islamaumaroc

فلسفة التاريخ عند أرنولد توينبي

  دعوة الحق

46 العدد

مفكر انجليزي معاصر أتلا بنظريات جريئة في مجال الدراسات الحضارية، واستطاع بذلك رفع الستار عن بعض الحوافز الخفية التي دفعت شعوبا ابتدائية إلى الازدهار الحضاري وأخرى انحدرت إلى التقهقر والعقم ـ إنه لسؤال حير كل من اشتغل في حقل الحضاريات، وهذا السؤال الكبير يدور حول العوامل الأساسية التي خلقت هذه الحضارات الشهيرة، وهل حدث ذلك عفويا أم بفضل العناية الإلهية أم لامتياز عنصر عرقي، وهل للظروف الطبيعية الجغرافية دخل في هذا الاعتبار، أم أن الثورة الاقتصادية هي الشرارة الأولى التي حفزت الهمم.
إن تاريخ الفكر الفلسفي اعتنى ـ في جملة ما اعتنى ـ بهذا اللغز وتصدى له بعزم مفرطا في التحيز متواضعا حينا آخر، وآخر هذه المحاولات ما كتبه الفيلسوف الانجليزي "أرنولد تويمتي" في كتابه "دراسة في التاريخ" حيث عرض بإسهاب نظريته الشهيرة، جول التعامل التي جعلت الشعوب البدائية تنشيء الحضارات الخالدة، وكيف تنحدر بعضها إلى الخمود والموت.
وقد بدأ كتابه بانتقاد المفاهيم الشائعة في هذا الموضوع، فهو لا يقبل ربط الحضارة بالأمة لأن مدلول الحضارة أوسع مجالا وأشمل رقعة، فانجلترا تدخل في حقل الحضارة الغربية أو الحضارة المسيحية، ولم تكن هي بنفسها حضارة خاصة بها ـ ولهذا أمكن تقسيم الحضارات المحلية ـ إن صح ها التعبير ـ إلى وحدات اجتماعية ذات سمات حضارية مشتركة مع الحضارة الأم ـ وهو ينتقد بشدة تلك الأسطورة التي تزعم أن الغرب شعب الله المختار، وأن الشرق لا سبيل له إلى الإبداع الفني أو الاختراع العلمي الأصيل، مع أن التاريخ الحضاري يثبت أن الشرق لم يكن جامدا مقلدا في كل حين، وأن الغرب لم تجد الجهالة سبيلا إليه.
ومن الخطأ أيضا الظن بأن المخطط البياني لتطور الحضارات يسلك الخط المستقيم، بدون انحراف أو اعوجاج، فالواقع أن التطور سلك دوما مسلكا "لولبيا"، فتارة يرتفع وتارة أخرى ينحدر وينخفض المستوى ـ وليس صحيحا أيضا أن مصر، هي أم الحضارات كما نجد هذا الزعم عند أغلب من اهتموا بدراسة الحضارات، لأن الحفريات تكشف لنا كل حين عما وصلت إليه شعوب ما قبل العهد الفرعوني من تقدم مادي وفكري.
ومفهوم التصنيف الحضاري عند تويني يقوم على أساس ما لهذه الحضارات من قوة حية ديناميكية، أو مالها من صحة الجمود والانقطاع، ولهذا نراه يقسم الحضارات البشرية حسب هذا الرأي إلى إحدى وعشرين حضارة منها خمس عشرة حضارة استطاعت أن تنقل من حالة الجمود إلى طور ديناميكي خلاق، وست حضارات بقيت على حالتها البدائية الجامدة.
وبعد هذا التقسيم ندخل مباشرة في صميم المذهب التويني، حينما نتساءل عن الأسباب التي جعلت هذه الشعوب البدائية تنسلخ من حالتها الجامدة إلى طور حي فعال، هو الطور الحضاري الحقيقي، وما هي الدوافع الفعالة التي كانت العامل الأساسي في هذا العبور.
هل كان ذلك بسبب امتياز العرق كما يزعم جل علماء الأجناس الذين يعتبرون المميزات الفيزيولوجية النفسية هي المحرك الأول، فكان هنالك امتياز لجنس خاص (هو الأبيض) على الأجناس الأخرى، وجواب تويني أن استقراء بسيطا لتاريخ الحضارات يثبت أنها لم تكن منحصرة في عرق واحد، بل نرى كل الأجناس لها نصيب وإسهام. إذن هل للبيئة الطبيعية والظروف المناخية شأن في نشوء الحضارات على أساس أن الإقليم المعتدل والموقع الجغرافي المواتي هما من جملة الحوافز البيئية على الازدهار الحضاري؟ إن تويني يرفض مرة أخرى هذا الرأي لأن البيئة وحدها عاجزة عن تفسير هذا الانتقال من طور جامد إلى طور حي، لأن وحدات اجتماعية كانت عديدة موجودة في ظروف جغرافية متشابهة، ولكنها مختلفة كل الاختلاف من حيث السمة الحضارية المميزة.
