islamaumaroc

من تراثنا الفكري في الأندلس ، أبو محمد بن عبدون اليابري -2-

  دعوة الحق

47 العدد

 (1)يمم ابن عبدون وجهه شطر اشبيلية يحدوه امل كبير في ان يظفر لدى المعتمد بالشهرة والجاء اللذين كان يهفو اليهما منذ حداثته واللذين شغلا فكره منذ ان احس بتفتح مواهبه في الشعر وفي الادب بوجه عام،  ولم يكن سوء الحظ الذي مني به اثناء مقامه لدى المنصور بن الافطس بالامر الذي يضعف عزيمته،  ويفقده الثقة في نفسه فيعدل فيه عن ميدان الادب الى ميدان آخر يظفر فيه بالمال ويحقق ما تصبو اليه نفسه فيعقد مثلا لاقراء علوم اللغة والادب كما كان يفعل الكثيرون من معاصيره ممن كان لهم مثل حظه من الثقافة والمعرفة،  ولكنا نحسب ان مما اطمع ابن عبدون ان يقصد المعتمد باشبيلية هو ما عرف من منازلهم ويغدق عليهم امواله وعطاياه بغير حساب ثم ما شاع عنه من انه لا يستوزر الاشاعرا او ادبيا.   ثم اذا ما اضفنا الى ذلك ان ابن عبدون قد سبق له ان وفد على المعتمد حينما كان وليا على{شلب}فاكرم وفادته،  نستطيع من هذا كله ان نعلل لارتحال ابن عبدون الى اشبيلية بالذات وعدم توجهه الى ملك آخر من ملوك الطوائف الذين كان ابن عبدون نفسه يعلم دون شك تسابقهم على اجتلاب فحول الشعراء،  واغداق الاموال عليهم حتى  لقد بلغ الامر باحد الشعراء ان اقسم الا يمدح احدا من ملوك الطوائف بقصيدة الا اذ دفع له مائة دينار (2).   فابن عبدون اذا لم يكن يلتمس الرفد فقط بذهابه  الى اشبيلية،  ولو كان يلتمس ذلك وحده لاختار مملكة غير اشبيلية يقل فيها تنافس الشعراء ويخلو له فيها الجو،  وانما كان يطمع في الوزارة،  ولما لا يمني نفسه ان يكون وزيرا في بلاط المعتمد مثلا وهويرى الشاعر ابا بكر بن عمار الذي كان افاقا يتكسب بشعره لدى ملوك الطوائف جميعا قد رفعه شعره الى مرتية الوزارة،  بل لقد اصبح من اقرب المقربين الى المعتمد،  فليجرب ابن عبدون حظه وليمدح المعتمد فقد يكون ذلك من الاسباب التي تنهض به الى الوزارة،  ثم من يدري فقد يصبح شاعر المعتمد المفرب. . .   وكذلك فعل فرفع الى المعتمد قصيدة افرغ فيها كل امكانياته كشاعر وكانما اراد ان تكون عنوانا لشاعريته،  فصور فيها رحلته الى المعتمد والمع الى ما يتحلى به هو من فضائل،  ولم ينس ان يدل ينفسه وبادبه الذي يحسده عليه الكثيرون.   .   .   .   (3)
ساروا ومسك الدياجس غير منهوب
                     وطرة الشرق غفل دون تذهيب
على ربى لم يزل شادي الذباب بها
                     يلهو بآنق ملفوظ ومضروب
كالفيد في قبب الازدهار اذرعة
                     قامت له بالمثاني والمضاريب
فرحت استخبر الانفاس لا الطم ال
                     لأدارس عن موعد في الحي مكذوب
هيهات لاابتغي منهم هوى بهوى
                     حسبي اكون محبا غير محبوب
ما كل  من سيم خسفا عاف مورده
                  ان الاباء لظهر غير مركوب
يادهر ان توسع الاحرار مظلمة
                  فاستثنيني ان غيلي غير مقروب
ورب عاو على أثري بليت به
                  بلاء ليث الشرى في الليل بالذيب
اسكنت عنه واو لم يزد جر غضبي
                  وشمت صارم تانيبي وتثريبي
سرى بذكري الى اسماعهم ادبي
                  مسرى النسيم الى الاناف بالطيب
ولقد تلقى المعتمد قصيدة ابن عبدون واجازه عليها بسخائه الذي عرف به مع الشعراء الذين كانوا يقصدونه وينشدونه مدائحهم فيه،  ولكنا نحسب ان القصيدة لم تنل من اعجاب المعتمد الدرجة التي كان يقدرها لها الشاعر ومن ثم فقد اكتفى بان منح ابن عبدون جائزة ولم يلمر بان يضم الى شعرائه،  ولم تقع جائزة المعتمد من نفس ابن عبدون موقعا حسنا فقد كان هذا يمني نفسه بما هو اكثر من الجائزة كما سبق ان اشرنا،  على انه لم ييأس وبدأت آماله تستيقظ من جديد لتحقيق الامل الذي اخرجه من بلده يابرة وجعله يفصد اشبيلية.   .   .   