islamaumaroc

[دواء الشاكين وقامع المشككين] الزمان -18-

  دعوة الحق

47 العدد

الكلام في الزمان وما أودع الله فيه من الأسرار،هو الفصل الثالث عشر من كتاب(ليس الزمان مهملا)قال مؤلفه: ان العلم التم بوجود الزمان خاص بحياة الحيوان.والانسان وحده هو الذي يقيسه ويوزعه.والعناصر التي تتألف منها الأشياء كلها من النادر ان تتغير على مر الزمان. وقد تتألف العناصر الكيمائية او تتفرق،غير أن الزمان وان كان ضروريا لانجاز تغير كيميائي،فلا أهمية له  بالنسبة للذرات. ومع ذلك نرى عصا من الديناميت تتحول من مادة صلبة الى غاز في جزء من خمسة وعشرين الف جزء من الثانية،ولكن الذرات لا تتغير.
يمكن ان يرتفع جبل من مكانه ثم يتفتت ويصير هباء منثورا،ولكن الذرة المحبوسة في قلبه لا تنتظر بقلق الوقت الذي تتحل فيه الصخرة لتخرج من سجنها وتصير حرة،ولو ان الكتروناتها تدور كالمغزل في افلاكها على الدوام.ان كامرتك تلتقط الصورة في جزء من مائة جزء من الثانية باهتزاز قدره الف وثمانمائة ميل في الأثير الفضائي لاحداث التغير الكيمائي. وهكذا تسجل الأفلام بالالوان كل ما في المنظر من جمال.فالذرات تهنز ويعاد تنظيمها ولكنها لاتتغير.
ويظهر ان الأشياء الحية تقيس الزمن،غير ان الجمادات الخالية من الحياة هي التي تسجله.ان مياه الأنهار الجليدية التي سالت بعد ما ذابت في العصر الجليدي قد تركت طبقات من الصلصال تدل على كل سنة مضت على مراتب درجات الحرارة التي كانت سائدة في ذلك الزمان،وكذلك الطبقات الكلسية التي تتكون في سقوف الكهف. والطبقات التي تعلو ارضها من الرواسب باشكال مخروضية تفعل مثل ذلك لمائة الف سنة واكثر،ولكنها لا تدري ماذا صنعت.
ان الراديوم والرصاص تتغير نسبهما في الصخور الصم فتخبر بمليون من السنين منذ استقرار الأرض،ولا تفكر في الماضي اصلا.ولا تستطيع الكائنات الحية ان تدرك كنه الزمان،لان الحياة لها غايتها،والفرد وجوده ينتهي وينقضي قبل انقضائها،وليس هنالك كائن حي في حالته الطبيعية يستطيع ان يقيس الزمان في وعي وانتباه،ولكن الزمان يأتي على جميع الكائنات الحية ويسود تقلباتها وأعمالها من الولادة الى الوفاة.
وقد انكشف ان هناك شيئا يسمى الزمان البيولوجي(اي الخاص بعلم الأحياء).ويظهر ان الزمان بالنسبة للصبيان يسير ببطء.اما بالنسبة للطاعنين في السن فيظهر أنه يسير بسرعة عظيمة.وهذه الظاهرة المعروفة قد وجد انها مرتكزة على دورة حياة الخلايا.ويمكن ان يعبر عن ذلك بايسر طريق فيقال،ان خلايا كل مخلوق حي تتطور بسرعة في ابتداء الحياة،ثم تأخذ في البطء كل ما دنت من نهايتها. واذا تكلمنا على ذلك من وجهة علم الأحياء نقول: ان كثرة حوادث الخلايا التي تقع في الطفولة تجعل الطفل يشعر بطول الزمان كالمسجون على حين ان بطء عمل الخلايا في الكبير،يشعر المسن ان الزمان يجري بسرعة.ويظهر ان دورة الحياة لا علاقة لها بالزمان المطلق الذي نقيسه بحركات الأجرام السماوية.فالمكروب يتوالد ويتكاثر في ساعة واحدة.أما الانسان فلا يتناسل الا في سنين عديدة. وذبابة مايو لا تستطيع ان تقيس الزمان تحت الماء.لكن كل جيل من نسلها يعيش في حياة سعيدة تحت الشمس.هل يمكن ان يكون العلماء على صواب في قولهم،اننا اذا صرنا الى دار الخلود سنقيس الزمان بالحوادث،لا بالفلك؟  