إن التفسير الوحيد الذي يشرح لنا تماما فكرة النشوء الحضاري تفسير نفسي النزعة قائم على مفهوم التحدي والاستجابة: تحدي من الطبيعة والظروف البيئية والاجتماعية الصعبة واستجابة ناجحة من طرف الإنسان أي رد التحدي الخارجي بالتحدي البشري النفسي على هذه العوارض في طريق الانطلاق الحضاري.
وهنالك أدلة "تاريخية" تؤكد رأي تويني في مفهوم التحدي: قبل فجر المدينة كانت البوادي الإفريقية الآسيوية ـ الصحراء الكبرى وبلاد العرب ـ ملأى بالأعشاب والمياه، ثم إن جفاف هذه السهول الخصبة كان عبارة عن تحدي للسكان، فقابلوه بطرق مختلفة، فالبعض ظلوا مقيمين فيها إنما بدلوا عاداتهم وأصبحوا بدوا رحلا، والآخرون انتقلوا إلى المناطق المدارية في الجنوب، حيث الغابات وحافظوا على حياتهم الابتدائية، وأما الآخرون فقد دخلوا مستنقعات وغابات وادي النيل والدلتا وقبلوا التحدي وعملوا على تجفيفها وإعدادها للزراعة وأتوا بالحضارة المصرية. وكذلك الحضارة السومرية فقد ظهرت بنفس الأسلوب في دلتا الدجلة والفرات، وكذلك حضارة الصين في وادي النهر الأصفر، لا ندري من أي نوع كان التحدي، ولكن الأحوال كانت صعبة، والحضارة الايجية المينوسة كان أصلها تحدي البحر للسكان وردهم على تحدي البحر بالتغلب بإقامة السدود والحواجز وغير ذلك.
ويمكن حصر هذه التحديات الخارجية والدوافع البيئية في خمسة أنواع:
1 ـ دافع الأراضي الصعبة: كما في ألماني، ووادي الرين، حيث نجد فيها الظروف الطبيعية صعبة، ولكن الانسان قهرها وتغلب عليها حينما عبد الجبال وأقام السدود وأزال الأحراش وجفف المستنقعات.
2 ـ دافع الأرض البكر: أي أن الأرض الجديدة تثير الهمم والأرض البكر تولد رد فعل أقوى من ذلك الذي تولده أرض ذات حضارة سابقة، وهكذا ازدهرت الحضارة المسيحية والاسلامية خارج مهود نشأتها الأولى.
3 ـ دافع النكبات: إن الهزائم العسكرية والاحتلال الغاشم، كثيرا ما يكون حافزا على التغلب على هذه النكبات، مثال ذلك هزيمة العثمانيين على يد تيمورلنك استثارت نخوة محمد الفاتح، فاستولى على القسطنطينية ـ وكذلك ألمانيا بع الحرب الأولى.
4 ـ دافع الضغط: هذه الحالة كثيرا ما نلاحظها عند الشعوب المتآخمة على حدود دولة دائمة التحفز العدواني، فهذا الخطر الداهم على الحدود من شأنه أن يخلق عندهم تحديا له واستعدادا متواصلا، كما حدث في تاريخ الحضارة المصرية مع هجومات وغارات البدو المتواصلة.
5 ـ دافع العقوبات: إن ما لاقته بعض الأجناس البشرية والطبقات الاجتماعية، من ألوان الاضطهاد على أيدي الفئات الطاغية المستبدة كان باعثا لطوائف تلك الأجناس على خلق أرقى وأزهى الحضارات، فالحرمان من المفقود يحفز المحرومين على التعويض عما فقدوه من حق المشاركة في بعض الميادين بالتبريز المبدع في ميادين أخرى.
