islamaumaroc

القرآن وأصول اللغة

  دعوة الحق

46 العدد

لقد بهرت لغة التنزيل المسلمين في عصورهم الأولى، فأقبلوا عليها يتدارسونها فيجدون كل جديد. ومن أجل ذلك فالقرآن بداية لنهضة فكرية للعرب تعكس مستوى عاليا للتفكير والحضارة ذلك أنه لم يكن للعرب قبل الاسلام، وفي ظلال الوثنية الأولى، شيء حضاري كالذي جاء به الإسلام مفصحا به الكتاب المنير: فالعلوم الاسلامية اعتمدت أصولها في كتاب الله، وظل الباحثون في مختلف العصور يجدون فيه المادة الجديدة والألوان المبتكرة فيقيمون عليها بحثهم، ولم ينصرف المسلمون عنه في أي عصر من العصور الماضية، فقد تمسكوا به حين بهرتهم الفلسفة الإغريقية فأقبلوا عليها واردين، وظل الفلاسفة المسلمون متعلقين بآية الكريم واجدين فيه معينا لا يتضب، مفيدين منه أعظم الفائدة مسترشدين به فيما أخذوا من سبل المعرفة الجديدة القائمة على الفلسفة الإغريقية، وهكذا تم لهم شيء موحد منسجم أقيم على الإسلام واتخذ له إطارا فلسفيا، وبقيت الفرق المختلفة والتيارات الفكرية المتضاربة تجد في كتاب الله اساس دعوتها ومادة آرائها، فلقد اعتمده أهل السنة كما عول عليه الشيعة، واستند إليه الخوارج في ءارائهم الجريئة كما اعتمده المعتزلة وتمسك به المتصوفة.
وقد نشأت علوم العربية نتيجة لإقبال المسلمين على كتاب الله يدرسونه ويتبينون اختلاف الصحف فيه بين إقليم وآخر، وقد ألف في هذا الباب المصنفات فكان من ذلك ـ "اختلاف مصاحف الشام والحجاز لإبن عامر" وكتاب "اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة للكساني" وكتاب "اختلاف المصاحف" لخلف بن هشام وكتاب "اختلاف المصاحف وجامع القراءات" للمدائني وكتاب "اختلاف المصاحف: لأبي حاتم، وغير هذا كثير نجد ذكره في المجاميع الضخمة من كتب التراجم والطبقات، وفي مادة "قراءات" في كثير من المصادر ولكننا لم نحظ من هذه الوفرة الكبيرة إلا بكتاب أبي داود السجستاني ابن الإمام أبي داود المحدث المشهور وصاحب السنن.
وباب القراءات من الأبواب التي كثر التأليف فيها لما شرع بين المسلمين من وجوهها بحيث اضطر عثمان إلى أن يجمع مصحفه المشهور ويوزعه في الأمصار ليكون المسلمون على بينة من نصوص الكتاب الكريم، وندب لذلك زيد بن ثابت، واستعان بالصحف التي احتفظت بها حفصة بنت عمر زوج النبي (ص) وبهذا سلم للقرآن وجه لغوي واضح تأثر أكثر ما تأثر به بلغة قريش، وندب عثمان لزيد بن ثابت من كتاب الوحي لهذا الغرض الجليل أمر مهم، ذلك أنه أغفل غيره كابن مسعود الذي كان متأثرا بلهجته الهذلية، ففي الأخبار أن عمر قد بعث إليه أن يقرئ الناس بلغة قريش ولا يقرئهم بلغة هذيل، وذلك حين سمع أحدهم يقرأ "ليسجننه عتى، حين" ويريد بها "حتى حين" وكان عمر يقول "أنا لنرغب عن كثير من لحن أبي" والمراد باللحن هو اللغة أو ما نسميه اليوم باللهجة، وبم يسلم مصحف عثمان من هذه "الألحان" بالرغم من الطريقة التي تم بها، وبالرغم من إبطال كثير من الصحف لما اشتملت عليه من وجوه القراءات الضعيفة أو الشاذة، التي رغب عنها عثمان، فقد روي عن عامر القرشي أنه قال: "لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنر فيه فقال قد أحسنتم وأجملتم ولكني أرى فيه شيئا من "لحن" ستقيمه العرب بألسنتها". على أن مصحف عثمان هذا قد خلا من النقط والشكل وكان ذلك دافعا للقراء على الاختيار في قراءاتهم وهكذا نشأ لكل مصر من الأمصار قراءة خاصة به، معتمدين في ذلك على نصوص المصحف العثماني وعلى المصاحف الأخرى التي منع عثمان أن يؤخذ بها إلى أن جاء أبو بكر بن مجاهد (سنة 322 للهجرة) فاختار من هذه القراءات الكثيرة ما صح عنده فكانت القراءات السبع المشهورة أخذا بالحديث الشريف "انزل القرءان على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه"، على أن آخرين لم يستحسنوا اختيار ابن مجاهد ورجحوا قراءات أخرى فكان من ذلك القراءات العشر وربما زادت هذا العدد بكثير.
