islamaumaroc

الحركة الفكرية يجب أن ترعاها الدولة

  دعوة الحق

45 العدد

أطلعت على العدد الخاص من دعوة الحق الذي عالجت فيه مجموعة من الكتاب المحترمين أزمة الركود الفكري بالمغرب. ولم تكن لي فرصة المشاركة في هذا العدد لمشاغل طرأت، فأحببت أن أدلي بدلوي كما يقال مساهمة في إيجاد حل لهذه الأزمة الخانقة والتي أريد لها أن تكون خانقة.
أما أسباب هذا الركود في رأيي وأرجو أن لا أكون مخطئا – فيمكن حصرها في ثلاثة:

1) أزمة القراء
ويمكن القول بأن مشكلة القراء أصبحت عالمية رغم ما تتمتع به الدول المتقدمة فكريا من عدد وفير من القراء، ولكنه لا يمثل نسبة هامة من مجموع الأفراد المستعدين للقراءة. ومع ذلك، فالدول المتخلفة فكريا كالمغرب- من ناحية عدد القراء على الأقل- يفترض أن يكون استعدادها للقراءة أكثر من استعداد الدول المتقدمة، لأن هذه قد جرفتها سيول المادية فإنصرفت أغلبية القراء إلى المسليات التي تدخل فيها دور اللهو والسياحة والسماع إلى الموسيقى والرقص وغير ذلك مما صرف هذه الأغلبية، بقطع النظر عن مشاغل الحياة التي تعقدت، ووسائل الراحة والكسل التي تيسرت مع ذلك، أما الدول المتخلفة فهي بطبيعة الحال أقل أخذا بوسائل الحياة المادية، وأن يكون في وسع كل قارئ، الحصول على شيء مفيد يقرؤه بأقل ثمن ممكن.
وفي بلاد المغرب توجد مجموعة لا بأس بها من المثقفين والمتنورين الذين لا يكادون يقرؤون شيئا أصلا، حتى الصحف اليومية التي تمكنهم على الأقل من معرفة تطورات الأحوال في بلدهم مهما كان من اتجاه أصحابها. ولا يمكن الشك في أن أزمة القراء تستفحل في الدول الراقية التي بدأت تستخدم الوسائل السمعية إلى جانب الوسائل البصرية، فالطالب أو التلميذ الذي يكتفي بأن يصغي بأذنيه إلى درس بواسطة مسجلة ليهضمه بالتكرار ستتربى له مع الزمن حاسة السمع التي يمكن أن تحل بنسبة كبيرة محل حاسة البصر بقطع النظر عما سيكون لذلك من تأثير على الفكر. وقد لا يكون بعيدا ذلك اليوم الذي يسجل فيه الكاتب مؤلفا بكامله في شريط يباع ويستغل عوض الكتاب نفسه.
ولكن القارئ المغربي سيقطع سنوات وربما عقودا عديدة قبل أن يبلغ إلى هذه المرحلة من تعويض السمع بنسبة كبيرة مكان البصر والفكر (المجهد).
والواقع أن أزمة القراء في المغرب ترجع إلى سلسلة من العوامل التي تشكل حلقات متشابكة. وأقل ما يقال عنها أنها ترتبط بأزمة قلة التشجيع. ثم أن أبناءنا لا يربون على القراءة منذ الصبا فمعظم المدرسين يكتفون بإلقاء دروسهم بواسطة السبورة في المرحلة الابتدائية. ومعظم الكتب المقررة لا تصلح من حيث الإخراج والطبع وأحيانا من حيث التأليف، وما صلح منها يستعمله المعلم وحده غالبا عوض التلاميذ. وآباء هؤلاء لا يأبهون بتكوين خزائن لأطفالهم حسب الطاقة، حتى ينشئوا ولهم ولع بالقراءة التي هي أحسن تغذية للفكر. أضف إلى ذلك ارتفاع تكاليف الكتاب التي تعجز أغلبية الآباء عن شرائه لأبنائهم.
وأهم فئة لدينا من حيث العدد هم أولئك الفتيان والفتيات الذين تتراوح أعمارهم بين سن المراهقة وسن الزواج، وفي هذه المرحلة الخطيرة من عمر الإنسان تشكل عاطفة الحب أقوى النزعات البشرية فيقبل الفتى، والحالة هذه – على مطالعة القصص الغرامية العنيفة، كرد فعل للكبت أو هربا من مجابهة الواقع. وهذه الطائفة لا يمكن صرفها إلى نوع آخر من الإنتاج إلا إذا قدم في إطار مشوق حتى ولو طعم أحيانا بالعنصر العاطفي ولكن في مظهر شريف. وبعد مرور هذه المرحلة يفتر الميل إلى القراءة شيئا فشيئا، باستثناء عدد محدود من الذين يوسعون نشاطهم الفكري أما مدفوعين بسبب تخصص دراسي وإما لمجرد الاستفادة.