وإذا كانت هذه العوامل من شأنها أن تشرح لنا أسلوب الحضارات، فهي غير كافية لتوضيح نمو الحضارات، أي أن الحضارة قد تنشأ ولكن قد لا تنمو، فإذا كان التحدي يشرح لنا سر النشأة الأولى فلا بد من شيء آخر لاستمرار التقدم الحضاري فالتحدي يجب أن يستدعي رد فعل، ولكن لا بد من تحد ثان وثالث ورابع، ورد فعل ثان وثالث ورابع وهكذا، أي هناك مرحلة تخلخل فتوازن فتخلخل فتوازن، وكلما استمرت هذه الدورة نمت الحضارات، وإذا ما توقفت حركات التحديات وردود الفعل توقف النمو، فهنالك إذن تحقيق غاية وصراع جديد أو حل مشكلة ومجابهة أخرى.
والتقدم الحضاري هو تقدم بشري لا مادي أو تقني، لأن الاعتبار في الحضارة اعتبار كيفي لا كمي، والحضارة لا تقوم على مجهود أفراد منفردين، أو على جماعات مستقلة عن الأفراد، وإنما على التفاعل الجيد بين الفرد والمجتمع، أو بعبارة أوضح إلى وجود القوة الخلاقة المنحصرة في الأقلية الموجهة التي تدفع بالمجتمع إلى الأمام.
والحضارة تسقط وترجع القهقرى إذا ما توقفت الردود الفعلية على التحديات الخارجية أو حينما تضعف هذه الفئة الموجهة في القيادة وتعجز عن إيجاد الحلول الناجحة للصعوبات الخارجية، أو نراها تصبح فئة مسيطرة لا خلاقة.
ويعلق تويني على فكرة التحدي فيقول بأن التحدي يجب أن نفهمه ضمن الاستطاعة البشرية أي أن تحدي الطبيعة يجب ألا يكون فوق ما يتحمله البشر، إذ أن لهذه التحديات الطبيعية والبشرية مدى معينا، يجب ألا تتعداه حتى تكون الاستجابة الخلاقة ممكنة ـ فهي ليست مما يعجز الجهد البشري ولا مما ينقاد له بسهولة كل الانقياد، فالرخاء المفرط في البيئة عدو الحضارات اللدود (كما في المنطقة الاستوائية حيث كل المواد الغذائية متوفرة)، وكلك قسوة العوائق قسوة خارقة من شأنها أن تشل كذلك النشاط الإنساني، وتسقط الأجنحة الحضارية قبل أوانها (سكان المناطق القطبية والصحراوية) فالتحدي المقصود إن هو التحدي المستطاع.
فالحضارة تنمو إذا ما توفرت هذه الشروط، وهي تبدأ في الانحدار والضعف متى زالت هذه الشروط. ورأي تويني حول الحضارة المعاصرة رأي يتأرجح بين حلين لا ثالث لهما:
أما أن تقوم حرب عالمية ذرية ماحقة لأن الفئة الحاكمة فشلت في إيجاد الانسجام بين حاجيات الناس وبين واقع البيئة.
وأما أن تقوم حضارة عالمية واحدة تنهض بها الديانة الرباعية المنشودة وهي المسيحية والإسلام والبوذية والهندوكية، ولا بد من هذا التعاون لأن كل دين من هذه الأديان الأربعة نقص للآخر: فالمسيحية غنية بالمفاهيم الإنسانية ولكنها في حاجة إلى واقعية الإسلام ـ والهندوكية والبوذية لا بد من أن تطعما بالفلسفة الإسلامية والمسيحية، والإسلام كما يدعي تويني في حاجة إلى القيم الإنسانية الرفيعة للأديان الثلاث الأخرى، فخلاص العالم وإنقاذ الحضارة المعاصرة سيكون على يد هذه الديانة الرباعية لأن تويني يستبعد النظرة المتشائمة الأولى في قيام حرب طاحنة عالمية، ولكن الحل الثاني صعب التحقيق ولا بد من أفراد يتحدون التناقض الحضاري المعاصر بإقامة فلسفة دينية جامعة وبها فقط يكون خلاص العالم.
إن أهمية فلسفة تويني التاريخية راجعة إلى تحويل المفاهيم الحضارية من الحقل المادي الاقتصادي البحت، إلى الاعتبارات النفسية الباطنية التي لم تكن في حسبان فلسفة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكذلك تأتي جدة هذه النظرية في إعادة إرجاع الحق المهضوم للدين كإنقاذ البشرية وكطريق للخلاص، فكان تويني يعكس ميل العصر ويلخص الطابع الذي أصبح هو السائد في كتابة الكتاب ودراسة الدارسين، وهو بذلك أعار للنفس البشرية وللروح الدينية مكانتهما في حل ألغاز الماضي السحيق، وفي قيادة الحضارة الإنسانية إلى هدفها الحقيقي، هذا الهدف النبيل الذي لا ينكره إلا جاحد متعصب كافر بالقيم الخالدة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here