islamaumaroc

من تراثنا الفكري في الأندلس ، أبو محمد بن عبدون اليابري -1-

  دعوة الحق

45 العدد

الشخصية التي نحن بصدد دراستها وهي شخصية أبي محمد بن عبدون من الشخصيات الفذة النادرة في الأندلس، بل من العبقريات الفريدة التي يزهى بها الأندلس بوجه عام ويابرة بوجه خاص، فقد اجتمعت لابن عبدون هذا مواهب متعددة، وتوافرت لديه إمكانيات علمية وثقافية قلما تهيأ لكثير غيره فيمن عرفنا من الأندلسيين، كان إبن عبدون لغويا فقيها أديبا شاعرا كاتبا، أو بعبارة أخرى ملما بكثير من العلوم التي كانت معروفة في عصره، ثم هو إلى جانب هذا كان واسع الاطلاع كثير الحفظ صافي القريحة متوقد الذكاء، صائب الرأي، قوي الحجة ناقدا متبصرا، ذا دراية واسعة بأيام العرب وأخبارها، وبقديم الشعر العربي وحديثه، يدرك هذا من يقرأ تلك الثروة الضخمة التي خلقها وراءه من شعر ونثر والتي ما تزال بعد متناثرة هنا وهناك في ثنايا الكتب والمخطوطات ولم يقدر لها أن تنشر في كتاب يسهل تناوله ويقرب مأتاه على عشاق الأدب وطلاب البحث ومحبي المعرفة.
ومع أنه قد مضى على وفاة إبن عبدون نحو تسعة قرون فإن شخصيته لما تزل بعد مجهولة ولا يعرف من إنتاجه الأدبي أكثر من قصيدته في رثاء بني الأفطس، كما يعرف عنه البعض قوة ذاكرته وأنه يحفظ كتاب الأغاني، ثم لا يعرف عنه أكثر من هذا، وهو الأمر الذي حدانا أن نعرف بشخصيته وبمكانته بين مفكري عصره، وأن ننقض عن تلك الشخصية غبار القرون ونجلوها في إطار واضح يفيد منه المتطلعون إلى تراثنا في الأندلس، ولن تنقض أيدينا من هذا البحث كذلك قبل أن نقدم للقارئ العزيز دراسة منهجية لآثار أبن عبدون الأدبية ونعني بذلك شعره ونثره، محاولين أن نبين مصادر ثقافته والعوامل التي أثرت في شخصيته الأدبية ولونت أدبه على نحو ما سنرى ذلك بعد.

