islamaumaroc

وجهة التاريخ

  دعوة الحق

45 العدد

منذ دخل النوع البشري إلى التاريخ، وهو ينتقل من طور على طور ويتدرج في سلم الرقي والتقدم، ويضيف كل يوم مكاسب جديدة إلى مكاسبه القديمة، بحيث كان في الأول لا يختلف عن الحيوان في شيء يقتات مثله باللحوم النيئة والأعشاب، ويسكن مثله في الكهوف والمغارات، وصار في الأخير يستمتع بعيشة لا صلة بينها وعيشته الأولى، إذ كل شيء فيها دخلت عليه أفانين الصنعة، وتكيف حسب ما يقتضيه هواه ويوافق راحته ورفاهيته وحاجته، بينما الحيوان ظل كما كان أول يوم في كل مظاهر حياته.
هذه القابلية للتغير والانتقال من حال إلى حال التي توجد عند الإنسان هي التي صنعت التاريخ، وهي التي مكنت البشرية من أن تسيطر شيئا فشيئا على الطليعة، وهي التي نسميها تارة الذكاء الإنساني وطورا العبقرية الإنسانية.
ولكن هل هي مجرد قابلية فقط أم هي أكثر وأعمق من ذلك؟ فنحن عندما نستعمل كلمة قابلية نفهمها بمعنى استعداد يوجد عند الإنسان بتصرف فيه بكامل الحرية، يستغله متى شاء ويبطل مفعوله عند الاستغناء، وعلى هذا، فسؤالنا معناه: هل التطور أمر خاضع للإرادة الإنسانية تديره كما تشاء؟ أم هناك عامل أو عوامل تحتم على الإنسان أن يسير في طريق معينة؟.
وبعبارة أخرى، هل للتاريخ وجهة يقصد إليها حتما أو التاريخ عبارة عن نسيج من الأحداث الاتفاقية ليس لها أي مدلول؟
ذلك أهم سؤال يعترضنا في دراسة التطور البشري، وحسب ما نقدم من جواب عليه، ينكون أخذنا اتجاها معينا ومنطقا خاصا في فهم التاريخ.
حرية الإنسان والتاريخ:
فإذا أخذنا بمذهب القائلين بان الإنسان يتمتع بحرية كاملة في تكوين تاريخه وتسييره، أصبحنا نرى العالم وما يجري فيه من أحداث على صورة خاصة واستخلصنا من ذلك نتائج أهمها:
1- إن كل المذاهب القائلة بحتمية التطور باطلة من أساسها، ما دام أمام الإنسان حرية الاختيار وحرية العمل.
2- إن الفرد هو العنصر العامل في التاريخ  وان دور الشعوب يبقى ثانويا بالنسبة للرجال الموهوبين الأفذاذ الذين يصنعون التاريخ، ذلك أن الحرية بمعناها العميق الواسع لا يمكن أن توجد إلا بالنسبة للأفراد، أما بالنسبة للجماعة فان الحرية مقيدة بالقوانين الاجتماعية، ثم أن الإرادة الجماعية تتكون في الواقع من تشارك الإرادات الفردية واتفاقها على بعض الأهداف، كما بين ذلك «روسو» في كتابه «العقد الاجتماعي» والحرية لا يمكن أن تقرن مع تعدد الإرادات، ولكنها صفة للإرادة الواحدة، ينبني على ذلك انه إذا ما ثبتت نظرية الحرية في توجيه التاريخ، فان الفرد هو الذي يمكنه أن يتصرف في تلك الحرية، لان الفرد هو وعاء الإرادة الواحدة.
3- انه لا يوجد خارج إرادة الإنسان أي عامل يؤثر بصورة فعالة على سير الأحداث التاريخية وتوجيهها، لان وجود مثل هذا العامل من شانه أن يتنافى مع حرية الاختيار لدى الإنسان التي يقول بها أصحاب هذا المذهب، فالظروف السياسية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ليس لها من اثر في التطور إلا بقدر ما تتلاءم وإرادة الفرد العامل في التاريخ، بل أن في مستطاع الإنسان أن يقاوم مفعول هذه المؤثرات الخارجية ويعمل باستقلال عنها.
