islamaumaroc

الشخص وشخصياته

  دعوة الحق

46 العدد

كان سقراط يدعو معاصريه إلى التأمل الصحيح في ذاتهم،لكي يشعروا في أعماقهم، بما هو إنساني نوعي عند كل شخص. ومنذ ذاك، أصبحت ولا زالت مشكلة معرفة الذات المشكلة الرئيسية في الفلسفة المدرسية، وصار ولا زال المنهج التأملي أداة هذه المعرفة. بيد أن الفلسفة اكتسبت عقب ذلك غنى، بسبب ظهور مشاكل جديدة، فكان لزاما، إذن تجديد منهج البحث الفلسفي. نتجت هذه الانقلابات، بطريقة مباشرة وحتمية، عن الكثافة الجديدة التي يكتسبها مدلول "شخص" دونما انقطاع، في الحقل التشريعي (قانونيا وسياسيا) وفي الحقل الفلسفي الإنساني العام.
إن الشخص لا يعرف، كما  حاول آخرون أن يعرفوه بالتيار الحيوي، ولكن الحركة الهدفية التي تجعله دائما مقدما عليها، هي المحددة له. فالبنية الوظيفية، لكل شخصية اخضع لقابلياتها وإمكانياتها، كما تخضع للمواقف والحاجات ، وأخيرا للبيئة. إن إحصاء مجموع هذه العوامل ينحصر في التحديدات الحالية، في فترة معينة من الحركة المشخصة. فمن وجهة السيكولوجيا المجتمعية، لا توجد تحديدات أخرى غير السابقة. يقول جيوم: "لا يمكن القيام بأية دراسة واقعية، لنمو الشخصية، إلا إذا اعتبرنا الوسط الذي يجب على الطفل أن ينسجم فيه. لكن الوسط المجتمعي على الخصوص، هو الذي غالبا ما يجعل الإنسان أمام المشاكل الأكثر تعقيدا وصعوبة". فالفيلسوف الميتافيزيقي لا يقف عند حدود المشكل السهل، الحاضر وعند حدود المظاهر البسيطة القابلة للتغيرات، إلا ليجاوزها. إنه لا يقف عند الأشياء المقنعة إلا ليثبت من مستواها إلى مستوى ما لم يلبس القناع بعد.
هكذا يفعل بالنسبة للكائن البشري. يرتفع من الشخص المحرر من العوائد، وضغط رقابة المجتمع ليصل إلى الإنسان. لا يجوز لنا أن نقول، بأن الشخص ليس إلا شخصية أزيل عنها القناع، ما دام الشخص صيرورة تطغى على كل تحديد، لما لها من غنى وإمكانيات، إنها ترمي إلى تحقيق الإنسان، كما يرمي جهاز ما إلى تحقيق حالة توازنه، الشخص هو الممكن في توتر نحو اللانهائية. فمحاولة تعريف الشخص بالنسبة إلى الشخصية، محاولة تحدد من ديناميته ومن إمكانياته، وتجمده في مراحله الأولى. لقد وصف (لاورانس) الصعوبات التي نلاقيها حينما نريد أن نتخلى عن شخصية لنتظاهر بشخصية أخرى. فلننصت إليه يحدثنا عن تجربته في هذا الموضوع: "حينما صرت أعيش بزي العرب، وأتكيف في قالب ذهنيتهم، شعرت بأن شخصيتي الانجليزية انتزعت مني: هكذا استطعت أن أشاهد الغرب وعاداته بعيون جديدة، كأني صرت منفصلا عن الغرب كامل الانفصال. لكن كيف السبيل إلى اكتساب ما يجعلني عربيا؟ لم تكن محاولاتي إلا تصنعا محضا. إنه من السهل أن يضيع لشخص إيمانه، ولكنه من العسير، بعد ذلك، أن يصل إلى إيمان جديد. فكوني تخليت عن شكل دون أن اكتسب شكلا جديدا افقدني كل استقرار.."
