islamaumaroc

الالتزام الفكري بين الواقعيين والمثاليين

  دعوة الحق

46 العدد

كانت سنة 1956 بداية القصة المثيرة التي استأثرت باهتمام الأوساط السياسية والأدبية في العالم ردحا طويلا من الدهر، وربما لا تزال لها فصول لم تفض إلى نهايتها بعد، كان ذلك يوم أن استطاع الكاتب الروسي الكبير (بوريس باسترناك) أن (يهرب) روايته الشهيرة (الدكتور جيفاكو) خارج الاتحاد السوفياتي بواسطة أحد الصحفيين الإيطاليين، ويضعها بين يدي أحد كبار الناشرين (السيد فلترينيلي) في إيطاليا، البلد الغربي العريق، والعضو الهام المرموق في منظمة حلف الشمال الأطلسي.
وبلغت الأزمة التي أحدثها "باسترناك" أوجها سنة 1958 وذلك حينما "تطوعت" الأكاديمية السويدية بمنح جائزة "نوبل" للكاتب الكبير كتقدير عالمي رائع لروايته التي كان قد رفض نشرها من قبل اتحاد الكتاب السوفياتيين، والتي تشكل في جوهرها ـ بحق ـ شبه إدانة غير مباشرة لطبيعة الظروف التي اكتنفت الثورة الشيوعية الكبرى في روسيا، والملابسات التي رافقتها من قريب أو بعيد.
وفي شهر مايو من سنة 1960 ختمت أنفاس الكاتب الثائر الصامت، والأديب اللائذ بحمى العزلة والانفراد، ذلك الذي استطاع أن يحدث في العالم ضجة أدبية وسياسية مدوية، على الرغم من أنه لم يكن يتحول عن ملاذه الهادئ الوديع، ولم يتنكر يوما ما لأسلوب حياته اليومية الرتيبة ومنهاج سلوكه البسيط المتواضع، وأفضى باسترناك إلى نهايته بعد أن عاش تجربة فكرية ووجدانية عميقة أصيلة، وبعد أن عانى من خطورة البادرة الإنتاجية التي قادته إليها هذه التجربة، وبعد  أن شاهد إقصاءه من حظيرة الكتاب السوفياتيين، وتعرضه لحملات نقدية شديدة ذات طابع أدبي تارة، وسياسي تارة أخرى، وذلك كله كنتيجة حتمية للتجربة التي ساقته طبيعة تفكيره الأدبي الإنساني إلى خوضها.
وهناك من يكمن أن يجد بعض عناصر المقارنة والموازنة بين القضية التي تكونت فصولها حول باسترناك وبين القضية الأدبية والسياسية الكبرى التي لمع فيها اسم الكاتب الروسي المضاد للشيوعية "كرافشنكو" صاحب كتاب "ءاثرت الحرية" تلك القضية التي أثارت بالفعل ومنذ سنين عديدة ضجة كبرى في الأوساط الغربية والشيوعية على السواء.
وقد يكون ثمة بعض أوجه المقارنة بين القضيتين المتماثلتين في بعض الجوانب المعينة، إلا أن هناك ـ مع ذلك ـ أساسا لملاحظة الفروق الجوهرية التي توجد بينهما، والتي لا تبيح الاعتماد على نتائج هذه المقارنة اعتمادا صحيحا، ومن بين هذه الفروق ملاحظة نسبة الارتباط بين كل من القضيتين وبين العوامل الأدبية والسياسية التي توجد كامنة وراءها، فقد كانت بادرة "كرافشنكو" ذات صبغة سياسية مذهبية أكثر بروزا وأشد وضوحا، على الرغم مما يمكن أن يقال عن دواعيها الفكرية والأدبية المحتملة، أما قضية "باسترناك" فقد كانت أهم العوامل التي أسهمت في حبك خيوطها ـ كما يبدو ـ لا تلتصق بالأغراض السياسية الصرفة التصاقا قويا ملموسا، وشخصية "باسترناك" وظروف حياته وعيشه وطريقته في السلوك والتصرف ثم الأسلوب البسيط الذي احتذاه في الزج بروايته إلى عالم النشر خارج الاتحاد السوفياتي، هذا إلى طبيعة الموقف الذي التزمه حيال التعقيدات السياسية والدولية التي نجمت عن الأفكار والآراء المنطوية عليها هذه الرواية، كل ذلك يمكن أن يحمل على الزعم بأن المقاصد السياسية البحتة كان لها دور ثانوي في البادرة الفكرية التي أقدم عليها الكاتب الروسي الكبير، بل انه من الجائز أيضا ألا يكون لهذه المقاصد وجود على الإطلاق، لكن ماذا يجوز أن تعني في هذه الحالة رواية ذات مضمون سياسي انتقادي كالدكتور جيفاكو؟ ما هو المفهوم الذي يمكن أن ينتحل في هذه الحالة للرواية التي غدت شهرتها ذات صبغة عالمية بعد أن غدت ـ لفترة ما ـ عنصرا ملحوظا من عناصر الحرب الباردة بين الشرق والغرب؟ إن المضمون الفكري لرواية الدكتور جيفاكو بالرغم من المظاهر، لا يعكس ـ كما يبدو ـ روحا ثورية نضالية حقيقية، ولا يعبر عن إرادة الكفاح السياسي المنظم المستند إلى قوة الإصرار والتصميم والتنسيق، فالواقع أن المفاهيم التي يمكن استخلاصها من ظروف وضع الرواية قد لا توحي بأشياء جوهرية من هذا القبيل، ومع ذلك فإن الدكتور جيفاكو يجب أن تعتبر روايته هادفة تنطوي فعلا على مغاز عميقة لها مدلول واسع بعيد المدى، وهي ـ وإن لم تكن تعكس إرادة الكفاح السياسي المنظم فإنها ـ مع ذلك ـ تدل على اتجاه حتمي نحو الانطلاق العقلي غير المقيد، وتنم في جوهرها عن وجود ميل شديد كان يحتمل في نفسية باسترناك، ويحدوه إلى مقارنة التمسك الشديد بمقتضيات الالتزام الفكري الملتصق بحرفية المذاهب أكثر من ارتباطه ببواعث نموها واستمرارها، هذا النوع من الالتزام الذي يمكن أن يرادف "الدوكماتية" أو المذهبية في بعض الجوانب المعينة، ولا حاجة للتأكيد بأن هذه الدوكماتية قد أصبحت تلقى كل صدود واعراض من كافة الأوساط العقائدية الماركسية، سواء داخل الاتحاد أو خارجه وتوجد في أساس النزاعات الجديدة الناشبة بين الاتحاد السوفياتي ونزعة الور خوجة في ألبانيا، وسواء أكان علينا أن نفسر تفكير باسترناك على أنه تعبير عن الميل إلى مجانبة المذهبية ـ وليس هناك ما يؤكد ذلك تأكيدا مطلقا، فقد تكون هناك عوامل دقيقة أخرى أقل جلاء وبروزا ـ أو كان من اللازم أن يفسر هذا التفكير باعتباره مظهرا لاتجاه انحرافي Déviationniste أو نزعة تراجعية Révisionniste سواء كان علينا أن نراه بهذا المنظار أو ذاك، فإن هذا التفكير ـ مهما كانت الحال ـ نوعا من الاتجاه إلى عدم الالتزام الفكري الناشئ عن خطأ أو استقامة في الرأي وذاك جانب من القضية يعسر على المرء أن يستبين وجه الصواب فيه بكل وضوح، عن طريق الاعتماد على بعض التحليلات المقتضبة، والركون إلى جملة من الاستنتاجات السريعة المبتسرة.
وعلى كل، وبالاغضاء عن قيمة المدلول الحقيقي لتفكي باسترناك وحقيقة المشكلة التي أثارها، وموقفه من الأحداث التي انتهت إليها هذه المشكلة، بغض الطرف عن كل ذلك، فإن هناك ـ على وجه العموم ـ مجالا لملاحظة بعض الظواهر الهامة التي بدأت جوانبها تتضح أكثر فأكثر، وتأخذ سبيلها إلى التبلور داخل المعسكر الاشتراكي، وتتجلى هذه الظاهرة في تطور موقف بعض الأوساط الأدبية والثقافية من قضية الالتزام الفكري المطلق، وجنوح البعض من الكتاب فعلا داخل بلاد اشتراكية معينة إلى التخفيف من شدة الاستمساك بمبدأ هذا الالتزام ومقتضياته.
لقد تتراءى في أفق الأدب الاشتراكي المعاصر إرهاصات نزوع حقيقي نحو احتضان بعض الاتجاهات الليبرالية في التفكير والتحليل والإنتاج، وهذا الاتجاه ـ وان كان يبدو فرديا محدودا ـ فإنه ـ مع ذلك ـ يوذن بانفتاح بعض الإمكانيات التطورية في مناهج وأساليب التفكير الأدبي الاشتراكي قد تبيح له ـ في بعض الحدود المعينة ـ ارتياد ءافاق أكثر رحابة وسعة مما كان عليه الأمر في ظلال العهد الستاليني المدبر، والذي يبدو واضحا أن اللاستالينية Déstalinisation التي تكاد تصبح من بين المميزات الأساسية لأوضاع الحكم والاتجاه في أغلبية أقطار أوربا الشرقية الشيوعية ـ توجد متلائمة ـ إلى حد ما ـ مع ممكنات هذا التحول الاتجاهي على صعيد الأدب والفكر إن لم تكن هي نفسها من بين عوامل هذا التحول وفي أساس التيارات الحتمية الحاسمة التي قد تكون عجلت بحدوثه.
