islamaumaroc

فاس في ثورة دائمة

  دعوة الحق

47 العدد

 ثارت فاس اكثر من مرة في تاريخها،  وكانت ثوراتها راجعة الى عوامل مختلفة بعضها سياسي،  وبعضها اجتماعي.   ورفع الفاسيون علم الثورة ضد عدد من ملوك المغرب وعمالهم،  وسنرى بعد عرض شيء من هذه الثورات الاسباب الحقيقية التي ادت بالفاسيين الى ان يكونوا ثائرين بطبعهم على الظلم وفساد الاوضاع،  ونظرا لكثرة هذه الثورات في تاريخ فاس فانني اعتذر عن عدم استقصائها في هذه العجالة واكتفي منها بما يلي:

 في عهد الادارسة:
كان يحيى محمد بن ادريس ملكا على المغرب بعد والده يحيى،  ولكنه كان فاجرا،  وقد دخل على النساء يوما في احد حمامات فاس فثار عليه اهل فاس وكادوا يفتكون به.   ثم عينوا عليهم اميرا منهم هو عبد الرحمن بن ابي سهل،  وتمكن يحيى بعد هذه الحادثة من استرجاع فاس.   وتولى بعده علي بن عمر ابن ادريس،  فخرج عليه ثائر خارجي بجبال مديونة يدعى عبد الرزاق الصفري،  وتمكن من الاستيلاء على عدوة الاندلس بينما صمدت ضده عدوة القرويين.  
 ولما ظهر العبيديون واعتقل مصالة يحيى بن ادريس الذي مات مغربا عين عاملا على المدينة يدعى ريحان الكتامي،  فثار ضده الحسن الحجام بمسلعدة اهل المدينة وقتله كما قتل كثيرا من اشياعه.  
 وثار الفاسيون مرة اخرى ضد الشيعة سنة 322 وعينوا عليهم عاملا هو احمد بن بكر الجذامي وقتلوا عامل الشيعة حامد بن حمدان وجرد اليهم العبيديون جيشا بقيادة ميسور الخصي فاغلقوا فاسا دونه وبقي محاصرا لفاس مدة سبعة اشهر،  واخيرا صالحوا ميسورا على ان يحتفظوا بعاملهم الجديد الذي عينوه بانفسهم وهو حسن اللواتي.

 في عهد الزناتيين:
بعد اختفاء الادارسة من فاس وظهور الزناتيين عين اهل فاس عاملا لكل من العدوتين ولكن زيري الصنهاجي قتلهما معا.  
ولما ضعف زيري بن عطية تجاه الامويين وانهزم امامهم قرب طنجة رجع الى فاس فاغلق اهلها ابواب المدينة في وجهه واخرجوا له اسرته وزادا ودواب.  
ولما تولى الفتوح ين دوناس نشبت الحرب بينه وبين اخيه عجيسة في فاس،  فمال بعض السكان   الى الاول،  والبعض الى عجيسة،  واستمرت الحرب داخل البلد ثلاث سنين الى ان استولى الفتوح على مجموع فاس.  

في عهد المرابطين: 
فتح يوسف بن تاشفين فاسا مرتين،  الاولى سنة455 بعد ان اهلك من اهلها ومن احوازها اربعة ءالاف نفرا،  ولكن تميم بن معنصر استعادها وعاد يوسف لفتحها سنة622،  وفي هذه المرة كان القتال بين المرابطين من جهة والزناتيين من جهة اخرى،  وكان القتال في شوارع البلد وازقته وحتى في بعض المساجد كالقرويين وجامع الاندلس حيث قتل ازيد من ثلاثة ءالاف زناتي.  
وما كاد المرابطون يدخلون فاسا حتى هدموا الاسوار التي كانت تفصل بين عدوتي القرويين والاندلس،  وقيل ان يوسف كان يقول:انما اسوارنا سيوفنا وعدلنا،  وقد نسبت هذه العبارة الى عبد المومن الموحدي ايضا. 
 
في عهد الموحدين:
في سنة 540حاصر عبد المومن الموحدي فاس حصارا طويلا وقطع الماء عنها ثم حبسه مدة في سد وارسله بعد ذلك فاغرق قسما من البلد الذي اعتصم به اهله وتهدمت من اجل ذلك دور عديدة بلغت الفين،  ومات كثير من سكان البلد،  واخيرا استولى عليه عبد المومن وهدم قسما كبيرا من اسواره ثم جددها يعقوب حفيده.  

