islamaumaroc

التلقائية في انتشار الإسلام -2-

  دعوة الحق

46 العدد

في الحديث السابق عالجنا بإجمال بعض المظاهر والمراحل الهامة في تطور انتشار الإسلام تلقائيا، وعرفنا بشكل مجمل أيضا كيف أن هذه التلقائية قد توقفت نسبيا في الأعصر الأخيرة، بعد أن كانت حركة واسعة النطاق، أدت إلى نتائج باهرة ستظل خالدة في تاريخ التطور الإنساني.
لقد ثبت لي من خلال ملاحظة تعداد السكان في جزر الهند الشرقية مثلا أو جنوب آسيا بشكل عام، أن حركة التلقائية في الإسلام قد كسبت كثيرا من الكتل البشرية، بعد أن توقف سيل الإسلام، ولا شك أن لهذه الظاهرة علاقة بالروح السلمية التي جاء بها الإسلام من جهة، وروح المسالمة التي تمتاز بالتشبث بها شعوب آسيا الهادئة من جهة أخرى، وبودي أن أتعرض لبعض الظواهر التي أعتقد أنها ستفسر ولو بعض الشيء الاضطراب والتوقف أحيانا في انتشار الإسلام، بالإضافة إلى ركود إلى ركود هذا الإشراق والإشعاع الروحي في الدعوة الإسلامية داخل الأقطار العربية بالخصوص: هذا الركود الذي يجب أن نحاربه بأعصاب هادئة وقلوب مؤمنة، لأن الحقيقة الساطعة هي أن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال.
والعالم العربي هو الذي كان المركز الأول لإشعاع الإسلام بلا مراء، لا لأنه يحتكر الدعوة الإسلامية التي جاءت هديا للعالمين، بل لأن هناك عاملا أساسيا لا يمكن التغاضي عنه في أمور الديانات والدعوات أو في نشأة الأمم بصفة أعم، ذلك هو عامل اللغة، واللغة العربية هي التي تلقت أحكام الإسلام في نصوص بليغة واضحة يعجز عن مثلها حتى العرب الفصحاء أنفسهم، وهو مضرب المثل في الفصحاء، وهذا ما يعني أن طالب القوة والوضوح في الدعوة الإسلامية لا بد له من تعمق العربية، أو الأخذ منها بنصيب وافر.
وفي اعتقادي أن أهم الظواهر التي توقف حركة التلقائية، أو روح الإشعاع الإسلامية ترجع في أساسها إلى حالة المسلمين من جهة، ثم إلى تقهقر اللغة العربية من جهة ثانية، وعجزها عن متابعة الدعوة الإسلامية ومصاحبتها إلى الأقطار النائية، وأخيرا إلى طغيان الحركات الأوربية الاستعمارية وما صاحبها من مذاهب وحركات وأفكار منحرفة، وفي مقدمة تلك المذاهب أو الحركات نجد المذاهب المسيحية أو حركات التبشير، وهي التي وطدت للقوات الاستعمارية المادية والفكرية بجميع مظاهرها، وهنا أيضا نلاحظ الأساس الأول في نجاح تلك الحركات، فاللغات الأوربية التي انتشرت بين الشعوب المستعمرة وأنشأت بينها وبين الدول المستعمرة نوعا من الرابطة الضرورية أو الإجبارية، منحتها أسلحة حادة ستظل الشعوب المستعمرة تعاني من سمومها أجيالا طويلة.
حالة المسلمين: كانت أم نقط الارتكاز للاستعمار الأوربي الحديث بالنسبة للشعوب الإسلامية ثلاثة: أولها السيطرة على جزر الهند الشرقية منذ بداية القرن السابع عشر من قبل هولندا، وذلك بعد السيطرة الاقتصادية التي قامت بها شركة الهند الشرقية الهولندية منذ سنة 1609، أما نقطة الارتكاز الثانية فكانت بلاد الهند، حيث تأسست بها أيضا شركة الهند الشرقية البريطانية سنة 1600، وعملت على السيطرة على جميع مقدرات وإمكانيات البلاد اقتصاديا، ثم انتهت العملية باحتلال الهند سياسيا، وتم ذلك رسميا في سنة 1857، وكانت نقطة الارتكاز الثالثة للاستعمار هي محاولة النزول في افريقيا: ولما فشلت حركة السيطرة على مصر في حملة نابليون اتجهت أنظار الاستعماريين في فرنسا إلى الجزائر التي تم لهم النزول فيها منذ سنة 1830، وبعد مقاومة عنيفة من طرف الشعب الجزائري دامت نحو العقدين من السنين استطاع المستعمرون احتلال البلاد الجزائرية حتى أعماق الصحراء وذلك سنة 1857.
وهكذا ظلت حركات التسرب الاستعمارية مستمرة طيلة القرن التاسع عشر في افريقيا وآسيا، وعلى الرغم من محاولات البرتغاليين احتلال الشواطئ المغربية فقد وقف الشعب المغربي، وكان وحده في المعركة، أن يرد كيد الغزاة، لكن الضربات المتوالية من قبل الاسبان ثم الفرنسيين أدت إلى إنهاك قوى البلاد والزج بها في حالة مزرية من الفوضى والاضطراب انتهت باحتلالها واقتسامها من طرف الدول الكبيرة المستعمرة.
