islamaumaroc

[دواء الشاكين وقامع المشككين] الموازين والضوابط -17-

  دعوة الحق

46 العدد

ما أعب نظام الضوابط والموازين الذي منع أي حيوان، وأن بلغ من الضراوة والقوة وعظم الجسم والمكر كل مبلغ، من التحكم في أهل الأرض والسيطرة عليهم من عصر الحيوان القشري المتجمد، لكن الإنسان وحده قلب هذه الموازين الطبعية بنقله الأشجار وسائر النبات والحيوان من مكان إلى مكان، إلا أنه قد أدى ثمن تلك السيطرة وعوقب عقابا شديدا بسبب تطور الحيوان والحشرات والنبات وما نشأ عن ذلك من الآفات.
والحقيقة التالية مثال واضح يدل على أهمية تلك الضوابط وذلك التوازن بالنسبة لوجود الإنسان، قبل سنين عديدة زرع نوع من التين الشوكي (الهندية) في استراليا على شكل سياج (زرب) وقائي، ولا توجد في استراليا حشرات مضادة لشجر التين الشوكي، فلذلك نمى بسرعة غريبة حتى غطى مساحة واسعة تساوي مساحة البلاد الانكليزية كلها وضايق أهل المدن والقرى، وأتلف مزارعهم، وحال بينهم وبين الزراعة، ولم يستطع أهل تلك البلاد أن يجدوا وسيلة لوقفه عن الانتشار، وأصبحت استراليا في خطر من جراء جيش من الزرع الصامت يكتسحها، لا طاقة لها بدفعه. وعند لك أخ علماء النبات يبحثون في جميع أنحاء الدنيا عن وسيلة تقاوم انتشاره، حتى عثروا في نهاية بحثهم على حشرة لا تعيش إلا على التين الشوكي، ولا تأكل شيئا آخر، وهي سريعة النمو والتكاثر وليس لها عدو يقاومها في استراليا، فأخذت في أكل التين الشوكي حتى قضت عليه، ثم قل عددها ولم يبق منه إلا القدر الكافي لوقف ذلك النوع من النبات عند حده إلى الأبد.
وكذلك خلق الله الضوابط والموازين لوقف كل نوع من المخلوقات عند القدر الصالح حتى لا يطغى بعضها على بعض.
لماذا لم تسيطر بعوضة الحمى الناقض (الملاريا) على أهل الأرض فتجعل أسلافنا عبر الأعصار والقرون يموتون بسببها أو يكتسبون مناعة؟ ومثل ذلك يقال في بعوضة الحمى الصفراء التي انتشرت شمالا في أحد الفصول حتى وصلت نيويورك، والبعوض كثير جدا في المناطق المتجمدة، ولماذا لو يتطور ذباب (تسي تسي) حتى يعيش في غير المناطق الحارة، وحينئذ يقضي على البشر ويمحوهم من الوجود؟، وهنا ينبغي لنا أن نذكر الطواعين والأوبئة القتالة التي لم يكن للناس ما يحميهم أو يمنعهم منها إلى أمس القريب، ويذكر ما كان عليه الانسان من الجهل التام بقواعد الوقاية الصحية، ليعلم أن بقاء الجنس البشري مع كثرة أعدائه أمر عجيب تتحير فيه الألباب، هذه الحقائق العجيبة من أسرار الطبيعة تستحق الذكر والاعتبار، وإن كانت لا تكون بالضرورة برهانا تاما على وجود العناية الربانية من طريق مباشر، ولكنها تضاف إلى البراهين السابقة فتزيدها قوة ووضوحا.