في عهد بني مرين:                                
لما تولى ابو بكر المريني حاول ان يستولي على فاس من غير لجوء الى القوة،  وقد توصل الى ذلك في البداية عن طريق الشيخ ابي محمد الفشتالي الذي وقع ما يشبه ميثاق ود مع الامير المريني خارج باب الشريعة،  وبعد دخواه فاسا سنة646 اخرج عاملها الموحدي السابق من غير ان يسيء اليه ثم عين عاملا جديدا للمدينة من الحشم،  وكان اسود اللون واسمه السعود بن خرباش،  وقبل ان يغادر فاسا لمتابعة فتوحه ترك بضع مئلت من جند الموحدين بينهم مائتان من النصارى على راسهم شريد الفرنجي،  وقد وزعت هذه الحامية بين رجال الدولة الجدد وكانت فرقة النصارى في عداد جند العامل المريني،  وفكر اهل فاس في الثورة،  والرجوع الى طاعة الموحدين فاتصلوا بالقاضي ابي عبد الرحمن المغيلي واقنعوه بتزعم الثورة والفتك بالسعود ريثما يصل عامل الموحدين ثم يتم الاتفاق مع شريد الفرنجي الذي كان يقود الحرس الخاص بالعامل.   وفي صبيحة يوم من سنة647دخل على العمل جماعة من زعماء الثورة وبينهم ولد القاضي المذكور،  ثم خاطبوه بكلمات عالية،  فهم باعتقالهم،  وحينئد دخل شريد وعصابته ففتكوا بالسعود وطافوا برأسه في انحاء المدينة تشهيرا به ثم نصب شريد واليا موقتا،  ولكن المرتضى الذي استصرخ به اهل فاس كان اعجز من ان يسترجع بلدا اصبحت ضواحيه كلها في قبضة بني مرين فطلب تدخل يغمرأسن داهية بني زيان الذي كان يرى في هذا التدخل فرصة لضم اطراف المغرب الى مملكته  واثناء ذلك كان ابو بكر المريني قد احاط بفاس احاطة السوار بالمعصم،  وظل ينتظر فرصة اقتحامها مدة تسعة اشهر،  ثم عندما علم بهجوم يغمرأسن المحتمل انسحب نحو الشرق ليصطدم بجيوش يغمرأسن في ايسلي حيث دارت معارك كثيرة قبل الموحدين وبعدهم،  ولم يفز يغمرأسن من المرينيين بطائل،  بل انهزم امامهم تاركا وراءه اسلابا وافرة،  وعاد ابو بكر يشدد الحصار على البلد الذي سبق ان عاهده على الوفاء،  والظاهر ان اهل فاس كانوا يخشون من بني عمومتهم المغراويين واليفرانيين الذين تداولوا فاسا خلال حروب طاحنة،  وما كاد ابو بكر يخيم بجيوشه على مقربة من البلد حتى خشى اهله مغبة مغامرتهم،  وطلبوه الصفح عما صدر منهم،  فوافق على دخول البلد سلما،  ولكنه اشترط عليهم ان يعوضوه عن الخسائر المادية التي تكبدها المرينيون في هذه الثورة فادوا اليه مبلغ مائة الف دينار وهو قدر عظيم بالنسبة للوضع الاقتصادي يومئد،  وهكذا عادت فاس الى طاعة بني مرين سنة648بينما كان نفوذ الموحدين في طريق الزوال.  
 ولما ثار ابو عنان المريني على والده ابي الحسن واستبد بملك المغرب دونه،  نزع الى طاعته اهل فاس القديم وامتنع اهل فاس الجديد من بيعته،  واغلب الظن ان ذلك يرجع الى ان سكان فاس القديم كانوا محافظين،  بينما كان اكثر سكان فاس الجديد من ابو عنان البلدة مستخدما المنجنيقات،  ولكن لم يفد منها شيئا سوى ان اهلها ضاقت حالهم حتى دخل عليهم ادريس بن ابي العلاء موهما اياهم انه يشايع عاملهم منصور،  وتبعه جماعة فتمكن من اعتقال العمل وقتله،  ثم استسلمت المدينة الى الملك الجديد.  