ولم يجد هذا الاختيار وهذه الجهود النافعة شيئا، بل ظلت اللهجات الخاصة تؤثر في القراءات، وهذا ما اصطلح عليه الأوائل بالقراءات الشاذة، وقد ألف في هذا الموضوع التصانيف الكثيرة كما نعرف ذلك من تاريخ القرءان مما تحدثنا به كتب التراجم والمجامع الأخرى، فقد كتب فيه كثير من النحويين الأقدمين كالفراء وابن خالويه والعكبري، والداني، ولم يصل إلينا من هذه التصانيف الكثيرة إلا الشيء اليسير مثل كتاب البديع لابن خالويه وكتب التفسير حافلة بهذه الوجوه من القراءات.
ومادة "القراءات" في مجموعها مصدر مهم من مصادر التاريخ اللغوي، ذلك أننا لا نعلم كثيرا عن مراحل تطور العربية من أقدم عصورها، وذلك لقلة المكتشف المكتوب من صحف ونقوش وغير ذلك من نصوص هذه اللغة القديمة على عكس ما حصل في كثير من اللغات السامية الأخرى التي دل التنقيب الحديث على تاريخها القديم ومراحلها المتعاقبة، غير أن شيئا من هذا لم يتم في العربية، فالذي نعرفه من نصوصها القديمة هو الشعر الجاهلي ولا نستطيع أن نعد، النصوص الجاهلية مرحلة أولى أو قريبة من الأولى في التاريخ اللغوي، فهي نصوص تكشف عن مستوى عال من تاريخ اللغة وليس صحيحا أن تبدأ لغة ما بمثل هذه النصوص الفصيحة البليغة، ومن هنا فلا بد أن نسأل أنفسنا أين نجد معالم وآثار ذلك التاريخ اللغوي القديم، والجواب أننا لا بد لنا أن نتوجه إلى كتاب الله الكريم لنتبين ذلك في لغة التنزيل، ومعلوم أن القراءات على اختلافها تقدم مادة للباحث، ثم ان لغة القرآن بخصائصها الخاصة مفيدة في هذا الباب، ذلك أن القرءان حدث من أهم الأحداث في تاريخ العربية، فهو انطلاقة بهذه اللغة لتعبر عن حضارة جديدة ذات مثل وأفكار جديدة عالية، وهكذا دفع الإسلام هذه اللغات خطوات إلى الأمام.
وقد بهرت لغة التنزيل جموع العرب وسيطرت على أفكارهم وكانوا يقفون منها موقف السائل المتحير والمعجب المأخوذ، فقد أثر عن عبد الله بن عباس أنه قال: "والله ما أدري ما الحنان" وذلك من قوله تعالى "وحنانا من لدنا" ومثل هذا الخبر كثير تكشف عنه مصادر القرءان من كتب التفسير والقراءات. ومن أجل ذلك زخرت المكتبة العربية بالدراسات القرآنية منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، وربما لم يقيض لكتاب من الكتب أن تدرس نصوصه وتفسر وتحلل في طرائق مختلفة مثلما تهيأ للقرآن الكريم، وما زالت  البحوث والدراسات تجد في ايامنا هذه وتقوم على ناحية من نواحي القرءان المتعددة.
