islamaumaroc

القيادة الجديدة

  دعوة الحق

46 العدد

الظاهرة التي أصبح يشعر بها كل واحد منا في هذه البلاد هي أننا نعيش في فراغ وروحي خطير، وإنما نمر أزمة روحية وفكرية غامضة لا ندري نتائجها العمياء، وأن مستوى الأخلاق يتداعى شيئا فشيئا، والناس يساقون في حياتهم سوقا لأهداف لا يتبينون فيها معالم واضحة، ولا يحسون لها نتائج سارة، ولهذا أصبح الشعور ينتشر ويقوى بالحاجة إلى استعادة الفكرة التي ستعزز السلوك الأخلاقي الذي يستطيع وحده أن يجدد العلاقات الفردية والاجتماعية على نحو أمتن وأجمل، وأن تذكي في النفوس الشعور بالقيم والمثل العليا، وتربط الوجدان بمعنى الواجب نحو هذه الأمة التائهة.
ولا أكاد أجتمع بفرد أو جماعة إلا وألمس ذلك لمسا، وأجد الحديث يدور حو انتقاد الهيكل الثقافي الذي بناه الاستعمار وأصبح يغذيه بمراكزه الثقافية، والوسائل القوية التي يمتلكها والأجهزة الفعالة التي يتوفر عليها، وذلك من اجل الإبقاء على القيادة الفكرية الثقافية والروحية التي تتجاوب وأغراضه وتسير بنا وفق رغباته ومراده، وهذه القيادة هي التي تعمل على إعاقة النمو الطبيعي لشعب يؤمن بالإسلام ويعمل على تحسين صلته بالله وبالرجوع إلى منابع الدين الحقة والتزود منها لخلق مجتمع متحضر كفيل بالقضاء على أسباب المرض وبالتالي على القضاء على الاستعمار بجميع أشكاله وألوانه، وقطع دابره، واجتثاث عروقه، وقتل عناصر وشروط حياته.
ولهذا كان تدمير هذا الجهاز وسحق كل معوق لنمو الشخصية المغربية ونضجها من الأهداف التي تستدعي الإسراع بالتنفيذ، ثم إن الضرورة تقتضي تخطيطا ثقافيا إسلاميا من أجل بناء اجتماعي متين، وأن يضعه أبناء البلاد الذين يشعرون أكثر من غيرهم بطبيعة المرض، ومكامن الداء ووسائل العلاج، وتلك رسائل القيادة الجديدة التي ابتدأت ملامحها تبدو في الأفق المغربي، وأصبحت عناصرها تتلاقى صدفة أو تدبيرا لتتحمل المسؤولية الثقافية والاجتماعية عن وعي وتبصر وإيمان.
ومما يساعد مهمة تلك القيادة أن بلادنا غنية بمنابع الخير والقوة والإنتاج وتتوفر على سواعد قوية، وكواهل متينة، ونفوس صابرة ومصابرة، وعزائم صامدة، وعناصر بشرية لا ينال منها الكلل، ولا يفت في عضدها وجسدها جسامة العمل وضخامة الواجب.. وهنا استعداد للتطور بشكل سريع ومتقن، وهنا نيات طيبة، تحسن الظن بالمخلصين، وتثق بكلمة (الرجال)، وهنا مزاج عقلي يؤمن بالفكرة ويعمل لها، ويضحى في سبيلها، ويكره الصنمية ويقاومها، وهذا حب للون واعتزاز بالتاريخ، وتمجيد للسلف الصالح، وتطلع للمستقبل الباسل، ورغبة جامعة في القيام بدور جديد في المحيط العالمي، يتيح لهم أن يتمموا رسالة أجدادهم، وأن يستأنفوا مهمة دينهم المعطلة في الداخل والخارج.
