islamaumaroc

أبو محمد السجلماسي وكتابه "المنزع البديع"

  دعوة الحق

46 العدد

كنت أشرت في مقال سابق(1)  إلى أن من بين نوادر المخطوطات العربية، وذخائر المكتبة المغربية (كتاب المنتزه البديع) في تجنيس أساليب البديع.. لأبي محمد السجلماسي، وأعطيت صورة مختصر عنه، لكنني كنت أجهل كل شيء عن مؤلفه، والآن وقد تصفحت الكتاب وقرأت كثيرا من مباحثه وفصوله، أحببت أن أعود إلى الموضوع، وأعرف بالكتاب وبمؤلفه، سيما والكتاب صفحة مشرقة من تاريخنا الأدبي، والمؤلف من الشخصيات الغامضة التي طواها الإهمال من سجل التاريخ، وكان الذي دفعني إلى هذا أمرين:
1) أن ابن خلدون ذهب في المقدمة، إلى أن المغاربة لم يؤلفوا في البلاغة والبيان لدقة أنظارهما، وغموض معانيهما (2)، وشايعه على هذا الرأي طائفة من مؤرخي الأدب العربي في العصر الحاضر (3)، وخير وسيلة ـ في نظري ـ لتصحيح هذا الخطأ أن نعرف ببعض الكتب التي ألفها المغاربة في البلاغة والبيان، قبل عصر ابن خلدون، ونعرض نماذج حية منها على أنظار القارئ ليشاطرنا الرأي.
2) فتح قوس لترجمة عالم مغربي فذ، لم تكر كتب التراجم حتى اسمه، فضلا عن تاريخ حياته، شأنها في ذلك مع كثير من نوابغنا، وقديما وسم أهل المغرب بالتقصير وإهمال تاريخهم. وما لنا نذهب بعيدا، فإلى عهد قريب كنا لا نعرف أي شيء عن المراكشي مؤلف المعجب، وابن عذاري صاحب البيان المغرب، واضرابهما ولولا كتابهما الخالدان اللذان عثر عليهما مؤخرا، وكان الفضل في نشرهما لبعض المستعربين، لما كان لذكرهما وجود، ولظلت آفاق في تاريخنا من مجاهل التاريخ.
وأبو محمد السجلماسي من هذا القبيل، فقد أخطأت عين الزمان ـ وهو البصير الحاد ـ نسخة فريدة من كتابه (المترع البديع) فكانت كنافذة يشع منها بصيص من النور على جنبات من حياة المؤلف، ومن خلال هذا الكتاب يستطيع الباحث أن يضع الخطو الأولى لترجمته. والمؤلف هو أبو محمد القاسم بن محمد بن عبد العزيز الأنصاري السجلماسي، وما ذكره بروكلمان في المجلد الثاني من ملحقه ص 16، من أن مؤلف المترع البديع، هو أبو القاسم محمد.. اعتمادا على ما في فهرس الدحداح ـ فلعله تصحيف أو فيه تقديم وتأخير، والأصل أبو محمد القاسم.. ويؤيد ها ما جاء في ديباجة المخطوطة التي بين أيدينا قال: قال شيخنا الأستاذ الأكمل العالم الأوحد الأفضل، القدر والصدر المتفنن، المتقن الأحفل، أبو محمد القاسم بن محمد.. وجاء في الخاتمة: قال الإمام أبو محمد مؤلفه رضي الله عنه كمل ها الوضع وفرغ من إملائه وتأليفه بحمد الله ـ في الحادي والعشرين لصفر (عام) أربع وسبعمائة هـ.
