islamaumaroc

وجهة الثقافة المغربية

  دعوة الحق

45 العدد

إلى أين تولي الثقافة وجهها في الظروف الحاضرة؟ قبل الجواب على هذا السؤال، أسارع لأبين أن كلمة «الثقافة» في هذا السؤال ليس معناها مقدار الحصيلة الفردية لكل مغربي من العلوم والأدب والفنون أو الحضارة، وإنما هي: ذلك الزاد الحضاري القومي المشترك، الذي تتغذى منه ثقافة كل مثقف مغربي على حدة، وينطبع بها إنتاجه، ويتوجه بها سلوكه، وتتأثر بها أحاديثه وجميع مواقفه، أينما تثقف، وكيفما كان لون الثقافة التي علمها.
الثقافة المغربية بهذا المعنى، هي التي نريد في هذا المقال أن نبحث لها عن وجهة، ونحب –تبعا لذلك- أن نراها في أشكالها الحية أولا، والشعبية ثانيا، والوطنية ثالثا.
فالمقصود بالثقافة الحية، مجموع زاد المثقفين ثقافة واسعة في العلم والأدب والفلسفة والاجتماع والأخلاق، في الحالة التي تحتك فيها ثقافة هؤلاء المثقفين بعضها ببعض، لنتصل بعد ذلك بالطبقة الشعبية في المجتمع، فتشارك فيها، وتتأثر بها، وتؤثر فيها، وتتمثلها بعد أن يضعها هؤلاء المثقفون بين يدي الشعب.
ولن يستطيع قائل أن يزعم أنه لا وجود لمن يمثل أصحاب الثقافة الحية هذه في مغربنا الحبيب، بل هم في الوطن كثير، على اختلاف ثقافاتهم واتجاهاتهم وألوانهم وأشكالهم.. ولكنا صدفنا، منذ البدء، عن البحث في الثقافة الفردية لكل من هؤلاء على حدة، لأن ذلك أمر يطول، ولا يعطينا فكرة صائبة عن وجهة الثقافة المغربية بالشكل الذي نريد، لكثرة الأفراد من جهة، ولان الأحكام الخاصة بفرد من الأفراد يصعب تعميمها حتى على ذلك الفرد نفسه في سائر أطواره وحالاته من جهة أخرى.. فإذا رجعنا إلى البحث عن وجهة الثقافة المغربية بالمعنى الذي اتفقنا عليه، أسفنا القول: أن وجهة هذه الثقافة لم تتبلور بعد في اتجاه واضح المعالم والخطوط، ذلك أن أصحاب الثقافة الحية منكمشون على أنفسهم انكماشا تاما، منعزلون عن المجتمع الثقافي انعزالا كليا، جامدون على ما علموا جمودا مريعا، تكاد تحسبهم –معه- إلى الجاهلين أقرب منهم إلى المثقفين، والثقافة –مهما كانت غالية- كالمعدن يفقد نفاسته، وتضيع قيمته، إذا أهملت صقالته ورعايته، وجلاء الثقافة الحقيقي: نزولها من الأبراج العالية، وخروجها من وراء المكاتب والإدارات، إلى قاعات البحث والمحاضرات، ودوائر المناقشات والمناظرات ليقدح الفكر الفكر، ويوري الزناد الزناد، وتنير شعلة الفكر الطريق للسارين، وتتضح معالم الطريق للحائرين، ويظهر للثقافة المغربية اتجاهها السليم.