وقد شهدت الأسابيع الأخيرة في الجمهورية الشعبية البولونية مظهرا جديدا ومثيرا من مظاهر الاتجاه "الفردي" نحو التحلل من موجبات الالتزام العقائدي في نطاق الاشتراكية، كان ذلك يوم أن بوغتت الأوساط الأدبية في "وارسو" (10 أكتوبر الماضي) بظهور آخر كتب الناقد الشيوعي البولندي "اندري سطافار" الذي كان قد توفي خلال الربيع الماضي بباريس، والذي احتفت السلطات البولندية بوفاته احتفاء رسميا مهيبا باعتباره أحد الرواد الاشتراكيين البارزين في شرقي أوربا، وأحد رجال الطليعة في عالم النقد الاشتراكي الحديث.
لقد كان لسطافار سجل حافل في مضمار الكفاح الأدبي ـ السياسي من أجل الاشتراكية، وقد عانى طويلا من النظام الستاليني الذي كان يعم بلاده مثل ما كان يعم غيرها من الجمهوريات الشعبية الأوربية، ولكنه استطاع ـ بعد ذلك ـ أن يسترد مكانته الطلائعية المرموقة غداة نجاح الثورة اللاستالينية في وارسو، وانتقال أزمة الحكم إلى الزعيم الشيوعي المعتدل "كومولكا" وشيعته سنة 1956.
وإلى الأيام الأخيرة من حياة سطافار ـ تلك الحياة التي أفضت إلى نهايتها في جو عادي وظروف طبيعية ـ فقد كان هذا الكاتب يعتبر ـ كما كان من قبل ـ كأبرز النقاد الاشتراكيين المعاصرين في بولندة، وأحد الكتاب العقائديين المرموقين، ولا شك أن اتجاهاته الفكرية العامة، وطبيعة المقاصد الإيديولوجية ذات الطابع الاشتراكي التي كانت تنضح بها كتاباته المختلفة، لا شك أن كل ذلك كان من شأنه أن يضمن لإنتاجه كل هذه المنزلة التي ينعم بها في مضمار الأدب الاشتراكي الحديث، ويضفي على آثاره الفكرية بصورة عامة قدرا من الاعتبار بعيد المدى وعميق الحدود. وعلى الرغم من أن نهاية حياة "سطافار" كان نهاية طبيعية عادية، إلا أن المصير الذي آلت إليه أفكاره الأدبية والانتقادية كان مصيرا غريبا حقا ينطوي بالفعل على كثير من العناصر المثيرة للاهتمام، أما صورة الغرابة في هذا المصير فتتمثل فيما خلفه هذا الكاتب الماركسي من آراء ونظريات تدور كلها حول الواقع الاشتراكي الدولي الذي كان يتبناه ويتولى المنافحة عنه، وتتناول هذا الواقع وحتى بعض المبادئ التي يقوم عليها ـ بعبارات النقد والتفنيد، التي يذهب بعضها إلى مدى بعيد جدا، وقد عبر عن هذه الآراء والنظريات التي كانت مفاجأة مذهلة لكثير من المراقبين والملاحظين ـ عبر عنها في كتاب جديد صدر له حديثا في فرنسا، وكان من أبرز الأحداث الفكرية التي شاهدتها أقطار أوربا الشرقية وبولندة بالأخص خلال الشهور الأخيرة.