ويبدو أن واضع الديباجة والخاتمة هو ناسخ الكتاب ابراهيم بن محمد الغساني، الي ذيل المخطوطة ـ على عادة الناسخين ـ بقوله: كمل بحمد الله .. على يدنا نسخة ابراهيم بن محمد الغساني الشهير بالوزير وذلك بمدينة فاس ـ حرسها الله ـوكان الفراغ منه سابع رجب عام تسعين وأربعمائة هــ "كذا" ولعل الصواب: سبعين وسبعمائة بالباء الموحدة فيهما، والخطأ من الناقل لا من الناسخ الأول (الغساني) ويجوز أن يكون أبو القاسم بن محمد بن ابراهيم الغساني المعروف بالوزير، الطبيب المغربي المشهور، صاحب المؤلفات العديدة في الطب المتوفى 994 هـ من حفائد الغساني المكور، ومهما يكن فالذي يترجح أن كنية المؤلف هي أبو محمد، واسمه الخاص القاسم.
وأبو محمد من العائلات الأنصارية التي وردت على المغرب في فترات تاريخية، وهي منتشرة بكثرة في الأوساط المغربية والأندلسية، ويوجد مكتوبا على ظهر الورقة الأولى من المخطوطة في زاوية إلى اليسار بخط خفي: (الأنصاري النجار، السجلماسي الدار).
ويبدو مما جاء عرضا ـ في درة الحجال ـ ج 2 469 ـ: أن النسبة الأصلية لأبي محمد تنوسيت وتنوسي معها أن أبا محمد ولد ونشأ بسجلماسة، ورحل إلى فاس للأخذ عن علمائها، وجلس للتدريس بها، وهناك، ومن أحد كراسي (القرويين) أملى على تلاميذه كتابه (المترع البديع) وفرغ من إملائه أواخر صفر عام أربع وسبعمائة هجرية، وممن تلمذ له ابراهيم بن محمد الغساني الشهير بالوزير، أما متى ولد؟ ومتى توفي؟ وأين؟ فذلك ما لا نستيع تحقيقه الآن، وكل ما نستطيع أن نقول هو أن أبا محمد السجلماسي من مواليد النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وأن وفاته ربما كانت في العقد الثاني أو الثالث من المائة الثامنة للهجرة.
وعاش أبو محمد في العصر المريني، الي ازدهرت فيه علوم العربية، وبلغت ما لم تبلغه في أي عصر كان ونال علم البيان اعتناء كبيرا، والمرجح أنه في هذا العصر ابتدأ تدوين البلاغة بالمغرب، وربما كان أبو محمد السجلماسي أول مؤلف فيها بالمعنى الصحيح. وممن أسهم في هذا الميدان من علماء هذا العصر:
1) ابن البناء المراكشي: أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان (721 هـ) له كتاب (الروض المريع في صناعة البديع) وتكلم عن كثير من مسائل البلاغة في تفسيره سورة الكوثر، حتى قال بعضهم: أن أبا عبد الله الضرير المراكشي استقى منه كثيرا في نظمه لمصباح ابن مالك في المعاني والبيان (4).
2) ابن رشيد: أبو عبد الله محمد بن عمر السبتي (721 هـ) وأكثر مباحث ابن رشيد في البديع، وله في ذلك كتابان: أحكام التأسيس في أحكام التجنيس، ـ وإيراح المريع لرائد التشجيع والترصيع.
3) أبو القاسم الشريف: محمد بن أحمد السبتي (760هـ) له شرح على مقصورة حازم سماه رفع الحجب (المنشورة)، على محاسن المقصورة، تناول في مقدمته دراسة أصناف البديع، وكثيرا من مسائل البيان كالتشبه والكناية والاستعارة.
4) أبو عبد الله المراكشي: محمد بن عبد الرحمان الضرير (807هـ) له رجز في علوم البلاغة، حاذى فيه مصباح ابن مالك، قيل أنه التقطه من الحلية، والطيبي، والتجهيدي، والصناعتين للعسكري.. وأخذ كثيرا من تفسير سورة الكوثر لابن البناء ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقا. ولأبي عبد الله الضرير شرح على هذا الرجز أملاه على تلاميذه في حلقات دروسه بمراكش.
