islamaumaroc

موقف الإسلام من التطور الاجتماعي وفقا لمقتضيات العصر

  دعوة الحق

46 العدد

لكي يتضح الكلام في ها الموضوع يجب أن يشرح أولا: معنى التطور الاجتماعي، ويشرح ثانيا: معنى مقتضيات العصر.

معنى التطور الاجتماعي:
والتطور الاجتماعي هو تطور علاقات الأفراد بعضهم ببعض، بحيث يكون الجانب الاجتماعي، أو بحيث تكون النظرة إلى رعاية الفرد للفرد لا تقل عن رعاية الفرد نفسه. التطور الاجتماعي هو نمو علاقات الأفراد في دائرة المشاركة الوجدانية والتعاون في سبيل العمل المثمر والخير العام للجميع، بدلا من استمرار "الفردية" وتحكم الأنانية التي توحي بها طفولة الفرد، وطفولة المجتمع.
ولكي ندرك معنى التطور الاجتماعي إدراكا لا بس فيه نعود إلى الجماعات البدائية، التي لم تع بعد العلاقات المشتركة، ولم تقر بعد بالوجود المشترك بين الأفراد، ولم تقر كذلك بالهدف المشترك الذي يصح أن يجتمع عليه فريق من الناس، وجملة من الأفراد، ويقيمون بسبب ذلك "مجتمعا" بينهم يسعون جميعا لتحقيق هدفه، والتعاون جميعا في سبي بقائه.
إن الإنسان البدائي لا يكون مع إنسان آخر بدائي مثله "مجتمعا" وإنما يتكون منه ومن نظيره "مجموع" تخضع العلاقات بين الأفراد فيه للأنانية، ولغريزتي حب البقاء، والدفاع عن النفس دون سواهما من الغرائز الاجتماعية الكامنة في الإنسان والتي لم تبرز بعد بتأثير التوجيه والإيقاظ. ومن ثم لا تعرف هذه العلاقات السلم إلا عند مواجهة ضعيف لقوي بين الأفراد، أما قاعدة التعامل فهي الاحتكاك عند السعي نحو ما يسد حاجة البطن أو ينفس عن شهوة الفرج.
ليست هناك علاقات في واقع الأمر بين أفراد المجموع إلا بمقدار ما يقع بينهم من احتكاك واصطدام من أجل تحقيق ما أشرنا إليه من هدف: ليست هناك علاقات أسرية. أي ليست هناك علاقات أبوة وبنوة وأمومة وأخوة.. إلى بقية أنواع القربى في الأسرة، التي تقوم على الدم المشترك، والوراثة العقلية والمادية، والوضع الذي لهذه الأسرة. نعم ينل الأفراد بصلة الذكر بالأنثى بحكم التفاعل الطبيعي بين الموجب والقابل. ولكن قلما يوجد الشعور بنوع القرابة الأسرية. بمعنى أنه قلما توجد هناك رعاية من أب لابنه، أو رعاية من ذكر لأنثى أنتج منها ولدا. وعلى معنى أنه قلما يوجد هدف هو المحافظة على الأسرة، بالسعي في توفير العيش لها، وبالدفاع عن أفرادها، ان احتاج الأمر إلى الدفاع عنها، وصيانتها من الإبادة أو الإفناء. بل كثيرا ما يصطدم الذكر الأب بالأنثى الأم، أو يصطدم الأب بابنه، والأخ بأخيه في سبيل الحصول على لقمة العيش. وكثيرا ما لا يعرف الذكر عند الاجتماع بالأنثى حرمة لأمه ولا لأخته، ولا للأخريات اللواتي لا يقر "المجتمع" نكاحهن من أفراد معينين لأنهم محارم لهم. لهذا ليس هناك حد لتعدد الزوجات. وليس هناك إطار للحل وللحرمة في التزاوج. بل ربما لا يوجد رقم معروف يحدد الأفراد الذين ينتمون إلى نسل رجل واحد في علاقته بعدد من الإناث.
فإذا ما ابتدأ الأفراد يحددون علاقاتهم بعضهم ببعض. ويدركون الإطار الذي تدور فيه هذه العلاقات ـ هنا يبتدئ قيام "المجتمع" وكلما تحددت علاقات الأفراد بعضهم ببعض، وكلما وضح الإطار الذي تدور فيه هذه العلاقات، وبالتالي وضحت الأهداف والغايات التي يسعى إليها هؤلاء الأفراد كلما برز المجتمع، وكلما وضحت الإمارات مع وجوده القوي.
فإذا أدرك أفراد الأسرة فعلا علاقات بعضهم ببعض، وارتبطوا فيما بينهم على أساس من التعاون والرعاية المتبادلة عند الأزمات التي تجد بينهم، أو تطرأ عليهم من غريب عنهم، وعرفوا حدود ما يجب أن يفعل، وما يجب أن يترك في سبيل هذا التعاون، وفي سبيل هذه الرعاية، ووقفوا على أن لهم جميعا هدف واحدا هو أن تبقى أسرتهم، وتبقى قوية عزيزة، في مواجهة غيرها من الأسر ـ هناك يكون الوعي الاجتماعي قد تيقظ بين أفراد هذه الأسرة وأخذ طريقه نحو غايته، ينتقل من مرحلة إلى مرحلة أقوى منها، حتى يصل الأمر بينهم إلى تكتل أو وحدة.
وإذا ما تجاوبت أسرة مع أسرة في العلاقات، وارتبطت معها في الهدف هنا يكون المجتمع الكبير قد تأسس، فإذا ما اتسع نطاق العلاقات المشتركة والترابط إلى عدد من الأسر، أو إلى كثير من الأفراد ـ عندئذ يكون المجتمع الإنساني قد قطع جملة من المراحل في سبيل وجوده، وفي سبيل بقائه أيضا.
وهكذا: النمو الاجتماعي يسير في اتجاهين: بينما يتجه نحو الامتداد والاتساع، يتجه أيضا نحو العمق والغور. أي في الوقت الذي يسعى فيه إلى جمع أفراد كثيرين، يسعى أيضا إلى تعميق الروابط الإنسانية المشتركة بينهم. وعمق العلاقات بين الأفراد، وقوة الترابط الإنساني بينهم يبدو أولا: في التعاون المثمر، وثانيا في المحبة والأخوة. وبعبارة أخرى يبدو هذا وذاك في تحقيق أهداف الإنسانية وهي التحرر من السيطرة الحيوانية، وسيطرة الغرائز وسيطرة الطفولة على العلاقات بين الأفراد.

