islamaumaroc

مبادئ الإسلام الدستورية من نواحي الحياة.-3-

  دعوة الحق

46 العدد

إقامة الإسلام دعوته على مبدأ السلم والسلام ومنه اشتق اسم الاسلام
وأقام هذه الدعوة على مبدأ وحاد هو مبدأ السلم والسلام، وقال (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) وقال (يا أيها الين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) بل اتخذ شعاره في التحية على الدوام كلمة (السلام).
ولعل الاسلام أيضا هو وحده الذي سمى الله بعد الكلمة الجامعة لجميع معاني التقديس باسم (السلام) عوضا عن (اله الحرب) فقال: هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام.
بل وقد وصفت الليلة الذي نزل فيها دستور الاسلام وقرآنه في ليلة القدر بأنها ليلة سلام فقال سبحانه وتعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر).
 وبعد، فإن الاسلام بدعوته الناس أجمعين إلى (الحياة) على أساس (مبدأ السلام) لم يترك هذا المبدأ مبدأ روحيا غامضا لا حدود له ولا بيان، بل قام جميع نواحي الحياة الإنسانية، وصلاتها مع الله والإنسان على قواعد صريحة بينة تقود متبعها من غير شك إلى السلام، وتجنبه مواقع الخصام، كما تجنبه مواقع الاستسلام والامتهان، عملا بقول القرآن الكريم (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين).
 هذه الروح الجديدة أعدت العرب لحمل رسالة إنسانية خالدة
 وبذلك تم للعرب بهذا الروح الإسلامي: أولا: إعداد أنفسهم لحمل الرسالة وأداء الأمانة، واشعروا في قرارة أنفسهم بأنهم أصبحوا خير أمة أخرجت للناس فاندفعوا في طريق المجد من غير ضعف وحملوا الخير للإنسانية دون تمييز، وعملوا في هذه الطريق على بصيرة وإيمان، وحققوا لأول مرة في التاريخ وحدة العروبة في أرضهم، ووحدة قلوبهم، بل ووحدة لغتهم ولهجتهم على مثل وحدة القرآن ووحدة لهجته إلى يوم الدين، وهذا ما أدخل الاسلام في تاريخ العروبة الخالدة، وجعله جزءا لا يتجزأ من تاريخ انبعاثها الجديد.
كما تم للعرب بهذا الروح الإسلامي: ثانيا: إن اختلفت قوميتهم عن عصبية القوميات الأخرى المعروفة من قبل ومن بعد، تلك القوميات التي تعمل وتجتمع وتتموج فقط لخيرها ولصالحها، وتفتح الأرض لاستعمارها، وتسيطر على الأمم لاستعبادها، فإن العرب بعد الاسلام قد ارتفعوا بقوميتهم فوق القوميات وأصبحت رابطتهم القومية عنوانا على حمل رسالة إنسانية خالدة وأداء أمانة تحريرية واجبة.
 قواعد الاسلام الدستورية القائمة على روح الاسلام في جميع نواحي الحياة
 تلك الرسالة الخالدة هي ما جمعها الاسلام في قواعده الدستورية القائمة على روح السلام في جميع نواحي الحياة:
ـ في العقيدة أولا، وفي الحياة الخاصة ثانيا، وفي الصلاة فيما بين الناس عامة ثالثا، وفي النظام العام رابعا، وفي الحكم خامسا.
السلام في العقيدة أولا ووقائع ذلك مع المسيحيين
ففي العقيدة فرض دستور الاسلام السلام أولا ما بين العلم والعقل من جهة، وبين العقيدة من جهة ثانية، واختص في خطابه الذين يعملون والذين يعقلون كما مر معنا آنفا، فقال: (قل هذه سبلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) وقال أيضا (نفصل الآيات لقوم يعلمون) وقال (كذلك يفصل الآيات لقوم يعقلون).
وكذلك فرض دستور الإسلام السلام في العقيدة فيما بين أصحاب الأديان فقال (لا إكراه في الدين).
وهذا لعمري منتهى ما وصلت إليه البشرية اليوم في دساتيرها الراقية الحرة في سبيل حماية حرية المعتقدات، مما قد سبقهم إليه الإسلام قبل أربعة عشر قرنا بكل تأكيد.
بل ذهب إلى أبعد من ذلك فحض على البر بأبناء الأديان الأخرى مهما كانت عقائدهم، ما لم يقاتلونا في الدين وما لم يخرجونا من ديارنا، فقال سبحانه وتعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين) تبارك الله العظيم إنه والله لدستور سلم كريم، لم يسبق أحد إليه من الأولين، ولا نظن أن أحدا سيلحق به في الآخرين.
وأعطى دليلا عمليا على ذلك حين دخل الاسلام إلى مصر وبلاد الشام، ووجد النزاع قائما ما بين الكنيسة الغربية في حماية أباطرة الرومان وبتشجيعهم، وبين الكنيسة الشرقية التي لا حماية لها وهي أصل النصرانية، ومع ذلك فقد كان معظم رجالها يتهمون بالزندقة والإلحاد، فلما حل الحكم الإسلامي محل الحكم الروماني، لم يثر هذه على تلك، بل حمى الاثنتين ولو كانت كل منهما ضد عقائد الإسلام، فوقفت الكنيسة الشرقية على رجليها، ولم تشعر الكنيسة الغربية باضطهاد، وان موقف الاسلام منها هذا الموقف هو الذي يفسر موقف بطارقة حمص، عندما تركهم أبو عبيدة فاتح حمص وأراد أن يرد عليهم الجزية التي أخذها فأجابوه (إن عدلكم أحب إلينا من ملوكنا) ثم أغلقوا أبواب مدينة حمص ضد الرومان منتظرين نتيجة المعركة بين المسلمين والرومان، وداعين بالنصر للمسلمين على الرومانيين.
بل ذهب الاسلام إلى أبعد من ذلك وأعطى لكل منهم حكما كنيسيا في الشؤون الدينية، لم يكن ليعترف به لأحد منهما من قبل دولة الرومان النصرانية.
ولا بد أن نشير في هذا المقام إلى ما سجله مؤرخو المسيحية أنفسهم مما لاقته الكنيسة الشرقية في عهد الصليبيين من (إقفال الكنائس الشرقية واضطهاد بطارقتها إلى أن أحوجوهم أن يفضلوا موادة العرب حكام البلاد الأصليين على موادة الصليبيين، كما صرح بذلك صاحب كتاب سوسنة سليمان.