وهذه الظاهرة استيقظت في النفوس نتيجة عوامل مختلفة منها إفلاس تجارب سابقة حاولت أن تتنكر للماضي، وأن تزور المستقبل، ولهذا فإني أكاد أعتقد أن هناك شبه إجماع شعبي على أن خير ما يؤلف القلوب ويوحد الأهداف، ويلم الشعث، ويبعث على الجد، هو الاسلام، تلك حقيقة اقتنع بها حتى أولئك الذين لم تتح لهم إرادتهم الضعيفة أن يطبقوا أخلاق الاسلام في حياتهم، وان كانوا يتظاهرون به كلما دعت الضرورة لذلك، وكان من الممكن أن يقتنعوا بغير ذلك لولا أن تلك الحقيقة واجهتهم عند ممارسة العمل والاتصال بالأوساط الشعبية المختلفة، ومن شعورهم بنفور المغاربة من كل دعوة لا تمت إلى الدين، ولولا (رد فعل الظهير البربري ما كانت الوطنية بتلك القوة ولعل التفسخ الذي نشاهده في الحياة السياسية هو نتيجة لغياب (العامل الديني).
ولكن المشكلة القائمة الآن هي: كيف ستكون القيادة الجديدة التي ستقود هذا الشعب الذي أصبح أكثر إيمانا من ذي قبل بأن الإسلام هو الخلاص الوحيد من قبضة الأزمات الاجتماعية والانحرافات الخلقية التي ترجع إليها المسؤولية الكبرى عن الأمراض المتزايدة في مجتمعنا وعن كثير من المظاهر المؤلمة والسلوك المخجل.
إننا في أشد الحاجة إلى قيادة عقائدية ثقافية تتوفر فيها شروط الإيمان والإخلاص والعفة والنزاهة والتدبير والصرامة، والزهد والإيثار ونكران الذات، والوعي الصادق والعقل العلمي المنهجي، وإذا كانت الصين قد استطاعت أن تخلق من شعب دوخه الأفيون، وأنهكه الفقر، واعترته عوامل الانحطاط، وتسلط عليه الاستعمار والإقطاع والظلم ـ إذا استطاعت أن تخلق منه قيادة مكونة من أمثال "سن يات سن"، و"ماوتسي تونغ" وأمثالهما، فإن الشعب المغربي المسلم، لمتوفر على إمكانيات وخامات تستطيع أن تمدنا ـ لو توفرت بعض الشروط ـ بقيادة من طراز رفيع لا توفر أسباب السعادة لشعبها فحسب، وإنما تساهم في إسعاد البشرية بحظ كبير.
وقد حاولت مثل هذه القيادة أن تظهر بالشرق، إلا أن عوامل ذاتية وأخرى خارجية تعاونت على إخمادها وعرقلة دورها، غير أن الفكرة الإسلامية التي لها الفضل في إبراز تلك القيادات في فترات مختلفة من التاريخ ما تزال حية، نابضة بالقوة، خالدة خلود الإنسان، لا تعرف الوقوف ولا الجمود، فهي في حركة دائبة، تتطاير أنوارها من هنا إلى هنا، ولن تعرف الرجوع إلى الوراء أبدا... لأنها فكرة منسجمة مع نفسها، منطقية مع عناصرها، لا تحتوي على تناقض ذاتي، أو تخلف عن تزويد البشر بما يحتاجون من المبادئ الإنسانية الثابتة، والتنظيم الرائع للمجتمعات على أسس من الاستقرار والثقة والفضيلة.
وإذا كان معظم تلك القيادات التي ظهرت في الشرق قد منيت بالفشل في بعض الميادين الرئيسية، فإن القيادة الإسلامية في المغرب يجب أن تتجنب عوامل الفشل، وأسباب الانحراف أو الاضطراب ومع ذلك يجب أن تستفيد من التجارب الناجحة لتلك القيادات التي كان لبعضها أكبر الأثر في تحويل تاريخ المسلمين فيما بعد الحرب العالمية الثانية تحويلا أفضى بهم إلى كثير من التحرر والاستقلال.