مقتضيات العصر:
وإذا كان التطور الاجتماعي هو التحرر من سيطرة الحيوانية، والغرائز والطفولة البشرية، أي التحرر من سيطرة الفردية والأنانية ـ فمقتضيات العصر إن كانت دافعة على هذا التحرر تكون من عوامله ويكون التطور عندئذ آخذا طريقه الطبيعي نحو غايته الأخيرة، وهي الإنسانية فيما تتميز به من محبة، وتعاطف وتواد بين أفرادها.
وبذلك تحدد مقتضيات العصر تبعا لتحديد معنى التطور الاجتماعي نفسه، وليس تبعا لما يوضع من رغبات، ويوجه المجتمع نحوها بعض الكتاب والمفكرين.
فالطائفة والحزبية، والمذهبية، والعصبية، والقبلية، لا تعد من مقتضيات العصر.
وتحرير المرأة، على معنى تمكينها من أداء وظيفتها في الأسرة كأم، وفي المجتمع كعضو يقع عليه عبء تمليه طبيعته كأنثى ـ من مقتضيات العصر.
والدعوة إلى تعاون الزوجين، وإلى منع التعسف والتحكم القوي ضد الضعيف، وإلى البر، والتهذيب في معاملة كل منهما للآخر من مقتضيات العصر.
والدعوة إلى عدم إساءة استعمال الحق، في الجوار والمعاملة ـ وبالأخص بين الزوجين ـ من مقتضيات العصر.
لكن الدعوة إلى تحرير المرأة، على معنى أن تكون رجلا آخر في صورة امرأة، فذلك ليس من مقتضيات العصر، لأنه ضد طبيعة المرأة نفسها، وضد التطور الاجتماعي ذاته. إذ التآلف والتواد، والمحبة بين الأفراد التي هي نهاية التطور الاجتماعي، لا تحقق إلا إذا وقع انسجام بين الأفراد وتحول فيما بعد هذا الانسجام إلى تآلف، وتواد، وتحاب، والانسجام لا يكون بين متشابهين تماما. بل كلما كانت هناك مفارقة بين الطرفين، وكلما كان هناك خروج عن التشابه التام بينهما ـ كان ذلك أدعى إلى الانسجام بينهما. إذ عندئذ تكون حاجة كل منهما إلى الآخر أمرا واضحا، وبذلك يكون "التعويض" والتعويض مبدأ دوري في الحياة، لأنه يتجاوب مع مبدأ آخر هو أصل الحياة نفسها. وهو "الثنائية": الفاعل والقابل. والموجب والسالب. فلولا هذه الثنائية، ولولا هذا التقابل بين القابل والفاعل، والموجب والسالب لما اجتمع أمران، ولما وقع انسجام في الحياة إطلاقا.
إن "التشابه" التام بين شيئين سبب من أسباب الاحتكاك والاصطدام وليس سببا من أسباب الالتقاء والانسجام. إذ عندئذ كلاهما لا يشعر بحاجة إلى الآخر، أو كلاهما لا يرى أن به فراغا يسده الطرف الآخر. فتساوي الرجل والمرأة في الإرادة أو عدم الإرادة مدعاة إلى الفرقة بينهما وليس اللقاء والانسجام، رغم أن هناك مفارقة أخرى بينهما هي الذكورة والأنوثة، والتشابه في الصفات الجسمية