islamaumaroc

بعد مرور سنة على استقلال موريتانيا لا يمكن أن تتوفر فيها شروط الدولة

  دعوة الحق

45 العدد

في اليوم الثامن والعشرين من شهر نوفمبر الماضي مرت سنة كاملة على الاستقلال المزعوم الذي منحته فرنسا لموريطانيا، وأعلنه السيد ميشيل دوباري أمام أربعين نفرا أطلق عليهم منذ مدة نواب الشعب الموريطاني.
ولن نعني في هذا المجال بالأحداث ذات الصبغة الخطيرة التي سبقت وأعقبت ذلك اليوم من العام الماضي، كما لن نتطرق إلى بسط الملابسات القانونية والدولية فذلك ما تعرضنا له مرارا على صفحات هذه المجلة وأصبح محل فهم دقيق من طرف جميع المتتبعين للقضية الموريطانية.
والذي سنعنى في هذا الحديث بتحليله وإلقاء الضوء عليه أو التذكير به هو ما فعله المتآمرون في غضون السنة المنصرمة، والفشل الذي كان يلاحقهم وهم يحاولون إنهاض جمهوريتهم العجيبة على قدميها الخائرتين.

لم تكن الوضعية السياسية في نهاية 1960 مشجعة للمضي في تنفيذ المخطط الذي كان معدا لموريطانيا، فحزب النهضة الذي شهد بعثا جديدا في تلك الفترة بمناسبة الحملة الانتخابية البلدية وتنسيق الجهود بينه وبين الحزب الاشتراكي الإسلامي، والتضعضع الذي ظهر محققا في صفوف الحزب الحاكم «حزب التجمع الموريطاني» بعد تبلور الخلاف بين كتابه العام المختار ولد دادة ومديره السياسي المختار انجاي، خلقت هذه الظروف الجديدة وضعا غير متوازن في التقابل السياسي، وجعل الأفكار الوطنية والوحدوية تستقطب مزيدا من العناصر الواعية والمناضلة.
وكان لابد لابن دادة أن يختار التصالح والتعاون مع المعارضة، قبل أن تؤدي به عزلته المتزايدة إلى التطويح به في نهاية الأمر. وهكذا أصدر في 29 غشت 1960 بيانه الشهير لا باعتباره رئيسا للحكومة ولكن بوصفه أمينا عاما لحزب التجمع، وجاء في ذلك البيان الذي دعا فيه إلى الاتفاق مع أحزاب المعارضة حول مائدة مستديرة «بأنه قد حان الوقت للوصول إلى حل يرضي الجميع» وأنه أي المختار ولد دادة «مستعد باسم حزبه للدخول في هذا التفاوض بإخلاص وحسن نية».
وكانت المعارضة تعرف حقيقة هذا الداعي، ومتأكدة من أنه إن كانت للمختار قوة وشكيمة فإنهما مستمدتان من الوجود الفرنسي في موريطانيا، وبدافع من غيرتها أرادت أن تعطيه فرصة أخرى ليبرهن على النية الحسنة التي ادعاها لنفسه ولحزبه الرمزي وإذا تم ذلك على الوجه المرغوب فلا شك أن العزلة سوف تتحول عنه إلى الاستعمار نفسه، وتصبح موريطانيا متحررة إذا صلحت العزائم وتكتلت الصفوف.
وبالفعل فقد اجتاز الزعماء الموريطانيون الخمسة حدود السنيغال نحو نواكشوط معتقدين أنهم سيجدون النوايا الحسنة في انتظارهم، ولكن ماذا وجدوا؟ الكل يعلم أن ذلك النداء المفعم بالطيبة والكرم لم يكن سوى شركا وقع في الزعماء الذين أصبحوا بعد ساعات من وصولهم سجناء قرية (تشيت) في الحوض الموريطاني.
ولم يمر ذلك بالسهولة التي تصورها (بورغارال) مدير الداخلية آنذاك، لان الجماهير أخذت هذه المرة زمام المبادرة، ومرت الشهور الأخيرة من السنة الماضية مسجلة أحداثا في منتهى الشدة لاحظها جميع الذين حضروا حفلات الاستقلال المزيف. وظل الحال كذلك حتى بداية شهر مارس الذي بدأ بأنه كان توقيتا للقيام بعمل واسع ضد الفرنسيين وحكومة ولد دادة.
