islamaumaroc

التلقائية في انتشار الإسلام -1-

  دعوة الحق

45 العدد

عرف الإسلام في القرون الوسطى، وطوال عصور الحضارة الإسلامية، حركة انتشار وتوسع ذات طابع تلقائي محض، فالمعروف أن حركات الغزو الإسلامي في آسيا وإفريقيا قد توقفت منذ القرن الثاني تقريبا، وكانت الدولة الأموية على عهد قادتها العسكريين العظام مثل مسلمة بن عبد الملك وموسى بن نصير وغيرهما قد سجلت أعظم الانتصارات في الواجهات الشرقية وما وراء النهرين، أما في الغرب فقد بلغت الطلائع الإسلامية إلى إسبانيا وسيطرت على الساحل الإفريقي حتى المحيط الأطلسي.وهكذا توقفت الجهود العربية في فتح العالم القديم عند هذه الحدود،ولاشك أن الصحراء الإفريقية التي كانت عائقا كبيرا للمواصلات آنذاك قد حالت دون مواصلة الزحف الإسلامي إلى الجنوب بينما وقف المحيط الأطلسي من جهة، والهندي من جهة أخرى عقبة دون ذلك الامتداد أيضا.
ومن الممكن أن يعد القرن الثاني والثالث للهجرة عهد صراع بين الدولة الإسلامية وبين المسيحية أي ضد الإمبراطورية البيزنطية في الشرق، وضد اسبانيا المسيحية في الغرب وظل ذلك الصراع محدودا في هاتين المنطقتين فترة طويلة تطورت خلالها المعارك حتى ظهرت الحملات الصليبية وما أتت به من كوارث على المسلمين إلى جانب ما حققوه من انتصارات، لكن هذا الصراع قد انتهى بالنصر الحاسم الذي أحرزه بنو عثمان في آسيا الصغرى، بينما كانت المسيحية قد سجلت انتصارها الكبير في الأندلس ضد الإسلام في الغرب على إثر تخاذل المسلمين هناك، فأفل نجم الحضارة الإسلامية الغربية التي بلغت أوج عظمتها ولمعت لآخر مرة في القرن الثامن الهجري، وهكذا لم يكتب للإسلام أن يحقق حلما جميلا. كان من الممكن أن يسيطر تماما على بحيرة الأبيض المتوسط، ذلك الحلم هو تحقيق الاتصال بين طرفي الإسلام في الشرق والغرب عن طريق أوربا.
لكن العجيب حقا، هو أن الإسلام قد حقق معجزة أخرى بدون سيف، هي أعظم مما عجز عن تحقيقه بواسطة الحروب والغزوات، ذلك أن الصحراء الإفريقية وصحراء آسيا والمحيط الهندي نفسه، قد وقفت أمام الزحف الإسلامي حقا، ولكن ذلك كان إلى حين، فالذي حدث هو أن المسلمين قد أخذوا يجوبون الأقطار النائية في آسيا وإفريقيا باحثين عن مصادر الثروة والغنى بطريق المتاجرة، وهذه ظاهرة اجتماعية كانت تتكرر في كثير من مراحل تاريخ العالم القديم، فكلما نهض شعب وبني صرح حضارة شامخة إلا ونشطت حركة المغامرة في أبنائه، تلك المغامرة التي تدفع بهم إلى الهجرة والارتحال في سبيل المتاجرة، فهذا ما كان من أمر الأسبان مثلا أثر ازدهار حضارتهم في بداية النهضة الأوربية، وهم وإن كان هدفهم البحث عن الذهب في مناجمه العظيمة بالعالم الجديد الذي اكتشفوه، إلا أنهم كانوا على كل حال طالبي ثروة عن طريق الارتحال.
