islamaumaroc

أدب بلا نسب

  دعوة الحق

45 العدد

في حديث العدد الماضي تعرضت إلى موضوع (الأدب الهجين)، الذي صدر عن الكتاب الناطقين بالفرنسية من أبناء المغرب الكبير، وطرحت مسألة انتماء هذا الأدب أو عدم انتمائه إلى تراث الأمة العربية الأدبي، وتوصلت إلى نتيجة خلاصتها بأن هذا الأدب ليس له من صلة تذكر مع الأدب العربي في المشرق كما هو الشأن في المغرب، ولم يكن رأيي هذا الذي سيثير ولا شك حفيظة بعض إخواني الناطقين بالفرنسية، لم يكن وليد اندفاع عاطفي أو نظرة ضيقة يحدوها التعصب إلى لون من الأدب دون الآخر، ولم يكن هذا الرأي أيضا دعوة إلى العزلة أو الانكماش عن الذات، كان رأيي إذن نتيجة منطقية لتحليل واقعي لطبيعة هذا الأدب الذي أعتقد أنه ثمرة غير شرعية لفترة زمنية، في حياة المغرب العربي، فترة من تاريخه عاشها تحت السيطرة العسكرية أولا ثم الثقافية ثانيا، وهكذا أصبح أمرا مألوفا جدا أننا حين نفتش عن المعالم المميزة للشخصية العربية في هذا الأدب فإننا لا نكاد نظفر بواحدة تصله بالعربية وآدابها، ويصدق القول غاية الصدق حين نقول إن إنتاج إخواننا الناطقين بالفرنسية يمكن أن يوصف بأنه ظاهرة بارزة للواقع الاستعماري في ميدان التكوين الثقافي الذي يستهدف تزييف الشخصية القومية لا إبراز معالمها ومميزاتها التي تختلف عن شخصية ومميزات الأمة المستعمرة.
لقد جهدت نفسي أخيرا وعدت إلى مطالعة جزء هام من إنتاج أدبائنا الناطقين بالفرنسية، والحق أني أعجبت غاية الإعجاب بمواهب بعض هؤلاء وبالروح القويمة التي يتوفرون عليها وأخص بالذكر من هؤلاء مالك حداد الذي لم يتردد لحظة بالاعتراف بواقع الزيف الذي يعيشه وبهذا المنفى الذي يثقل حياته الفكرية.
وكم أحسست بالألم وأنا أطالع هذا الأدب وتمنيت من كل قلبي لو أنه كتب بلسان عربي مبين ليحق لنا جميعا أن نفخر به أيما فخر، وخلال مطالعاتي غير السريعة لم أستطع أن أظفر بوجود شخصية عربية متميزة المعالم والاتجاهات، فهو وإن كان أديبا يتجه نحو الالتزام في تحليل الوقائع الاجتماعية والنماذج الإنسانية، إلا أنه مع ذلك ظل فاقدا لحرارة الروح العربية ولا نكاد نلمس لها من أثر سوى صور مادية مستمدة من واقع جزائري أو مغربي، سلطت عليها أضواء من الخارج دون أن تمس هذه الأضواء عمق الواقع الجزائري أو المغربي بمختلف أبعاده، وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الأدب يتسم بالازدواج والقلق، ونماذجه الإنسانية لا تتوفر على قدرة تمكنها من التعبير عن ذات وجودها العربي فهي صماء، سوى هذه الإيماءات والإشارات الحية التي ليست لها القابلية لأن تشخص كيانها تشخيصا يجعلها تتميز لأول وهلة بعروبتها.