وقيادتنا الجديدة يجب أن تقدر رسالتها حق قدرها، وأن تعي الدور الخطير الذي ستقوم به في مغرب يعيش في عصر الذرة والصاروخ، عصر التخطيطات الاقتصادية والأنظمة العلمية، والتصميمات الثقافية، والاتجاهات الاشتراكية، وفي قارة عذراء تتطلع إلى مستقبل يضمن لها الحياة الحرة الكريمة، ولمبادئ تستلهمها في سيرها، وتستمد منها العون على تحقيق آمالها، وهي تبحث عن تلك المبادئ، وأن أصحاب التيارات العقائدية في العالم ـ ما عدا أصحاب الاسلام ـ ليحاولون أن يظفروا بتلك القارة ويسلكوها في أفكارهم وثقافتهم، وأن صراعا دينيا وثقافيا يشتد يوما فيوما في افريقيا السوداء، ولعل الأوضاع المريضة والفراغ الروحي في بعض المناطق، وعدم وجود دعوة للفكرة الإسلامية، يعمل كل ذلك على تهييئها لاعتناق نزعات خطيرة تهدد الفكرة الإسلامية في القارة كلها، ولهذا كانت القيادة الإسلامية الثقافية ليست ضرورية لإنقاذ المغرب المسلم فحسب، وإنما لإنقاذ افريقيا المتخلفة والمهددة باستعمار من نوع جديد وأقوى.
ومن أهم ما يحقق للقيادة الجديدة النجاح ـ زيادة على التقوى والفطنة والكياسة والحزم ـ أن تتجنب الأساليب السياسية البالية التي تسرف في الوعود، وتمني بالحقوق، وتخاطب الشهوات، وتشتري الضمائر، وتتعلق بالمظاهر، وتكتفي بالكم دون الكيف، وبالتكديس دون البناء، ولهذا يجب أن تربي نفسها على الصراحة في الحق ولو على نفسها، وعلى العمل الجدي المتواصل الذي لا تصرفه عن أهدافه كراسي، أو تزعزع نشاطه أماني، ويجب أن تربي المجتمع تربية جديدة أساسها القيام بالواجب وبذل الجهود، والشعور بالمسؤولية، وتقدير عظمة الرسالة، تلك التربية التي كان يسلكها الرسل مع أصحابهم، ويطبقها قادة الشعوب التي تلمع في الدياجي الحالكة لتخرج أممها من انحطاط إلى رقي، ونحن نشاهد ذلك في التجربة الصينية الخارقة، وفي الإصلاح الياباني الجبار، لأن التربية التي تقوم على التمني والتهريج، والتبشير بالحقوق الكثيرة، والاستزادة منها، ومخاطبة الأغراض الخاصة هي أعظم الوسائل لتخريب كيان الهيئة القائمة، وتدمير وجودها وتحويلها من أداة اجتماعية بناءة إلى أداة هدامة مخربة، ويتبع تلك التربية ـ تربية التهريج ـ من يريد تحقيق أغراض شخصية بحتة، والوصول إلى الحكم من أسهل طريق، يحقق أهدافه البسيطة تلك، وقد يصل إلى غايته التي يسعى إليها ويجمد، ولكن المشاكل الاجتماعية تظل كما هي بل تستفحل دون أن يمسها أحد بسوء، لأن الأمراض الاجتماعية ليست من السهولة كما يتصور أصحاب نزعة (الحكم) و(القلة)، بل إن وجود مثل هذه النزعات في مجتمع ما ليكون مضاعفة مرضية خطيرة، إذ أن النزعة غالبا ما تكون مكونة من أقزام الثقافة، ومشوهي الضمائر، ومتعفني الباطن، ومستهترين بالقيم الأخلاقية، وهكذا تتضاعف ـ بهم ـ الأمراض الاجتماعية ، ويصبح من شروط العلاج استئصال هذا الميكروب الخطير، وبما أن المرض قد استشرى فعملية الاستئصال في أعظم مظهرها يجب أن تكون تغييرا جذريا في التركيب النفسي والثقافي، وإعادة التربية عن طريق التخلية، ومن لم تنفع فيه تلك الطريقة فيجب أن يعالج بطريقة العزل الاجتماعي، حتى لا يؤذي المجتمع بجذام خلقه، وسرطان كيانه.
والقيادة الإسلامية الجديدة ـ بما أنها تنتسب إلى الله يجب أن تدرك حق الإدراك قيمة المصدر الذي تعتمد عليه، وأي قوة تتحدث باسمها، فقد يستطيع الشخص أن يخدع الحاكم أو الشعب ـ ولو إلى حين ـ ويبدي له أنه يتفانى في حبه ويعمل من أجله، ويسير في طاعته، ويستطيع أن يستغل ضعفه وغروره وغباوته فيقوم باسمه بأدوار انتفاعية انتهازية، ولكن هذا الشخص كائنا من كان لن يستطيع أن يخادع الذي يعلم السر وأخفى، فإن حاول ذلك فإن ربك لبالمرصاد.
