعودوا يقيسون الأفكار والأعمال إلا بمقاييس من شكلهم على شاكلته، وصهرهم في بوتقته، فقال معقبا على ما ذكرت (إن عدم ائتمار من ذكرت بأوامر القرآن) دليل على أن القرآن لم يعد صالحا لعلاج الحال، ولا قادرا على أن يرفع من واقع الأمر شيئا، ولا كافيا لرفع المسلمين من هوتهم السحيقة التي سقطوا فيها حتى الدرك الأسفل.

أذكر أنه كان أمامنا إذ ذاك صحن من تمر فقلت -مشيرا إليه- هل تعتقد في حلاوة هذا التمر في الواقع ونفس الأمر؟ فأجاب: بلا شك، قلت: هل يقدح في حلاوته جهلنا نحن الحاضرين إياها، وحرمان أنفسنا من التمتع بلذتها من أجل ذلك الجهل لو كان؟ فأجاب: لا! بلا شك.

قلت إن القرآن هداية إلهية واضحة السبل والمعالم، ودستور أزلي خالد يشمل كل ما يحتاج إليه جميع بني الإنسان -لا العرب وحدهم- من قواعد، وقوانين، ومثل، وقيم صالحة لأن تكون أساس كل حياة حرة وكريمة، وقوية وعادلة، وقد شهدت الأحداث التاريخية في جميع مجاريها المتعاقبة على صحة ما جاء فيه كما سلمت بهديه الأفكار الصحيحة، والعقول الراجحة، والأنظار الخالية من تأثير الشبهات والشهوات في القديم وفي الحديث، ولا يضيره أن اتخذه قومه مهجورا، وعطلوا مبادئه، وحرموا نعمة العمل  بما جاء فيه، فكان لهم من أجل ذلك، المعيشة الضنك، والحياة الذليلة، والفتنة الدائمة. ثم أخذت أذكر له ما حضرني إذ ذاك من مختلف الأدلة العقلية والنقلية ومن تجاربي الخاصة في الاهتداء والهداية بهدى القرآن، ما أفهمه أنه لا يعلم عن موضوع القرآن وما يحتوي عليه من الأنظمة والقوانين والمثل العليا ما ينبغي أن يعلم، لقد كان هذا الشاب كثير الاتصال بي، وكان مما اتخذته في الطريق لهدايته، أني كنت دائما أوقفه على ما أقف عليه من آراء مفكري الغرب في صلاحية القرآن -الذي هدى المسلمين أولا- لهداية إنسان القرن العشرين، الغارق في بحار النكبات والكوارث والمشاكل التي عجزت أنظمة ساسة الغرب وتشريعات مقننيه عن حلها، باعتراف مفكري الغرب الأحرار وبطول العشرة، وباستمرار التوجيه والتذكير، ألف ذلك الشاب الاستفادة والإفادة في كثير من أحواله وأحوال المتصلين به في القرآن، ولقد فاجأته ذات ليلة في إحدى الاجتماعات الوطنية السرية في عهد الحماية، وهو يستشهد بآيات من الكتاب الكريم، في الدعوة إلى المبادئ الوطنية، والحض على الثبات على المبادئ، والكفاح من أجل تحرير البلاد والدفاع عن كرامتها، فلما افترق الجمع قلت له: رأيتك قد اجتهدت أن تملأ قلوب القوم بروح القوة والعزة والطموح التي شملتها معاني ما استشهدت به من آيات الكتاب الكريم، أتراك آمنت بأن الكتاب كتاب يشمل من معاني القوة والسمو والتوجيه ما هو به كفيل بأن يرفع النفوس من حال إلى حال؟ فأجابني: الإيمان بالشيء يا صاحبي تابع لمعرفته، وإذا تيسر أني أدركت ما رأيت أن قد استشهدت به في الموضوع من آيات بينات، فمن لي بأن أدرك جميع ما تشتمل عليه آيات الكتاب من قوانين وأحكام وحقائق وتوجيهات، حتى يكون إيماني به الإيمان التام؟ فأجبته: الحقيقة بنت البحث كما قالوا، ولقد بحث من قبلك (ليوبولد فايس) فكان بحثه سبيل معرفته، وكانت معرفته طريق إيمانه، فانشد الحقيقة تجدها كما وجدها.