وكتب القراءات والتفسير تعكس نماذج من هذه اللغة المتطورة كما هي تعكس لونا من ألوان العربية التي ضاعت وعفى عليها الزمان ولم يهتم بها علماء اللغة أنفسهم وذلك لاهتمامهم بالفصيح والأفصح، ولأن لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن قد فرضتا عليهم حدودا لا يستطيعون مبارحتها الا تراهم قالوا بالمولد والفصيح، وأن الأصمعي من علماء اللغة الأقدمين أنكر استعمال "زوجة" بدلا من "زوج" محتجا بقوله تعالى "أمسك عليك زوجك" فقيل له ان الشاعر ذا الرمة يقول:
اذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة        أراك لها في البصرة اليوم ثاويا
فقال: ذو الرمة ليس بحجة إذ طالما أكل البقل والمالح في حوانيت البقالين، وهكذا قد حصروا الفصيح في حقبة معينة لم يتجاوزوها إلى غيرها، ألا ترى أن بعضهم قد اعتبر جريرا والفرزدق بداية لهؤلاء المولدين، وأنه لم يأخذ بشعر نفر من الشعراء الأقدمين لأن هذا وذاك ممن نسب إلى هذيل مثلا، أو أنه اتصل بمواطن لم تسلم لها عروبتها.
وطبيعي أن هذا المنهج لا يعنى بموضوع اللهجات بل قل إن كثيرا من معالم اللهجات اعتبر من الصفات المذمومة الحقيرة، ألا نرى ابن فارس من علماء اللغة الأقدمين يعقد فصلا عن اللغات في كتابه "الصاحبي". ولكننا لا نعدم أن نجد شيئا من ذلك في كتب القراءات ولا سيما ما كان منه في القراءات الشاذة، فقد جاء في مختصر ابن خالويه في شواذ القراءات أن يحيى بن وثاب قرأ في سورة البقرة قوله تعالى "ولا تقربا هذه الشجرة" بكسر الشين وإبدال الياء بالجيم، ومعلوم أن هذا الإبدال علامة مميزة للهجة من اللهجات الدارجة، وهي ما زالت موجودة حتى يومنا هذا في كثير من الأقاليم القروية في جنوبي العراق مثلا، وإذا أضفنا إلى ذلك كسر الشين اتضح الشكل الدارج الذي سرى في قراءة يحيى بن وثاب.
وقرأ مسلمة بن محارب "بعولتهن" من قوله تعالى "وبعولتهن أحق بردهن" بجزم التاء من "البعولة"، و معلوم أن "البعولة" جمع "بعل" كالسهولة جمع سهل والفحولة جمح فحل، وعندي أن اختلاف القوم في صيغ الجموع ولا سيما جموع التكسير راجع إلى اللهجات الإقليمية، ومعنى ذلك أن جماعة ما ألفت صيغة من صيغ الجمع لاسم معين، في حين أن الجماعة الأخرى جرى استعمالها لصيغة أخرى، وربما وجدنا صدق هذا في استعمالنا الحديث، ألا ترى أن عربية المغرب الفصيحة قد تستعمل صيغا في الجموع لم يؤلف استعمالها في عربية المشرق مثلا فأنت لا تجد من يجمع "الحمار" على "أحمرة" في المشرق في أيامنا هذه، ولكنك تجده على ألسنة التونسيين في كتاباتهم، والمألوف في استعمال المشارقة هو "الحمير" أما جمع "الحمار" على "حمر" فلم يعرف في لغتنا الحديثة وهو فصيح جاء في لغة التنزيل في قوله تعالى "حمر مستنفرة" ومثل هذا كثير.
وجاء في شواذ سورة الأعراف "الجمل" في قوله تعالى "حتى يلج الجمل في سم الخياط" بضم الجيم وتشديد الميم وفتحها، وهي قراءة ابن عباس، ومعلوم أن صيغة "فعل" من صيغ جموع التكسير بضم الفاء وفتح العين وتشديدها، لا يكون مفرده إلا "فاعل" مثل "راكع" وجمعها "ركع" في حين أن مفرد "جمل" هو "جمل" بضم فاسكان ومعناه الحبل، وقد قرأ أبو السمال بفتح الجيم وإسكان الميم.
ومن شواذ سورة طه قراءة عكرمة "اهس" بالسين في قوله تعالى: "أهش بها على غنمي".