وفي تكوين البدن، وفي ملامح الوجه بين الرجل والمرأة. سبب من سبب الفرقة، وإن كانت هناك مفارقة أخرى هي الذكورة والأنوثة، فالمرأة تريد رجلا. أي تريد إنسانا مقابلا لها في الخصائص النفسية والبدنية. والرجل يريد امرأة، أي يريد إنسانا مقابلا له في الخصائص النفسية والبدنية. عندئذ يكون اللقاء أمرا طبيعيا، ويكون الانسجام ظاهرة اللقاء الأول. أي رجل يريد امرأة تكون لها عضلات الرجل؟ وأي رجل يريد امرأة تتجرد من عاطفة الأنوثة، وتكون لها الإرادة الصلبة التي للرجل، لك الإنسان الذي مارس الحياة، وارتاد صعابها وأزماتها؟ وأية امرأة تريد رجلا له التكوين الرقيق الذي للأنثى في عضلاتها؟ وأية امرأة تريد رجلا تسيطر عليه العاطفة فيكون مترددا في قوله وفي تصرفاته؟. يميل حسبما تتجه به الريح، وحسبما يكون التأثير عليه؟
وهنا تكون "الرئاسة" أو "القيادة" في المجتمع أمرا طبيعيا يقوم على طبيعة هذا المبدأ الضروري. على معنى أن يكون هناك راع، وتكون هناك رعية، وأن يكون هناك قائد أو رئيس، ويكون هناك من يتوجهون بتوجيهه، ويتبعون قيادته. ولو فرض أن الأفراد جميعا أرادوا أن يكونوا رؤساء لما كان احتكاك بينهم. ولو فرض أنهم جميعا مرؤوسون بدون رئيس لما كان هناك مجتمع، ولما كان هناك سبب يحملهم على الانقياد في اتجاه واحد، وغاية واحدة وعندئذ يكون الاحتكاك والاصطدام هو السائد على العلاقات بينهم إن كانت هناك علاقات.
وهنا ندرك: لماذا يعبد الله؟ ولماذا يجب على الناس جميعا أن يخضعوا لقيادة موجه واحد، هو الله سبحانه وتعالى:
إن عبادة الله يفرضها هذا المبدأ الطبيعي للوجود، وهو مبدأ "التقابل" الذي هو أصل الانسجام في الحياة، ومطلوب الإنسان في حياته أن يكون منسجما مع نفسه ومع من عداه في وجوده الخاص والعام:
والتطور الصناعي في وقتنا المعاصر إذا كان في خدمة الإنسانية فهو في خدمة التطور الاجتماعي، وعندئذ يكون من مقتضيات العصر.
ومعنى كونه في خدمة الإنسانية أن يبقى الإنسان ذا سيادة وألا تكون الآلهة هي السيد. معنى ذلك أن يستخدم الإنسان الآلة في رفع مستوى معيشته، وفي وضعه الاجتماعي وفي تخفيف المرض، وفي إزالة الجهل والأمية وفي التنوير والتبصير بالحياة والكشف عنها لا أن يكون عبدا ذليلا لها، تفرض عليه الرق والعبودية ويكون مسخرا لها. إذ عندئذ تصبح مصدرا للقلق والاضطراب، وبذلك تكون معوقا له عن أن يصل إلى الهدف الأخير للتطور الاجتماعي، وهو التعاون والتواد، والتحاب بين الناس جميعا.

