islamaumaroc

خطة جديدة في المعجم العربي

  دعوة الحق

47 العدد

اللغة وسيلة التعبير ورسول التفاهم البشري تتطور بتطور العصور، وتختلف باختلاف البيئات وتنمو مع الحضارات،  ولا شك ان العناسة بحصر اللغة ودراسة تطورها ضرورة من ضرورات احيائها،  فلست ترى اية امة اهملت دراسة لغتها وتخلت عن تعهدها ثم كان المجد حليفها،  لان اهمال اللغة فد يجر الى القضاء على مجد الامة سواء من الناحية العلمية او الادبية او غيرهما.  
واللغة العربية كانت في العصر الجاهلي تصور مقتضيات الحياة العربية،  وتعطي الاسماء لما يحيط بها من مظاهر،  ثم تطورت بعد ذلك بتطور العرب لان اللغة تخلق مع الاضطرار،  فاننا نرى ان العرب ايام العباسيين قاموا بحركة النقل لكثير من الكتب اليونانية والفارسية والهندية وادخلوا كثيرا من المصطلحات العلمية،  فحوروا بذلك بعض الكلمات عن معناها الاصلي الى معنى اصطالحي،  وعربوا بعض الكلمات الاعجمية فادخلوها في قالبهم العربي.  
وفكر العرب حينئد في جمع لغتهم وحصرها في معجم حتى اذا اراد الباحث ان يعرف المهمل والمستعمل من الالفاظ ان يصل الى ذلك.  
وقد ذكر احمد امين في كتابه ضحى الاسلام(1)ان جمع اللغة مر على مراحل ثلاث:
المرحلة الاولى:جمع الكلمات حيثما اتفق،  من غير اختصاص بموضوع او ترتيب حسب الالفاظ.  
المرحلة الثانية:جمع الكلمات المتعلقة بموضوع واحد في موضوع واحد او جمع الكلمات المتقاربة  اللفظ والمعنى،  او جمع الكلمات التي تتغير معناها ولا يتغير لفظها.  
المرحلة الثالثة:وضع معجم يشمل كل الكلمات العربية على نمط خاص ليرجع اليه من اراد البحث عن معنى كلمة.  
ونحن في بحثنا هذا يهمنا الطور الثالث الذي يتعلق بوصع المعجم اللغوي الشامل لمفردات اللغة،  وقد ابتدأ هذا الطور بكتاب العين الذي اختلف مؤرخو الادب في واضعه فذهب جماعة الى انه للخليل بن احمد الفراههيدي،  وذهب ءاخرون الى انه لتلميذه الليث بن المظفر.  
ولقد حاول علماء اللغة العربية ان يهذبوا هذه المرحلة فكثر بسبب ذلك فيها كما اختلفت الفكرة في اختيار مادتها،  فمن المؤلفين من اختار لمعجمه الفصيح من اللغة واهمل ما دونه كثعلب،  ومنهم من اعتبر بعض الكلمات غير صحيحة الوصع فلم يستعملها في معجمه كالجوهري الذي الف كتاب الصحاح،  ومنهم من الف معجمه مختصرا ومنهم من اطال فيه كابن منظور في كتابه لسان العرب.  
ومن اشهر المعاجم اللغوية كتاب القاموس للفيروزبادي الذي استعمله الناس كثيرا حتى اصبح لفظ القاموس لكلمة معجم في اللغة العربية.  
واذا ما استقرأنا كثيرا من هاته المعاجم فاننا نجد ان طريقة البحث فيها انما ترجع الى البحث عن الكلمة باعتبار اصلها،  فلا تجد اية كلمة الا اذا كنت عالما باصل وضعها،  او مصدرها،  او مجردها بحيث يتعذر على الجاهل بقواعد اللغة العربية العامة ان يبحث في المعجم عن كثير من الكلمات التي يجهلها، لان هاته الطريقة ان كانت غير مبهمة بالنسبة الى الكلمات الواضحة الاوزان الظاهرة للعيان،  فانها بالنسبة الى الكلمات التي دخل عليها الابدال او الاعلال،  او التي تغيرت تغيرا كبيرا حينما جمعت جمع تكسير لا تبدو  يسيرة او سهلة المتناول.  