فأصحاب الثقافة الحية، حينما يحتفظون بثقافاتهم لأنفسهم، ويخفون اتجاهاتهم عن الشعب والوطن، تكاد ثقافتهم هذه لا تنفعهم، وتصبح تجارة بائرة بين أيديهم، ينسونها أو تنسيهم إياها الأيام، إن المثقفين (الأحياء) –إذا صح التعبير- يعيشون اليوم في بلادنا على هامش الحياة الثقافية المغربية، وكان من حقهم أن يغمروا هذه الحياة بجدهم ونشاطهم، فإذا هذه الحياة تغمرهم، وتعمل على ضمور ثقافاتهم، وإخفاء اتجاهاتهم الحقيقية، وما ذلك إلا لتفاوت الثقافات وتنوعها في هذا الوطن: فنجد المثقف العربي يخفي صوت ثقافته العربية على استحياء، مخافة أن يتهم بجهل الثقافة والحضارة، ويصف إلى جانب غير المثقفين «اللامتحضرين»، ونجد المثقف ثقافة غير عربية عاجزا عن المضي بثقافته في المستوى الذي رآه في البلاد التي تثقف فيها، فيخفي صوت ثقافته عن تواضع أو عن غرور: يتواضع إذا علم بضعف ثقافته بين الثقافات الغربية، ويستكبر إذا ظن بقومه القصور عن فهم اتجاهه وسلوكه في الحياة، وهو في الحالين عاجز عن المساهمة في دفع الثقافة المغربية المشتركة إلى وجهة معينة، وسبيل معروفة.
من أجل هذا، يتحمل المثقفون «الأحياء» تبعات جسيمة في سبيل خلق الاتجاهات السليمة للثقافة القومية المشتركة، ولا ينجيهم من هذه التبعة إلا بعض التضحية والإخلاص، التضحية ببعض المنافع والألقاب والأمجاد الشخصية، والإخلاص للثقافة التي علموها، وسمحت لهم ظروف الحياة أن ينفردوا بها من دون سائر الناس في هذا المجتمع المغربي الحبيب..
والثقافة الشعبية في حاجة إلى توجيه الثقافة الحية ورعايتها، ومن واجب المثقفين «الأحياء» أن يأخذوا على عاتقهم رسم الخطط والاتجاهات للمثقفين الشعبيين، فلقد عرف تاريخنا نبوغا شعبيا ملحوظا في الثقافة الشعبية، وذكاء لامعا في المثقفين الشعبيين، ومقدرة خارقة على قول الشعر زجلا ونقدا وحكمة ودورا، وأنه في استطاعة أحدنا – لو كان يهمه الأمر- أن يبحث في التاريخ الشعبي، ليجد لهؤلاء المثقفين اتجاهات ونظريات معينة في الحياة، فيها مظاهر النبوغ والتعقل، وإمارات من الذكاء والحكمة ولكننا في عصر لا يسعنا فيه مزيد من التعلق بالماضي، والتمسح بأطلاله وأمجاده، وإنما يهمنا أن ننظر في واقعنا، لنلتمس فيه لنقائصنا كمالا، ولأمراضنا علاجا، ولتخلفنا إصلاحا، نجدنا مضطرين لان نقرر أن ثقافتنا الشعبية، هي الثانية أيضا، في حيرة، لا يعرف لها اتجاه، لأنها ترتوي من معين الثقافة الحية، وهذه الثقافة لا زالت نائمة راكدة، تمد الشعب بالتأخر والجمود، فيبادلها تأخرا بتأخر، وجمودا بجمود، وهي حالة تناقض كل إصلاح، ولا يرضى عنها ضمير الأمة.
الثقافة الحية، والثقافة الشعبية، تتعاونان معا على خلق «ثقافة وطنية» ونعني بالثقافة الوطنية، ذلك الزاد من الأخلاق والتربية التي يتلقاها أطفال الأمة في المدارس الابتدائية، وفي المنازل، وفي الشوارع والمخيمات، الثقافة الوطنية أساس كل إصلاح وتقدم في المجتمع، تعتمد عليها الأمم الحديثة، في تنشئة الأجيال المقبلة تنشئة صحيحة، وتغرس فيهم العقيدة السليمة، والاتجاهات الوطنية القويمة..