لم يكن هذا الشاب الذي ذكرت حكايتي معه سوى (نمط) من تلك الأنماط التي قسرها (برنامج التثقيف الاستعماري) في بلادنا كما في جميع بلاد المسلمين التي ابتليت به على أن تتكون على غير النهج الذي يهيئها لفهم الكتاب الذي كونت مبادؤه وتعاليمه تاريخ هذه الأمة وأمجادها وعظمتها، وهم إليها ينتسبون، ولقد رحل الاستعمار الفرنسي من هذه البلاد ولكنه أعقب فيما أعقب على أثره من مخلفات كريهة (أوباء فكرية) عششت في أدمغة العدد العديد من تلك الأنماط التربوية، وحالت بينهم وبين أن يفقهوا الكتاب، وعلى قلوبهم أكنة أن يفقهوه، ومن بينهم وبينه من عجمة الفكر واللسان حجاب، لذلك رأيت من الدعوة إلى الحق، وقد أصدرت اليوم وزارة عموم الأوقاف، بإشارة إمام هذه البلاد الحارس على دينها وقرآنها (دعوة الحق) للدعوة إلى الحق، وليس بعد الحق إلا الضلال -رأيت أن أقدم- مجتبيا- لأولئك الأنماط، من شبان المسلمين في هذه البلاد، شهادة ذلك المسلم الغربي الذي تم عقله فتم إيمانه، في الكتاب، ودين الكتاب، وسنة من نزل عليه الكتاب، فلعل هذه الشهادة تحفزهم إلى أن يتفهموا ويتعلقوا ويدركوا ما أدرك ذلك المسلم بتعقله وتفهمه من علم وإيمان، فإن هذا المسلم الغربي قد أسلم وليس للعادات ولا للتبعيات، ولا لقانون الوراثة والبيئة أثر في إسلامه، وإنما كان فكره مصدر إسلامه، وعقله طريق إيمانه، وعمله سبيل هدايته، ويزعم أولئك الشبان أنهم من أنصار حرية الفكر، وهداية العلم.

لقد هدى الله هذا المسلم الغربي (إلى نور الإسلام، وأنار قلبه بمشكاة وحيه. فتعلم وعلم، وتعقل وفهم، واعتقد وآمن وكتب كتابه بعد العلم والإيمان، يشهد للقرآن ولدين القرآن ولسنة نبي القرآن شهادة متعقل مقتنع، لا مقلد متبع، ويتعجب من ترك إخوانه المسلمين العمل بذلك التراث الإلهي الذي قام عليه كل ما في وجودهم التاريخي من عظمة خالدة ومدنية تليدة، هي بشهادة الصديق والعدو أكبر عامل من تلك العوامل التي بنى الغربيون عليها كل ما في مدينتهم الحاضرة من عمل إيجابي صحيح، ويشهد على المدينة الغربية شهادة شاهد من أهلها، نشأ في أحضانها ورضع من ألبانها ثم كفر بها كفر العالم المجرب هذا المسلم الغربي هو الذي كان يدعى (ليوبولا فايس) يوم كان نصرانيا مسيحيا والذي تسمى باسم (محمد أسعد) يوم صار طوعا واختيارا مسلما سلفيا، وكتابه هو كتاب (الإسلام على مفترق الطرق) الذي نقله الدكتور عمر فروخ إلى لغة الضاد، وقال عنه بحق في مقدمته الدكتور مصطفى الخالدي (أنه لم يجد من بين مئات الكتب التي قرأها في اللغة الأجنبية عن الإسلام أخلق من هذا الكتاب بالنقل إلى اللغة العربية). وهذه بعض فقرات من ذلك الكتاب أقدمها لأولئك الذين نبذوا تعاليم القرآن ظهريا واتبعوا سنن المدنية الغربية حذو القذة بالقذة وأخذوا يدعون للدخول مع أهلها كل مدخل من مداخل الفكر والعمل، حتى ولو كان أضيق من أحجار الضباب واليرابيع.