لكن المهم في رحلات المسلمين ليس هو الثروة، بل لقد أصبحت رحلاتهم هذه حركة انتشار واسعة النطاق للإسلام بكيفية تلقائية، فهذا الدين الحنيف لم يعرف أبدا أسلوبا من أساليب الدعاية أو التبشير الذي اتخذته المسيحية منهجا، إنما انتقال الإسلام إلى المحيط الهندي، وإلى المحيط الهادي كان تسربا هادئا سليما، كان الناس هنالك يتلقونه عن رغبة واقتناع بمجرد الاتصال بالقادمين أليهم من تجار المسلمين، والذي لا شك فيه هو أن أولئك التجار لم يكونوا يعيشون في بلاد الغربة عيشة عادية، بل كانوا يعتزون أشد الاعتزاز بهذه العقيدة ويمارسون الشعائر الدينية كما أمر الله بها، ولا شك أن أعظم ما تركه المسلمون من أثر في تلك الأوساط الشرقية المتعطشة إلى إشباع العاطفة الدينية هو أسلوب المعاملات، وطريقة حل المعضلات والمشاكل التي تعرض لهم سواء في الميدان الاقتصادي أم في النواحي الاجتماعية الأخرى، ومن هنا يمكن أن نلخص العوامل الهامة في جلب قلوب الجماعات الإفريقية والأسيوية إلى الدين الإسلامي في عاملين أساسيين:
- أولهما هو متانة الأسس الأخلاقية والقيم الاجتماعية للدين الإسلامي.
- وثانيهما هو أهمية الناحية التطبيقية أو العملية في الإسلام وهذا لا يتم بلا شك إلا إذا صحبه حرص كبير من المستوطنين القادمين من مختلف الأطراف الإسلامية على ممارسة ما يأمر به الدين.
بالإضافة إلى ذلك كله، لابد من ملاحظة الاستعداد الكبير الذي كان يتمتع به كل من المهاجرين في تعرفهم على لغة الأهالي من جهة، ومهارة الأهالي أنفسهم في سرعة تلقي الدين الجديد من جهة أخرى.
وهكذا يمكن أن ننظر إلى هذا الأمر من جميع وجوهه فنجد أن العامل البشري هو مفتاح المشكلة، ولا شك أن انتشار دين معين على هذا الأسلوب التلقائي أمر لا يدع مجالا للشك في رقي تلك الجماعات البشرية التي تلقته عن طوع وطيب نفس، ومع ما يتوفر عليه الإسلام من بساطة ويسر في الشعائر والمراسيم، إلا أنه لا ينكر أن الشعوب الإسلامية غير العربية قد اكتفت بشيء من السطحية في تفهم الإسلام غير لان الخلافات الدينية التي نشأت وتشعبت مع مر الزمن وتطويع الأحداث قد أدت إلى صعوبة في التعرف على الأسس الهامة في الإسلام بالنسبة إلى الأجانب عن العربية، ومع ذلك فإن الذي لا شك فيه هو أن ملايين عديدة قد دخلت في هذا الدين وهو الأمر الذي لا يدع شكا أيضا في قدرته على مقاومة عوامل الضعف، وتوفره على قابلية هامة على الإقناع بشكل طبيعي، وعلى إشباع النفس الإنسانية روحا.
إن السمو الكامن في الدين الإسلامي بصفائه ووضوحه، وبساطته، وديمقراطيته، ليقابله سمو في المجموعات البشرية الهائلة التي هرعت إلى التمسك به، وإذا كانت الحضارات أساسا لا تقوم إلا على العامل البشري في الدرجة الأولى ثم تأتي العوامل الطبيعية الأخرى بعد ذلك، فإن هذا الأمر ينطبق تماما على الإسلام، الذي طغى على إرادة الأسيويين والأفارقة وانتصر أيضا على الإرادة الهدامة للمبشرين المسيحيين الذين انتشروا في جميع أقطار الأرض، ولا سيما الأراضي البكر التي أفتحتها الدول الأوربية الاستعمارية منذ القرن الثامن عشر الميلادي.
وبواسطة ذلك السمو في الإسلام، وتلك الروح الطيبة الصافية التي وجدتها في العنصر البشري بأقطار إفريقيا وأسيا، استطاع أن يضم إلى جانبه أربعمائة مليون نسمة لا يتجاوز الناطقون بالعربية منهم نحو السبعين مليونا، وعندما عقد أول مؤتمر للشباب المسلم منذ سنوات مضت، كانت الوفود الإسلامية تتقاطر من جميع نواحي المعمورة، وهنالك فقط ظهرت لنا أقليات إسلامية هامة في بلاد عديدة لم يكن أحد يتصور وجودها ولا مدى أهميتها، مثلا هناك أقليات إسلامية تعد بالملايين في الفلبين، وسيام، وسيلان وجنوب إفريقيا وشرقها وغربها، بل هنالك أقليات أيضا في جزر الترينداد بأمريكا الوسطى، إلى جانب الجماعات الكبيرة في الدول الإسلامية مثل جزر الهند الشرقية (أندونسيا) والملايو والصين وروسيا ونيجريا التي تعد من أكبر دول افريقية من حيث عدد السكان.