إن الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان، وإنما تتنفس بواسطة أنابيب، فإذا نمت وكبرت أجسامها لا تنمو تلك الأنابيب بنمو الحشرات، فيتوقف نموها بسبب ذلك، فلا تجد حشرة تزيد في طولها على بضع بوصات (البوصة هي الانتش باللغة الانكليزية، وقد تقدم وهي تساوي ثلاث سنتمترات إلا قليلا) ولا تطول أجنحتها إلا قليلا، وبسبب تكوينها الجسمي وطريقة تنفسها لم توجد قط حشرة ضخمة الجسم، وهذا الحد من نمو الحشرات منعها من الطغيان والسيطرة ووقفها عند حدها، ولولا وجود هذا القانون الطبي ما أمكن الإنسان فتصور الإنسان في أول أطواره يصادف زنبورا في حجم الأسد أوعنكبوتا مثل ذلك.
ولم يكتب إلا قليل من أنظمة أنواع الحيوان الكثيرة بتلك الأنظمة الفيزيولوجية العجيبة التي بدونها لا يمكن وجود حيوان ولا نبات أيضا، وإذا وجد ألم يكن استمرارهما، وتلك الحقائق بلغت من الأهمية غايتها حتى صار ذكرها واجبا حتما، لقد انتبه العالم إلى وجود هذه الحقيقة، وهي أن هناك أشياء كالفيتامينات، وكان الناس من قبل يجهلونها وعرفوا أن فقد هذه الفيتامينات يسبب أمراضا: نحو بلاكرا، وبربرز وسكرفوي وسائر الأمراض التي تعرف بأمراض سوء التغذية، ولا بد أن الانسان قد عاش ملايين السنين قبل أن يعرف هذه المواد التي هي ضرورية لاستمرار حياته، فإن الأسفار الطويلة في البحر بدون غذاء تام تفضي إلى مرض (سكرفوي) وقد اكتشف أن عصير الليمون دواء نافع لهذا المرض، وكان الملاحون في السفن الكبيرة في الزمن القديم يسمون عاصري الليمون، ولم يكن الملاحون الأقدمون يعرفون سبب مرض سكرفوي، وهذا الدواء البسيط اكتشفه فاسكودي كاما، لما كان ملاحوه يموتون في مدغشقر، غير أنه مضى قرن من الزمان أو أكثر قبل أن تكتشف العلاقات بين الليمون وبين اختفاء مرض سكرفوي، وقد زال هذا المرض الفتاك وانقطع عن المسافرين في البحار بسبب ما ذكرنا، انقضى قرن آخر أو أكثر قبل أن يعرف الانسان قيمة الفيتامينات التي توجد في الليمون، ولكنه لم يكن يعرف حينئذ ما تشتمل عليه هذه الفاكهة، كذلك عاش ملايين السنين أيضا قبل أن يعرف وظائف المعامل الكميائية الصغيرة المعروفة بالغدد الصم، التي تمده بالتركيبات الكيميائية التي هي جد ضرورية له، وهي تصنعها وتسيطر على حركاته وأعماله، أضف إلى ذلك أن تلك المواد التي بلغت من القوة أن جزءا من بليون منها يحدث آثارا بعيدة المدى، هي منطقة، ينظم كل منها غيره ويحفظ توازنه، وقد علم يقينا أن هذه الإفرازات المعقدة إذا اختل توازنها حدث اختلال عقلي وجسمي في غاية الخطورة، ولو عمت هذه المصيبة لاضمحلت المدنية وانحط الجنس البشري إلى حالة الحيوان الأعجم، هذا إن أمكن بقاؤه، على أننا لو اعتمدنا على هذه الضوابط والموازين وحدها التي بدونها لا يمكن وجود الحياة، كما نعهدها لواجهنا بقاء الإنسان بمسألة حسابية تستحق قدرا كبيرا من الاهتمام عند المدافعين عن عقيدة المصادفة.