تلك بعض النتائج الحاصلة من المذهب الذي يقول بان التاريخ لا يسير حسب اتجاه منعين، وإنما هو تسلسل أحداث عريضة كان من الممكن أن يقع غيرها وتكون مناقضة لها، ومعنى هذا أن التطور المشاهد حسبا في أحداث التاريخ لا يسوغ تأويله حسب فلسفة أو عقيدة، بحيث أن ما ظهر في التاريخ من شرائع وما نشب من ثورات قلبت الأوضاع وغيرت وجه الحياة لدى أمم لم يكن، حسب هذه النظرية، ناجما عن ضرورة أوجدها التطور واقتضتها ظروف موضوعية خارجة عن إرادة الإنسان، قاهرة لها.
هذه الاستنتاجات التي توصلنا إليها من نظرية حرية الإنسان في التاريخ قد تكتسي في أعيننا صبغة الحقيقة الثابتة العميقة عندما نتأملها على ضوء بعض الأحداث التاريخية، خاصة في القرون الماضية ولكن، سنرى بعد دراسة احد الأمثلة من التاريخ العربي الإسلامي أن تلكم الصبغة إنما هي ظاهرية.
ومثالنا هو العصر العباسي، فنحن عندما تقف وقفة قصيرة في هذا العصر ونستعرض أحداثه، نجد وقائع كثيرة تبين لنا أن الفرد هو العامل الفعال في التاريخ، فكل خليفة من أبي العباس السفاح ومن يليه يظهر وكأنه يتصرف تصرفا خاصا به لا يخضع لأي مؤثر خارجي عن إرادته، فالأمة الإسلامية لم يكن لها حسب الظاهر أي وسيلة للتأثير عليه، ومصداق هذه الحرية الظاهرية هو ما نراه من تناقض صراح بين الخلفاء في بعض تصرفاتهم، من التغاضي والتسامح الديني ومنهم من اظهر عطفا على آل البيت وشيعتهم ومنهم من اضطهدهم ولكل بهم.
ومما يزيدنا اعتقادا بان الفرد هو الذي يسير التاريخ، أن هذا الحكم المطلق الذي كان يتمتع به الخلفاء آنذاك كان ينسجم ظاهريا مع روح العصر، فلم يكن يثير أي تعجب لو استنكار من معاصريه: فالأمة بالنسبة للخليفة كالمادة الخام تخضع لإرادته وتتحول بمشيئته، وذا منطق في فهم الحكم تقبله الأمة وتسلم به، فهو متفق عليه سلفا من جانب الحاكم والمحكوم، نتيجة للتقاليد القديمة ولبعض التعاليم الدينية، وللهيبة التي يحظى بها الحاكم أمام المحكوم.
وبالجملة، فنحن عندما نعتبر الظاهر والقرائن البارزة، نستنتج من دراسية تاريخ الدولة العباسية:
1) إن الحاكمين ورجال الحل والعقد كان لهم مطلق التصرف كأفراد في تسيير الأحداث وتوجيهها وقفا لأهوائهم وغرضهم.
2) إن ما يسمى بالشعب أو العامة لم يكن له دور بارز فعال، نعم، قد يثور في بعض الأحيان ويحدث الضوضاء والفتنة، ولكنها ثورة غير ذات أهداف، سرعان ما يخمد أوارها ونبقى الكلمة الأخيرة لرجال الحكم.
وهكذا، فان الصراع الذي يحفل به تاريخ الدولة العباسية لم يكن بين الشعب وحكامه، وإنما بين الأفراد البارزين الطموحين الذين يتنازعون على الجاه والسؤدد، فالرغبة في الحكم أو «إرادة القوة» كما يقول «نيتشه» هو المحرك الذي يدفع الأحداث ويخلق التاريخ، هذا ما نشاهده في قصة أبي جعفر المنصور مع أبي مسلم الخرساني وفي قصة الرشيد مع البرامكة، وفي النزاع بين الأمين والمأمون وفي ما تشب من صراع بين الخلفاء وبعض المسيطرين على مقاليد الدولة أمثال البويهيين وغيرهم.