2) أزمة الإنتاج
أما أزمة الإنتاج فهي أزمة نوع وكم معا، اما النوع فقلما يتجاوز إنتاجنا المقالة أو البحث ينشر في مجلة أو جريدة، وإذا استثنينا عددا لا بأس به من المقالات والأبحاث التي تطلع علينا بها دعوة الحق ومجلة تطوان وبعض الصحف، فالفقر والرداءة تخيم على هذا النوع من الإنتاج. وكان المفروض أن تكون لدينا مجالات ثقافية متعددة بعد الاستقلال إلا أننا مع شديد الأسف نرى أن كل المجلات الثقافية تقريبا قد اختفت من المنطقة الشمالية بعد الاستقلال، وقد عرفت هذه المنطقة نشاطا فكريا رائعا قبله. وأغلبية الأدباء والكتاب الذين عرفوا بمقدرتهم قبل الاستقلال أنستهم الوظائف السامية أو قتلت فيهم هذه الوظائف نشاطهم الفكري. وكان يمكن أن يخلفهم كتاب ومفكرون من هذه الأفواج المتدفقة من جامعات الشرق بالإضافة إلى جامعة الرباط. ولولا أن أغلب هذه الأفواج انصرفت إلى أنواع أخرى من النشاط، خصوصا في الميدان السياسي، ومع ذلك فليس كل متخرج بأهل لتقديم الإنتاج الجيد والموضوع المبتكر، كما أنه ليس كل من لم يتخرج عاجزا عن تقديم مثل هذا الموضوع وذلك الإنتاج. 
وتطلع علينا الأيام بين آن وآخر بكتاب في موضوع ما، ولكننا لا نكاد نتلقف كتابا من شأنه أن يحرك أقلام الناقدين والمحللين إلا فيما ندر. ونحن نشكو فقرا هائلا في كتاب القصة الطويلة والأبحاث المستفيضة في مختلف العلوم والفنون، والذين يتوفرون على علم غزير قد تعوزهم روح النظام والتنسيق ويعجزون عن الإبداع في التقديم فيتقاعسون عن تأليف الكتب أو يقدمون كتبا تسود الفوضى مادتها وقد تقدم في صورة الكتب التي عرفها عصر الأصمعي، وندر أن يتلاءم التقديم والعرض مع مقتضيات التأليف الحديث، ومعظم كتبنا المنتجة تدخل في ميدان التأليف المدرسي بسبب النقص الذي كانت مدارسنا ولا زالت تشكو منه في ميدان التأليف المدرسي الجيد الملائم للبيئة المحلية. ومن المؤسف أن كثيرا ممن تتوفر لديهم المقدرة العلمية والكفاءة الفنية في التأليف يهملون هذا الواجب طوعا أو مكروهين بسبب ظروف خاصة.