على أن جميع المبادئ والمعلومات التي يتلقاها الأطفال في الصغر يصعب محوها منهم في الكبر.. والمشكلة الخطيرة التي تعترض الثقافة أو التربية الوطنية في بلادنا تكمن في أن هذه الثقافة تلقى إلى التلاميذ في بعض الأحيان بلغة أن كان يتكلمها المثقفون فهي ليست، بحال من الأحوال لغة عامة للشعب، ويقوم بإلقائها وتقريرها في بعض الأحيان الأخرى أناس ليسوا من هذا الشعب، ولا من عاداته، ولا من مبادئه، ولا من أخلاقه، إننا مضطرون لان نسلم مع كل احد، أن هذا الوضع إنما هو أمر مؤقت ومرحلة انتقالية ألجأت إليها الضرورة.. ولكننا مضطرين أيضا إلى أن نضيف إلى ذلك أن هذا الوضع المؤقت وهذه المرحلة الانتقالية ستحدثان لنا جيلا انتقاليا مضطربا.. لا وجه لثقافته الوطنية.. ولا ندري متى يدركه الاستقرار ولا متى يعرف الاطمئنان، وليست تبعة ذلك على هذا الجيل، وإنما هي جناية الأيام، وجناية الآباء على الأبناء (جناية الثقافتين، الحية والشعبية، على الثقافية الوطنية) إن أحببنا أن نكون صرحاء، وإلا فما ذنب الطفل، وهو لم يتلق في المدرسة ولا في البيت شيئا من مقومات عربته ومبادئه، إذا لم ينشأ عربيا أو نشأ على غير مبدإ؟ اعتقد أنه لا لوم عليه إذا لم يكن لثقافته وجه، مادام الكبار أنفسهم يسيرون على غير اتجاه.
ولو شئنا أن تقبل عذر كل ذي عذر، لما ألقينا تبعة عدم وجود وجهة للثقافة المغربية على أحد، ولبرانا ساحة الجميع، ولكن هذا ليس بشيء، على النائمين أن يفيقوا على أصوات التقدم، وعلى الجامدين أن يتحركوا على أنغام العمل، وليصغ كل منا يسمعه إلى ضمير الأمة يصيح في أعماقه مهيبا به إلى التضحية والإخلاص، أن بلادنا تمر بفترة انتقالية في ظروف عصبية، وبعقبات لابد من اقتحامها، ولكننا سنستعين على هذه الظروف، وعلى هذه العقبات بأنفسنا: فالذي وضعته ظروف ثقافيته في قالب من الجمود عليه أن يثور على هذا الجمود باعتقاده أنه اكبر من هذا القالب الذي فرض عليه.. والذي وضعته الظروف، خطأ، في صف المثقفين، وكانت الثقافة تبرأ منه، تقتضيه التضحية ويقتضيه الإخلاص أن يظهر على حقيقته للناس، ويتأخر بتقدم غيره.. والذي أجهده الكفاح، وشهدت له الأمة يوما بذلك، يقتضيه شرف الكفاح أن يثبت على ذلك، أن هذا كله سهل ويسير على ذوي النفوس الكبيرة الذين يرعون مصلحة الأمة والشعب، ويهمهم أن يتقدم هذا الشعب ويسير.
على أن مشكلة الاتجاهات الثقافية في البلاد: لا يحلها فرد، ولا يمكن أن تتمثل في مقال أو كتاب وإنما تشترك في حلها «أمة» وتساهم في خلقها «مجموعة» تتدرج بها نحو التفتح والنمو، ثم ترتقي وتتقدم –مع الأيام- لتصبح اتجاهات عامة سائدة، وخطوطا كبيرة متفرقة، يعيشها كل مثقف، حيا كان أم شعبيا أو وطنيا، يعيشها إذا تحدث أو خطب أو كتب أو فكر أو تعلم.. وحينئذ تستطيع أن تضع يدك على مجلة، أو تستمع إلى حديث في إذاعة، أو تدخل إلى محاضرة في ناد أو جامعة، لتجد فيها الاتجاه الثقافي القومي المنشود.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here