ثم أن أي اعوجاج يصيب القيادة الإسلامية فإنما هو طامة كبرى، وعرقلة خطيرة للفكرة الإسلامية ذاتها، من ذلك أن أعداء الاسلام الذين يتربصون به شرا سيقعون على الحجة الدامغة لإعلان فشل الاسلام في حل المشاكل الاجتماعية، وسيعتبرونها فرصة لإذاعة الأمرين بين الشاكين والمذبذبين، مع أن الذنب في الفشل ليس ذنب الإسلام وإنما الأمر يتعلق بجريمة المنتفعين به، والمجترين باسمه. زيادة على الآثار السيئة التي سيتركه في نفس الراجين، والضعفاء من المؤمنين، وسيؤخر الدعوة الإسلامية في البلاد الإفريقية مثل ما قرأنا من أن بعض المسؤولين في تركيا عرضوا الاسلام على قادة يابانيين فرد عليهم هؤلاء بأنه لو كان في الاسلام خير لأنقذ المسلمين الذين يعتنقونه.
ولهذا كانت مسؤولية انصراف الناس عن الاسلام وعن مجرد التعرف عليه ليست واقعة على عاتق الاسلام، بل على أولئك الذين يزعمون أنهم أصحابه، أولئك الذين أهانوا الاسلام فأهانهم الله، وحاولوا استغلاله فأذلهم الله، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك الذين يقيمون الدليل تلو الآخر بسلوكهم الذي يصادم أخلاق الإسلام وعقيدة التوحيد بأن الاسلام دين قد انقضى دوره في الحياة، وأنه لا يليق بإنسان متحضر ناضج قد تجاوز طور العقل الديني والعواطف الميتافيزيقية، وإن كان الاسلام ـ في الحق ـ أسمى من أن يكون ذلك الي يشاهده السطحيون في سلوك المجتمعات (الإسلامية) الحاضرة، وأعظم من أن يكون وسيلة للطامعين، ومطية للجبابرة المتسلطين.
ولهذا كانت رسالة القيادة الاجتماعية الجديدة لا تنحصر فقط في الترويج للفكرة الإسلامية بوسائل المحاضرات والإذاعة، والتمثيل والمقالة وإنما أكثر من ذلك يجب أن تقيم من سلوكها القويم أعظم داعية للخير، وأعظم طريقة تربوية عملية، أما الكلام والشعر والخطب، والموعظة فقد أصبح كل ذلك عديم الجدوى، ميت الأثر، مسلوب النتائج.
إن مجتمعنا يجب أن يصاغ صياغة جديدة على أساس من الروح الدينية المتنورة الواعية لينقذ من التفسخ والتردي الذي يعيش فيه، والانحلال الخلقي الذي أخذ يستشري بشكل يبعث على التشاؤم واليأس، وأن هذه الصياغة لهي رسالة القيادة الجديدة، فهل يا ترى حان الوقت لتنبثق هذه القيادة في المغرب؟ هل ستبزغ شمس المثالية من جديد؟ أن الإرهاصات لتشير إلى ذلك، وأن الشروط لتتداعى لتلتئم على إيجاد الحق وإزهاق الباطل، ولتبرز للوجود طائفة الموحدين التي على الحق ولا يضرها من خالفها، وإن النفسية المغربية لتتعطش لتلك القيادة لتسير بهذه الأمة نحو غزوات وفتوحات ثقافية واجتماعية في افريقيا، ولتتحقق انتصارات جديدة في عالم أصبح يمقت (القوة) لأنها تدفعه دفعا نحو الخراب الشامل، وآمن أو هو يحاول أن يؤمن بأن خلاصة لن يكون إلا بالفكرة الشاملة والقيم الأخلاقية السامية و(أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم).
فإن كانت تلك الإرهاصات صادقة فبشرى نزفها للمنتظرين لعهد الفضيلة، وإلا فقد اقترب للناس هلاكهم بفتن تدع الحليم حيران.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here