وقد قرأت أخيرا في مجلة (1) Confluent ردا للكاتب إدريس الشرايبي على حديث أدبي أذيع على أمواج الإذاعة الوطنية بالرباط، تطرق فيه كاتبه إلى هذا الأدب الهجين، والحق أن إدريس الشرايبي لم يتناول جوهر الموضوع لإعطاء إيضاحات تتعلق بموقفه من هذا الأدب الذي هو أحد رواده، وإنما كان هذا الرد استعراضا لأفكار تنم عن عاطفة سياسية، ومع ذلك فلو كانت عواطف الكاتب السياسية أصيلة لكان في الإمكان تقديرها واحترامها، ولعل الإنصاف يقتضي منا اقتطاف بعض الفقرات من كلمة السيد الشرايبي، لتثبيت ما نقوله من عدم أصالة ما يقول: «... خلال فترة السيادة الفرنسية على مجموع المغرب كانت المدارس الوحيدة الجديرة بهذا الاسم هي المدارس الفرنسية، ولا يعني هذا أننا حين حققنا استقلالنا يتعين علينا أن ننفي هذه الحقيقة.. ولا أستطيع القول بأنه يوجد قراء في العربية.. العربية الفصحى، وقد قمت أخيرا بزيارة للمغرب وشاهدت بعيني.. بنظارتي، وسألت ماذا يقرأ الناس هنا؟ حقا هناك جامعة ولكنها تستعمل الكتب الفرنسية، وهذه الجامعة لا تمثل شيئا مجديا في حد ذاته»، وأضاف السيد الشرايبي قوله «نحن – يعني الناطقين بالفرنسية- سنظل هدفا لهجمات من هنا وهناك، من كل ضفتي الأبيض المتوسط».
وبجانب هذه الروح المتميعة في إطار أجنبي غريب نجد روحا أخرى تختلف عنها كل الاختلاف وأن تغذتا معا في معين واحد، هذه الروح الحيرى القلقة الأصيلة في ذات الوقت تتمثل في الكاتب مالك حداد، لندعه يتحدث إلينا في قصيدته (المسير الطويل)  (2):
أبي.. يأبي؟
                        لماذا حرمتني
تلك الموسيقى المنسوجة من لحمي ودمي
                        انظر إلى
إلى ابنك الذي يلقن أن يقول في لغة غريبة
                        تلك الكلمات الحلوة التي كان يعرفها عندما كان راعيا
                        ***
يا إلهي ما أشد وطأة الظلام في عيني هذه الليلة
أماه.. يأماه
               هل يمكن أن يكون إسمك Ma mère
لقد فقدت برنسي، وبندقيتي، وقلمي
               لقد حملت إسما أشد زيفا من مظهري
يا إلهي،
أنا الذي يجعل من أصله.. من نسبه مهنة زرية
هذه زفرات مالك حداد تثير بعمق فيه حرارة وفيه ألم وفيه أقرار بواقع الزيف الذي فرض عليه فرضا، وليس لي من سبيل لإجابة الشرايبي إدريس سوى أن أعرض عليه هذه المقطوعة الشعرية، لشاعر موهوب عيبه الوحيد أنه نطق بالفرنسية بآيات إبداع، شاعر لا يستطيع الشرايبي أن يصفه بالتعصب أو الغرور الزائف، ولا بضيق الأفق والعجز دون فهم الحضارة الغربية (الفرنسية)، هذا الشاعر مالك حداد الناطق بالفرنسية رغما عنه، ومع ذلك فهو لا يزال يعي وجوده، ويعي بعمق حالة المنفى التي يعيشها فكريا، ولا تكاد تخلو قصيدة أو قصة له من التشكي من هذا المنفى، أي اللغة الفرنسية (وسيلته الوحيدة في التعبير).. (عن آلام شعبه وإحساساته الثورية)، يشعر مالك حداد بمدى الهوة السحيقة التي تفصله عن مجتمعه، وعن الاتصال بتراثه القومي بطريق مباشر، وعن التأثير فيه والتأثر به، وعن طريق هذا التكوين الثقافي المفروض استحال حداد إلى كائن غريب، يعيش غريبا عن الواقع القومي الجزائري الثقافي الأصيل، ومع ذلك فإن هذا الواقع الجزائري العربي يتملك إحساسه وشعوره إلى حد يستحيل معه إلى متصوف غارق في التصوف غارق في الهيام به، وإيثاره إلى حد الإسراف.