ويخيل ألينا أن الشعب يحضر لهذه الأحداث دون أن يشارك فيها، وإنما يقف موقف المتفرج الذي لا ينتظر شيئا لنفسه، وإنما هو متفرج يجذبه حب الاطلاع والاستزادة من المعرفة.
ذلك هو الاستنتاج الذي نخرج به لأول وهلة عندما نلقي نظرة سريعة على تاريخ الدولة العباسية التي لم نخترها إلا كمثال، وغيرها من الدول التي كانت في العصر القديم والعصر المتوسط.
ومعنى هذا الاستنتاج أن تاريخ تلك الدول لا يبين عن اتجاه معين، وإنما هو تسلسل أحداث في شكل فوضوي وصراع متواصل بين أشخاص وعصبيات.
فهل يمكننا أن نطمئن إلى هذا الاستنتاج ونقبله كقول فصل في الموضوع؟
أحداث التاريخ ومشاكل الجماعة:
الواقع إننا عندما نمعن النظر في ذلك التاريخ ونتدبره بعمق، نجد أن هذه النظرية تقبل الجدال بصور جلية.
لنعد إلى مثال الدولة العباسية، وأول ما نلاحظه أن هذه الدولة نشأت في نطاق تطور العالم الإسلامي، فهي التي تحملت مسؤولية الخلافة وتولت قيادة ذلك العالم طوال مدة مديدة من التاريخ.
ومعنى هذا أنها ورثت عن الدولة الأموية ما كانت تتخبط فيه من مشاكل ومعضلات، أضافت إليها ما تمخض عنه زمامها من مشاكل جديدة.
والدولة الإسلامية بوصفها دولة تأسست على مبادئ الإسلام الثورية، نشأت معها منذ اليوم الأول مشاكل مذهبية كمان لها فيما بعد الأثر البالغ في سير الأحداث، ومن بين هذه المشاكل مشكلتان أساسيتان نقف عندهما الآن لحظة قصيرة:
المشكلة الأولى تتصل بنظام الخلافة وشكلها.
المشكلة الثانية تتعلق بتطبيق مبدأ المساواة الإسلامية بين العرب الفاتحين والشعوب التي دخلت تحت حكمهم واعتنقت الإسلام.
فمشكلة الخلافة كانت في الواقع منذ اليوم الأول هي مشكلة الحكم الديمقراطي في الإسلام، كما بين ذلك طه حسين في كتابه «الفتنة الكبرى» فلقد حاول الخلفاء الراشدون، كل حسب اجتهاده، أن يحققوا نوعا من الديمقراطية طبقا لمبادئ الدين الجديد الذي يقر المساواة والشورى في تدبير مصالح الجماعة ويصون كرامة الإنسان وحريته، مما جعل الحكم في أيام الإسلام الأولى يمتاز بنوع من النزاهة والعدل.
ولكن، سرعان ما ظهرت عند بعض الأسر القرشية الكبرى نزعة لاحتكار منصب الخلافة لفائدتها مما أدى إلى نشوء التطاحن بين تلك الأسر، ولنشر هنا بقصد التذكير إلى النزاع الذي قام بين بني هاشم وبني أمية، وبين بني الزبير وبني أمية، وبين بني العباس وبني أمية، وبين بني العباس وبني علي، فالصراع على كرسي الخلافة انحصر، كما يرى القارئ، بين بعض الأسر القرشية وسقوط منصب الخلافة في الأطماع الشخصية جعله ينسلخ شيئا فشيئا عن صبغته الديمقراطية التي اكتساها نوعا ما في أيام الخلفاء الراشدين.
وكان من الطبيعي أن تثير هذه الأطماع رد فعل قوي لدى العرب وغيرهم من الشعوب الإسلامية، بحيث أن تلك الفكرة الديمقراطية لم ثمت، بالرغم من سيطرة تلك الأسر على الموقف، فقد احتضنها الخوارج الذين كانوا يذهبون على أن الخلافة حق ما بين جميع المسلمين، الأحرار منهم والأرقاء على السواء.