مولده ونشأته:
كان مولد ابن عبدون في يابرة من أعمال بطليوس بغرب الأندلس، وهي اليوم من مدن البرتغال، وقد كانت يابرة على عهد أبن عبدون موطنا لكثير من العلماء والأدباء من بينهم أبو بكر (1) عبد الله بن طلحة اليابري النحوي الذي ارتحل إلى أشبيلية فروى عن أبي الوليد الباجي، كما روى عن جماعة من علماء بطليوس من بينهم أبو بكر بن أيوب وأبو الحزم بن عليه وأبو عبد الله بن مزاحم، ومن علماء يابرة كذلك خلف (2) بن فتح بن نادر الأديب اللغوي اليابري الذي كان قد ارتحل إلى قرطبة وروى عن أبي محمد عبد الله بن سعيد ومنهم كذلك شعيب  (3)بن عيسى ابن علي بن جابر الأديب المقرئ الذي روى عن خاله
خلف بن شعيب وعن أبي بكر محمد بن الفرج البطليوسي وعن أبي بكر بن عباس وعبد الله بن طلحة وغيرهم.
وهكذا كانت يابرة تزخر بالعلماء والأدباء فولد إبن عبدون ثم نشأ في جو أدبي علمي يحيط به، وقد كان لهذا الجو أثره في تكوينه الثقافي.
لم نقع على مصدر واحد من بين المصادر العربية أو غيرهما ذكر لنا تاريخ مولد إبن عبدون، ولعل إبن عبدون ليس وحده الذي يجهل تاريخ مولده، بل هناك شخصيات أندلسية كثير من معاصريه لا يعرف عن تاريخ مولدهم شيء، إذ لم تكن العناية بتسجيل تاريخ الميلاد في كثير من الحالات من الأمور الهامة، بل كانوا يعنون بذكر تاريخ الوفاة أكثر من عنايتهم بذكر تاريخ الميلاد، ونحن وإن كنا لم نتعرف على تاريخ مولده بالضبط، ولكنا سنستطيع مما توافر لدينا من وسائل البحث أن نشير إلى ذلك التاريخ إشارة تقريبية. نستطيع أن نقرر بأن أبن عبدون قد ولد سنة 430هـ أو قبل ذلك بقليل مستندين في ذلك إلى أمرين:
أحدهما ما أورده الضبي (4) حيث يقول «إبن عبدون اليابري أديب شاعر كان في حدود الأربعمائة أو نحوها». وثانيهما ما ذكره إبن بسام (5) من أن ابن عبدون حينما استوحش من المنصور بن الاقطس ولحق باشبيلية قد كتب إلى إبن زيدون بهذه الأبيات:
لك الخير من مثري اليدين من العلى
                      إذا تربت أيدي الندى والتطول
بما كان بين الماضيين من الذي
                      إليه اجتهادي أو إليه معولي
فلم تتمسك بالمؤيد لي يد
                         وقد زلقت رجلي عن المتوكل
ولسنا نستطيع أن نجاري الضبي فيما أشار إليه من أن إبن عبدون قد ولد مثلا سنة 400 أو سنة 410 لأنه من الثابت في جميع المصادر العربية وغيرها أن وفاة إبن عبدون كانت في منتصف العقد الثالث من القرن السادس الهجري أو أخرياته ونعني سنة 526 أو 529، وطبقا لما ذهب إليه الضبي يكون إبن عبدون قد عاش مائة وعشرين سنة تقريبا وهو أمر يعتبر قليل الاحتمال إذا قسناه بالنسبة إلى معاصري إبن عبدون.
ولا شك أن تلك الأبيات التي بعث بها ابن عبدون إلى ابن زيدون كانت فيما بين سنة 441 و460، إذ أن الثابت أن ابن زيدون قد افلت من السجن الذي وضعه فيه ابن جهور سنة 441 حيث لحق بإشبيلية واتصل ببلاط بني عباد، ومن الثابت كذلك أن المنصور ابن الأفطس قد توفي سنة 460 كما كانت وفاة ابن زيدون سنة 462 ولنا أن نتصور بأن ابن عبدون عند ما بعث بالأبيات المتقدمة إلى ابن زيدون كان في الثلاثين من عمرته تقريبا، في وقت كانت فيه فكرته قد انحصرت في الأدب الأمر الذي جعله يطلب عملا في بلاط بني عباد، وإلى جوار ابن زيدون وهو يعلم منزلة هذا في الأدب والشعر، كما يعلم بأن المعتمد الذي يطلب العمل في بلاطه هو نفسه شاعر رقيق الإحساس مرهف الشعور وناقد بصير، وأيا ما كان الأمر فقد تحققت لابن عبدون بغيته وعاش في بلاط المعتمد فترة لم تطل مدحه فيها بكثير من القصائد التي سنوردها بعد في مكانها من هذا البحث، ولكن سوقه لم تنفق مما جعله يترك اشبيلية ويلحق بصديقه القديم المتوكل ابن الأفطس، ولم يثبت لدينا بأن إبن عبدون ولي عملا رسميا للمعتمد بن عباد، وإن كان عبد الواحد (6) قد ذكر بأن ابن عبدون كان من بين كتاب المعتمد، ولكنا لم نجد ذكر ذلك في مصدر آخر من المصادر التي تحدث عن ابن عبدون، كما أنا لم نعثر على رسالة واحدة مما كتبه ابن عبدون عن المعتمد.
