islamaumaroc

م.الحلوي [تعقيب]

  دعوة الحق

47 العدد

يحتل الشاعر محمد الحلوي مكانة خاصة في الشعر المغربي الحديثذلك انه يمثل الاتجاه الشعري{التقليدي}في بلادنا تمثيلا صحيحا تنعكس فيه خصائص متميزة في الاسلوب والصياغة،  والواقع ان كلمة{تقليدي}المستعملة هنا يجب ان تفهم على نحو خاص،  لا يتسع المجال الآن لتحديد ابعاده. ولكنني اشير الى ان الوصف لا يعني الخصائص المعروفة للقصائد المسجلة في تراثنا الذي كان تجديدا عند بداية هذا القرن،  ثم اصبح{تقليديا}بعد ظهور تيارات{جديدة}تقلدت اللقب بحكم الدور{الزمني}والمنحى الاتجاهي.  
 من اجل ذلك فان شعر الاستاذ الحلوي صالح لان يكون نقطة انطلاقلدراسة مقارنة تكشف لنا عن المسار الذي حلق فيه الشعر المغربي الحديث،  وعن مدى الاضافات الابداعية،  والعيوب المعوقة التي تكتنف انتاجنا الشعري،  وطبيعي ان هذه عملية يصعب على الناقد القيام بها مادام شاعرنا يبخل علينا بنشر ديوانه،  وكاني به يريد ان ينهج طريق الاولين في الاحتفاظ باشعارهم الى بعد مماتهم_اطال الله عمره_
 ان الاستاذ الحلوي_على كثرة ماننشر_لا يذلل الصعوبات التي تواجه النقاد،  لان عملية نشر الدواوين هي التي تعطينا نتاجا مصفى يتحمل الشاعر مسؤولية اختياره،  ويقدمه للقراء نموذجا صادقا لطاقته الشعرية وخصائصه الغنية.   .  
 عند ما اردت ان اسجل انطباعاتي عن قصيدة{ماسح الاحذية}واجهتني اسئلة متعددة تتلخص كلها في التعارض الجذري بين مدرستي الشعر التقليدي والتجديدي،  كما تحددهما الدراسات النقدية الحديثة،  وبما انني اتحدث عن قصيدة بعينها،  فليس بالامكان ان اسرد وجود الاختلافات كما افهمها،  وقد اعود الى ذلك في دراسة مستقلة،  ولكنني من خلال هذا النقد سابين الخصائص التي تميز قصيدة{ماسح الاحذية}والتي تعكس_بصورة مصغرة_خصائص المدرسة{التقليدية}.  
 في البداية يستعمل الشاعر اداة النداء{ايها}ليخاطب{الراكع المكب على الاقدام}ويواسيه في وصعه المزري،  مقدرا فيه تضحيته ونكرانه للذات.   .   فالخاصية الاولى للمقدمة هي الاسلوب المباشر التقريري:
يامثال النكران للذات لقن ادعياء الفدا دروس الفداء لا يضرك امتهان جسمك ماعشت بروح علوية شماء انت اتقى من عابد يقطع العمر ركوعا بدافع من رياء انت تحت الاقدام اسمي ولو كانوا جميعا من ساكني الجوزاء
 بعد هذا الخطاب المباشر ينقلنا الشاعر الى اطار قصصي ليحكي لنا بداية المشهد الدرامي بين ماسح الاحذية وامه،  ولكنه سرعان ما ياخذ الماسح في الحديث،  فينقطع السرد وندخل معه في تمنيات واحلام يقظة،  ينفس بها عن واقعه الاسود،  وتكاد تنسينا شخصية المتحدث،  بعد ذلك ينقلنا الى مرحلة اخرى ليصور لنا{ماسح الاحذية}وهو يعمل،  وما نكاد ننسجم مع هذا التصوير حتى نفاجأ بالعدسة تتوقف،  ليندخل الشاعر تسبقه تعليقاته وحكمه،  وكانه يخشى ان نتوه بين دروب تلك الصور على قلتها.   .  
 ان هذين المقطعين الاساسيين في القصيدة يظهران بوضوح تارجح الشاعر بين الاسلوب التقريري والاسلوب التصويري،  واعتقد انه لم يوفق في المزج بينهما لانهما متناقضان،  فكان ان بهتت ملامح الصور تحت ركام الاستنتاجات واستخلاص العبرة:
ايها الآمنون غدر الليالي والليالي تفح بالارزاء ان للدهر نكسة تسلب المغرور مااعتاده من النعماء
 لقد قرات القصيدة فلم اتجاوب معها،  بل اقتصر مفعولها على تنبيه حواسي الى التغنيم الموسيقي،  وسلاسة الالفاظ،  ولكن الانفعالات التي تحفر في الشعوب لتترسب فيه،  ظلت مختفية،  واعتقد ان تعليل ذلك_اعتمادا على قراءاتي الشعرية_يرجع الى انعدام{خصوصية التجربة}في قصيدة ماسح الاحذية فليس هناك خطوط متميزة تنقل الينا ملامح خاصة بذلك الانسان الذي رأآ امه تبكي ولا تجد ما تطعم به اخوته،  فاخذ يواسيها ويؤكد لها انه سيساعدها ويخرج الى الشارع لينكب على ارجل {الاثرياء}ادعياء الفدا وهي اوصاف مفترضة لان كل من يمسح حذاءه ليس بالضرورة ثريا مدعيا للفدا! !