وكما يقول الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه «تاريخ الإسلام السياسي»، فقد «انظم إلى الخوارج وغذى صفوفهم أولئك العرب الخلص من رجال الصحراء وبخاصة بعض القبائل العربية ذات الخطر والشأن، مثل قبيلة تميم وأبطال القادسية ورؤساء الجند الذين انظم إليهم أولئك المتطرفون في الإسلام من أهل الصيام والصلاة، كما سماهم بذلك الشهر ستاني، ورأوا أن جماعة المسلمين أصبحت في خطر بسبب المطامع الشخصية». انظر ج 1 ص 301)
وكان يمثل الفكرة المناقضة للخوارج الشيعة الذين كانوا يقولون بان الخلافة يجب أن تنحصر في آل البيت ولا تصح لغيرهم.
والمشكلة الثانية تدخل هي أيضا في نطاق تطبيق الديمقراطية الإسلامية، فمن جملة المبادئ التي دعا إليها الإسلام مبدأ المساواة بين المسلمين مهما كانت جنسيتهم وسلالتهم ولونهم، بحيث لم يجعل للعرب وهم قوم النبي أي فضل على غيرهم من المسلمين الذين ينتمون لأمم أعجمية.
ولكن إلى أي حد استطاعت الدولة الإسلامية أن تطبق هذا المبدأ؟ وهل أمكنها أن تمنح للموالي نفس الحقوق التي كانت تمنحها للعرب؟
إذا عدنا إلى تاريخ الدولة الأموية التي تمت في أيامها الفتوحات الكبرى وتوطدت أركان الإمبراطورية الإسلامية، نجد أن هذه الدولة لم تكن تعتمد إلا على العنصر العربي في إدارة شؤون الحكم، فولاة الأقاليم والموظفون السامون، وقواد الجيش، والجند أنفسهم كلهم عرب، وبقاء النفوذ والسلطة بيد العرب على هذه الصورة جعل الموالي يشعرون أنهم مسودون وان العرب هم السادة، وكان لهذا الوضع أثره في إذكاء روح القومية لديهم وفي دفعهم نحو مواقف العداوة والتمرد.
ولقد ثار الموالي على الحكم الأموي، بالفعل، وحاربوا في صفوف الخارجين عليه،فانضموا  إلى الخوارج وشاركوا في فتنة عبد الرحمن بن الاشعت، وفتنة يزيد بن المهلب وغيرهما من الثورات.
وهكذا، نشأت المشكلة الثانية التي كان لها اثر عميق في تاريخ الإسلام، وهي المشكلة الناشئة عن العجز في تطبيق مبدأ المساواة على حقيقته، لقد أراد الإسلام أن يقيد العلاقات فيما بين الأفراد بهذا المبدأ ويحررها من منطق القوة حتى يبقى الضعيف آمنا على حقوقه، إلا أن الحكام، على ما يظهر، لم يقووا على تحقيق هذه الإرادة إلى أقصى حدودها.
هاتان مشكلتان أساسيتان صادفتهما الدولة الإسلامية الفتية حينما انحرف رجالها عن تطبيق الديمقراطية التي جاء بها الدين الجديد، فقد عجزت من جهة، أن تعطي لنظام الخلافة والحكم، بصفة عامة، الشكل الواضح المنطقي المطابق لمبادئ الإسلام، كما أنها من جهة أخرى، لم تستطع أن تجعل من المساواة الإسلامية حقيقة واقعة في العالم الإسلامي.
فمشكلة الخلافة وما أثارته من أهواء جامحة وصراع عنيف هي التي كانت سببا في انهيار دولة الخلفاء الراشدين بعد مقتل علي، وهي التي كانت سببا في انقراض الدولة الأموية فيما بعد.
ومشكلة قدم التساوي بين العرب والموالي هي التي كانت سببا في خلق حزب جديد في الدولة الإسلامية يناوئ حزب العرب، وهو حزب أبناء الشعوب المغلوبة، وخاصة منهم الفارسيين والخراسانيين.
وقد برهن هذا الحزب عن وجوده حينما أصبح عاملا أساسيا يؤثر في تاريخ الدولة الإسلامية واتجاه تطورها فالدولة العباسية التي اتخذناها مثالا لدراستنا إنما هي ثمرة لكفاحه السياسي، وما انتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد القريبة من فارس إلا حادث يرمز بكيفية واضحة إلى أن الدولة لم تعد دولة العرب وحدهم، وإنما هي دولة مشتركة بينهم وبين الشعوب العجمية التي دخلت الإسلام وهذا ما دل عليه فيما بعد دلالة واضحة دخول العناصر العجمية بكثرة في خدمة الدولة العباسية وتقلدها للمناصب السامية على اختلافها من كتابة وحجابة ووزارة وقيادة عسكرية وما إلى ذلك.