ويجب أن نلاحظ أن هناك ظاهرة تبدو جلية على مؤلفات هذا العصر، وهي أنها اتجهت أكثر إلى الصنعة اللفظية، والمحسنات البديعية، حتى الذين ألفوا في البلاغة والبيان، حاولوا أن يكسوها حلة بديعية، وجعلوا عناوين كتبهم (البديع) ولعل للعصر الذي عاشوا أثرا في ذلك، ومعلوم أن العصر المريني كان عصر الزخرف والصنعة، طفت على رجال الأدب فيه (موضة) التفنن والإبداع، وربما كان هذا هو الحامل لابن خلدون أن نقول فيهم ما قال.
وكان أبو محمد السجلماسي على جانب كبير من الثقافة اللغوية والأدبية، وله تضلع في النحو ومذاهبه ومشاركة في التفسير والحديث، والفقه والأصول، وله إلمام بعيد في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وكان متأثرا بفلسفة أرسطو، وله آراء في البلاغة والنقد تتجلى في كثير من مباحث كتابه (المترع البديع).
ومن شيوخه ـ كما قال في نوع الترصيع ـ ص143 ـ قال: قال لي شيخنا أبو عبد الله ـ قدس الله روحه ـ أن سورة الواقعة من نوع الترصيع، وتتبع أجزائها يؤن بأن فيها موازنة قال: ويحتمل كلام الشيخ (ض) وجهين: أحدهما أن تكون تسمية السورة بجملتها ترصيعا، اعتبارا لأحد جزأيها، والثاني أن يكون سماها بجملتها ترصيعا، إلقاء الفصلين بين الترصيع والموازنة كما فعل أبو الفرج قدامة، فإنه جعل الترصيع والموازنة بابا واحدا وترجم عليها باسم الترصيع، وبالجملة فما يكن منها في نوع الترصيع فهو في الموازنة، وهما متقاربان وكل ذلك مما ورد في التنزيل، وما ورد منهما فيه ففي أعلى طبقة لتوفر الشروط فيهما.
وأوردت هذا النص برمنه ليعلم القارئ من خلال هذا النقاش بين الأستاذ وتلميذه ـ أن مدارسنا في هذا العصر كانت تدرس البلاغة في مستوى عال، وفي جو قرآني أدبي، وكان لكتاب أبي محمد السجلماسي صدى في الأوساط الأندلسية، وتقبل حسن من علمائها، فهو لم يكد يظهر إلى الوجود ويرى النور حتى رأينا عالم المرية ابن ليون سعد بن أحمد بن ابراهيم التجيبي 750 هـ يقدم له خدمة جليلة وما أحراه بها ـ فيهذبه ويزيل ما به من منطقيات وفلسفيات، وربما كان هذا الفرع أفيد من أصله (5).
وإذا أوضحنا بعض جوانب من حياة المؤلف فلنعد إلى الكتاب، ولنبدأ ـ بادئ ذي بدء ـ بالتعريف بالمخطوطة وهي ـ فيما أعلم ـ نسخة فريدة لا أخت لها، توجد بمكتبة المعهد العالي بتطوان تحت رقم 932، والمخطوطة مجلد ضخم يقع في 236 ـ صفحة من القطع الكبير، النوع القديم، في كل صفحة 26 سطرا بخط مغربي جيد، وتعتبر هذه النسخة على ما يبدو ـ الفرع الثاني للأصل وهو منقول عن الفرع الأول لتلميذ المؤلف: ابراهيم الغساني السالف الذكر.
والنسخة كثيرة التصحيف والتحريف، مما يجعل القارئ يقف طويلا في قراءة كثير من فصول الكتاب، ويحار أحيانا في فهم بعض عباراته ونصوصه.
والكتاب يبدأ بمقدمة أبان فيها المؤلف أن الغرض من كتابه: (إحصاء قوانين أساليب النظم التي تشتمل عليها الصناعة الموضوعة لعلم البيان وأساليب البديع، وتجنيسها في التصنيف وترتيب أجزاء الصناعة في التأليف، وتحرير تلك القوانين الكلية، وتجريدها من المواد الجزئية)، ثم بين أن كتابه يشتمل على عشرة أجناس: الإيجاز، التخبيل، الإشارة، المبالغة، الرصف، المظاهرة، التوضيح، الاتساع، الانثناء، التكرير).