وكذلك مرت بالتجربة كل الأقطار الإسلامية في الربع الأخير من القرن الماضي حسب التسلسل المعروف لدى الجميع، وكانت الظاهرة الهامة في هذا الاحتلال هي التجزئة لتلك الغنائم، وأخذ الأقاليم أو المناطق الإسلامية كل على انفراد مما سهل مهمة المستعمرين المقامرين.
لكن هذا التدهور السياسي للعالم الإسلامي لم يكن نتيجة بلا سبب، فقد حلت بهم الكارثة حين تفرقوا في المذاهب، وحين انقسموا شيعا في النواحي الفكرية والفلسفية، ثم حين عجز الفكر الإسلامي عن مسايرة التطور في البحث، فجمدت القرائح وأغلق باب الاجتهاد وأقفلت أبوابه حيث لم يعد هناك من هو في استطاعته أن يبحث ويحقق في الدين ويأتي بجديد، هذا الجمود في التفكير صاحبته أيضا روح التواكل والقدرية مما أدى إلى التشبث بالقشور وترك اللباب وهو الذي عمت به البلوى حيث سمح للجهل أن يتفشى في جميع أقطار الإسلام بلا استثناء. الأمر الذي أدى بدوره إلى انتشار الخرافة والفوضى الدينية التي لا تزال الدعوة الإسلامية تعاني منه في كثير من أجزاء الوطن الإسلامي.
وهكذا وقع الاحتلال في الحياة الاجتماعية للبلاد الإسلامية التي كانت مصدر الإشعاع، لقد اختل التوازن بين هدف الدعوة الإسلامية وبين الوضعية الاجتماعية، ذلك أن الإسلام دين القوة بكل مظاهرها دين النظر في الكون دين البحث والعلم، دين الثقافة والوعي الإنساني، لا دين الخرافة والسطحية.
لقد كانت الدعوة الإسلامية في العصور الإسلامية الزاهرة تنتمي، لمدة قرون، إلى دولة قوية ذات فعالية بمجتمعها الحي اليقظ، وذات تأثير هام في حركة التقدم الإنساني، وقد اتضح ذلك على الخصوص في عهد الإمبراطورية العربية، ثم العباسية، ثم بعد قيام الدويلات الإسلامية في الشرق والمغرب حتى منتصف القرن الثامن الهجري.
ومهما كان تأثير الانقسامات السياسية التي فتتت وحدة الإمبراطورية الإسلامية بعد العباسيين فإن تلك الدويلات كانت في الواقع تتنافس على الحكم وعلى العمل الجدي من أجل التقدم الحضاري، كان تنافسها في صالح خدمة العلوم المعروفة آنذاك واستجلاب العلماء الأفذاذ والأدباء الفطاحل وإكرامهم والافتخار بهم، وكان ذلك عاملا من العوامل المشجعة لروح النشاط والوعي ولقوة العالم الإسلامي، لكن الخلافات المذهبية قد أدت إلى نوع من القطيعة والتنافر الشديد بين الطوائف الإسلامية، وطالت تلك الخلافات وتشعبت منذ القرن السابع والثامن، فأصبح هناك فقهاء، وفلاسفة، ومتصوفة، إلى جانب الشيعة وأصحاب السنة، وأهل الرأي والمحدثين، وكل طائفة من هذه انقسمت على نفسها فذهب المسلمون شيعا متناحرة، وكان لهذه الانقسامات الفكرية والعقائدية إلى جانب الانقسامات السياسية، كان لذلك كله آثار سيئة بعيدة المدى في الرابطة الإسلامية، فحل الضعف والانحلال في معاقل الإسلام، وفي تلك الأثناء خلال القرن السابع، قام بعض علماء الإسلام يدعون إلى الوحدة والتسامح والبعد عن التناحر ثم الرجوع إلى الدين الصحيح الصافي في أصوله ومنابعه الأولى وهي القرآن والسنة، كان زعيم هذه الحركة هو ابن تيمية ومن بعده ابن القيم الجوزية صاحب الأرجوزة المشهورة، لكن الواقع هو أن الكارثة حلت ولا محيص عنها، فقد توجه ابن تيمية إلى جميع الفصائل المتناحرة فلم يجد منها طائفة تريد أن تسير على صواب،بل كل يسفه الآخر وينتقده ويصمه حتى بالكفر، وهكذا اتهم المصلح الكبير ابن تيمية بالخروج عن الجادة، لأنه لم يترك أحدا لم يهاجمه، فكاد له الجميع، وانتهى أمره إلى السجن حتى مات.
هذه هي الحال المزرية التي حلت بالمسلمين وأدت إلى طمس معالم الدعوة الإسلامية، انقسامات في الميدان السياسي وانشقاق في الناحية الفكرية، وجمود بعد ذلك في التفكير، فكان لا بد من أن تتوقف تلك الإشعاعات الروحية الخالدة التي عرفتها الدعوة الإسلامية فيما قبل، لكن هناك عامل أهم من كل ذلك قد أدى إلى سيطرة العجمة والجهل في الأقطار الإسلامية ولا سيما العالم العربي، وذلك هو التأخر المخزي الذي حل بلغة القرآن على عهد الخلفاء العثمانيين، فما هي أسباب ذلك؟ وما هي نتائجه المباشرة على الدعوة الإسلامية؟
ذلك ما سنراه في البحث القادم عن اللغة العربية وتخلفها عن مصاحبة الدعوة الإسلامية، ثم ضغط اللغات المسيحية الأوربية وأثره في الصراع بين المسيحية والإسلام.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here