3) قلة التشجيع
وهذه أكبر مصيبة منيت بها الحركة الفكرية في هذه الظروف. فالمغرب يجتاز الآن مرحلة سريعة نحو الرقي المادي ولكنه مقصر في الميدان الفكري أو الروحي على الأصح فشبابنا يتوجه نحو الهندسة والحقوق والطب والمدارس الفنية التي تضمن ربحا ماديا كبيرا وسريعا في آن واحد. والدولة نفسها قد كادت تقصر تشجيعها على أخراج مجموعات متخصصة في الفلاحة أو الهندسة أو الفنون التقنية. وحصول المغرب على عدد كبير من المتخصصين في هذه الفنون الحيوية ضرورة لا مفر منها حتى يصل المغرب إلى شيء مما يسمى بالاكتفاء الذاتي. ولكن حملة الأقلام ورجال البحث والمتخصصين في العلوم التي لا تضمن من ذاتها كسبا يذكر في الميدان الحر كالأدب والتاريخ والجغرافية لا يلتفت إليهم أحد، وربما كادوا لا يلتفتون حتى إلى أنفسهم، ويخيل إلى – والله أعلم- أن المغرب أصبح يشكو فقرا شديدا في هذه العلوم المنتجة ماديا، ونظرة واحدة إلى الأرقام التي تقدمها كلية الحقوق وكلية الآداب بالرباط، ترينا إلى أي حد من الإفلاس قد بلغت علوم الآداب على اختلافها، وأي مدى وصلت إليه علوم القانون التي يضمن فيها الطالب كسبا محققا مستقبلا لا معا.
ومهما يكن من عدد متخرجينا وتخصصهم فالتشجيع الخاص بالإنتاج الفكري ضعيف جدا في المستوى الرسمي كما يندر بين طبقة القراء عامة. ويجب أن لا نغالط مع ذلك أنفسنا، فإنتاجنا في الواقع هزيل في معظمه ولا يمكن ضمان أكبر عدد من القراء ما دام الإنتاج على هذه الصورة. أما الدولة فأولى بها أن تأخذ بيد الإنتاج الفكري، ولن تقوم للمغرب قائمة ما دامت الدولة لم ترع الإنتاج الفكري، فهذه سنة الطبيعة والتاريخ:
أن النشاط الفكري الذي عرفه اليونان والرومان كان لرؤسائهم وأباطرتهم فضل عظيم عليه. وقد كان في القرطاجنيين أمراء وضعوا هم أنفسهم كتبا. والنهضة الإسلامية الجبارة في ميدان العلوم والمعارف كان للخلفاء والملوك فيها معظم الفضل وقد دشن الرسول محمد عليه السلام هذه النهضة بتشجيعه لرجال العلم والأدب كأبي بكر والخنساء وكعب بن زهير وأبي هريرة. وقام كل من المنصور العباسي وهرون الرشيد والمأمون بتيسير سبل العلم عن طريق الترجمة والتأليف وتشجيع الكتاب والعلماء والمؤلفين، والنهضة الفكرية الواسعة التي عرفتها فرنسا في القرون الثلاثة الأخيرة ساهمت فيها الحكومات ورؤسائها بأوفر نصيب، وما قيام نابليون بحملته على مصر التي صحبه إليها مئات العلماء لاكتشاف كنوزها العلمية والأثرية ألا مثال بسيط على هذا الاهتمام بشؤون العلم والفكر، ولم تتوان دول المغرب منذ الادارسة عن نشر العلم وتيسير أسبابه حتى اكتظت خزائن المثقفين بالآلاف من المخطوطات التي لا تزال بقاياها شاهدة على هذا الإنتاج العلمي الواسع. وكان في ملوك العلويين من ساهموا بتأليف عدة مصنفات كمحمد بن عبد الله وسليمان وعبد الحفيظ.
وحتى في أيام الحماية كنا نشهد حركة إنتاج واسعة لولا أن الإنتاج لم يكن يساير في معظمه المناهج الحديثة. وظهرت في هذا العهد مصنفات أبن الموقت المراكشي، وعبد الرحمن بن زيدان والفقيه الحجوي وغيرهم.
أما ركود الحركة الفكرية بعد الاستقلال فيرجع إلى أسباب شرحت بعضها وأذكر منها هنا البعض الآخر وهو:
1) أن وزارات التعليم والمتعاقبة صرفت كل جهودها تقريبا لصالح نشر التعليم الابتدائي ثم التقني ومع وجود تعليم عال أصبح يتسع نطاقه، فإن حركة التأليف والبحث لم تساير هذا التطور السريع لا من حيث النوع ولا من جهة الكم.
2) لم يفكر أحد من وزراء التعليم في أحداث لجنة دائمة ترعى شؤون الفكر أنتاجا واخرجا وتشجيعا. وكان جديرا بالمغرب أن يتوفر على مثل هذه اللجان التي كان من الأنسب أن تنبثق عن المجالس المختلفة للتعليم والتي كان دورها في معظمه سلبيا أكثر منه ايجابيا.
فيكيف أذن ترعى الدولة الحركة الفكرية؟
بل كيف تشترك جهود الباحثين والمربين والأدباء مع جهود الدولة التي يجب أن ترعى هذه الحركة؟