لقد إبتدأ إبن عبدون دراسته الأولى في بلده يابرة حيث حفظ القرءان الكريم ودرس مبادئ النحو واللغة، وكان أستاذه إذ ذاك (7) محمد بن علي ابن يعيش المعروف بأبي الوليد بن ضابط النحوي، بدأ ابن عبدون يدرس على أبي الوليد هذا وهو في الثالثة عشرة من عمره حيث تفتحت مواهبه للأدب وبدأ يعالج قول الشعر، ونحسب أن تأثره بأستاذه هو الذي غرس في نفسه الميل إلى الشعر، فقد كان ابن ضابط هذا متكسبا بالشعر إلا أنه لم يصب نجحا، يروى (8) أنه ضجر يوما فقال: «الشعر خطة خسف».
وكان ابن عبدون جالسا بين يديه، فكتب في لوحة يكمل المصراع الثاني من البيت: «لكل طالب عرف».
ثم زاد بيتا آخر كتبه وهو:
للشيخ عيبة عيب            وللفتى ظرف ظرف
قال ابن عبدون: أنه لما كتب هذا نظر إليه مؤدبه أبو الوليد وقال له: يا عبد المجيد ماذا تكتب؟ فأراه البيتين فلما رآهما لطمه وعرك اذنه وقال له: لا تشتغل بهذا، ثم أخذ البيتين عنده، وإنما نهاه عن قول الشعر لأنه هو شخصيا كان شيخا مسنا يستجدي بالشعر وقد أدى به إخفاقه في التكسب إلى كراهية الشعر.
وليس من شك في أن هذا الشعر يدل على الموهبة التي كان يتمتع بها ابن عبدون منذ حداثته واستعداده لقول الشعر بفطرته، كما يدل على حدة ذكائه وروحه الساخرة التي جعلته يغمز أستاذه ويعرض به مشيرا إلى تكسبه وهو الأمر الذي جعل أستاذه يلطمه ويعرك اذنه.
على أن ابن عبدون ما لبث أن ضاق ذرعا بأستاذه هذا وأحس بأنه في حاجة إلى أن يلتمس أساتذة آخرين أوسع آفاقا وأغزر مادة في الأدب واللغة وأكثر تسامحا من ابن ضابط، فاتصل بأبي مروان بن سراج، وكان أبو مروان هذا من أعيان (9) البيان، بليغا فصيحا ذا مرتبة سامية في الأدب كما كان شاعرا مجيدا ولكنه كان ضيق الطبع سريع الغضب ومن ثم لم يلازمه ابن عبدون طويلا مع حرصه على الإفادة منه، ولذا سرعان ما نجده يبحث له عن أستاذ غيره يشبع لديه رغبته في الاستزادة من العلم والمعرفة، ولكنه في هذه المرة لم يظفر بطلبته في بلده يابرة، فيهم وجهه شطر بطليوس حيث التقى هناك بأبي الحجاج يوسف ابن سليمان النحوي الأديب المعروف بالأعلم، وكان أبو الحجاج هذا عالما (10) بالعربية واللغة ومعاني الأشعار حافظا لها حسن الضبط لما يحفظ، دقيق الرواية كثير الاعتناء بها مشهورا بذلك، ولقد اتصلت أسباب ابن عبدون بأبي الحجاج هذا وأعجب كل منهما بالآخر، الأستاذ بتلميذه والتلميذ بأستاذه، وقامت بينهما روابط من الود المتبادل فأفاد ابن عبدون من أستاذه كثيرا وأخذ عنه كثيرا من مسائل اللغة والنحو ومعاني الشعر كما درس عليه شعر المتنبي بوجه خاص وهو الأمر الذي كان له بعد في حياة ابن عبدون وشعره اكبر الأثر، على أن ابن عبدون ما لبث أن هجر أستاذه هذا على غير قلي وذهب فاتصل بأبي عاصم بن أيوب حيث روى عنه الحديث والفقه واللغة كذلك، وكان ابن عبدون إذ ذاك قد أحس بمكانته في الأدب وبمنزلته في الشعر فابتدأت نفسه تتطلع إلى مستقبل أحسن وإلى حياة أكرم، ولذلك نراه يضيق ذرعا ببلدته يابرة التي كان قد رجع إليها، ويرى من العار بقاءه فيها فنسمعه يقول:
فعادا على العلياء سكناي بلدة
                     كبلدة عالي الأفق من دون أنجم
 ثم يتصل بالمنصور بن الأفطس فيمدحه ولكن سوقه لم تنفق لديه، فيقرر الهجرة إلى اشبيلية.


 (1) ياقوت: معجم البلدان ج 7 ص 489.
 (2)شكيب أرسلان: الحلل السندسية ج1 ص 52.
 (3) أبن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء ج 1 ص 328.
 (4)بقية الملتمس ص 523.
 (5) القسم الثاني من الذخيرة مخطوط جامعة القاهرة ورقة رقم 438.
 (6) عبد الواحد المراكشي: المعجب ص 164.
 (7) التكملة لكتاب الصلة ج 1 ص 141.
 (8) المقري:نفح الطيب ج4 ص367
 (9) ابن خاقان:قلائد العقيان ص198
 (10) السيوطي:بفية الوعاة ص422
          

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here