فليحاول اذا محاولة اخرى ولينشد المعتمد قصيدة ثانية يصف فيها حاله وينفض مجمل امره ويجعلها مدحا مباشرا عله ان يبلغ بها من نفس المعتمد ما يبتغي فينخرط في حاشيته ويكتب في ديوان شعرائه،  ولقد كان حرص ابن عبدون على بلوغ مرتبة سامية في بلاط المعتمد يعني اكثر من معنى،  فبالاضافة الى الترف الذي كان معروفا به المعتمد مما عساه ان يذكي رغبة شاعر كابن عبدون ان يعيش الى جواره،  فالمعتمد كذلك شاعر رقيق واديب متبصر فهو ان الحق ابن عبدون ببلاطه كان ذلك شهادة منه يعتز بها ابن عبدون،  وهكذا قدم ابن عبدون الى المعتمد   قصيدة ثانية نقتطف منها مايلي:
 (4)ان الممالك والسيوف شهود
                    لكم اماء والملوك عبيد
  شامتكم فيي المكرمات عزائم
                    جار على احكامها التأييد
 من معشر اخذوا لاطراف العلا
                    والافق غفل والليالي سود
 جاءوا فنارت في البسيطة انجم
                  وسطوا فثارت في السماء اسود
ياروضة وصف النسيم اريجها
                  رقي علي فانني غريد
لاذنب للامال الا انها
                  اصف الاوار وماؤها مورود
ركبت اليك جناح كل عزيمة
                  شهب لها من ان ترك سعود
مالي ارفرف حول دوحك ضاحيا
                  حوض الردى من خلفها مورود
لقد كانت قصيدة ابن عبدون هذه تمثل اصدق تمثيل صرخات نفسه وحرمانه وتعثر حظه،  فهو يصرح بانه لم يدخر جهدا في سبيل تحقيق آماله،  والوصول الى هدفه ،  فاذا ما حيل بينه وبين ما يبتغي فالذنب ليس ذنيه وانما هو ذنب الاقدار التي سدت دونه سبل اهدافه،  فلم تتصل اسبابه بالمعتمد ولم يطفر منه باكثر من الجائزة التي تعطى لكل شاعر عابر يمدحه.   صبر ابن عبدون فب انتظار ان يستدعيه المعتمد ليسند اليه وزارة او ولاية،  فكان موقفه اشبه ما يكون بموقف المتنبي من كافور الاخشيدي،  فكلا الشاعرين قد ذهبت آماله سدى،  وكما عيل صبر المتنبي فاعتزم الرحيل،  كذلك فكر ابن عبدون ان يرتحل ولكن الى اين؟انه وقف حائرا لايعرف له وجهة يقصدها،  ولا مملكة يؤمها بعد ان فشل في تجربته مع المعتمد،  وربما استطعنا ان نتصور بانه خلال موقفه هذا فكر في العودة الى بلده يابرة قانعا من الغنيمة بالاياب ليقف نفسه على العلم والادب،  او ليقوم بالتدريس.   .   .   ولكنه ما لبث ان ابتسمت له الامال مرة اخرى عندما تلقى رسالة من صديقه القديم المتوكل بن الافطس يطلب اليه فيها العودة الى بطليوس،  فتملك ابن عبدون اذ ذاك شعور من السرور لا يمكن ان يوصف،  فقد كانت هذه الرسالة تعني ان آماله توشك ان تتحقق،  كما كانت تعني كذلك انه سوف يسترد كرامته ويثار لكبريائه لان المتوكل بن الافطس هو العدو اللدود للمعتمد،  ولا شك ان انتقال ابن عبدون الى بلاط المتوكل هو الشيء الوحيد الذي ستشتفى به نفس ابن عبدون الذي قضى في اشبيلية فترة قاسية كان فيها مجهولا لا يحس بوجوده احد،  ولا يعرف عنه اكثر مما يعرف عن اي شاعر آخر يتكسب بشعره،  ومن يدري؟فربما كان في بلاط المعتمد من يعرفون لابن عبدون قدره وينفسون عليه مواهبه فعملوا علة ان يوصدوا من دونه ابواب المعتمد حتى لا يزحمهم عنده ولا يشركهم في منازلهم لديه،  وربما كان المعتمد نفسه لم يرقه شعر ابن عبدون ولم ير فيه ما يراه في شعر غيره من شعرائه المقربين.  
 مهما يكن من امر فان ابن عبدون لم يشأ ان يشغل نفسه بالبحث عن الاسباب التي قعدت به عن تحقيق آماله ادى المعتمد،  واعتزم السفر الى بطليوس تاركا من ورائه اشبيلية والمعتمد غير آسف ولا نادم وانشأ قصيدة في مدح المتوكل،  وما كاد يدخل الى بطليوس ويلتقي بالمتوكل حتى انشده اياها فوقعت من نفسه اجمل موقع،  فخلع عليه المتوكل واجزل عطاءه،  وانا اموردون هنا بعض ابيات من هذه القصيدة:
 (5)وافاك من فلق الصباح تبسم
                  وانجاب عن غسق الطلام تجهم
والليل يبغي بالاذان وفد شدا
                  بالفجر طير البانة المترنم