السلام في الحياة الخاصة
وأما في الحياة الخاصة فقد فرض دستور الإسلام السلام أيضا ما بين رغبات الإنسان ومطالبه في الحياة، وما بين فكرة الإحسان والصلاح في تلك الرغبات، فقال رسول الله (ص): إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموا، فصار لكل منهم موضع، فنقر رجل في موضعه بفأس، فقالوا له ما تصنع؟ قال هو مكاني أصنع فيه ما أشاء، فإن أخذوا على يده نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا، وقال القرآن الكريم في لذات الإنسان: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) وقال أيضا (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا..)
وهكذا لبى الاسلام في ذلك رغبات الإنسان ولذاته الشخصية من غير عدوان على أحكام العقل، ولا حيف على طبيعة الإنسان كإنسان، ولم يشترط في الوصول إلى الطيبات وزينة الحياة وما أتاه الله للإنسان من ملكية استخلفه فيها غير الطريق المشروعة، والعمل الصالح، وأن يحسن فيما آتاه الله كما أحسن الله إليه، وأن لا يبتغي الفساد في الأرض.
وان كل نطلب خاص للإنسان يتجاوز هذه الحدود فهو ممنوع عليه، لأنه يخرج الإنسان من نطاق السلام إلى نطاق البطلان والفساد، وقد قال الله سبحانه وتعالى في ذلك (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقال أيضا (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن غليك ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين) وقال أيضا (آمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه).
وبذلك احتفظ الاسلام للإنسان بمكانه في الوجود كإنسان، وبحظوظه فيه، وأباح له ما شاء من الحظوظ، وما آتاه الله من ملك استخلفه فيه: بشرطين اثنين فقط هما الإحسان وعدم الفساد، ولم يشأ أن يرتفع بالإنسان من عالمه إلى عالم ليس هو منه وهو عالم الأرواح الخالصة، ولا يهبط به إلى عالم الشياطين.
السلام في الصلاة فيما بين الناس عامة
وأما في الصلاة فيما بين الناس عامة، فقد فرض أيضا دستور الإسلام السلام فيما بينهم، وقال في سبب جعلهم شعوبا وقبائل أنها كانت وسيلة لتسهيل التعارف والتقارب فيما بين الناس، لا وسيلة ليرتفع بعضهم على بعض ويتخذ بعضهم من أنفسهم آلهة من دون الله فوق الآخرين، وقد قال القرآن الكريم في ذلك: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكن) واستل بذلك من نفوس المسلمين ما رسخ في نفوس جميع الأقدمين والكثيرين من الحديثين من رجحان شعب على شعب في الحقوق والكرامة، وتجريد الكثيرين من بني الإنسان من حقوقهم الحرة في الحياة والسيادة.
 السلام في النظام العام
وأما في النظام العام فقد فرض دستور الاسلام السلام أيضا ما بين الإنسان وأخيه الإنسان: فلا طبقية ولا عرقية ولا أجناس، وقرر المساواة ما بين الجميع فقال رسول الاسلام عليه الصلاة والسلام في ذلك (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى) وهذا أيضا منتهى ما تنشده الإنسانية اليوم ومفكروها، ومنتهى ما تعمل على إدخاله في دساتيرها، كحقوق طبيعية للإنسان.
السلام في الحكم
وأما في الحكم فقد فرض أيضا دستور الإسلام السلام فينا بين الناس في الحكم، لأنه فرض العدل في الحكم والمساواة في الحقوق لجميع من يسوده نظام الاسلام ولو لم يكن عربيا أو مسلما، وجهرت أحكام الاسلام في ذلك لغير العرب ولغير المسلمين قائلة (لكم ما لهم، وعليكم ما عليهم).
أثر هذه المبادئ السلمية فيما بين أبناء العروبة من مسلمين وغيرهم