وقد أوضح المؤلف في هذه المقدمة، وفي كثير من أبواب الكتاب أن موضوع كتابه ليس علم البديع فقط ـ كما يوهمه عنوان الكتاب ـ بل ما يشمل البيان، على أن إلحاق البديع على ما يشمل علوم البلاغة استعمال قديم منذ عهد الجاحظ إلى ما بعد القرن الخامس الهجري، وربما كان السكاكي أول من قسم البلاغة إلى معان، وبيان وبديع، وجعلها علوما ثلاثة وأقام الحواجز الفاصلة بينها، وهو تقسيم لم يقل به أحد قبله، ولا ينبني على أساس صحيح(6) ، وقد يكون مؤلفنا السجلماسي استوحى فكرة تقسيم البلاغة إلى عشرة أجناس من أبي بكر الباقلاني (430) في كتابه إعجاز القرآن، فهو بعد أن سرد أنواعا من البديع بما فيها التشبيه والاستعارة والمماثلة، قال أن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وذكر أن البلاغة عشر أقسام الإيجاز، التشبيه... إلخ.
والرماني (384) يجعلها في كتابه النكت ثمانية: (الإيجاز، الاستعارة، التشبيه، البيان، النظم، التصرف، المشاكلة، المثل) وأبو محمد اعتمد كثيرا على هذين الكتابين، وإن كان نقد أبا بكر في عدة مسائل، على أن فكرة التجنيس والتنويع ذهبت ببعضهم إلى أبعد من هذا، فهذا أبو القاسم عامر بن هشام القرطبي، كاتب أبي عبد الله حفيد ابن عبد المومن ـ المتوفى 623 هـ ـ ألف كتابا في أجناس التجنيس، وطريقة الأجناس والأنواع وان كانت تقوم مقام الأبواب والفصول، وفيها تجديد وضبط لقواعد الفن ومسائله، فهي طريقة فلسفية عميقة، تخضع لحدود ورسوم منطقية، لا علاقة لها بجو البلاغة، ولا تمت بصلة إلى موضوعها الفني.

وإذا كان هناك ما يؤخذ على المؤلف، فهذه التقسيمات الفلسفية، والتعريفات المنطقية التي دفعته إليها طريقة التجنيس والتنويع، والتي أصبح خاضعا لها ـ أراد أم لم يرد ـ مع كل جنس من الأجناس العشرة التي بني عليها كتابة، فهو مضر لأن يعرف لنا ما هو الجنس؟ وهل هو عال، أو متوسط، أو أسفل؟ وما هي الأنواع التي تندرج تحت كل جنس؟ وما هناك من فروق ذاتية، وعرضية؟ فبينما نرى المؤلف في ظلال أدبية: تشبيهات بديهية، وكنايات جميلة، مع البحتري، والمتنبي، وأبي تمام، أو مع ابن خفاجة، وابن زيدون، إذا به مع أرسطو، والاسكندر، والفارابي/ وابن سيناء... وربما أقحم نفسه ي حرب عنيف مع المشائين والسفسطائيين.
وهنا ننشد مع البحتري قوله:
كلفتمونا حدود منطقكم
                  والشعر يكفي عن صدقه كذبه (7)

(1) ـ نشر ها البحث في العدد العاشر (الممتاز) من مجلة دعوة الحق ص 67 السنة الثالثة.
(2)  ـ ص 1036 ـ ط دار الكتاب اللبناني.
(3) ـ وحتى الزيات ـ على تحريه وتثبته. انظر ص 361: تاريخ الأدب العربي.
(4)ـ الأعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ـ عباس ابن ابراهيم ج 4 ـ ص127.
(5)ـ انظر درة الحجال، المرجع السابق.
(6) ـ انظر تاريخ علوم البلاغة للمراغي، ص 111/ 115.
(7) ـ ويعني بالكذب في الشعر ـ كما يقول عبده ـ التخيل، والذهاب بالنفس إلى ما ترتاح إليه من التعليل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here