فهذه الأقطار العديدة من مراكز الإسلام، لم تشهد كلها حركات الدفع من غزوات وفتوح، ولا شهدت كلها أنواع الصراع الذي شهدته أقطار حوض البحر الأبيض المتوسط ووسط آسيا في العهود الأولى لانتشار الإسلام، لقد كان إسلامها تلقائيا في غالب أمره كان استجابة لميل ديني عريق بالنسبة للشعوب الشرقية.
لكن ما هي مميزات المرحلة الحاضرة من روح التلقائية هذه بالنسبة لانتشار الإسلام؟ ما هي متطلبات الدعوة الإسلامية في عصرنا الحاضر لكي تواصل سيرها المعتاد؟ ثم هل الإسلام لا يزال في إمكانه أن ينتشر تلقائيا؟ أم تراه توقف بعض الشيء؟.
هنا يجب أن ننظر، لنتلقى الجواب الصحيح بقدر الإمكان، إلى العراقيل التي واجهتها الدعوة الإسلامية سواء في داخل الأقطار الإسلامية أم خارجها، وقبل ذلك نذكر أن عالما مسلما من المهتمين بهذه الشؤون قد أكد منذ ست سنوات بأن الإحصائيات توضح حقيقة هامة وهي أن الإسلام قد عرف في مجاهل إفريقيا على الخصوص توقفا في انتشاره، وأن أسباب ذلك يرجع بدون أدنى ريب إلى أن الحركات المسيحية التبشيرية قد نجحت إلى حد بعيد في تحويل اتجاه عدد غفير من الأفارقة إلى المسيحية: وهذا سبب مباشر في توقف الإسلام أو في ضعف حركة انتشاره، إلا أن هذا الأمر يعد في الواقع من أهم أهداف المسيحية منذ أقدم العصور الإسلامية أي منذ أن دخلت في صراعها ضد الإسلام، ولقد أدى هذا الصراع نفسه إلى السيطرة على العالم الإسلامي من طرف المسيحية منذ منتصف القرن الثامن عشر بعد احتلال الهند واندونيسيا ثم الجزائر وبقية الأقطار العربية، ويطول الأمر إن نحن عالجنا الأسباب التي أدت إلى ضعف المسلمين حتى سقطوا قطرا قطرا تحت نير الاستعمار المسيحي، ولكن الوضعية الراهنة هي أن الإسلام قد استطاع أن يستعيد حريته واستقلاله فأصبح قوة هامة يحسب لها حسابها.
فهل معنى ذلك أن الدعوة الإسلامية قد استعادت روح التلقائية في التوسع ومقاومة العراقيل والتبشير؟، وبالأحرى هل استعاد الإسلام قوته المنشودة؟ الواقع أن المسلمين أصبحوا اليوم قوة، ولكنها ليست قوة روحية متماسكة كما كان يتمناها قادة الفكر والإصلاح في أواخر القرن الماضي من أمثال السيد جمال الدين الأفغاني وتلاميذه من بعده، إن العالم الإسلامي اليوم قوة مادية ولكن التجاوب فيما بين أجزائه لم يبلغ الهدف المرغوب فيه، ويوم نصل إلى ذلك المستوى يمكن القول عند ذاك أن قد استعاد قوته الروحية، أي أنه سيجد صلابته وقابليته للانتشار التلقائي من جديد.