  والأسماك في البحر لها وقتها الذي تضع فيه بيضها،ولكنها في ذلك  انما تطيع قانون الطبيعة،ولا تعرف لماذا ذلك.والزرع والحصاد لهما وقتهما،وقد تحصد مساحات شاسعات من الزرع،اي يحين وقت حصادها في يوم واحد.اما الأشجار فلا تثمر الا بعد مضي سنين عديدة على غرسها.وحاقاتها السنوية تسجل اعمارها.
  وقد وجد ان بعض الصراصير تصر مرات معلومة طبقا لدرجات الحرارة،وقد احصيت مرات صريرها بدقة،فوجد  انها تسجل درجات الحرارة مع فرق درجتين.وقد روقب صرصور لمدة ثانمية عشر يوما فوجد انه يبدأ اغنية حبه او فرحه كل يوم قبل الساعة الأصلية بخمس دقائق. وهناك نوع من البط في قناة باوربا يجيئ بانتظام الى جسر لأجل الغذاء كل يوم في ساعة معينة ويضرب جرسا قد أعد له. والطير لها وقتها الذي تطير فيه من الشمال الى الجنوب،وكل فرد منها يلتحق بسربه في الوقت المعلوم،ثم تطير كل سنة في يوم يكاد يكون محددا معلوما. وذباب مايو يخرج من البحيرات فيطير طيران العرس،وتسقط منه ملايين ميتة في الشوارع في اليوم نفسه.
والجراد البالغ من العمر سبع عشرة سنة في(نيوانكلاند) يعيش في غيران تحت الأرض ،حيث يقيم في الظلام مع تغير قليل في الحرارة،ويظهر بملايين في شهر مايو  من سنته السابعة عشرة،وقد يتخلف بعض المتعثر منه عن سائره بالطبع،ولكن اكثره يتم نموه في تلك السنوات المظلمة،ويضبط يوم ظهوره بدون سابقة ترشده الى ذلك.
ودودة البوصة تدب بانتظام عظيم من مكان الى ءاخر،ولو استطاعت ان تقيس الوقت والمسافة بعدد قفزاتها. ولكن لا حاجة بها الى أن تقيسهما.فلا تضحك من قفزتها،لاننا معشر البشر نقيس المسافة بالقدم،(وانما نسبت الى البوصة لأن كل قفزة من قفزاتها بقدر بوصة).
كل حي على العموم يراقب الزمان ويسجله بالعمل،ولكنه لا يبدي دليلا على توقيت واع،ويظهر ان الفصول الأربعة،ودرجة الحرارة،والنهار والليل،والمد الفائض،كلها ضوابط لاطراد الحياة،وقد اوجد التطور عادات لقياس الوقت بغير شعور،وهي تعمل بطريقة اوتوماتكية كنبضات القلب والهضم. وكثير من الناس يعتاد ان يستسقظ في ذلك الوقت بالضبط  بدون ساعة منبهة،وسواء انام في الوقت. وقد أضاف الانسان الزمان الى المادة التي لازمان لها.والزمان لا يمكن وزنه ولا تحليله. فهو بالنسبة الينا يتعلق بهذه الأرض وحدها؛ ومقاييسنا للزمان يمكن ان لا يكون لها تعلق بالعالم في مجموعة،ولكن الزمان يملي علينا دوافع بدون شعور منا،وقد بلغت هذه الدوافع في القوة الى الى حد انها تتحكم في كل كائن حي.والانسان من حيث هو حيوان ليس له شعور خاص بالزمان،ولكنه يستطيع ان يضبط الى حد محدود اثر الزمان في دوافعه. فالانسان البدائي لا يستطيع ان يخبركم كم عاش من الزمان  الا بمقارنة  الحوادث. فالاعداد بالنسبة اليه تدل على قليل او كثير لا يميز بينهما. اما لانسان العصري فقد ينسى مثلا ايام ذكرياته السنوية،ولكن زوجته لا تنساها،فهل المرأة مرتقية اكثر من الرجل ام تطالع التقاويم خفية؟لا هو ولا هي يستطيعان ان يحددا اليوم الرابع والعشرين من مايو بعد سبع عشرة سنة كما يفعل الجراد في الظلام.
  تعليقات:
1)قوله ان الزمان لا أهمية له بالنسبة الى العناصر،وهي الذرات التي تتألف منها الأشياء،هذا مبني على رأي الفلاسفة وغيرهم من العلماء الذين يقولون،ان المادة لا تنفي،وانما تتحلل لتتركب من جديد وتكون شيئا ءاخر. وكان ابو العلاء   المعري على هذا الرأي،وقد صرح بذلك في قصيدته الدالية التي يقول فيها:
صاح هذي  قبورنا  تملا الأر 
                 ض فأين القبور من عهد عاد 
خفف الوطء ما اظن اديم الأر 
                 ض  الا من  هذه الأجساد  
وقبيح  بنا   وان    قدم العهد 
                 هواذ   الأباء    و الأجداد 
وتسمى المادة التي أسار اليها المصنف عنذ فلاسفة العرب،الهيولي.فكل مركب عندهم اذا تحلل يعوذ الى هيولاه .فالذي يتغير،انما هو المركبات بصورها وأشكالها،وأما الهيولي فلا  تتغير أبدا.