الشخصية هي المنتهى المشترك لظاهرات تتعلق بالسيكولوجيا الفردية، وبالسيكولوجيا المجتمعية داخل مجموعة من الشروط اللازمة للسلوك، إزاء المواقف الحالية.
ينطبق هذا التعريف على الناحية من الأنا التي لها من بعض الوجوه وحدة واستقرار يشبهان الوحدة والاستقرار اللذين نطلقهما على الموضوعات. ويصبح هذا التعريف غير صالح بمجرد ما يريد أن يدخل فيه ما ليس هنا ـ الآن، ويجاوز "الحاضر"، أي كل ما لا يمكن أن يتصف به "الحضور" حالا أو استقبالا) لأنه دائما يحيا، سابقا على حاضره أي يحيا في المستقبل. فللطالب مثلا، شخصية حالية، هي الشخصية المحددة في ورقة هويته، والتي تملأ حقل وعيه في "الآن". بيد أن الطالب يشعر بتوتر داخلي، أي بقوة تدفعه إلى "الشخصية" التي يرمي لأن يصبحها، وهذه الشخصية ـ النزوع ليست حدا نهائيا، فمن الممكن تجاوزها، لأن إمكانيات الطالب لا تعطى برمتها، دفعة واحدة، إنها تبرز حسب تتابع تصاعدي، كسلسلة من الشخصيات يمكن تصورها. من الجائز أن تنضب إمكانيات الطالب، فيبقى دون ما كان يصبو إليه، على أن الشخصية التي يرمي إليها غاية بالنسبة للوضع الحالي، ولو استحال تحقيقها في المستقبل.
إذا صح ما تقدم، جاز أن نقول بأن الشخص ليس بشخصية واحدة، ولكنه عدة شخصيات، فهو في كل فارة من حياتهن ما لم يكن من قبل، وسيصير ما لم يكن أبدا. ذلك أن الإمكانيات تستطيع أن تذهب إلى أبعد مما يتوقع منها، كما أن التشخيص يمكن أن يتخذ سرعة تتعدى نزوع البداية. ولنضرب لذلك مثلا: (باستور) حينما كان طالبا، عوضا من أن ينفلق على ذاته، فينحصر تشخصنه في النزوع إلى شخصية أستاذ، دفعته إمكانياته إلى مرحلة أصبح معها، يشعر أنه ملك لمجموع البشرية، لا لذاته فحسب. ويقال مثل هذا عن أعلام الإنسانية، مثل طاليس وابن سينا.. فقوة التفتح التي أكدت شخصيتهم وفرضتها، جعلتهم ملتزمين بالعمل على تحقيق أهداف تتعدى نطاق أشخاصهم ونزوعاتهم الأولية. فالفعل الذي يؤكد وجود الشخص ويفرضه، هو نفس الفعل الذي يفتح له مجال التعالي. كل نشاط نقوم به، يحدث تغيرا فينا. كانت (ماري كوري)، وهي ما تزال طالبة، تصبو إلى أن تصير أستاذة، ولكن تشخصنها ذهب بها إلى أبعد مما كان يخطر ببالها، فقامت ببحوث خطيرة لتقدم العلم، ولصالح الإنسانية. فاحترقت أصابعها وتعرضت لأخطار أخرى، ولكن ذلك لم يحدث أي فتور في عزيمتها: فالتفاني في خدمة العلم، يحدث حماسا لا يضاهى، ينسى معه العالم ذاته، كالفناء الذي يدعيه الصوفية، فيصبح الباحث أو الفنان في عالم يتعدى حدود الأسرة والوطن وتمتزج نزوعاته في الحياة بأهداف الإنسانية جمعاء: أسرته هي البشرية، ووطنه هو المخبر، لقد جاوز مستوى الشخص، وحقق الإنسان.
في هذه المرحلة ينفصل الأنا عن الأنانية، فيندمج مصيره في مصير النوع البشري مما يكسبه ثروة وحرية لا حد لهما. فالشخص لا يكتمل في الإنسان، إلا بقدر ما يشعر أنه هو مجموع الآخرين، يتكون الشخص ابتداء من شخصيات، وكل شخصية لا تتأكد إلا باستنادها على الإرادة والنشاط: النشاط يظهر الإرادة، والإرادة تخلق في الوعي الإثارات الأولية التي تطبعه بطابع الحيوية، فلقد كان الرواقيون على صواب بحصرهم كل الشخصية في الفعل الإرادي.