وإذن، لم يكن تاريخ الدولة العباسية تاريخا يتكون من أحداث مفككة، كما خيلا ألينا أول مرة، بل هنالك عوامل تعمل في الأعماق وأحيانا في الخفاء، هي التي توجه ذلك التاريخ وتحرس سيره وتغذيه بالأحداث، وهذه العوامل على اختلافها ترجع إلى عامل أساسي واحد وهو رغبة الشعوب في العدل والحكم العادل.
لقد جاء الإسلام في وقته كثورة تاريخية تمثل بالنسبة لسائر الأمم الموجودة آنذاك خطوات جريئة إلى الإمام، فقد نادى بالمساواة بين البشر دون أي استثناء ووضع أسسا جديدة للحكم هي اقرب ما تكون للديمقراطية الحديثة، وهذه الروح الثورية هي التي جعلت الإسلام ينتشر بسهولة ويغزو ضمائر الشعوب ويحل محل العقائد الجامدة المنافية للعقل.
لكن اتجاه الدولة الإسلامية بعد الخلفاء الراشدين وتصرفات رجال الحكم أظهرت لتلك الشعوب التناقض الموجود بين مبادئ الدين وتعاليمه، وبين ما يأتي به الساسة والمتصرفون، وكان الشعور بهذه الظاهرة هو بداية التنافر بين الحاكمين والمحكومين.
التاريخ مرتبط بمطامح الشعوب:
ذلك أن تاريخ الدولة العباسية لم يكن من صنع الرجال الأفذاذ أمثال أبي جعفر المنصور والرشيد والمأمون وغيرهم، كما تصورنا لأول وهلة، وإنما هو نتيجة لكفاح الشعوب الإسلامية في سبيل الحصول على الحكم العادل، لقد ثارت تلك الشعوب على الخلافة الأموية لما تبين لها أنها تسلك سياسة متحيزة للعرب وعملت على قيام دولة أخرى تكون أحفظ لحقوقها فكان هذا هو الأصل في الدولة العباسية.د
لكن الدولة العباسية أن استطاعت أن تزيل الفوارق بين العرب وغيرهم من الشعوب الإسلامية، فإنها لم تستطع أن تحل المشاكل الاجتماعية لتلك الشعوب وإنما اقتصر عملها على ترضية بعض الأسر الفارسية والتركية والاعتماد على شوكتها وعصبيتها، فكان هذا سببا في نشوء قلق جديد داخل المجتمع العباسي.
وهذا القلق تجلى، بصورة عامة في الضعف الذي اخذ يسري شيئا فشيئا للخلافة العباسية، وفي تفككها وانقسامها، كما تجلى في عدة ثورات قامت في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فالبربر في المغرب انساقوا مع دعوة الخوارج وأسسوا عدة دول، والشيعة في الشرق ما فتئوا ينتفضون، وثورة الزنوج والقرامطة ما هي إلا مظهر من مظاهر القلق الاجتماعي الذي يكاد يشابه في شكله الثورات الاشتراكية.
لقد خلق الإسلام في نفس الشعوب آمالا، واحيا فيها مطامح، وحركها للوصول إلى مثل عليا ما فتئ الإنسان يتطلع إليها، وعاد من المستحيل أن لا يتأثر التاريخ بتلك الطاقة الثورية التي حملها الإسلام، فاتجاه التاريخ في عهد الدولة العباسية مقيد، ولاشك، بتلك المطامح التي كانت تحملها الشعوب الإسلامية.