تعقيبات:
1 ـ تعجب المصنف من التوازن الذي جعله الله بين أجناس المخلوقات بسبب التضاد الذي فطرت عليه حتى لا يطغى بعضها على بعض ويستمر بقاء كل منها بالقدر الذي يصلح به نظام الحياة وعمارة الأرض، وكل ذلك سخره الله للإنسان، فهو السيد الحاكم المتصرف المستغل المستمتع، وقد جاء في كتاب الله من التنبيه على هذه القاعدة ما فيه عبرة لأولي الألباب المنصفين الأحرار، قال تعالى في سورة البقرة (لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين) وقال تعالى في سورة الحج (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) الصوامع (معابد الرهبان والراهبات التي انقطعوا فيها إلى العبادة وتركوا أمور الدنيا يريدون بذلك التقرب إلى الله، والبعد عن فتنة الدنيا حسب اعتقادهم، كما قال تعالى في سورة الحديد: (ورهبانية ابتدعوها) وقد أمر النبي (ص) المسلمين إذا وقع بينهم وبين النصارى قتال، أن يحترموا الرهبان والراهبات ولا يتعرضوا لهم بسوء إلا إذا اشتركوا في القتال. والبيع جمع بيعة وهي في الأصل الكنيسة التي بنيت قبتها على شكل بيضة، لأن البيعة باللغة السريانية هي البيضة، قلبوا الضاد عينا كما فعلوا ذلك في ضاد الأرض فقالوا (أرعا) ومن المعلوم عند من يعرف اللغة السامية، أن الضاد تصعب على السريانيين والعبرانيين فيقلبونها ويبدلونها بحرف آخر، ثم عم لفظ البيعة كل كنيسة للنصارى، والصلوات جمع صلاة، وهي معبد اليهود ويسمى في اللغة العبرانية المستعملة إلى اليوم (بيت تفلا) أي بيت الصلاة، والمساجد معابد المسلمين، وقد جاء الاسلام باحترام هذه المعابد وسلط على كل ظالم مقاوما يردعه ويرده عن غيه وما أحسن قول الشاعر:
وما من يد إلا يد الله فوقها         ولا ظالم إلا سيبلى بظالم
ها فيما بين البشر، وكذلك أنواع الحيوان يأكل بعضها بعضا، ولا ينقرض أي نوع من الأنواع المفيدة الصالحة للبقاء، وإذا انقرض يخلفه نوع أجود منه، وقد يقع التصاول بين النبات والحيوان فيكون أحدهما غذاء للآخر، والأكثر أن يكون النبات هو المأكول.
2 ـ قوله: لكن الإنسان وحده قلب هذه الموازين الطبيعية (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) وإنما ساد الإنسان وتحكم في نواصي غيره من الحيوان، وأن بلغ الغاية في القوة وضخامة الجسم بالعقل والتفكير والنطق الذي فضله الله به.
3 ـ في قصة شجر التين الشوكي ويسمى عند بعض المغاربة (بالهندي) وعند بعضهم (بكرموس النصارى) والكرموس بالمغربية هو التين، ويسمى في بلاد الشام (بالصبير)، ويسمى في الحجاز (بالبرشوم وبأبي برشوم) وله أسماء أخرى عند شعوب أخرى، ومن العجيب أن المغاربة ينسبونه إلى الهند، مع أنه لا يوجد في بلاد الهند ولا يعرف، في هذه القصة عبرة تدل على تسليط بعض المخلوقات على بعض حفظا لبقاء كل نوع منها، وكنت أتحدث مع أحد العلماء المفكرين فقال ي: إن الاستهلاك لا ينقص النوع المستهلك، بل يزيده ويوفره، إذ على قدر الاستهلاك تكون العناية والعمل على تكثير ما يستهلك من حيوان ومزروعات وغيرها، ففي كل يوم تذبح آلاف من الغنم والبقر في كل بلاد يستحل أهلها أكل اللحم، ولا ينقص ذلك الغنم والبقر، بل يزيدها أقول وهذا نظر صحيح، لأن بلاد الهند واسعة الأرجاء يعد أهلها بمئات الملايين ومساحتها واسعة جدا، وأهلها لا يأكلون اللحم إلا المسلمين والنصارى، وعددهم قليل خصوصا بعد انفصال الباكستان عن الهند، فلم يبق في الهند من المسلمين إلا أربعون مليونا، وعدد النصارى بضعة ملايين، فلو كان الاستهلاك ينقص الغنم والبقر لكانت بلاد الهند أكثر البلاد غنما وبقرا، والواقع أن الغنم قليلة، ونوع الضأن منها لحمه رديء حتى أن الأغنياء هناك لا يضحون إلا بالمعز أو بالبقر إن أمكنهم، لأن ذبح البقرة في البلاد التي يكون سكانها خليطا من المسلمين والهناديك يكلف ثمنا غاليا تزهق فيه أرواح وتقع حروب أهلية لأجل ذبح بقرة واحدة، والمقصود هنا الاستدلال على أن الاستهلاك لا ينقص الجنس المستهلك.
4 ـ قوله: على أنا لو اعتمدنا على هذه الضوابط والموازنات وحدها.. إلخ، يريد المصنف أن يوضح أنه مع استحالة بقاء الإنسان والحيوان والنبات بدون تلك الضوابط وذلك التوازن فهي غير كافية وحدها لحياته وبقائه على ما هو عليه، بل لا بد من وجود العناية الربانية التي تتكفل بوجوده واستمراره إلى ما شاء الله، ويحتاج القائلون بأن العالم وجد بالمصادفة وهو يسير بالمصادفة إلى الجواب عن مشاكل حسابية عسيرة لا قبل لهم بها، وقد تقدم في هذه المقالات السبع عشرة من قيام الحجج عليهم وإقامة البراهين الخانقة، شيء كثير، فله يقنع المنصف فضلا عن جله. وبالله التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here