فالكلمات الأتية مثلا:اينق وقسي واتقياء جموع تكسير لا بد قبل ان تبحث عنها فب المعاجم القديمة ان ترجعها الى مفرداتها،  ويتصور مؤلفو تلك المعاجم بانك تعرف ارجاع الجمع الى مفرده بدون كبير عناء،  فهم يتخيلون انك ستدري بدونصعوبة كيف ترجع لفظ اينق الى ناقة،  وقسي الى قوس،  واتقياء الى تقي،  ثم هم يعتبرون انك ستكون عالما بان الف ناقة منقابة عن واو،  وان الاصل نوق،  ويظنون انك تعرف ان لفظة تقي صفة من التقوى،  وان التقوى اسم من اتقى،  وان اتقى فعل خماسي مزيد بالهمزة والتاء وزنه افتعل،  وانك تعلم القاعدة الصرفية التي تقرر بان كل فعل مجرد اذا كان ثلاثيا مبدوءا بالواو وزيدت فيه الهمزة والتاء ابدلت واوه تاء،  وادغمت احداهما في الاخرى،  وعليه فاصل اتقى وقى،  والبحث عن تقي او اتقياء يجب ان يكون في مادة الواو،  وهذا مما يصعب على الباحث معرفته في اول عهده بتعلم اللغة ،  ولذلك فبحق نلاحظ بعد تقديم هذه الامثلة ان المعجم العربي القديم لم يكن معجما تعليميا،  وانما كان موضوعا لمن يحسن اللغة العربية ويعرف اصولها ويربط المفردات بجموعها،  والافعال المزيدة بمجرداتها والمشتقات بمصادرها،  وانها لم تكن معاجم صالحة ليتناولها التلميذ في المدرسة ليتعلم بها لغته،  او اتقدم الى الاجانب الذين يرغبون في تعلم لغتها.  
  وبصفتي استاذ اللغة العربية فانني الاحظ عدم اعتناء التلاميذ بتحضير كثير من القطع الادبية لانهم لا يستعملون المعجم العربي الا لماما،  فاذا سألتهم وجدتهم يشمئزون من الطريقة التي يسير اليها المعجم،  فهم مازالوا حديثي عهد باللغة ويعملون على تعلمها ولكنهم يجدون انفسهم امام معاجم تتطلب منهم ان يكونوا خبيرين بقواعد الصرف و النحو،  والاطلاع على السماعي من اللغة وعلى القياسي منها وهذا ما يرهفهم ويبعدهم عن الاستمتاع بمطالعة الكتب العربية والاهتمام بها،  فهم يتمنون لو كان المعجم مهيئا لهم تهييئا يقربهم من الغاية شأن المعاجم الاوروبية.  
والحقيقة ان معاجمنا لو كانت مرتبة على الترتيب اللفظي لكان انتشار اللغة العربية بين التلاميذ اكثر مما هو عليه الآن.  
فالمعجم الفرنسي مثلا حينما تريد ان تبحث فيه عن اواو فانك تبحث عن مبتدأ اللفظ من غير اعتبار اصله ، وهذا مما يسر اللغة الفرنسية وجعلها في متناول الراغبين في تعلمها.  
ولذلك لاحظ الاستاذ الوفي الصقلي مدير المدرسة الادارية حاليا حينما كان مفتشا للغة العربية ان التلاميذ لا يستعملون المعجم العربي لانهم لا يجدونه موضوعا بكيفية واضحة وقام حينئد بجولة عامة يدعو جميع اساتذة اللغة العربية الى التفكير في وضع معجم عربي جديد يسير على نسق البحث عن اللفظ لا عن الاصل ويكون معجما مدرسيا يحبب التلاميذ في لغتهم وييسر لهم سبيل الاطلاع عليها.  
وحيث كنت اشعر بنفس شعوره فقد حاولت ان  اضع هذه النظرية في حيز التطبيق وشرعت في تنظيم المعجم الجديد وجمعمادته منذ سنة1958،  وقمت بندوات شرحت فيها النظرية الجديدة في تنظيم المعجم العربي التعليمي الذي سيفيد كثيرا من اراد تعلم اللغة العربية من ناشئتنا ومن الاجانب.  
  ومما حفزنى الى العمل على تحقيق هذا المشروع الجديد في تطور المعجم العربي شعور كثير من ادباء العرب وعلماء اللغة بما يتجلى من ضعف في ترتيب معاجمنا،  وعقم في شكلها،  فلقد ذكر الاديب اللغوي المشهور ابراهيم اليازجي المتوفى سنة1906 في سياق الحديث حول اصلاح المعجم اللغوي العربي قوله : (.   .   وان ترتب الالفاظ على وجه سهل المراجعة لا يكلف عناء ولا بحثا طويلا بحيث تكون كتب اللغة عندنا على مثل ما هي عليه في اللغات الاوروبية)(2).  