2)ضرب المصنف المثل بعصا الديناميت،وبين ان عصا الديناميت ادا انفجرت تتحلل وتعود الى عناصرها الأولى في لحظة قصيرة جدا لا تزيد على جزء من خمسة وعشرين ألفا من الثانية التي هي جزء من ستين جزءا من الدقيقة.فتعلق الزمان بتعلق المادة وانتقالها من التصلب الى الهباء،انما بين الجزء الذي يقع فيه التحول من شكل العصا وتصلبها الى حالة الهباء،والزمن لم يؤثر شيئا في ذلك التحول،وانما هو ظرف له. وقد يقال في بادئ الرأي،ان الزمان فيما يظهر يؤثر في أجسام الحيوان،اذ بمروره تفنى تلك الأجسام وتتحلل. قال الشاعر المغربي.
افنى الشباب تقلب الشمس
                      وطلوعها بيضاء صافية
     وغروبها صفراء كالورس
فنسب الشاعر افناء الأجسام  الى الزمان،ولكن علماء اللغةيجعلون هذا من المجاز العقلي،وهو اسناد الفعل أو ما شابهه الى غير ما هو له ل،لأن تقلب الشمس ليس هو الذي أفنى الشباب في الحقيقة،وكلام شعراء العرب في هذا المعنى كثير.
3)ثم ضرب المثل بالجبل والذرات التي تتألف منها الصخور،وأخبر  أنها لا تشعر بسجن في وقت تركيبها في صخرتها ولا بحرية في وقت تفتت الجبل. والكتروناتها تدور في أفلاكها كما تدور الأجرام السموية. فالزمن عندها في وقت التركيب و في وقت التحلل.
4)ثم ضرب المثل بالتقاط آلة التصوير بالصور في لحظة قصيرة بللاهتزاز الذي يحدث تفاعلا كيميائيا معروف القدر تسجل به المناظر بألوانها وجمالها دون أن يؤثر ذلك على الذرات.
5)قوله  ويظهر ان الأشياء الحية تقيس الزمان ...الخ يريد بذلك ان الحيوان العاقل وغير العاقل هو الذي يهتم  بالزمان،ثم مثل لذلك بالأنهار التي كانت جامدة في العصر الجليدي  ثم ذابت بعد ذلك وتركت طبقات من الصلصال تدل على السنين  الماضية،فقد استعان الانسان على معرفة الزمان بالجماد. وكذلك يقال فيما ذكر بعده من طبقات الكلس التي في سقوف الكهوف وما يعلو أرضها من الرواسب.
6)قوله،ولا تستطيع الكائنات الحية ان تدرك كنه الزمان الخ.أمر واضح،لأن الزمان المحيط بالكائنات الحية،فيه تنشأ وفيه تفنى،فلا يمكن أن تحيط به علما،و اذا كانت الكائنات الحية حتى أشرفها وهو الانسان عاجزة عن ادراك كنه الزمان،فكيف تستطيع ان تدرك كنه صفات خالق الزمان ومجريه،العالم بأوله وأخره؟وصدق الله العظيم اذ يقول:{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما}.ثم سأل مصنف عن امكان صحة الرأي القائل:اننا معشر البشر ادا انتقلنا الى الدار الباقية نقيس الزمان بالحوادث،لابحركات أجرام الفلك.والجواب عن هذا السؤال(طارت به في الجو عنقاء مغرب)،فمن ذا الذي يستطيع ان يجزم بالنفي أو الايجاب،وهو بعد في سجن الحياة؟.والتفكير في هذه المسألة من النهم  الذي يصيب العلماء.وما أصدف الخبر القائل:منهومان لايشبعان،طالب علم وطالب مال.
7)قوله:وقد تحصد مساحات شاسعات الخ.يقال احصد الزرع اذا حان وقت حصاده.
8) قوله:ومقاييسنا للزمن يمكن ان لا يكون  لها تعلق بالعالم في مجموعه الخ.بيان ذلك،اننا نقيس الزمان على حسب طلوع الشمس وغروبها،وبعبارة أدق حسب دوران الأرض. فادا كانت الكواكب الأخرى كالمريخ مثلا مأهولة  بمخلوقين عاقلين،يقيسون زمنهم ،فان قياسهم للزمان يخالف قياسنا،هذا مع ان المريخ ادا قابلناه  بالشعرى نجده قريبا منا.وادا كان في الكواكب التي تدور حول الشعرى عقلاء يقيسون الزمان،فلا بد ان يكون قياسهم مخالفا لقياس سكان المريخ.وادا كان الزمان مرتبطا بالشمس بالنسبة الينا والى كل من يستضيئ بها في سائر الكواكب السيارة،ان كانوا موجودين فقبل وجود الشمس كان الزمان معدوما،وبعد عدمها سيكون كذلك.وكل ذلك يبرهن على نقصان علم الانسان وضيق معرفته.وصدق الله اذ  يقول(انه كان مظلوما جهولا).
9)قوله:لا هو ولاهي يستطيعان ان يحددا اليوم الرابع والعشرين من مايو بعد سبع عشرة سنة  كما يفعل الجراد في الظلام.تقدم في المقالات السابقة أن الله الذي خلق فسوى وقدر فهدى قد وهب بعض انواع الحيوان من الغرائز والالهام ما يعجز عنه الانسان العاقل،فسبحان الذي أتقن كل شيء خلقه.

                   

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here