فالشخص على هذا، سلسلة من الأفعال الإدارية اختلط بعضها ببعض ورممها مجهود وحد بين مراحل الحياة المتتابعة، كما وحد بين الأهواء العديدة، والإشارات والفعاليات الماضية، وبين ألوانها العاطفية، وتجارب النجاح والفشل، والأهداف المختلفة التي يرمي إليها الأنا. كل هذا يتضامن مع نزوعات حالية، يلتزم فيها "الآن" و "البعد". فالتشخصن إذن، "حاضر" في مجموع الميادين، وليس في أي ميدان.
هكذا، ليست الشخصية إلا فترة من التشخصن، تزمن في الحال، الكائن البشري. وعلى عكس ذلك، ان الشخص، قبل كل شيء، هو كل الشخصية الحالية، بما فيها من ماض ونزوعات للمستقبل: إنه مجموعة شخصيات. لكن كل شخصية حالية شيء مستغرب، أي مشكلة. ذلك أن كل شخصية، من حيث أنها فترة من فترات الشخص، ليست مسلكا تمر به الحركة المشخصنة، وليست بالحد الأخير، إن كل لحظة من حياتنا توازي النزوع الذي نعمل على تحقيقه، أي الطاقة الحيوية لوجودنا.
بيد أن اللحظة، هي أيضا، مشكلة كما تفطنت لذلك الفلسفة المدرسية: فاللحظة موجودة، وغير موجودة في آن واحد، فهي من هذه الوجهة، تماثل النقطة في الهندسة، توجد النقطة، ما دمنا نتحدث عنها، وما دمنا نرسمها على الورقة وعلى السبورة، ولا وجود لها، إذ أنها لا تخضع لأي وضع من الأوضاع، اللحظة تنطبق تماما مع الشخصية، نقول "هذه اللحظة" كأننا نتكلم عن موجود، ولكنا لما ننتهي من الكلام عنها حتى تكون قد انعدمت. فالفاصل بين الوجود والعدم، غير ثابت ولا محسوس ولا دقيق. فالماضي ما لم يبق، إنه ما قد كان. لقد اصطدم (برجسون) بمشكل اللحظة، وعبر عنها معتمدا على ما كان له من نظريات حول الماضي. اللحظة في نظره، هي في نفس الوقت، ما يقوم، حاليا بنشاط، وما تجرد نهائيا عن النشاط، إنها تحيا، وعند الآونة التي تحيا فيها، تكون قد جاوزت حياتها وبما أن فلسفة برجسون، فلسفة التطور والحركة، فالديمومة لا تقبل إلا استرسال المطلق. فالكائن ملقى، في تتابع لحظات، يجاوز بعضها البعض دون انقطاع. من هنا انقلبت مشكلة اللحظة إلى مشاكل التتابع، ففي داخل الشخص تمتد الشخصيات وتسترسل ما دام كل شخص يحمل، في صميمه، كل الشخصيات الممكنة، ويحتفظ بمجموع الشخصيات الماضية، فلتفرض أننا نستطيع أن نرجع القهقرى في تاريخ شخص لنكشف عما أنتجته صيرورته من شخصيات، فشخصيته الحالية ستكون الحلقة الأولى في سلسلة مراحل التشخيص، تنقلنا من شخصية لأخرى، حتى نصل إلى نقطة البداية، أي اللحظة التي ليس وراءها شيء، اللحظة التي ظهر فيها الكائن الخام، لقد صدق (وليام جيمس) في قوله، أن الذي يملك الأنا الأخير: يملك كذلك الأنا قبل الأخير، إذ أن الذي يملك المالك يملك المملوك".

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here