islamaumaroc

[كتاب] مع اللهب المقدس، لمفدي زكرياء

  دعوة الحق

47 العدد

أود قبل أن أسطر هذه الكلمات حول ديوان (اللهب(1)المقدس) أن أقدم على صفحات هذه المجلة تحية إلى أستاذي الكبير شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء، أقدم له هذه التحية لا على ما تضمنه ديوانه الشعري من ءايات الشعر، ولا على ما في هذه الأبيات من صور فنية ترتفع بعواطفنا وبعقولنا إلى مستوى رفيع، وإنما أقدم هذه التحية مصحوبة بانحناءة إلى الشاعر زكرياء تقديرا مني للمجهود العظيم الذي بذله في إخراج هذا الديوان الحافل بمعاني الحياة الثورية في هذا الوقت الذي اجتازت فيه الثورة الجزائرية مرحلة الطفولة إن صح هذا التعبير إلى مرحلة النضج والإثمار. 
وهنا أجد نفسي حائرا أمام (اللهب المقدس)، وهذه الحيرة تتمثل في الجوانب العديدة للديوان فهو لا يصور فقط فترة ثورية من أعنف ما عرفت الفترات الثورية في تاريخ الإنسانية من عنف وإنما يصور زحف شعب كامل نحو النور، يصور فوق ذلك جيلا كاملا يحمل مشعلا مقدسا ليبدد به كثافة الظلام الذي يعم جوانب حياته المختلفة، وأخيرا يصور الشاعر زكرياء في (لهيبه المقدس) الشعب الثائر والأمة التي امتزجت بهذه الروح الثورية فتمخضت عنها حالة نفسية ثائرة تندفع نحو الهدف في قوة وإصرار، وعن وعي إنساني عميق، باذلة كل التضحيات من أجل تجسيم هذا الهدف وجعله حقيقة إنسانية اجتماعية كانت خلال قرن وما يقارب نصف القرن خيالا جميلا يداعب العواطف والعقول والقلوب جميعا. 
 واللهب المقدس يمثل مرحلة متميزة من حياة الشاعر النضالية، مرحلة انفعل فيها مع الأحداث الثورية انفعالا شاعريا عميقا، فقد عاش التجربة الثورية في جانبها العنيف كما عاشها في جانبها السياسي الهادئ. ومزية الشاعر في (اللهب المقدس) أنه عانى الزحف الثوري بجميع أبعاده، ولذلك استطاع أن يرسم لنا خطوط هذه الأبعاد في إطار شعري أنيق ومؤثر وزاخر بالانفغالات الثورية المتأهبة، وغير هين ولا يسير أن يجمع شاعر ما بين هذه الأشياء جميعا دون أن يضحي بقدر معين من صناعة الفن الشعري ومن الأناقة في التعبير التي هي ظاهرة جمالية يفقد الشعر معها كيانه العضوي إن هي أعوزته. 
 وشاعرنا مفدي زكرياء قد وفق في الجمع بين هذه المظاهر الغنية التي تضفي على العمل الشعري طابعا أصيلا، والحق أن هذا التوفيق لم يكن حدثا مفاجئا للذين كان لهم اتصال بإنتاج صاحب (اللهب المقدس)، فقد عرف بأصالته الشعرية وبعمق إحساسه وقوة استجاباته العفوية لما يواجهه من وقائع وأحداث، خاصة إذا كانت مرتبطة بالواقع القومي الذي يحتل مكانة ممتازة في عدسة الشاعر. 
 وقد كان جميلا من الشاعر حين تواضع عندما قال: لم أعن في (اللهب المقدس) بالفن والصناعة عنايتي بالتعبئة الثورية وتصوير وجه الجزائر الحقيقي بريشة من عروق قلبي غمستها في جراحاته المطلولة ... والشعر الحق في نظري إلهام لا فن، وعفوية لا صناعة. 
حقا لم يعن الشاعر بالفن والصناعة لأنه في نظري أيضا في غنى عنهما، مادام شاعرا أصيلا ولا تستقيم الأصالة مع العناية، ومادام الشعر إلهاما كما قال شاعرنا - والإلهام لا يعدو أن يكون حالة نفسية أو رعشة ذاتية تعتري الفنان دون وعي منه، أقول ما دام الشعر إلهاما، فلا مجال هنا لإعداد سابق أو عناية، حسب تعبير الشاعر، لأن الشاعر الأصيل لا يمتلك مصير التعبير عن ذاته في جميع الأوقات، وإنما هي لحظات يعتريه فيها نوع من الذهول الشعري لا يجد معها سبيلا سوى أن يقول شعرا، أن يقول فنا تهتز له العواطف والقلوب والعقول جميعا، تلك هي ساعات الوحي أو الإلهام أو الإجهاض الشعري كما عبر لنا ذلك مرة شاعرنا زكرياء في إحدى أمسياته الشعرية بالرباط. 