في عهد الاشراف:
ظل اهل فاس متمسكين بطاعة بني وطاس مدة بعد ان خضعت لطاعة السعديين مناطق كثيرة من المغرب،  كمراكش،  واسفي،  والسوس،  ورفع علم الثورة ضد السعديين الفقيه ابو عبد الله الونشريسي الذي رأى ان بيعة الوطاسيين ما تزال في عنقه،  ولم يستطع ابو عبد الله الشيخ ان يفتح المدينة فدس الى الشيخ الونشريسي جماعة من السلفة الذين اغتالوه امام باب من ابواب القرويين،  ثم استولى على البلد سنة956ه بعد عراك عنيف،  وبعد وفاة زيدان بن احمد المنصور تولى عبد الله بن الشيخ بفاس واتخذ جنده وبطانته من شراقة عرب احواز تلمسا،  وكانوا سفلة يجاهرون بالمنكر،  ويقتحمون على الناس دورهم حتى ضج منهم اهل فاس،  وثاروا بزعامة ابي الربيع سليمان الزرهوني الذي اتى قتلا على شراقة وانصار السلطان،  وحاول عبد الله بن الشيخ استرضاء اهل فاس واصلاح ذات البين بينهم وبين شراكة فرفضوا بكل شدة وامنعوا في قتالهم حتى قضوا على كل أثر لاستبدادهم،  ثم ان شراقة نصبوا لاهل فاس كمينا حيث وضعوا ايديهم في ايدي الملالقة سرا وطلب هؤلاء مساعدة الفاسيين،  فتقاطرت جموعهم بخولان وخرج شراكة من كمينهم ثم حكموا السيف في رقاب من خرج من اهل المدينة وكانوا عدة مئلت.  
 ورفض اهل فاس دخول عبد الله بن الشيخ من سلاطين السعديين الى مدينتهم حيث كرهوا دولة السعديين بعد تسليمهم العرائش الى البرتغال ايام الشيخ.   وبينما كان ابو الربيع من انصار السلطان الجديد كان الفاسيون ضده حيث عينوا عليهم زعيما ءاخر هو ادريس بن احمد الجوطي فقتله ابو الربيع وتعصب له فريق من السكان،  وعمت الفتنة البلد حتى حدثت مجاعة اودت بحياة كثير من اهله وانتهى امر ابي الربيع باغتياله سنة1026 فخلفه في رئاسة فاس الفقيه المربوع،  فكانت فاس في هذه الاثناء خارجة عن طاعة السعديين،  وعمل المربوع على تنصيب رجل كان يتعبد في زرهون واسمه عبد الرحمن الخنادقي:نصبه ملكا بفاس،  وقام وزير عبد الله ابن الشيخ  يحارب انصار الملك الغير الشرعي حتى قتله،  ولجا الفاسيون الى الاعتراف بسلطة عبد الله ابن الشيخ بعد ان ضاقت بهم الحال ثم قتل المربوع سنة1028 بعد ان تابع ثورته ضد عبد الله بن الشيخ في قليل من انصاره،  ولم يحسن عبد الله السيرة في سكان فاس ولا في رعيته عموما،  فكان يبعث بقواده لينهبوا الدور والمتاجر ويرجعوا اليه مثقلين بالاموال والامتعة،  وظلت فاس يتداولها رؤساء من اهلها طيلة حكم السعديين منذ موت عبد الله بن الشيخ سنة1032.  
 وضاق اهل فاس بحكم السعديين،  وكانوا قساة على الشعب منذ وفاة عظيمهم اخمد المنصور،  ولا ينكر مع هذا نضالهم ضد النصارى الغاضبين من برتغال واسبان،  ولكن بعد ضعفهم اصبح الشعب نفسه يقود الجهاد في شخص زعمائه وصلحائه وخصوصا العياشي الذي اعترف اهل فاس بزعامته وسلطته متحدين الحكم السعدي الفاشل ثم اعترفوا بسلطة محمد الحاج الدلائي،  وحدث سوء تفاهم بينهم وبين عامله ابي بكر التاملي فلجأوا الى محمد بن الشريف الذي كان قد بدأ محاولاته لتأسيس الدولة العلوية.   ولم يكن جيش المولى محمد من القوة بحيث يمكنه ان يرد حامية الدلائيين عن فاس،  وهكذا حاصر التأملي المدينة حتى قطع عنها الماء مدة طويلة،  فاضطر الفاسيون الى الانقياد الى الدلائيين من جديد ولم يخضعوا بسهولة للمولى الرشيد حتى لقد اصابوه برصاصة في اذنه وهو يحاصرهم.  