وضع الكاتب تأليفه بين (وارسو) و(باريس) وفي عاصمة بلاده أتن القسم الأول من الكتاب حيث ضمنه كثيرا من الانتقادات الصارمة (للستاليتية) كسياسة ومنهاج، والحق أن جملة هذه الانتقادات تبدو كظاهرة عادية مألوفة بعد أن أصبح النهج الستاليني موضوع عديد من المؤاخذات الجورية سواء داخل الاتحاد السوفياتي أو في غيره من الأقطار الأوربية التي تسودها أنظمة الجمهوريات الشعبية باستثناء ألبانيا والصين، بل إن مناوأة الستالينية قد غدت بالفعل في مجموع هذه الأقطار قاعدة انطلاق لكثير من المواقف السياسية والعقائدية التي يكتسي بعضها طابعا رسميا ودوليا بارزا، أما القسم الثاني من الكتاب فقد سوده (سطافار) في (باريس) العاصمة التي آثر الحياة فيها فترة من الوقت قبيل نهاية حياته، والنظريات التي يحويها هذا القسم هي ـ بحق ـ مثار المفاجأة في الكتاب بمجموعه، إذ أن هذه النظريات تنطوي ـ كما يبدو ـ على مدلولات عقائدية مختلفة، فيهل من الغرابة ـ كما قدمنا ـ قدر غير قليل، فإلى جانب انتقاد الكاتب لنتائج المؤتمر العشريني الشهير للحزب الشيوعي الروسي، الذي ساعد على تعديل ملامح الوضع السياسي والعقائدي سواء في الاتحاد السوفياتي أو في كثير غيره من أقطار الجمهوريات الاشتراكية الشعبية وخاصة بولندة ـ إلى جانب انتقاد نتائج هذا المؤتمر، فقد انطلق الكاتب الاشتراكي البولوني أيضا إلى تعييب بعض مظاهر الحكم وصور الحياة في أقطار العالم الاشتراكي، بل إنه عدا ذلك إلى حد إبداء آراء تشاؤمية مفرقة، وذلك فيما يتصل بمستقبل الماركسية كفلسفة ومنهاج، ومدى فاعليتها في التأثير على وجدان الإنسان المعاصر، وتوجيه أفكاره وعقائده، وتنظيم سلوكه وتصرفاته في الحياة.
والواقع أن القضايا التي يثيرها (سطافار) في كتابه المثير هذا لا تعنينا كثيرا من حيث المضمون السياسية والمذهبي الذي تعبر عنه، فالاعتبارات السياسية والعقائدية ـ في هذا المضمار ـ هي من التعقد والالتواء بدرجة كبيرة جدا، والنظر في هذا التعقيد ومحاولة معالجته على الصعيد النظري أمر لا يثير عنايتنا كثيرا، لأنه لا يمس أي جانب هام من جوانب اهتماماتنا القومية ـ الإنسانية الملحة، هذا بالإضافة إلى أن الحالة الماثلة في قضية "سطافار" لا تدل ـ بالضرورة على وجود انقلاب جوهري في الخط السياسي الذي كان يتبناه الكاتب البولندي الكبير ويحتضنه بمزيد م الإيمان والحماس، فالآراء (المتمردة) التي عبر عنها في كتابه قد لا تكون ـ في الواقع إلا انعكاسا بسيطا لحالة منعدم  الالتزام المذهبي كما هو الأمر بالنسبة لكثير من الحالات من هذا النوع، ولكل ذلك فالذي يبدو واضحا أن هذه الآراء لا تشكل بالفعل موقفا سياسيا معينا بقدر ما تدل على واقع فكري متحول يصعب تحديد أهميته ومدلوله، وهذا الواقع الفكري ذي الصبغة (المباغتة) هو الذي كان داعيا لاستغراب المراقبين واندهاشهم، وتساؤلات الكثير من الأوساط الأدبية والفكرية سواء داخل البلاد الغربية أو غيرها وخاصة بولندة، وطن الكاتب ومستقره الأصيل.