خبطت بنا ورق الظلام سوابح
                  ملء النواظر سيرهن توهم
فاذا سرت فالليل منها ابيض
                  واذا غدت فالصبح منها ادهم
من كل هفهاف العنان كانه
                  نفس المشوق تعاورته اللوم
شامت لساني فيك ياابن محمد
                  مقة اذا كتم الهوى لا تكتم
ومحبة موروثة مكسوبة
                  بديء الزمان بها وعنها يختم
واليك من بيت الضمير حديقة
                  غناء تنجد بالرواة وتتهم
لله درك هل لمجدك غاية
                  الاوانت بها معنى مغرم
وعلاك لي درء وجودك في يدي
                  ماض كرأيك في الخطوب مصمم
وتعلمت منك الغمامة شيمة
                  تهمي وفيها للبروق تبسم
ولقد كانت هذه القصيدة قطرا تلاه غيث’اذ اعقبتها قصائد كثيرة كانت كل واحدة منها سببا يزداد به ابن عبدون من المتوكل قربا وبه تعلقا،  وكانت عطايا المتوكل تنهمر عليه انهمار المطر فغدت شاعريته والهبت احاسيسه وتفتح بها معين الشعر في نفسه،  ولم يمض وقت طويل على دخول ابن عبدون بطليوس حتى اتخذه المتوكل كبير وزرائه وصديقه الذي لا يكاد يفاؤقه في ظعنه او اقامته،  ولم يكن عمل ابن عبدون اذ ذاك مقصورا على الشعر فقط وانما كان يكتب عن المتوكل رسائله الخاصة كذلك،  ولا سك ان تقدير المتوكل لابن عبدون كان تقديرا قائما على الاعجاب بمواهبه الادبية فالمتوكل نفسه كان ادبيا كاتبا وشاعرا،  ومع ان ماروي من شعره ونثره قليل الا انه يدل على جودة واصالة لا تقل عما نعرفه عن المعتمد بن عباد مثلا،  بعث ابن عبدون الى المتوكل بقطيع خمر وطبق ورد وكتب اليه:
 (6)اليكها فاجتلها منيرة
                    وقد خبا حتى الشهاب الثاقب
واقفة بالباب لم يؤدن لها
                    الا وقد كاد ينام الحاجب
فبضعها من المخاف جامد
                  وبعضها من الحياء ذائب
فقبلها النتوكل وكتب اليه:
                  قد وصلت تلك التي زففتها
مكرا وقد شابت لها ذوائب
                  فهب حتى نسترد ذاهيا
من انسنا ان استرد ذاهب
فتقدير المتوكل اذا لابن عبدون كان تقدير خبير بالادب بصير بنقده،  ولقد ظل ابن عبدون الى جوار المتوكل طوال اربع عشرة سنة كانت اسعد ايامه،  وكان شعره فيها كشعر المتنبي في سيف الدولة قائما على الحب الصادق الذي يكنه الشاعر لممدوحه،  وهو الامر الذي نستطيع ان نلمسه في كل مدائخه للمتوكل تلك المدائح التي تتسم بصدق العاطفة وحرارة المشاعر ودقة الانفعالات ولو اننا ذهبنا نوازن بين مدائح ابن عبدون للمعتمد ومدائحه للمتوكل لوجدنا فروقا ظاهرة لا تكاد تخفى على الناقد فقصائد ابن عبدون فب المعتمد كانت مدحا تقليديا قوامه وصف الممدوح بالجود والشجاعة وكرم المحتد وهي الامور التي الفها الشعراء العرب منذ العصر الجاهلي لا يكادون يتعدونها وان اختلفوا في طرق تصويرها وعرضها،  بينما نرى ابن عبدون في مدائحه للمتوكل قد نهج نهجا ءاخر مختلفا فهو لا يخفي بان ما حرك لسانه لمدح المتوكل انما هو حب جارف لا يستطيع ان يكتمه لانه حب موروث قدبم،  وهو حب باق لن تستطيع الايام ان تذهب به،  ولسنا نلمس في مدائح ابن عبدون للمتوكل صيحات الحرمان التي كنا نحس بها في مدحه للمعتمد عندما كان يقول:
مالي ارفرف فوق دوحك ضاحيا
                  اصف الاوار وماؤها مورود
وانما اصبحت قصائده في المتوكل عليها طابع الاطمئنان النفسي الذي يحس به الشاعر.  
هذا وسنعالج في بحث مقبل المؤثرات الخارجية التي شكلت مدح ابن عبدون بوجه خاص وشعره بوجه عام. 


(1)راجع الجزء الاول من هذا البحث فب العدد الثالث من هذه السنة.   
(2)نفح الطيب ص2ص.   128 
(3)القسم الثاني من الدخيرة ورقة432.
(4)القسم الثاني من الذخيرة ورقة436/437 
(5)المرجح السابق ورقة424
(6)المطرب من اشعار المغرب ص24_قلائد العقيان ص45

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here