ثم استولى المولى الرشيد على فاس من الدلائيين،  فاقتحم فاس الجديد اولا ثم فاس القديم بعد مقاومة شديدة سنة1076ه.  
وثارت فاس مرة اخرى في عهد المولى اسماعيل بسبب سوء تصرف القائد العسكري زيدان العامري وحولت الدعوة الى ابن محرز الذي قضى سنوات طويلة من حكمه،  ولبثت فاس خارجة عن طاعة المولى اسماعيل ازيد من سنة حتى عادت الى حكمه سنة1084.  
وعندما عزم المولى اسماعيل على تمليك العبيد وفض علماء فاس الموافقة على ذلك فاصدر السلطان منشورا يوبخهم على تمردهم ويامر بعزل عدد منهم من وظائفهم.  
 ثم تولى احمد الذهبي ولد المولى اسماعيل،  وفي عهده نهب جيش الودايا فاسا فثار اهلها لحربهم وحضر السلطان لحصار فاس التي اغلقت ابوابها دونه،  واستخدم في حصاره الاسلحة المستحدثة يومئد من مدافع ومهاريس وبنادق،  ثم عرض السلطان نفسه الصلح على اهل فاس تلافيا لسوء المغبة،  ثم خلع الساطان المذكور في خبر طويل،  ورفع من جديد الى الحكم بعد ان فشل اخوه ابو مروان في اقرار السلطة وعاد احمد الذهبي يحارب فاسا بعد ان فسد ما بينه  وبين اهلها بسبب جور جسش الاودايا،  وكان ابو مروان اخوه في قبضتهم وبينه وبين احمد الذهبي عداوة شديدة،  وحاول ان يسترضي الفاسيين باطلاق سراح مساجينهم الذين كانوا في يده،  ودخل ممثله الى فاس يخطب في اهلها ويجعوهم الى الطاعة،  فحملوه الى حيث قتلوه وصلبوه،  وخرج جماعة من ثوار فاس الى ناحية البلد،  فاستولوا على كثير من مواشي الاودايا وطال حصار احمد الذهبي لفاس ما يقرب من نصف عام وكانت المدينة خلال ذلك تتلقى قنابل المدافع وحجارة المجانيق حتى سقطت مبان كثيرة منها وعمت المجاعة بسبب انقطاع الموارد الخارجية ثم انعقد الصلح على يأمين اهل البلد وتسليم ابي مروان الى اخيه بعد ان توثقوا منه حتى لا يناله منه مكروه،  ولكنه غدر به وقتله خنقا ثم مات بعده ببضعة ايام.  
وتولى بعده المولى عبد الله بن اسماعيل فانقاد اليه اهل فاس ثم حدث بينه وبينهم سوء تفاهم حيث طالبهم بالتنازل عن بساتينهم  لصالح الدولة فرفضوا محتجين بحقهم في الملكية،  وبان شروط البيعة لا تتضمن هذا التنازل فقام يحاصرهم ويخرب بساتينهم  وزروعهم،  وطال الحصار حتى اذغن الفاسيون للسلطة الحاكمة،  واحتفظوا مع ذلك باملاكهم،  وكان المولى عبد الله شديدا على من كانوا يسمون بجيش العبيد،  فثاروا به وولوا اخاه عليا.  
وكان عامل فاس في عهده اولا مسود الروسي وكان متهورا،  فقتل احد زعماء البلد،  وقام الفاسيون لحربه حتى عزله السلطان الجديد.  
وفي عهد السلطان المولى سليمان ثار اهل فاس على عاملهم محمد الصفر بسبب تهتكه وخلاعته فكتب اليهم السلطان  خطابا طويلا ذكر نصه كاملا صاحب الاستقصاء.   ومما جاء في رسالته:
 {واما الفسق فهو عادة وديدن كا من قام في الفتنة.   وكم مرة رمت قطعه فلم اجد اليه سبيلا،  لان جل كبرائكم بالمصاري والعرصات،  وانما اولي عليكم البراني لانكم لاتحسدونه وان اكل وحده.   .   }