ففيما يرجع إلى الدولة:
1) من الضروري أحداث مجلس على غرار المجلس الأعلى لرعاية الآداب بالجمهورية العربية المتحدة، وإلا فتوسع دائرة المجلس الأعلى للتربية الوطنية الذي يبدو أنه دخل في ذمة التاريخ. ويجب أن يكون من شأن هذا التوسيع فتح المجال لمجموعة من رجال الفكر المعروفين بحماسهم ونشاطهم عمليا في ميدان المغرفة والإنتاج بالإضافة إلى ضرورة توفرهم على النزاهة النفسية حتى ينصبوا من قلوبهم على العمل الفكري، تارة بالتأليف وطورا بالترجمة مع الاهتمام المتواصل بتشجيع الإنتاج الفكري المحلي وتخصيص جوائز عالية ومتعددة لمختلف فورع المعرفة ولا كبر عدد ممكن من الكتب والمنتجين.
2) يجب أن تحدث البلديات الكبرى خاصة جوائز للتأليف والإنتاج الفكري.
3) تنشئ جميع الكليات والمعاهد مجلات وكتبا دورية وتخصص إعتمادات للأبحاث المقدمة باللغة العربية بمشاركة المفكرين والأساتذة وخريجي المعاهد العالية، وتجهز كل كلية معهد عال بمطبعة لنشر الكتب والأبحاث، خصوصا ما ينتجه خريجوها وأساتذتها.
4) تيسر كل الوسائل الممكنة لطلاب الدراسات العليا حتى يقوم كل منهم بالتنقيب والبحث، كل فيما يهم دائرة اختصاصه. وهكذا تفتح اعتمادات للمتخصصين في التاريخ والآثار واللغة والعلوم حتى يدرسوا أولا وقبل كل شيء مناطق وسكان وآثار المغرب المجهولة، ويصححوا أخطاء علماء الغرب، ويتصلوا بالمجتمعات في كل مكان ويدونوا لهجات السكان على اختلافها وكذا عوائدهم وسلوكهم وطريقة معيشتهم وسكناهم. كما تفتح الخزائن التي تتضمن آلاف المخطوطات في وجه هؤلاء الطلاب والباحثين، ويفسح المجال لعدد منهم حتى يتفرغوا للبحث في هذه المخطوطات وإخراجها في أقرب وقت ممكن مع ضرورة تيسير وسائل الطبع حيثما توفرت الدولة على خزانة تحتوي مخطوطات كثيرة هامة. إن الباحث الحق ليكاد يجن عند ما يرى هذه المخطوطات تأكلها الأرضة ويتراكم عليها الغبار، وليس له من وسيلة إلى وضعها في أيدي الناس عامة، وربما حتى إلى أن يطلع عليها شخصيا.
5) يجب أن تهتم وزارة التربية الوطنية بتأليف مجموعات متنوعة من مجلات الأطفال والشباب والقصص والكتب، وأن تفتح أكبر عدد ممكن من الخزائن في مختلف المدن والقرى.
6) يجب أن يحاط رجال الفكر خصوصا عباقرتهم بما يليق بهم من الإحلال، فتقدم إليهم الأوسمة والدرجات الجامعية الفخرية وينصبون حيث يليق تنصيبهم.
قد يقال أن هذه أشياء ستحتاج كلها أو معظمها إلى اعتمادات ضخمة على حسبا الدولة، وقد يقال أنه يجب أن نفكر أولا في تهيئ العيش لآلاف العاطلين لكن الواقع أن لكل من رعاية الفكر ومحاربة البطالة نصيبا من اهتمام كل نصيبا من اهتمام كل الدول الآخذة في النمو. ففي كل من مصر وأمريكا ودول عديدة من آسيا وأفريقيا نسبة كبيرة من العاطلين إلى جانب نسبة كبيرة كذلك من تشجيع العلم والأدب ونشر المعرفة بين عموم السكان. وليس ضروريا أن تموت الحركة الفكرية بسبب البطالة. وأن في تغذية الفكر وسيلة لإطعام أبناء المستقبل.
وفيما يرجع إلى رجال العلم والأدب يجب أن يعملوا لخدمة العلم، وفي استطاعتهم أن ينتزعوا اعتراف الدولة بخدماتهم إذا هم أفادوا العلم بنشره بمختلف الوسائل: محاضرات، أبحاث، مجلات، كتب، مسامرات، الخ.. والدولة لابد أن تشجعهم إذا هم تكتلوا لهذا الغرض النبيل وضمن رجال العلم والأدب، أذكر خريجي الجامعات على اختلافهم. أن الأرقام الاستدلالية والشواش على أبواب المكاتب وما يتبع ذلك من بهرجة فارغة قد أنست كثيرا منهم أن آباءهم ودولتهم، أنفقوا عليهم من المال والجهد نصيبا عظيما لا ليقتعدوا الكراسي الأنيقة ويترفعوا عن النزول إلى خدمة الشعب، وإنما انفق هذا الجهد والتعليم وإنشاء هيئات للنشر والترجمة والتأليف، أو على الأقل ليساهموا بشيء من ذلك في خدمة وطنهم أكثر من الكفاية في إدارات عديدة.
أما الآباء والمربون، فمسؤوليتهم جسيمة في تعويد أطفالهم على حب العلم وتنمية المعرفة منذ نشأتهم. والتلميذ الذي بلغ سنه مستوى الشهادة الابتدائية وهو بعد لم يكون مكتبة يرعاها ويتعهدها بنفسه، محكوم عليه بالفشل الفكري في المستقبل. وأقصى ما يمكن أن يبلغ إليه، بعد، هو أ، يتخرج ورأسه محشو بمعلومات مدرسية بحث سرعان ما ينساها إذا دخل معترك الحياة. ولا فائدة للأمة من شخص يقف حيث تتطور الدنيا بعلومها وأبحاثها، ومن شب على شيء شاب عليه.
 
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here