islamaumaroc

موقف الإسلام من الربا

  دعوة الحق

45 العدد

تحريم الربا:
الواقع أن الأديان السماوية جميعا حرمت الربا وحاربته وأن اختلفت في التشديد والتخفيف والتعميم والتخصيص فاليهودية مثلا لا تحرم الأعمال الربوية إلا بين أتباعها ومعتنقيها من الاسرائليين كما جاء في الإصحاح الثالث والعشرين، أما غير الاسرائلي فيجوز لليهودي أي يرابيهم وهو تحريم جزئي خاص لا يستهدف مصلحة الإنسانية جميعا.. أما المسيحية فقد حرمت الربا تحريما عاما شاملا لا يقتصر على أتباعها فقط ولكن لم توضع أنواعها التي تحرم ولم تفصل حقيقة الربا الذي يمنع، وإنما أكتفت بالتعميم ومشت الكنسية بأقسامها على ذلك تمنع ما تشاء إلى أن جاء المصلح لوثر مؤسس المذهب البروتستانتي فوجد الكنيسة غارقة في المعاملات الربوية، متسامحة مع المرابيين الذين اشتروا رضا الكنيسة بأموالهم وأرباحهم، فثار لوثر على هذه التصرفات، وكانت ثورته عنيفة، فحرم جميع المعاملات التي تشم فيها رائحة الاستغلال أو الغش من قريب أو بعيد، وشدد على الربا، وطعن في هذه الثروات التي تجمع بإسم التجارة وما هي في حقيقتها إلا نتيجة للأعمال الربوية التي لها عنها الرب جل جلاله، وقد كان لوثر في فهمه وتجديده وثورته يساير الروح الحقيقة الصافية للمسيحية ويستمد مبادئه الروح الحقيقية الصافية للمسيحية ويستمد مبادئه وآراءه من الإسلام الذي جاء مصدقا لما بين يديه من الثوراة والإنجيل.. وإذا فالإسلام لم يرحم الربا وحدها في المرابي إلا رجلا فاقدا لإنسانية محاربا لله ورسوله ولا ينظر للربا إلا أنه وسيلة للإثراء على حساب الآخرين، واستغلال لضعف المحتاجين، وطريق لتضخيم رؤوس الأموال عن غير جهد.. وقد جاء الإسلام فوجد المجتمع العربي يلاقي من المرابين أنواعا من الظلم وضروبا من الذل فوقف يجانب أولئك المستضعفين، وأعلنها حربا على الاستغلال وحرم الربا تحريما لا تساهل فيه. «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وأن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون». وهناك قسمان من الربا: ربا النسيئة وربا الفضل وسنتكلم عليهما بتفصيل لنعلم حكم الإسلام فيهما:
1- ربا الجاهلية:
المعروف في الجاهلية هو ربا النسيئة – أخرني وأزيدك- وصورة ذلك أنهم كانوا يقرضون إلى أجل، فإذا حل الأجل ولم يقض المدين زادوه في الأجل مقابل تضعيف الدين نقودا أو إنعاما، ويروي ابن حجر في الزواجر أن ربا الجاهلية كان بالشهور، أي أن صاحب المال كان يقرض المحتاج قدرا إلى زمن معين على أن يأخذ قدرا معينا ورأس المال باق، فإذا حل الأجل ولم يقض زاده في الأجل مقابل زيادة في الحق الشهري.. ولكننا نجد ابن جرير الطبري يصف لنا ربا الجاهلية في تفسير قوله تعالى: «يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة»، فيقول: كان أكلهم ذلك في جاهليتهم أن الرجل منهم كان له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذي عليه المال: أخر عني وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك، ثم يقول فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه.. وقد روى أبن زيد عن أبيه الصحابي الجليل صورة واضحة للتضعيف الذي تعارف عليه المرابون في الجاهلية إذ يقول إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف في السن وفصل ذلك وفي العين والنقود ثم شرح ذلك فقال: يأتيه أي صاحب المال فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا فتكون مئة فيجعلها لقابل مائتين فإن لم يكن جعلها أربعمائة يضعفها كل سنة أو يقضيه.. وبناء على الروايتين فإن الربا في الجاهلية كان بعد حلول الأجل وعجز المدين، وأن المتعارف عندهم من الربا هو الربا الفاحش، والمعروف بالربا المركب الذي لا يقره أي قانون في الدنيا ولا ترضاه شريعة ولا دين، وذلك ما رواه أبن جرير ومجاهد وعطاء وزيد، واستنادا على هذه الروايات نجد الإمام محمد عبده يقول أيضا في تفسيره أن الثابت من السلف في تصوير الربا كله في اقتضاء الدين بعد حلول الأجل ولا شيء منه في العقد الأول، كان يعطيه المائة بمائة وعشرة أو أكثر أو اقل، ذلك رأي الإمام ولم كانت أية البقرة تنص على أن ما زاد على رأس المال فهو ربا (فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) وأنه لمن الظلم الكبير أن تستغل حاجة المحتاج فنفرض عليه عشرين في المائة مثلا في العقد الأول ثم لا ترى في ذلك حرجا ولا آثما ولا أربا، بل هو الربا بعينه يحرم بنفس السبب والعلة التي حرم بها الربا الجاهلي..
ومما تقدم نعلم أن الربا المحرم قطعا ومن غير شك هو هذا الربا المتعارف لدى الجاهلية والذي وصفه الإمام أحمد بن حنبل حين سئل عن الربا الذي ش يشكل في فأجاب: هو أن يكون له دين فيقول له أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقض زاده في المال وزاده في الأجل.