وعلى الرغم من بروز كتاب سطافار في ظروف مثيرة حقا، انطبعت بها الحياة الفكرية في بولندة خلال الشهور الأخيرة، ويتمثل البعض من هذه الظروف في قضية الكاتب البولندي جيرزي كوناركي Zergi Konarcki الذي دأب أخيرا على تحرير بعض الكتابات الانتقادية المستغربة، وترويجها بصورة رومانتيكية مثيرة، وقضية الأديبة السيدة هيلينا راسزينكا Héléna Rassynka أمينة سر الجمعية الأدبية البولندية "الدائرة الموترة" وقد ارتبط اسم هذه الكاتبة أخيرا بجملة قضايا أدبية ذات طابع سياسي بارز، على الرغم من ظهور كتاب سطافار في مثل هذه الظروف المثيرة فإنه ـ مع ذلك ـ لم يؤد إلى نشوء حالات من رد الفعل الحاد شبيهة بتلك الحالة التي أفضى إليها كتاب باسترناك "الدكتور جيفاكو"  ولعل منشأ ذلك أن كتاب سطافار كان يعكس ـ كما قدمنا ـ مجرد حالة عابرة من حالات عدم الالتزام الفكري أكثر مما يدل على حقيقة اتجاه سياسي متناسق العناصر، وواضح الأهداف، هذا بالإضافة إلى أن تأثيراته في العالم لم تكن في أهميتها وسعة مداها من نوع تلك التأثيرات التي أحدثتها رواية الأديب الروسي الكبير، ويجدر بنا ـ بعد كل هذا ـ أن نتساءل: ما ذا يعنينا من كل هذا إذن؟ وما هو المفهوم الحقيقي الذي يجب أن نقيم على أساسه مثل هذه القضايا الفكرية المتمثلة في حالة باسترناك وسطافار وغيرها؟
إننا إذا كنا قد استبعدنا العنصر السياسي من هذه القضايا، لأن مدلولاته لا تعنينا عمليا في شيء ـ فإن ذلك لا يصدنا عن اعتبار الجوانب الأخرى من نفس هذه القضايا.. تلك الجوانب التي تتصل بقضية الفكر على العموم، والتي هي أقرب ما تكون إلى طبيعة الأهداف والمقاصد الحافزة لنا في الحياة نحن أبناء الشعوب المنحازة، إن الفكر يكتسي ـ بالنسبة إلى وجودنا الدولي والعالمي أهمية بالغة وعميقة المدلول لأننا نستند إلى هذا الفكر كأداة ـ .. كأقوى أداة تعتمدها ـ بعد الله ـ في تأكيد وجودنا الحيوي أمام عوامل القوى المادية التي تستأثر بمقاليد كثير من الأمور في عالمنا المعاصر، وبالتالي فإن هذا الفكر يزداد ارتباطا ـ مع مرور الأيام ـ بطبيعة مصايرنا ومستقبلنا وكذلك مستقبل الأوضاع الحياتية التي تكتنف وجودنا من قريب أو بعيد.
ومن هنا كان مصدر هذا الاهتمام الذي يجب أن يحدونا إلى مراقبة وقع الفكر وتطوراته في عالم اليوم، هذا الفكر الذي لا بد أن تتوافر له الشروط الضرورية والكفيلة بتحريره وتوسيع نطاق تأثيره على مجريات الأمور في حياتنا العالمية المعاصرة، ومن البديهي أن هذا التأثير الذي يفترض للفكر على حياة الإنسان المعاصر، لا يمكن أن يكون فعالا وذا جدوى إلا إذا تمكن هذا الفكر والمصادر التي ينبثق عنها من التلاؤم مع مدلول المبادئ التي تحدد رسالته في الحياة. إن القضايا الناشئة عن حالة باسترناك وسطافار ربما لا تكون ـ كما أسلفنا ـ ذات أساس فكري "تمردي" بعيد المدى وعميق الدلالة، إلا أن الذي يجب أن يستأثر بنظرنا ـ في الأساس ـ هو اعتبار مجموع الحالات الفكرية على العموم التي التي قد تكون متقاربة مع حالة الكاتبين الشيوعيين البولندي والسوفياتي، وقد تكون متباعدة عنهما بشكل أو بآخر، هذه الحالات لا بد أن تثير اهتمامنا جميعا ـ وبصورة جدية ـ وذلك لما يتمثل فيها أحيانا من مظاهر الاصطدام بين مثالية الفكر السوي وواقع الحياة المنجرف تارة نحو "اليمين" وطورا نحو "اليسار"، هذا الاصطدام بين مثالية الفكر المجرد وانحراف الواقع القائم يعكس ـ في الواقع ـ مظهرا أساسيا من أشد مظاهر الخطورة التي تكتنف سلامة الفكرة الإنسانية العامة في عالمنا الحاضر. وقد يفضي هذا النوع من التصادم إلى تفوق الواقع السياسي أو الاجتماعي القائم، وبكل ما ينطوي عليه من عناصر الزيغ والإنحراف، وحينذاك ينزع هذا الواقع ـ بالقوة أو بالفعل ـ إلى الاستكمال من مصادر الفكر الإنساني المتحرر، وترويضها على التلاؤم معه، واستدراجها بالتالي إلى مصالحته وممالأته، وتعبيد الطريق أمامه بشكل أو بآخر.
إن السبل التي يتم سلوكها لتحقيق حالات السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على مصادر الفكر والنظر، هذه السبل هي من التعدد والكثرة بدرجة كبيرة وتختلف صفاتها باختلاف الاتجاهات التي يتبناها الواقع المسيطر، ودرجة تلاؤمه فعليا مع مثالية الفكر أو تميزه عنها، ومن بين هذه السبل:
1) التحكم تحكما مباشرا في نفسية رجل الفكر، والتأثير على منابع وعيه وإدراكه وذلك هن طريق العمل على إحاطة حياته بأجواء نفسانية ذات مفعول سلبي عميق المدى.