والحق أن غرباء اللغة العربية هؤلاء ليسوا مسؤولين شخصيا عن هذا الزيف الذي يدثر هياكلهم من رأسها إلى أخمص قدميها، ولكن المسؤول أولا وأخيرا هو واقع الاحتلال، والذي لا يجدر بالسيد الشرايبي وغيره تبريره واتخاذ أنفسهم أصداء له، أصداء لهذا الزيف الزائف، وأنا على يقين من أن ثورة مالك حداد على هذا الزيف الذي دفعوا إليه دفعا وحملتهم عليه الظروف حملا، أن هذه الثورة تعد في واقع الأمر نصرا للإحساس القومي، والكرامة القومية، ونصرا مرة أخرى للوجود الوطني ضد جرائم الهدم والتخريب للكيان العربي، هذه الجرائم التي تزخر بها بعض مظاهر هذه الثقافة الأجنبية الموجهة المسبوقة، والتي لا تستهدف الثقافة لذات الثقافة وإنما تستهدف المسخ لذات المسخ، حتى أنه يخيل إلى من خلال كلمة الأستاذ الشرايبي في مجلــــــــة (Confluent) أنه يؤمن أو أنه ربما على الأقل مقتنع بأن كل شيء ليس بفرنسي فهو ليس بجدير بأن يذكر حين تذكر الثقافة، واللغة، والحضارة، واللغة العربية في رأيه لم تتطور منذ قرون، وقرون، وحرية التفكير والتعبير، والكتابة يمكن قياسها على حد قوله بما هو قائم في الجمهوريات الشعبية، أما فيما يخص اللغة العربية وكونها لم تتطور منذ قرون وقرون، فالشرايبي آخر من يصدر هذا الحكم، ولو صدر من بلاشير أو ماسنيون لكان في الإمكان أخذ هذا الرأي بعين الاعتبار وإن كان أساسا مغلوطا، لسبب بسيط هو أن ماسنيون يحسن اللغة العربية والشرايبي فيما أعلم -وأرجو أن أكون مخطئا- لا يحسن التكلم بها فضلا عن قراءتها والاطلاع على آدابها. المهم هو أن الأستاذ الشرايبي قد أخطأ في الفهم وأخطأ في التقدير كما أخطأ في فهم واقع الثقافة العربية والعالم العربي، ولا أظن أن مؤرخ الأدب الفرنسي بعد قرن سيجد كثيرا مما كتبه الشرايبي وغيره من الوجهة القومية أو حتى الإنسانية، لسبب بسيط هو أن هذا الإنتاج جاء غير مستند على دعائم من حضارة قومية عرفت منذ قرون ولا زالت تعرف بطابعها الخاص المميز، ولكن هذا الأدب الذي يعد الشرايبي أحد رواده سيظل على هامش التاريخ سواء بالنسبة للأدب الفرنسي أو العربي وإن كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين حين تحدث عن قصة (الربوة المنسبة) لمولود معمري، اعتبر هذا الأدب من الأدب الفرنسي بكل ما تعنيه كلمة أدب فرنسي من معنى ...  الربوة المنسبة كتاب رائع أشد الروعة وأقصاها، بحيث يمكن أن يعد من خير ما أخرج في الأدب الفرنسي أثناء هذه الأعوام الأخيرة.. وإن كنت لا أعرف أنه ظفر بجائزة من هذه الجوائز الكثيرة التي تمنح في فرنسا لكتب لا ترقى إلى منزلة هذا الكتاب روعة وجمالا).
وأيا كان الأمر فإن هذا الأدب اليتيم ليس من اليسير التكهن بمن سيتبناه في الغد البعيد،. إن كنت أميل إلى الاعتقاد بأنه سيظل بعد أجيال دون عائلة أدبية يمكن أن ينسب إليها.

 (1)  1961 Septembre - octobre Confluent N°15
 (2) مجلة الأدب العدد 8- غشت 1961.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here