ومن شواذ سورة الأنبياء قراءة ابن عباس "حضب" بالضاد في قوله تعالى "انكم وما تعيدون من دون الله حصب جهنم" وقرئ "حصب" باسكان الصاد، وقرئ "حطب" بالطاء.
ومن شواذ سورة الحج ما جاء في قراءة "صلوات" من قوله تعالى "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات" فكلمة صلوات قرأت في إحدى عشرة صورة وهي "صلوات" بفتحتين و "صلوات" بضمتين وهي قراءة أبي العالية والكلبي والضحاك و "صلوات" بضم وإسكان وهي قراءة جعفر بن محمد و"صلون" بضم الصاد فلام وواو ونون، و"صلوب" بالباء، و"صلوات" بفتح فاسكان، و"صلواث" بضم الصاد وإسكان اللام وتاء مثلثة في الآخر و"صلوثا" بثاء في الآخر من الف للاطلاق، والكلمة جمع صلاة وهي تعني الكنيسة في السريانية بخلاف ما ذهب إليه الزمخشري من أنها عبرانية في "الكشاف" وغير ذلك من الصور.
والذي يثبت هذا الذي نذهب إليه من دلالة هذه الصيغ على اختلاف استعمال الجماعات المختلفة، أو قل لهجات الأقاليم ما يوجد في اللغة الحبشية من صيغ جموع التكسير وانصرافها إلى الموضوع نفسه.
والقراء يختلفون حتى في موضوع الاعراب الذي التزم به جميعهم، فهذا يرفع ما ينصبه ذاك، وذاك يخفض ما يرفعه هذا. وقد حمل هذا على أنه خطأ من كتاب الوحي، فقد روى أبو معاوية محمد بن حازم التميمي السعدي المتوفى سنة 146 للهجرة عن أبيه عن عائشة أنها قالت "ثلاث أحرف في كتاب الله هن من خطأ الكاتب وهي قوله تعالى: "إن هذان لساحران" وفي قوله تعالى: "لكن الراسخون في العلم منهم والمومنون بما انزل إليك وما أنزل من قبلك، والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة"، وفي قوله تعالى "ان الذين ءامنوا والذين هادوا والصائبون"، وقد حقق النحويون في حديث عائشة حول غلط الكاتب، وحديث عثمان في قوله "أرى فيه لحنا" فاعتلوا لكل حرف منها، واستشهدوا بالشعر فقالوا في "ان هذان لساحران" هي لغة بلحارث بن كعب، وإشارة النحويين إلى هذه اللغة نكتة لطيفة، ذلك أن النحويين واللغويين كانوا كثيرا ما يصدقون هن موضوع اللغات الخاصة التي هي في اصطلاح اليوم اللهجات السائرة، فقد وسموا العنعنة والعجعجة والفحفحة وغير ذلك باللغات المذمومة وهي أشكال للمألوف الدارج من الاستعمال نطقا وتركيبا.
وقد أكثر هؤلاء من الاستشهاد بالشعر وربما كان ذلك أكثر من استشهادهم بالقرءان والحديث، ولعل الأصمعي أشد هؤلاء في اجتناب الخوض في مجاز القرءان، قال أبو حاتم سألت الأصمعي عن "الصرف" و "العدل" فلم يتكلم فيه، وقلت له هل معنى "الربة" الجماعة من الناس فلم يقل شيئا، لأن في القرءان (ربيون).
وهكذا فلغة القرآن تقدم نماذج لغوية جديدة ربما جهل أسرارها المسلمون الأولون كما أسلفنا في قوله تعالى "وحنانا من لدنا" فقد جهل ابن عباس ما المراد بالحنان، ومثل هذا "التسنيم" في قوله تعالى: "ومزاجه من تسنيم" وحار المفسرون في رد هذه الكلمة إلى أصولها فقالوا فيها أشياء كثيرة، وهذه الاستعمالات هي التي حفزت الأقدمين على الكتابة في موضوع المجاز القرءاني والألفاظ الإسلامية.
وهكذا يتبين للباحث الصابر أن القرءان من مصادر اللغة الأولى التي تكشف صورة عن التاريخ اللغوي الذي انقطعت عنا حلقاته الأولى.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here