2- ربا الفضل:
وهو القسم الثاني من الربا وقد استحدث بعد مجئ الإسلام وصفته أن يبيع الرجل جنسا بجنس مثله مع تفاضل، والأساس الذي بني عليه تحريم هذا النوع من الربا عند من يحرمه وهم الأغلبية من مشرعي الإسلام هو الحديث المروي عن رسول الله (ص) «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والثمر بالثمر والملح بالملح مثلا سواء بسواء يدا بيد فإن اختلفت هذه الأصناف فيبيعوا كيف شئتم أن كان يدا بيد». وهناك من الصحابة رضوان الله عليهم من أحله وعلى رأسهم أبن العباس وأبن عمر وأسامة وتبعهم أبن القيم الذي قسم الربا إلى نوعين: ربا جليا ظاهرا وهو ربا الجاهلية، وقد حرمه الإسلام قصدا ولا يمكن لأحد أن يحله، وهناك ربا الفضل وقد حرم سدا للذرائع، فهو ربا خفي لم يحرمه الشرع قصدا ولكن حرمه خوفا من أن يؤدي بالناس إلى الربا المحرم، ويستند في قوله إلى أحاديث صحيحة عن الرسول الأكرم « لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرماء أي الرباء» ومنها الحديث الذي رواه ابن جرير والبيهيقي عن ابن عمر : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل سواء بسواء ولا تشقوا بعضه على بعض أني أخشى عليكم الرماء، وفي رواية أني أخاف عليكم الرماء.. فالحديث صريحة إذا في علة تحريم ربا الفضل وهي انقاد الحرام، كما أن هناك من الأحاديث ما يحصر الربا في ربا الجاهلية فقط كقوله (ص) فيما رواه الصحيحان، إنما الربا في النسيئة، وبناء على ذلك وتحقيقا للمصلحة وتخفيفا على المسلمين فقد أحل أبن القيم ربا الفضل وتبعه على ذلك الإمام محمد عبده، والمراغي وكثير من علماء المسلمين..
ولكن اعتقد أن ربا الفضل الذي حرمه الإسلام إنما حرمه قصدا ولا يمكن لأحد أن يحله لما فيه من إجحاف وظلم، وهل يمكن لأحد أن يشتري جنسا بجنس مثله لا يختلف عن الأول لا جودة ولا قيمة، زيادة على إلا أن يكون مضطرا أو سفيها ويكون البيع عندئذ زائفا تستر به للوصول إلى الربا والإثراء على حساب الغير ويكون التحريم فيما اعتقد مقصودا لذاته في ربا الفضل لأنه تدخل من الشارع لحماية المضطر والسفيه اللذين لا يصح منهما بيع.. وأما أن كان التفاضل في الجنس الذي تتفاوت أنواعه وتختلف أصنافه من حيث الجودة والقيمة فلا تحريم مطلقا من التفاضل بينهما لقوله (ص) فإن اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم، ولأنه لا يعقل أن تحمل الناس على أمر لا يعقل فندفعهم إلى التحايل وإلا فكيف يجوز أن نمنع التفاضل في الثمر بالثمر مع اختلافه جودة وقيمة ونحن نشاهد في الأسواق اختلاف عظيما بين أنواعه، فبينما نجد نوعا يباع بثلاثمائة درهم للقنطار نجد الأخر يباع بمائة درهم للقنطار ولا يمكن أن تساوي بين النوعين وما أظن الحديث الشريف يعني مطلق الجنس ولو اختلفت أنواعه..
وبعد فالربا المحرم باتفاق العلماء والمذاهب هو ربا الجاهلية المعروف بربا النسيئة أخرني في الأجل أزدك في الثمن، وأغلب الروايات على أن الزيادة كانت بتخفيف رأس المال لا مطلق الزيادة، أما ربا الفضل فقد علمنا أنه حرم سدا للذرائع وخوفا من الوقوع في الربا وأن هناك من العلماء من أحله للمصلحة، ولكن روح الإسلام تجعلنا نؤمن أن التفاضل في الجنس المتفق جودة ونوعا وقيمة لا يمكن أن يجيزه الإسلام لأنه تحليل باسم البيع لاستغلال المضطر أو السفيه، أما أن اختلفت أصناف وأنواع الجنس الواحد فالتفاضل جائز لا للمصلحة فقط ولكن بصريح لفظ الحديث.. بقيت لنا مشكلة البنوك والمصارف ورأى الإسلام في معاملاتها الربوية وذلك ما سنعالجه في العدد القادم إن شاء الله. 
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here