إن المشكلة بالنسبة لهذا الدين هو أنه لا يستسيغ أبدا الافتعال في الدعوة إليه، ومن ثم لا يقبل حركة التبشير بهذا الأسلوب المسيحي، ذلك أن المبدأ الأساسي واضح جلي، إنه يدعو إلى ترك المجال فسيحا وحرا في العلاقة بين العبد وربه، ولا يتدخل الإنسان إلا لشرح ما غمض على العباد من أمور دينهم لا غير، أما الوسائط فلا وجود لها، ولذلك لا يتطلب منا ديننا فقط الوقوف في وجه الحركات التبشيرية التي أصبحت تتجرا أكثر من اللازم، بل يدعونا أيضا إلى مد يد المساعدة إلى إخواننا الذين لا يعرفون العربية، ومعنى ذلك أن واجبنا يدعونا إلى مجاراة التطور والأخذ من الحضارة بنصيب وافر، فتتعلم بعثاتنا إلى الأقطار الإسلامية اللغات الأجنبية وتكون المثل الأعلى في الأخلاق والمحافظة على القيم الإسلامية لأنها ستكون السفارات الدائمة أو المؤقتة للإسلام في عصر الحضارة المادية الطاغية، إنني شخصيا قد وجدت منذ أسابيع مضت نسخة من إنجيل لوقا في صندوق بريدي، مطبوعا طبعا جيدا، وكانت دهشتي أعظم عندما عرفت أن جميع أصدقائي تلقوا نفس الهدية صباح ذلك اليوم.
على أن هذا الأمر، وإن كانت له دلالته العميقة في بلد مسلم وعربي مائة بالمائة، فإنه في الواقع يدل على أن هناك تخبطا في مناهج هذه المدارس التبشيرية، لكن هذا لا يدعونا إلى التقليل من خطر تلك الحركات، في الأقطار الأخرى، فالمعروف أن الأقليات المسلمة في أقطار عديدة، أسيوية أو إفريقية، لا تفتأ تتطلع إلى اليوم الذي ستتلقى فيه يد المساعدة من الأقطار الإسلامية المستقلة، والعربية منها على الخصوص لتتفهم دينها وتستعين بذلك على تثقيف أبنائها الذين لا يذهبون إلى المدارس الرسمية، لأنهم لا يجدون دروس الدين أو يجدون أديانا أخرى لا يريدونها، أن الآباء، بالنسبة للأقليات المسلمة، كآبائنا المحافظين على دينهم وقوميتهم أيام عهد الاستعمار البغيض، كانوا يخشون من المدرسة المسيحية أو اللادينية، فكانوا يرضون بالجهل والحرمان من الوظيفة، والابتعاد عن المشاركة في الحياة العامة أو تسيير شؤون الدولة، بسبب من تلك المحافظة أو حرصا على قوميتهم ودينهم.
لقد كان المسلمون في عدد كبير من الأقطار، يكافحون إلى عهد قريب في سبيل تحرير الوطن الإسلامي، ويمكن القول بأن جانبا كبيرا من هذا الهدف قد تحقق، فهل من الممكن بهذا فقط أن نحقق الهدفين في نفس الوقت- هدف تجديد الإسلام وإبلاغ أصوله ومعزاه إلى نفس المسلمين الذين لا يدركون منه غير الأشياء السطحية-. ثم إعادة الثقة إلى الدعوة الإسلامية، أو إعادة قدرتها على قهر جميع الحركات المعادية لها، وإذا كان هذا الدين قد غزا قلوب مئات الملايين بكيفية تلقائية بحتة، فإنه بلا شك لم يفقد هذه القدرة على الإقناع وإشباع الميول الإنسانية الفطرية إلى الاعتقاد والتدين.
إنما الواجب هو أن نلتزم، نحن الذين يمكن أن نكون قدوة إسلامية حقيقة، بالسير حسب المبادئ والقيم الإسلامية في جميع الميادين، وإذا كانت الأبعاد والمسافات قد طويت الآن بفعل المواصلات، فإننا نستطيع أن نفيد عددا ضخما من البشر في هذا المجال، لنكن فقط قدوة حسنة لهم، كما كان المسلمون الأوائل ففي إمكاننا اليوم أن نسافر ونتحدث ونشرح ونلبي طلبات الإخوة في كل مكان، وبذلك فقط يمكن أن نخلق هذا التجاوب الروحي بين أجزاء العالم الإسلامي ونخلق الفرص للدعوة لكي تنطلق وتغزو الآفاق. 
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here