ولم يكن الفرنسيون ومن ورائهم حكومة موريطانيا يظهرون من القلق بمناسبة اتساع العمل المباشر بالقدر الذي أظهروه إزاء طرد المندوبين الموريطانيين من الأمم المتحدة عند ترشيح الإقليم لأول مرة. ولا شك أن خوفهم من انكشاف الحدود الشمالية والشرقية بدون أن تكون هناك ضمانات دولية هو الذي حملهم على معاودة حديثهم عن التصالح الوطني بقصد تمتين الوضع في الداخل، والاستعانة بذلك في إدخال موريطانيا في حظيرة الأمم المتحدة.
وهكذا وضعت سنة 1961 تحت شعار «الاتحاد والوفاق»، فاجتمعت المائدة المستديرة في 20 مايو، ووالت اجتماعاتها التي كان يعترضها استمرار رفض ابن دادة لشروط المعارضة، غير أن ابن دادة كان يعد دائما ويمني بأن كل شيء سيسير وفق ما يريده حزب النهضة إذا ما أيده في معركة تعديل الدستور وانتخاب الرئاسة.
وكان ما أراد ابن دادة. ولن يتحقق إلا القليل مما وعد به المعارضة وحتى الحكومة التي كان مقررا أن تكون شطرا بين الحزبين الكبيرين أخذت جل مناصبها العناصر المؤيدة للوضع. وأتي قبول موريطانيا في الأمم المتحدة ليفتح الأعين على حقيقة كبرى وهي أن التصالح الوطني قد أدى دوره المطلوب منه أداؤه، فقد قام بالتأثير على بعض الدول واظهر لها أن موريطانيا تقف كلها وراء الحكومة الصورية. وإذا فلا مانع من أن تعود المعارضة إلى وضعها كجماعة تكافح بكل الوسائل وأن تقنع فقط بأداء الرسالة التي هيئت لها وهي أن تسبح بحمد منقذ الأمة وزعيمها الأوحد: المختار ولد دادة (!).
وأن تطور الأوضاع السياسية بالداخل على هذا النحو، واستمرار ترديها مع توالي الأشهر، على الرغم مما يحاول الحكام في الإقليم الموريطاني أن يظهروا به في الخارج وعلى الرغم مما يضفونه على «دولتهم» من مظاهر السيادة والاستقرار والتمركز الدولي، كل ذلك يجب أن يقرر بتعميق الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والدستورية، لان من شأن هذا التعميق أن يجعل حكمنا على حقيقة هذه «الدولة» حكما في محله، وغير متأثر بالعواطف أو الهوى.
ولعل أول ما يتبادر إلى ذهننا هو العرض الذي قدمه المختار ولد دادة أمام ما يسمى بالمجلس الوطني الموريطاني يوم 25 نوفمبر 1960 وأطلق عليه «البرنامج المستعجل» فقد تضمن الخطوط الدقيقة لما ستنهض به الحكومة المزعومة في ظرف سنة. ومرت سنة كاملة، فماذا كان نصيب المشاريع الكريمة من التحقيق؟
لقد كان البرنامج – الذي كان المفروض أن يكون الإطار الذي تشهد ضمنه جميع مجالات النشاط بروزها وسيرها – موضوعا تحت شعار «التقشف» حتى أن أبن دادة تحايل أكثر من مرة على استعمال كلمة «الضغط على الميزانية» «والتقنين في المصاريف» «واللجوء الأدنى»، ولكن الذي لوحظ بعد أيام فقط على الاستماع إلى عرض ابن دادة، أن هذا الرجل قد ضغط على كل شيء إلا على المصاريف، بل ولوحظ فوق ذلك أن الشعار الذي وضع تحته البرنامج وهو التقشف أصبح لا معنى ولا مكان له، وأصبح هناك شعار جديد هو الرشوة والفضائح المالية.
والذي تتبع نشاط حكومة موريطانيا خلال هذا العام يجد أن المشاريع الوحيدة التي صرفت فيها أموال الصدقة الفرنسية تتخذ لها أسماء غريبة، ومن بين هذه الأسماء: - الاستمالة- والتعويض التعاوني- والتعويض التقاعدي-، ولقد صرفت مبالغ تقارب خمسة ملايين فرنك إفريقي في صنع الأوسمة الشرفية التي وزعت بدون مقياس أو مناسبة خلال شهر يوليو الماضي، ولم تخرج المصاريف الجديدة التي تصورت حكومة موريطانيا أنها ستترتب عن «السيادة»، لم تخرج عن نطاق الحفلات والولائم والجولات عبر العالم. ولا شك أن المسيو كومبايي وزير مالية موريطانيا الذي أقيل قبل أسابيع عنده الكثير مما يقوله في هذا الموضوع فقد كانت له إدارة تشبه «إدارة الشؤون الأهلية» مهمتها التعرف على المستحقين والبحث عن الجيوب والبطون الفارغة التي تحتاج إلى العناية والالتفات.