وبذلك لم يعد هناك من فارق بين أبناء العروبة مسلمهم وغير مسلمهم في الافتخار بحمل هذه الرسالة إلى أبناء الإنسانية لتسود فيهم أحكامها، كما لا يوجد فارق اليوم بين أبناء الدولة الواحدة الحديثة على اختلاف أديانهم ممن يدينون بدساتيرهم المتحررة ويفتخرون بها ما دانت تقوم على هذه القواعد العامة للإنسانية، والمبادئ الخالدة.
أثر هذه المبادئ السلمية فيما بين العرب وغيرهم
وبذلك أيضا لم يعد هناك من فارق ما بين عربي وغير عربي في الافتخار بحمل الرسالة وأدائها، والانضواء تحتها، والأخذ بمبادئها الدستورية، والتقديس لمن نادى بها ودعا إليها، وما تقديس المسلمين غير العرب للعرب والإيمان بهم، والافتخار بالالتحاق بهم والانضواء تحت لوائهم، ممجدين العروبة من غير غل، ومفتخرين بها من غير شك، إلا أثر هذه العروبة التي بلغت في ظل البعث الإسلامي كما أراده الله آخر مرحلة من مراحل تطورها، فكانت من قبل الاسلام قومية عربية عصبية كغيرها: يجتمع أصحابها ليعيشوا لأنفسهم، فأراد الله لها بالإسلام أن تتم مرحلة تطورها الصاعد، فغدت قومية عربية إنسانية، يجتمع أصحابها ليعيشوا لهم ولغيرهم من الناس، وبذلك جعلهم خير أمة أخرجت للناس، وبذلك ارتفعت قوميتهم إلى عرش القوميات الخالدة، بل انفردت به حتى الآن دون غيرها من العالمين، إذ لا نجد وراء العرب وعلى طريقتهم من سار سيرتهم، والله يؤتي فضله من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته.
خاتمة البحث ووجوب المجاهرة بشخصية الإسلام السلمية
وبعد أيها القراء الكرام، فهذا هو الإسلام في مبادئه الدستورية
فهو سلام في اسمه
وسلام في تحيته
وسلام في ليلة نزوله
وسلام في اسم ربه
وسلام في عقيدته ما بين العقل والإيمان
وسلام فيما بينه وبين أصحاب الأديان
وسلام وإحسان في مطالب الحياة الخاصة
وسلام وبر فيما بين الآخذين بمبادئه وبين سائر الناس ما لم يقاتلوهم في الدين أو يخرجوهم من الديار فإنه عندئذ فقط حرب على الظلم والعدوان وذلك أيضا في سبيل السلام.
وهو سلام أيضا في النظام فلا طبقية ولا عرقية ولا أجناس
وسلام في الحكم وعدل في الحق ما بين العرب وغير العرب، وما بين المسلمين وغير المسلمين.
وأخيرا وبكلمة واحدة: فهو سلام في سلام.
ونحن اليوم في عهد العلم، وفي عهد سلطان العقل، وهو عهد يرحب به الإسلام، وتحييه مبادئ الإسلام.
فما كان يضرنا بالأمس من ضيق العقول، وجهل المخاطبين، ويحملنا على إخفاء شخصية الإسلام في شخصية المبادئ الديمقراطية عندما يسود أصحابها، أو يحملنا على إخفاء شخصية الإسلام في شخصية المبادئ الاشتراكية عندما تشتد سواعد أربابها، أو كما ذهب البعض إلى تلوين شخصية الاسلام بألوان الزعامة في عهد انتصار الزعامة النازية أثناء الحرب العالمية الثانية.
فما كان يضرنا بالأمس ويحملنا على إخفاء شخصية الإسلام لم يعد يضرنا اليوم، فقد تفتحت العقول وانتصر العلم، وأصبح العالم أجمع في حضارته الحديثة كأنه أسرة واحدة، وتشوقت النفوس بعد ما أصابها من مآسي الفرقة وتناحر المبادئ إلى صوت السماء وصوت السلام، فأعلنوا للعالم مبادئ الاسلام وقواعده الدستورية، كما اشرنا إليها، فإنها السبيل الوحيد لضماد جروح الإنسانية، وإنها السبيل الوحيد لجمع الكلمة فيما بين أبنائها والتعايش فيما بينهم بسلام، على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وأديانهم وأعراقهم دون المساس بها واسمعوهم قول السماء (وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون) (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (فاستمسك بالذي أوحى إنك على صراط مستقيم، وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون).

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here