2) مصادرة ضمير المفكر، والاستيلاء على مواطن إحساسه بالمثل والقيم وغيرها، وتحويل هذا الإحساس نحو سبيل التكيف مع اتجاهات الواقع القائم، ولو كان ذلك عل نقيض هذه المثل والقيم، وكل هذا عن طريق اللجوء إلى وسائل الإغراء الرخيص، والاسترضاء المبتذل، المستند أحيانا إلى دغدغة الغرائز وإشباع النزوات.
3) اضطرار الفكر ـ بحكم بعض الضرورات القومية والإنسانية الملحة ـ إلى النزوع للتلاؤم مع كثر من الحالات الواقعية التي ربما يكون بعضها على درجة من المناقضة للمبادئ ذاتها التي يجب أن يقوم عليها وجود هذا الفكر.
وهذه الحالة الأخيرة هي أكثر حالات التبعية الفكرية وأعظمها اعتبارا، ذلك أن مظاهر السيطرة على الفكر عن طريق التأثير السلبي (كالترهيب) أو الإيجابي (كالإغراء) لا يجب أن تلفت الانتباه كثيرا، لأن مثل هذه المظاهر تعتبر ـ بالفعل شيئا عاديا بسيطا يصعب الحكم عليه في الغالب، وكثيرا ما ينتهي إلى ثورة الفكر ضده حالما يتم ارتفاع الظروف المجبرة القاهرة والوسائل المغرية الجاذبة، إنما الذي يستلفت النظر أكثر من ذلك هو الحالة المتمثلة في وقوع الفكر بصورة أو بأخرى تحت تأثير بعض الضرورات القومية والإنسانية الخاصة، واضطراره إلى مسايرة كثير من المقتضيات الناشئة عن هذه الضرورات، مع ما قد يكون في هذه المسايرة من محاذير عقائدية ومبدئية ربما تكون عظيمة الأهمية والخطر أحيانا.
وهذا ما يمكن أن ندعوه في بعض الحالات بالالتزام الفكري أو المذهبي الذي يتمثل ـ كما تمكن ملاحظته ـ في هذا النوع من الترابط الجزئي أو المطلق بين الفكر وواقع الحياة السياسية أو الاجتماعية التي تسود بلدا ما، وتتحكم في توجيه إمكانياته ومقدراته، وهذا الترابط الذي يتسم أحيانا عن طريق القسر، ويحصل أحيانا أخرى عن طريق الاقتناع، هذا الترابط يستقطب ـ كما رأينا ـ كثيرا من الصور التي تتراءى من خلالها بعض مشاكل الفكر المتحرر في عالمنا الحديث، وخاصة بالنسبة لبعض البلاد التي تجتاز الحياة العامة فيها مراحل محرجة واستثنائية.
والالتزام الفكري كالتخطيط الاقتصادي قد يكون مبدئيا ـ وفي كثير من الحالات ـ ضرورة أكيدة من بين الضرورات التي تستوجبها مراحل التطور الجذري الحاسم في مختلف البيئات والمجتمعات النامية، إلا أن التركيز على هذا الالتزام واعتبار المقدرات الفكرية والأدبية ـ على أساسه ـ كمجرد قيم عادية تندمج في مجموع قطاعات التخطيط العام بمختلف فروعه وامتداداته ـ إن ذلك ـ وإن كان له محاسنه وموجباته في بعض الحالات، غير أنه يؤدي حتميا ـ في حالات أخرى ـ إلى مجرد تعرية التجارب الفكرية والاختلاجات الوجدانية من مضامينها العبقرية الخلاقة، وإحالتها فقط إلى مطلق إيحاءات وإيعازات موجهة وعاطلة ـ في جوهرها ـ عن كل مفهوم إنساني جدير بالاعتبار، إن هذه الحالات من الالتزام الفكري المتجمد توجد لها مظاهر مختلفة وصور عديدة في كثير من أنحاء العالم سواء بالنسبة لبعض الدول التي تتبنى قيما عقائدية ذات طابع عالمي أو بالنسبة لبعض الدول الأخرى التي تحتضن مبادئ التفكير القومي المحلي أو التفكير القومي الترابطي أو بالقياس أيضا لبعض الأقطار التي تعتنق ـ واقعيا أو نظريا ـ مبادئ النظام الديمقراطي البرلماني، وسواء في هذه الحالة أو تلك فإن الفكر الملتزم قد يكون موجها أحيانا إلى خدمة بعض العقائد والمبادئ التي تمتزج بجملة من الأهداف الإنسانية النبيلة، ويفضي تطبيقها إلى إقرار أوضاع صحيحة ومشروعة، ولكن هذا الفكر الملتزم أيضا قد يوجد أحيانا أخرى ـ مسوقا بالقوة أو بالفعل ـ إلى مظاهرة مبادئ وعقائد معينة لا تنسجم ـ كما قدمنا ـ في جوهرها ونتائجها مع ما يجب أن يستهدفه الفكر الإنساني ـ في نسقه الأعلى ـ من خدمة مثل الخير والصدق والجمال، وتجسيم هذه القيم الخالدة في أشكال حية وواقعية.