الاسلام وموقفه من التطور الاجتماعي وفقا لمقتضيات العصر:
الاسلام هو رسالة السماء إلى البشر على هذه الأرض، وهو رسالة الله للناس جميعا، لا فرق بين عربي وأعجمي، أي لا فرق بين فرد وآخر، جاء ليهدي البشرية إلى الطريق الذي يصل بها إلى تحقيق معنى الإنسانية في حياة الإنسان.
فإذا كان معنى الإنسانية الأخير ـ كما شرحنا ـ هو لقاء الإنسان بالإنسان ومودة الإنسان للإنسان، وأخوة الإنسان للإنسان، وتعاون الإنسان مع الإنسان ومحبة الإنسان للإنسان، فالإسلام جاء ليوقظ في الإنسان هذه المعاني وينميها فيه، ويحثه على رعايتها وعلى أن يتمثلها في سلوكه وتصرفاته.
الاسلام جاء ليدفع الإنسان إلى الخروج من الطفولة البشرية إلى الرشد الإنساني، أي أنه جاء لتطوير المعنى الإنساني في الإنسان، فليس المعنى الإنساني إلا ذلك الترابط الاجتماعي. وإلا تلك العلاقات بين الأفراد التي تؤسس على التعاون، وعلى شتى أنواع الرعاية بينهم. وقد رأينا أن معنى البدائية هو التفكك في العلاقات بين الأفراد، أو هو سيطرة الأنانية، "والفردية" أو بعبارة أخرى سيطرة الحيوانية والغرائز، دون ما يتميز به الإنسان من خصائص وينفرد به عن بقية الكائنات الأخرى الحية التي لها الحركة والتي لها السعي في سبيل حب البقاء.
الاسلام جاء يحث على التعاون فقال:  وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" حث على البر فقال: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" حث على الإحسان في المعاشرة فقال: "إن أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" وعلى الأخص بين الزوجين فقال: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" حث على العدل فقال: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا" حث على رعاية البشرية وصيانتها من الظلم والعسف فقال: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى".
كل هذا وغيره مما حث عليه الإسلام هو دفع لنمو العلاقات الاجتماعية، والتطور الاجتماعي. ورسالة الاسلام تكاد تنحصر في أمرين: ضغط الأنانية وكبت الفردية من جهة، وإيقاظ المشاركة الوجدانية وتنمية العلاقات الاجتماعية من جهة أخرى. رسالة الإسلام هي إبعاد الطفولة الإنسانية عن تصرفات الإنسان، وإحلال الرشد الإنساني محل هذه الطفولة ليبقى الإنسان متميزا، ولتبقى له الكرامة والسيادة.
فالإسلام إذ يقول: "ولقد كرمنا بني آدم". لا يقصد بتكريمهم إلا أنه ميزهم عن غيرهم بالخصائص الإنسانية. والله إذ أرسل الرسل برسالة لم يقصد إلا أن يمكنهم من الريق الذي يهديهم إلى تحقيق هذه الخصائص في سلوكهم وتصرفاتهم.
وبهذا إذا فهم التطور الاجتماعي على نحو ما شرحنا، وفهمت مقتضيات العصر في ظل التطور الاجتماعي ـ كان الاسلام مصدر دفع لهذا التطور، مصدر تقدير لهذه المقتضيات التي من شأنها أن تدفع إلى هذا التطور.
أما إذا أريد بالتطور الاجتماعي مذهب سياسي خاص، أو مذهب سياسي معين، فالإسلام نظام مستقل يتلاءم مع ما يتفق معه في الهدف والخطة ويتنافر مع ما يختلف معه في هذا وتلك.
وإذا أريد بمقتضيات العصر ضروب خاصة من التصرفات في المجتمعات القائمة ـ فقبل أن يحدد موقف الاسلام: سلبا أو إيجابا منها، يجب توضيحها أولا.
والإسلام على كل حال ليس إلا ذلك النور الذي يهدي إلى الصراط المستقيم. وليس الصراط المستقيم إلا ذلك الطريق الموصل إلى غاية الإنسانية.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here