 وأيا كان الأمر فإننا في حديثنا عن (اللهب المقدس) يجب أن تظل حقيقة واحدة كبرى هدفنا في الحديث دون سواها إذا أردنا أن نفهم الجانب الممتع في ديوان مفدي زكرياء وأقول (جانبا) لأن جوانبه كلها ممتعة، غير أن جانبا واحدا هو أكثر إمتاعا، ويجب أن يكون هو مركز الاتجاه، وهذه الحقيقة التي أعنيها هي الحقيقة الثورية في الديوان، فالديوان صورة معبرة لواقع ثوري تمتد جذوره في أعماق الشاعر زكرياء إلى عشرات السنين، وأكاد هنا لا أجد فارقا كبيرا بين القصيدة التي قالها الشاعر في زنزانته، في سجن (بربروس) في الوقت الذي كان فيه لهيب الثورة يكتسح معاقل الاستعمار، والقصيدة التي قالها في مناسبة قومية قبيل اندلاع الشرارة الأولى من ثورة الجزائر المقدسة، فثورية الشاعر الأصيلة هي التي تضفي على الديوان ظاهرة ثورية خاصة، هي هذه الحالة الثورية الناضجة الواعية لمعنى الثورة ولدلالتها البعيدة المدى، والإيمان بحتمية الثورة هو الأخير سيجده القارئ في أكثر من قصيدة في هذا الديوان. 
 ولعله أجدى للقارئ أن نقدم له بعض الأمثلة المعبرة عن أصالة الشاعر وثوريته وإيمانه بحتمية الثورة في تحطيم واقع الاستعمار:
الذبيح الصاعد
  قام يختال كالمسيح وئيدا                 يتهادى نشوان يتلو النشيدا
  باسم الثغر، كالملائك أو كالطف        ل يستقبل الصباح الجديدا
  شامخا أنفه، جلالا وتيها:                 رافعا رأسه يناجي الخلودا
  حالما كالكليم كلمه المج                  د فشد الحبال يبغي الصعودا
  وتسامى كالروح في ليلة القد            ر سلاما يشع في الكون عيدا
  وامتطى مذبح البطولة معرا             جا ووافى السماء يرجو المزيدا
  وتعالى مثل المؤذن يتلو                  كلمات الهدى ويدعو الرقودا
  صرخت ترجف العوالم منها             ونداء مضى يهز الوجودا
  اشنقوني فلست أخشى حبالا              واصلبوني، فلست أخشى حديدا
  وامتثل سافرا محياك جلا                 دي ولا تلتثم فلست حقودا
  واقض يا موت في ما أنت قاض        أنا راض إن عاش شعبي سعيدا
  أنا إن مت، فالجزائر                      تحيا  حرة، مستقلة لن تبيدا
  قولة ردد الزمان صداها                  قدسيا فأحسن الترديدا
هذه أبيات من قصيدة (الذبيح الصاعد) كم وددت لو أني عرضتها هنا ليرى القارئ ويحكم، ونظرا لطولها ولروعتها جميعا فضلت تسجيل هذا الصدى اليسير منها، وكان بودي أيضا أن أنتقي (العيون) منها ولكنها كلها (عيون)، فليعد القارئ إلى الديوان فهو أهون سبيل وأجداه. 
والأبيات الشعرية السالفة الذكر تعطي صورة حية عن ديوان (اللهب المقدس) فهو يتضمن مجموعة شعرية من أرفع ماعرفت العربية من شعر منذ عهد المتنبي والبحتري والمعرى، ولا أجد غضاضة في وضع شعر مفدي زكرياء في مستوى شعر هؤلاء الفحول من شعراء العربية، فالمتانة في التعبير والدقة في التصوير، ظاهرتان يتميز بهما شاعر الثورة الجزائرية، الذي جاء شعره واضحا وضوح الثورة متدفقا تدفقا؛ لقد فتنت حقا بالصورة المعبرة لهذا البيت:
وامتثل سافرا محياك جلا دي ولا تلتثم فلست حقودا
لقد استنطق الشاعر الشهيد فعبر بذلك عن واقع الثورة هذا الواقع الضخم في بيت من الشعر، إن الشهيد الذي يدفع إلى المشنقة مختالا يتهادى يندفع نحو جلاده يخاطبه ليؤكد له خلاصة مافي الثورة من جلال وعظمة ومن تسامح ونبل، فليكشف الجلاد أو الاستعمار عن وجهه فليس من طبع الشهداء الأبطال الحقد، وليكشف الاستعمار عن وجهه فلا مجال للتستر فالشعب قد وعى مصيره. 
 هذه لقطة من أروع لقطات مفدي زكرياء الشعرية وهي ليست الوحيدة في الديوان فهو يكاد يكون مجموعة من الروائع الفنية التي تصور بصدق مراحل نضال الشعب الجزائري، هذا النضال الذي يسمو أحيانا ويكاد يكون أسطورة في تلك الأساطير التي يحدثنا عنها الأدب اليوناني القديم. 
 وهذه أبيات أخرى من قصيدة (وتكلم الرشاش جل جلاله) لا أستطيع أن أنكر القارئ أن إعجابي بها قد تجاوز كل حد، سواء من ناحية البناء الفني أو من ناحية هذه المعاني الزاخرة التي تحفل بها، وقد ذكرني مفدي زكرياء في هذه القصيدة بشاعر العراق الفحل (محمد مهدي الجواهري) في قصيدته (أخي جعفر) التي تعد من أروع وأفخم ما قيل في الشعر العربي منذ عهد أبي الطيب المتنبي حتى الآن، والحق أن هؤلاء الشعراء الثلاثة لا أتردد في القول بأنهم: يصدرون جميعهم عن معين واحد، مع ضرورة مراعاة ظروف العصر وبيئته، وإن كانت العبقرية الخلاقة لاتحفل كثيرا بمثل هذه الظروف، والآن لنعد إلى قصيدة: وتكلم الرشاش جل جلاله:
أكباد من... ؟ هذي التي تتفطر؟                        ودماء من.. ؟ هذي التي تتقطر؟
وقلوب من.. ؟ هذي التي أنفاسها                      فوق المذابح للسماء تتعطر؟
ورؤوس من.. ؟ تلك التي ترقى إلى                  حبل المشانق طلقة تتبختر؟
ومن الذي.. ؟ عرض الجزائر شبها                   من كل شاهقة لظى تتسعر؟
أجهنم..  هذي التي أفواهها                             من كل فج نقمة تتفجر
أم أرض ربك، زلزلت زلزالها                        كما طغى في أرضه المستعمر
غضب الجزائر ذاك.. أم أحرارها                     ذكروا الجراح فأقسموا أن يثأروا
أرض الجزائر والسماء تحالفا                         فاختط حلفهما النجيع الأحمر
وتكلم الرشاش جل جلاله                              فاهتزت الدنيا وضج النير
وتنزلت آياته لهابة                                      لواحة أصغى لها المستهتر
والنار للألم المبرح بلسم                               يكوى به العظم الكسير فيجبر
لو أن مجال النشر يسمح لما توقفت عن إيراد هذه التحفة الشاعرية كاملة غير منقوصة، ولكن أنصح القارئ بالعودة إلى الديوان إن أراد الاستمتاع بهذا الفن الشعري الثائر الذي يمكن القول دون إسراف بأن الشاعر مفدي زكرياء أول رواده في شعراء العربية فيما أعتقد، ولي رغبة جامحة في أن أحلل هذه القصيدة أو بأدق تعبير الأبيات السالفة الذكر، ولكن إيماني بأن الشعر يتعالى عن كل تحليل وأنه ليس من طبيعة الفيزياء أو الكمياء، إيماني هذا هو الذي جعلني أحجم عن عملية التحليل لأدع القارئ الكريم يستجيب عفويا مع هذه المقطوعة والتي قبلها لأن لذة الشعر تكمن في الاستجابة التلقائية العفوية. 


(1)اللهب المقدس:طبع مطابع دار الكتاب، نشر المكتب التجاري ببيروت.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here