 ثم يضيف الخطاب: 
 {.   .   وانظروا ما اجبتكم به وما كتبتم لنا به واعرضوه على فقهائكم فمن قال الحق منا،  ومن قال الباطل اخذتم بحظكم من الفتن}.  
 وفي اواخر عهد السلطان المذكور اعتدي عبيد الاودايا على اليهود فنبهوا اموالهم وهتكوا اعراضهم ثم قتلوا منهم عددا كبيرا،  ورأموا ان يفعلوا مثل ذلك بمسلمي فاس فقاموا ضدهم قومة رجل واحد،  وعينوا عليهم لجنة تمثل الاقسام الرئيسية من البلد فدبرت اموره حتى غرم الاودايا مااتلفوه للسكان مسلمين ويهودا.  
 وفي عهد السلطان الحسن الاول امتنع اهل فاس عن اداء المكس الذي كان قد فرضه السلطان محمد ابن عبد الله على البضائع الواردة من المدينة ثم خلعوا عاملهممحمد بنيس واستصفوا امواله وكادوا يقتلونه حتى اضطر الى الالتجاء الى ضريح الامام ادريس،  وتزعم الثورة الدباغون خاصة ومنعوا العامل الجديد ادريس السراج من الالتحاق بالسلطان بعد ان كادوا يأتون على حياته هو ايضا،  وقد كانت له يد في سوء تصوف بنيس،  فاضطر السلطان الى حربهم وحصارهم ثم مال الى الرفق في اجتذابهم وبعث اليهم منشورا يحذرهم مغبة تمردهم فركنوا الى الطاعة ونفى السراج الى مراكش.  
 واذا اضفنا الى ما تقدم شورة اهل فاس ضد اقرار نظام الحماية،  هذه الثورة التي سبقت اقرار النظام المذكور بشهور عديدة وجرت معها ثورة بني مطير وغيرهم،  ثم قيام الحركة الوطنية بهذا البلد نفسه وظهور زعماء اقوياء كانوا على رأس الثورة الشعبية العارمة التي ادت الى استقلال المغرب فسنستخلص من ذلك سلسلة طويلة من الثورات التي لا يسع لذكرها كلها في هذا البحث الوجيز
فما هي العوامل الحقيقية التي جعلت من عامة اهل فاس ثوارا بطبعهم؟
1_ان الاصول الاولى لسكان المدينة اصول عربية تقاطر معظمها من الاندلس وخصوصا من قرطبة وبالتالي اثر وقعة الربض،  بالاضافة الى هجرات اخرى في عهد الادارسة والزناتيين وغيرهم،  وقد ورثت هذه الاصول العربية عن سكان قرطبة لثغة لسانهم كما نقل فقهاء فاس عن فقهاء الاندلس صراحتهم وحديثهم وتدخلهم في سياسة الدولة بشكل مباشر اة غير مباشر،  ولم يكن فقهاء الشرق يبلغون تعصب فقهاء الغرب وشدتهم،  ولكن يبدو ان وضع المسلمين في الاندلس بين الممالك المسيحية،  حدا بالفقهاء الى ظهورهم باستمرار على مسرح السياسة في الاندلس،  وحيث ان فقهاء فاس درسوا بقرطبة ايام عزها فقد نقلوا عن فقهائها كما تقدم نفس الاهتمام بالشؤون السياسة.
2_ ان التجاء العناصر العربية الراقية من الاندلس الى فاس جعلها تشكل مجموعة لها من المقومات والخصائص ما تمتاز به كثيرا عن باقي المناطق المغربية، وهكذا شكلت الصناعات والعلوم والفنون التي نقلت عن الاندلس نوعا من التركز في فاس،  مما جعل سكان هذا البلد ينظرون الى انفسهم نظرة اعتزاز وتفوق،  وهذه الحالة النفسية من شأنها ان تؤدي الى التمرد على كل وضع يحاول النيل من اصحابها.  
3_ لم يحسن الملوك دائما معاملة السكان ولم تكن فاس التي طبع اهلها على رفاهة الحس والثقة المفرطة بانفسهم لترضى بعمال يسومونها الخسف.   لذلك كان الفاسيون يعمدون الى خلع العمال الذين لا يحسنون التصرف وينصبون عليهم عمالا من بينهم في انتظار ان تقبل السلطة الرسمية الامر بالواقع او تعين من جهتها من يقبله اهل البلد.  
4_ كان تهتك بعض العمال والملوك وسوء اخلاق الجيش من اكبر دواعي الثورات الفاسية،  كما رأينا في عهد يحيى بن محمد بن ادريس وزيدان السعدي،  وفي ثورة الفاسيين ضد زيدان العامري قائد المولى اسماعيل،  ومحمد الصفار عامل المولى سليمان
ومن اهم ما يلاحظ في معظم ثورات فاس ان الطبقات الارستقراطية كانت تشترك فيها جنبا لجنب مع الطبقات الفقيرة،  واحيانا كانت السلطة المحلية تؤول الى شعبين مما يدل على الوعي الذي كان يسود فاسا منذ قديم.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here