وقد حاولت وزارة التعليم بمصر سنة1904 ان تقرب اللغة الى اذهان النشيء فامرت الاستاذ محمود افندي خاطر بترتيب كتاب مختار الصحاح للجوهري الذي صحح اوضاعه الاستاذ حمزة فتح الله،  وقد رتبه محمود خاطر حسب اللفظ بالنسبة الى الكلمات التي دخلها اعلال او ابدال او ادغام،  ولكنه لم يرتبه كذلك بالنسبة الى باقي المشتقات، (3) قال: (الاشتقاق وما يلحق ابنية المشتقات من عوارض الادغام والاعلال،  وما يتصل بهما من اشد الامور التباسا في هذه اللغة،  فكثيرا ما تختلف على الناظر مظانه وتنفرج فيه مسافة الحدس لتعدد وجوه التغييرات بين الاصل المشتق منه والفرع المشتق واتردد الكلمات فيه بين اصلين حتى كان منه بعض المرية عند كثير من الباحثين والمستفيدين،  وادى بهم تقليب النظر في سبيله الى الحيرة والملل.  
ثم قال. (وانى يسهل  على المبتدئ في اول الامر ان الميزاب يطلب في مادة(وزب)وتجاه الشىء في مادة(وجه)،  وتترى في (وتر)وان السلسبيل في(سبل)،  وان السنة في(سنه) او(سنو)والسنة للنعاس في(وسن)،  وان قولهم عم صباحا في(نعم)وايم الله في (يمن) الى غير ذلك مما لايهتدي اليه الا بعد المزاولة وطول التدريب).  
 وليس بعد هذين النصين من ينكر فضل هاته الطريقة على المبتدئ في اللغة وعلى ما ستستفيد  بعد ان اتمم تنقيح معجمي الجديد ويصبح في متناول التلاميذ وغيرهم من الذين يعملون على نشر اللغة العربية في بلادنا.  
واليكم بعض النمادج  لتلاحظوا الفرق بين الطريقة الجديدة التي اتبعها في المعجم التعليمي العربي وبين الطريقة القديمة:
فمثلا:
 نجد     في المعجم الجديد   في المعجم القديم 
تهمة     في التاء والهاء   في وهم
تراث     في التاء والراء   في ورث
تقي     في التاء والقاف   وقى
اتقياء     في الهمزة والتاء والقاف
ديمومة     في الدال والياء والميم الخ  دوم
آبار     في الهمزة مع المد ثم الباء في الباء ثم الهمزة ثم الراء
آرام     في الهمزة مع المد ثم الراء        في الراء.   .   .   ثم الميم
قسي     في القاف والسين والباء في         القاف والواو والسين
آلات     في الهمزة مع المد ثم اللام الخ      في اول
توخى     في التاء والواو والخاء لخ          في اخو.   .  
ماء     في الميم الممدودة ثم الهمزة           في موه
ابابيل     في الهمزة مع الباء الممدودة        في ابل
اخدود     في الهمزة والخاء                   في الخاء والدال
ارنب     في الهمزة والراء                    في رنب 
اسارير     في الهمزة مع السين الممدودة      في سر
اسلوب     في الهمزة مع السين              في سلب  
بسمة     في السين والميم والتاء              في وسم

وبعد الاطلاع على هذه النماذج سنشعر بفائدة الطريقة الجديدة في وضع المعجم العربي وما سيحدثه من تغيير في الطرق التعليمية لكثير من قواعد التصريف.  


(1) ضحى الاسلام لاحمد امين الجزء الثاني الطبعة الثالثة صفحة263
(2) المختارات للاب رفائيل نخلة اليسوعي،  الجزء الثاني طبع 1931صفحة10
(3) مقدمة مختار المرتب طبع سنة 1928 الطبعة الثانية 
    

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here