وهنا تعترضنا مشكلة جوهرية: إذا كانت هذه النظرية صحيحة، فما بال ذلك الاتجاه الذي لاحظناه في تاريخ الدولة العباسية لم يصل إلى أهدافه؟ وما بال الشعوب الإسلامية ظلت على ما هي عليه لم تحقق أي مطمح من مطامحها، بل إنها سارت نحو التدهور والانحطاط؟
سؤال لا ينفي وجود اتجاه في التاريخ وإنما يلاحظ أن ذلك الاتجاه يظل بعيدا من أهدافه، ومعنى هذا أن التاريخ يسير نحو وجهته، ولكنه يسير ببطء لا نسبة بينه وبين عمر الإنسان.
بحيث انه قد تمر أجيال وأجيال بل قرون وقرون دون أن يظهر للتاريخ اتجاه في سيره، وقد تتعدد الأحداث والثورات دون أن تصل إلى نتيجة، بل ربما تدهورت الأحوال وسارت من سيء إلى أسوا، وهذا ما حصل بالضبط في تاريخ الدولة العباسية، حيث تكاثرت الأحداث بشكل فوضوي قد يحار فيها المؤرخ.
ومع ذلك، فلا يصح لنا أن نقول أن التاريخ العباسي لم يكن له اتجاه، بل الأولى أن نتساءل هل لم يكن هنالك اتجاه يعمل عمله في الخفاء، وسواء تحققت المطامح التي يحملها ذلك الاتجاه أم لم تتحقق آنذاك، فالذي يهمنا الآن هو أن نعلم أن تلك المطامح هي التي كانت تحرك التاريخ وتغذيه بالأحداث وتضع أمامه أهدافا وقبلة.
وعدم تحقيق تلك المطامح إنما يرجع إلى كون الدولة الإسلامية عجزت في النهاية عن تطبيق النظام السياسي والاجتماعي الذي أتى به الإسلام، وبذلك فقدت قوتها المعنوية وسارت في منحدر التدهور والانحطاط وهذا الانحطاط إنما يصور لنا اليأس الذي أصبحت تعيش فيه الشعوب الإسلامية، بعد أن ظلت حقبة من الزمان يحدوها الأمل والثقة والحماس.
فهو في الواقع يقدم لنا صورة معكوسة عن اتجاه التاريخ، صورة تبين لنا أن الأمم إذا لم تساير التاريخ فغي اتجاهه ولم تقبل سنن التطور الاجتماعي، فإنها تنحل وتنهار، وتفقد شخصيتها كأمة، وتعيش في غيبوبة قد يطول أمدها.
حقا أن كفاح الشعوب الإسلامية من اجل العدالة والديمقراطية لم ينته في العصر الوسيط إلى نتيجة حاسمة، ولكن يبقى مع ذلك أن ذلك الاتجاه وتلك الأهداف لم تمت، ولم تفقد قوة جاذبيتها بالنسبة لكمل الشعوب، إسلامية كانت أم غير إسلامية.
وانحطاط الشعوب الإسلامية ليس معناه أن التاريخ توقف في سيره أو تحول عن وجهته، إنما معناه أن المشعل سينتقل من يد طائفة من الأمم إلى طائفة أخرى، من يد الشعوب الإسلامية التي لم تستطع إقرار الحكم الديمقراطي إلى يد الشعوب الأوروبية التي سيساعدها التطور والظروف على أن تخطو خطوات واسعة في هذا السبيل.
وهذا لا يدل مطلقا على تفوق خاص يمتاز به الأوروبيون وإنما على كون الأوروبيين توفرت لديهم كل الشروط التي سهلت عليهم تحقيق ما عجزت عنه الأمم السابقة، على أن الأمم الأوربية قد استفادت كثيرا من التجارب التي عاشتها الدول الإسلامية.
ومهما يكن، فان تاريخ الدولة العباسية، رغم الظواهر، يدل على وجود اتجاه وأهداف كانت الأمم الإسلامية تنحو إليها وتكافح من اجلها، وهذا ما يلحم ذلك التاريخ ويجعل له معنى ومغزى.
على أننا إذا تركنا الدولة العباسية وكل دول العصر الوسيط والقديم وانتقلنا على العصر الحديث، فسيظهر لنا بصورة أوضح وانصع أن للتاريخ اتجاها محتوما يسير نحوه رويدا رويدا، ولكنه لا ينحرف عنه، ولربما تناولنا في مقال قريب هذا الموضوع على ضوء أحداث العصر.

 

 

 

 
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here