عندما خالطت بشاشة الإسلام قلب هذا الكاتب أدرك بمعاشرته المسلمين (أن كل ما كان في الإسلام تقدما وحيوية أصبح بين المسلمين تراخيا وركودا، وكل ما كان في الإسلام من قبل كرما وإيثارا، أصبح اليوم بين المسلمين ضيقا في النظر وحبا للحياة الهينة) وعندما اقترب من هذه المشكلة البادية أمامه، وتخيل نفسه واحدا من أبنائها تحقق (أن ثمة سببا واحدا فقط للانحلال الاجتماعي والثقافي بين المسلمين، ذلك السبب يرجع إلى الحقيقة الدالة على أن المسلمين أخذوا يتركون شيئا فشيئا اتباع روح التعاليم الإسلامية)، وبعد ما درس الكاتب في الفصل الثاني الأساس المادي المترف الذي يقوم عليه بناء الحياة الإنسانية في نظر المدنية الأوروبية درس الناقد البصير، وأبان أنه مخالف تمام المخالفة للأساس الأمثل الذي يقوم عليه بناء هذه الحياة في نظر الشريعة الإسلامية ختم كلامه بقوله: (والنتيجة الوحيدة هي أن مدنية من هذا النوع إنما هي سم زعاف لكل ثقافة مبنية على القيم الدينية، إن مثل هذا الموقف المذبذب من الأخلاق لا يتفق بكل تأكيد مع الاتجاه الديني ومن أجل ذلك كانت أسس المدنية الغربية الحديثة لا توافق الإسلام، على أن هذا يجب ألا يحول أبدا دون إمكان أخذ المسلمين من الغرب ببعض البواعث في ميدان العلوم المجردة والعلوم التجريبية، أما أن يخطو المسلمون إلى أبعد من ذلك، أو أن يقلدوا المدنية الغربية في روحها وفي أسلوب حياتها، فهو المستحيل، إلا إذا سددت ضربة قاضية للإسلام كدولة الهية وكدين عملي). وإذا كان المؤلف قد قدم كتابه هدية إلى الشباب المسلم، فإني أتقدم بالرغبة إلى ذلك الشباب أن يرعى سمعه هذه الفقرات في الفصلين المعقودين في الكتاب للتحدث عن (الكتاب والسنة) و(روح السنة) قال: (وفي هذه الأيام التي زاد فيها نفوذ المدنية الغربية في بلاد المسلمين نجد سببا واحدا يضاف إلى الموقف المستغرب الذي يقفه من نسميهم «متنوري المسلمين» من هذه القضية، ذلك هو قولهم: إنه من المستحيل أن نعيش على سنة النبي، وأن نتبع الطريقة الغربية في الحياة في آن واحد، ثم إن الجيل المسلم الحاضر مستعد لأن يكبر كل شيء غربي، وأن يتعبد لكل مدنية أجنبية، لأنها أجنبية ولأنها قوية وبراقة من الناحية المادية، هذا التفرنج كان أقوى الأسباب التي جعلت أحاديث النبي، وجعلت نظام السنة معها لا تجد قبولا في يومنا هذا. إن السنة تعارض الآراء الأساسية التي تقوم عليها المدنية الغربية معارضة صريحة، حتى أن أولئك الذين جلبتهم هذه الثانية لا يجدون مخرجا من مأزقهم هذا إلا برفض السنة على أنها غير واجبة الاتباع من المسلمين، وبعد هذه المحاكمة الوجيزة يصبح تحريف تعاليم القرآن الكريم لكي تظهر مواقفه لروح المدنية الغربية أكثر سهولة).

وإن كان لا يزال في قلوب جميع المسلمين موضع للعبرة والاتعاظ، فليسمعوا ختاما إلى هذه الفقرات التي ختم بها ذلك المسلم الغربي كتابه (وإذا اعتبرنا الأمور على ما هي جارية عليه اليوم فإن الإسلام يشبه مركبا يغرق، وكل يد تستطيع أن تكون عونا فإنما الحاجة إليها على ظهر المركب نفسه، ولكن لا يمكن أن ينقذ هذا المركب من الغرق، إلا إذا أصغينا إلى القرآن الكريم وفهمنا قوله :" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ.." [الأحزاب: 21].

حقا إن شهادة (محمد أسعد) لدين الإسلام ولكتاب الإسلام، ولسنة نبي الإسلام، شهادة مسلم عرف الإسلام بعقله وعلمه وإيمانه ومن ثم رأيت من الدعوة إلى الحق أن ألفت إلى هذه الشهادة أنظار من أهدى إليهم كتاب (الإسلام على مفترق الطرق) من شبان المسلمين.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here