إن قضية الالتزام الفكري الأدبي هي إذن قضية، وإن كانت بسيطة من حيث المبدأ، إلا أنها باعتبار النتائج المنبثقة عنها تبدو على درجة ما من التشابك والتعقيد، ومنشأ التعقيد في هذه القضية يعود ـ في الأساس ـ إلى مشكلة الاختيار بين الالتزام الخير الهادف وبين الالتزام السلبي المتجمد المرادف لمدلول التبعية البليدة، والناجم أحيانا عن حالات وضعية من الارتشاء في شكل مادي أو معنوي وعلى أساس هذا الاختيار يتوقف الحكم على ما قد يكون هناك من حالات التزام فكري عديدة تختلف صورها ونتائجها باختلاف الظروف والملابسات التي تتصل بها والنتائج المستهدفة منها بوجه أو بآخر.
إن من المعقول جدا أن يلتزم الفكر الأدبي أو الفلسفي ـ في كثبر من الحالات ـ بالدفاع عن نهج معين من السلوك في مجال السياسة والاقتصاد أو الاجتماع أو غير ذلك،  ويتقيد به إلى أقصى حدود التقيد، بل ويتجرد في سبيل ذلك عن ضروريات حريته وانطلاقه وتلقائيته، وان من المقبول كذلك أن يتقيد الشعور الفني الجمالي في ميادين الموسيقى والنحت والرسم بمثل هذه الأنواع من القيود والالتزامات، ويخضع لمقتضياتها وموجباتها بوجه أو بآخر، ان التقيد والالتزام الفني والأدبي قد يكون إذن ـ وفي كثير من الحالات ـ معقولا وضروريا إلى حد بعيد، إلا أن التجربة الفكرية أو الشعورية التي تتطور في حدود هذا الالتزام المتقيد، يجب أن تكون منبثقة عن وعي إنساني حقيقي، ومتحررة قيود المصانعة والارتشاء، وعلاوة على التصاقها بالمعطيات المثالية النبيلة، فإنها يجب أن تكون متأثرة دائما بواقع الإنسان كإنسان يحس ويتألم، يسعد ويكره، وينفعل لما في الحياة ويتفاعل مع حقائقها وظواهرها.
إن الواقع الإنساني سيبقى باستمرار أساس الحكم عل قيمة التجربة الفكرية والفنية الملتزمة، ومن الضروري أن يكون علاج هذا الواقع وإصلاحه م بين المحاور الرئيسية التي يجب أن تدور حولها مثل هذه التجربة، وذلك على أساس أن يكون هذا الإصلاح أكثر انطباقا على صالح الفرد والمجموع، وأقل تعرضا لأسباب التناقض والاصطدام المعقولة، والمصالح الجماعية المقدسة.