 وكدليل يدعم انعدام خصوصية التجربة الشعرية في هذه القصيدة قول الشاعر على لسان{الفتى}:
طوحت بي الى الحياة وعرتني يداها من نعمة الاحياء روعتني بالثكل طفلا وما افجع فقد الابناء للاباء ورمت بي الى حياة رايت الحظ فيها بجانب الاقوياء وان ترعني  الاحداث في فجر عمري رأيت الحظ فيها بجانب الاقوياء وان ترعني الاحداث في فجر عمري وتذقني مرارة البؤساء فهي اوهى من ان تنال يداها عزتي او تذل من كبريائي 
 ان هذه الخواطر يمكن ان يفضي بها عدد غير قليل من اشخاص المت بهم فترات ياس وقنوط،  ومن الممكن جدا ان ترد_مثلا_على لسان عبد الله ابن الزبير وهو يحاؤر امه ويسر اليها بذات نفسه.  
 لعل من الفروق الاساسية بين الشعر التقليدي والشعر الجديد،  اكتفاء الاول ب{تسجيل}المشاعر والاوصاف الحسية،  ومحاولة الثاني{احياء}التجربة في النفوس عن طريق ايجاد صلة تعاطف قوية بين الاثر الشعر والمتلقي له،  اساسها تكثيف  اللحظات الشعورية ونقلها من {الداخل}باعتبار الشاعر عنصرا يعيش التجربة ولا يكتفي بالتفرج عليها نتيجة لذلك،  نجد الشعراء{التقليديين}يستعملون كثيرا من الاوصاف والتشبيهات{الجاهزة}،  ولو جاءت غربية عن السياق النفسي للقصيدة،  مثلهما نجد عند شاعرنا:
 وراى في المقهى ثريا على تخت تمطى في نخوة الاثرياء يرشف الكأس في دلال ويرنو ويرنو للندامى باعين شزراء فتدانى اليه وهو يمني نفسه من حظوظ هذا اللقاء وانحنى فوق نعله كانحناء الغصن فوق الزهيرة الميساء
 فهو هنا يتحدث عن الماسح الذي كان يتصيد الاحذية المتسخة بعد ان ودع امه المحتاجة،  واخوته الباكين،  وكل هذه الظلال لايمكن ان يغفل عنها،  ثم يأتي الاستاذ الحلوي ليعقد علاقة تشبيه بين جانب مشرق_هو الغصن والزهيرة الميساء،  وبين كتلة بشرية بئيسة تعتمل في داخلها عواطف البغض والكراهية لمجتمع لا يرحم او لقدر اعمى،  اظن ان السياق النفسي لا يسمح بمثل هذا التشبيه.   .  
 شيء ءاخر تعكسه قصيدة ماسح الاحذيةليصوغها في طابع تقريري جامد مثل قوله:
ايها الراكع المكب على الاقدام في وقدة الرمضاء
انت تحت الاقدام اسمى ولو كانوا جميعا من ساكني الجوزاء
 ان حرص الشاعر على ان يواسي ماسح الاحذية في مصيره التعس،  جعله يندفع في حماس ليعبر عن احساسه في مبالغة لامنطقية،  اذ يقول له انك رغم بؤسك وتعلق حياتك باقدام الآخرينفانت تفضلهم مهما كانت منزلتهم!
 المبالغة الثانية هي قوله:
ولقد يرتقي العروش رجال بدأوا مجدهم بمسح حذاء
 مثل هذا الكلام كنا نقرأه في بعض القصص الاخلاقية والتربوية التي كانت تقصد الى حض الناس على العمل والمثابرة مهما كانت اوضاعهم المادية،  وهو راي فيه الكثير من التبسيط لحقائق المجتمع الحديث ومشاكله،  ولا يمكن في ايامنا هذه ان تواسي ماسحا للاحذية برسم ءافاق مزيفة من الامل،  لاننا نعلم ان ماسح الاحذية{الجاهل}يستحيل عليه ان يكسب قوته بغير الانكباب المتواصل على ارجل الآخرين ليتصدقوا عليه بالنزر اليسير حتى يمكنه ان يواصل حياته.
اما ان نمنيه بارتقاء{العروش}فهو من قبيل الايمان بالمعجزات في عصر الذرة والصواريخ،  وهو كلام صالح لان ينشر في باب{صدق اولا تصدق}من مجلة المصور مثلا!
 وان هذا التحليل لقصيدة ماسح الاحذية يثبت انها تجربة{من الخارج}لم تستكمل خصوصية التجربة لتنقلنا الى ابعادها الداخلية،  ويثبت كذلك ان الشكل في حد ذاته غير كاف لان يوفر للقصيدة خصائص لبشعر الممتاز،  وقد كان الاستاذ الحلوي مجددا في اعطاء القصيدة وحدة عضوية،  ولكن الاسلوب الشعري المتأرجح بين التقريرية والتصوير،  طمس كثيرا من ملامح التجربة اضاع ميزات شاعرنا في انتقاء وسلاسة التراكيب.   .  

 
   

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here