والواقع أن الحرص على التخفيف من هذه التناقضات الاجتماعية والاجتهاد في ذلك قد يؤدي أحيانا ـ كما تم في بعض البلاد الطامحة لسرعة التطور ـ إلى اتباع بعض المناهج والسبل المتشددة، كما يقتضي اتخاذ عدد غير محدود من المواقف، قد تبدو قاسية غير إنسانية من حيث الظاهر، ولكنها ذات مضمون إصلاحي حقيقي لا تظهر نتائجه إلا في الأمد البعيد، وفي أحوال من هذا النوع يكون من المقبول أن يساير الأدب الملتزم بعض أساليب التشدد والقسوة، ويتقيد أحيانا بتبريرها وإبراز مشروعيتها إلى مدى بعيد، وذلك وإن كان يشكل مظهرا ما من مظاهر التحدي لبعض الاعتبارات الإنسانية الفردية إلا أنه ـ وهذا هو الأهم ـ يلتقي في صعيد واحد مع كثير من المعطيات المبدئية الأخلاقية التي تقر مصلحة الجماعة إذا كانت تتناقض ومصالح الأفراد ـ ولو أنه من الضروري بذل العناية بالتخفيف من هذا التناقض ـ كما قدمنا ـ طالما كان ذلك ممكنا وميسورا، أما إذا كان الأمر يتصل بمواقف لا يستطاع تصور أي مفهوم إنساني لها، سواء أكان قائما على اعتبار واقعي أو كان مرتكزا على مبدأ أخلاقي مثالي، وذلك كمشاهد التقتيل الجماعي بالجزائر أو الاجتراء على تفجير أجهزة حرارية نووية من صنف الخمين ميكاتون في غير ما مقصد سلمي أو شبه سلمي، والتطويح بقيم مالية ضخمة في ميادين سلبية غير إنسانية كالاستعداد لحرب عالمية محتملة، والتهيؤ لصراع ذري وهيدروجيني متوقع، إذا كان الأمر يتصل بمواقف وحالات كهذه، فإن التزام الفكر بها يفقد حينذاك مدلوله المبدئي، وصفته المبررة، ويصبح مجرد ظاهرة ناشرة تتراءى من خلالها صور من التبعية الرخيصة، والذنبية المرتشية والتهافت الذبابي الوضيع، وحينذاك يغدو من العسير جدا أن يحافظ الفكر الأدبي والفلسفي على قداسة رسالته التوجيهية، ونجاعة مهمته القيادية الطلائعية، وليس من الممكن ـ في أحوال مثل هذه ـ أن نجد للكلمة أو اللحن أو الرسم، كل ذلك المظهر الناصع الذي تكتسيه حينما تكون مجرد انعكاس لما ينفعل به الضمير الواعي، وليس من الجائز في هذه الأحوال أيضا أن نلمح في الفكر أو الشعور تلك الصورة البهيجة المشرقة التي يتجلى فيها عندما يغدو مجرد سبيل للانطلاق نحو الحق، ومجال استكشاف لمواطن الخير ونقطة ارتياد لآفاق البهجة والجمال.
إن هناك مجالا واسعا لتبادل الأصداء الفكرية والشعورية بين الكتاب والفنانين الإنسانيين في مختلف أنحاء العالم، وليس يعنينا من أمر الأوضاع الفكرية في العالم الاشتراكي والرأسمالي أو غيره، إلا بقدر ما يساهم به ذلك في توفير أسباب التجاوب والتصادي بين هؤلاء الكتاب والفنانين وتواطؤهم على استبعاد عوامل التدمير الذاتي التلقائي التي باتت تزلزل ضمير الإنسان وجدانه في كل مكان، فليس من الحتمي مطلقا أن ينهزم الفكر الإنساني الواعي أمام عوامل الصناعة الضخمة التي انطلقت من عقالها عن طريق هذا الفكر ذاته، وليس من اللازم أيضا أن تتضاءل العقلية الإنسانية المفكرة وتتصاغر تجاه الحقائق المادية الرهيبة التي يزخر بها عالم اليوم، والتي ينبثق بعضها عن اجتهاد هذه العقلية واتساع آفاق نشاطها.
على أنه لكي يمكن بالفعل تلافي هذا الانهزام والتصاغر فلا بد ـ من ازدياد الشعور بالمسؤولية التاريخية عند هؤلاء المتصدرين لشؤون الفكر والإبداع الفكري في مختلف أنحاء العالم، ولا بد أيضا من اقتناعهم جميعا بضرورة الحفاظ على قدر من الالتزام الإنساني في صور إنتاجهم، ومظاهر تفكيرهم وشعورهم لأنه ـ وإن كان من الواجب أن يتقيدوا ـ في حدود معينة ـ بما يتفق وحاجيات البلاد التي ينتسبون إليها، والشعوب التي لتحمون بها فإنه يبدو معقولا كذلك أن يتقيدوا ـ من جانب آخر ببعض المعطيات التي تنصب ـ في جوهرها ـ على خدمة أهداف الفكر ذاته، خدمة أهداف الإنسان، والالتزام للإنسان كإنسان يهفو للخبز ولكن مع توافر الحب، ويصبو للعزة على أن تسودها روح الاستقرار والطمأنينة، ويطمح للعدالة ولكن في ظلال السلام.
ذلك هو الالتزام الفكري الحق: تفتح على ما في المثاليات الأخلاقية من سمو ونبالة، وتقيد الواقع الإنساني المائل، وبكل ما يعبر عنه هذا الواقع من حقائق أساسية، وما يعكسه من ظواهر وصور مختلفة، وفي ذلك جماع المقاصد الرفيعة التي يجب أن تعطي للالتزام الفكري العقائدي مدلوله المبدئي المقبول.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here