ويظهر أن أكبر رشوة عرفتها موريطانيا حتى الآن هي المائة مليون فرنك إفريقي التي قبضها المختار انجاي عند رجوعه من بون حيث مثل موريطانيا في المجلس البرلماني للسوق الأوربية، فقد نفحه المكتب المركزي للمنظمة المشتركة لاستغلال خيرات الصحراء بالمبلغ المذكور مقابل تعهده بأن يحمل «المجلس الوطني الموريطاني» على الموافقة على دخول موريطانيا في المنظمة.
لقد تصاعدت رائحة هذه الرشوة في سماء نواكشوط واضطر ابن دادة إلى توجيه سؤاله المشهور أمام النواب الذين كانوا قد انقسموا على أنفسهم، ونامت القضية في نفس الوقت الذي أعلن فيه أن التحقيق سيجري في الموضوع.
                                                      ***
ونحب أن نتساءل فوق ذلك عن حقيقة الملايير الثلاثة التي تشكل الميزانية العامة وميزانية التجهيز التي حددت سنة 1961 لصرفها في وجوه عينت بدقة عجيبة ولكنها لم تخرج عن النطاق النظري.
أن هذه الميزانية كما قلنا تبلغ ثلاثة ملايير فرنك إفريقي أي ستين مليون فرنك فرنسي ثقيل وهذا القدر الضئيل بالنسبة لبلاد واسعة تضم خيرات حيوانية ومعدنية غير محدودة يدل على أمرين اثنين.
أولهما: ضعف المداخيل، ذلك الضعف الذي يرجع إلى امتناع المواطنين وخاصة في المنطقة الشرقية ونحن نتذكر هنا أن أصحاب القطعان في نواحي (النعمة والعصابة وتاكانت) امتنعوا عن دفع الترتيب، معللين ذلك بأن حكام نواكشوط لا يقصدون من جمعه تعزيز الخزينة العامة ولكن مضاعفة دخلهم الشخصي على حساب الفقراء من صغار مربي الماشية.
وثانيهما: الكرم الحاتمي الذي لا زالت تتبعه مصلحة الاقتصاد الوطني الموريطانية مع شركة «مفيرما» التي تستغل الحديد في «كدية الجلد» ومن المعروف لدى الجميع أن ابن دادة قد أعفى هذه الشركة من دفع أي مبلغ للخزينة العامة ما دام ميناء بوراتيان لم يبدأ في شحن فلزات الحديد إلى الخارج.
ومن شأن ضعف المداخيل التي لا تغطي سوى الثلث من ميزانية التسيير ولا تساهم بأية نسبة في ميزانية التجهيز، من شأن ذلك أن يضع وزارة الاقتصاد في نواكشوط أمام مشكلة توازن الميزانية وتلافي الخلل الناتج عن العجز الذي يبلغ 65 في المائة من مجموع أرقامها.
وهنا يلعب ابن دادة ورقة «الاستجداء» ويستغيث ببنود الوفاق الفنية التي عقدت مع فرنسا.
وتسرع فرنسا التي يهمها جدا أن تتضاعف حاجة موريطانيا إليها فتسعف الموازنة الموريطانية بخمسين في المائة أي بمليار ونصف المليار من الفرنكات الإفريقية، وتتعهد من ناحية أخرى بالمشاركة في تسيير الخزينة العامة والتفتيشية المالية بثلاثين مليون فرنك إفريقي.
وإذا كان التوازن النظري قد تم بين المداخيل والمصاريف في الموازنة الخاصة بالتسيير، فهل معنى ذلك أن الميزانية الموريطانية – كما تفاءل بذلك المختار ولد دادة – قد استقامت وأصبحت شيئا حقيقيا؟
الواقع أن عناصر جديدة قد تضافرت لتجعل من الأرقام التي اجتهد في ترتيبها المسيو كومبانيي وزير المالية السابق في موريطانيا. أرقاما جامدة مستقرة فقط على ورق الجريدة الرسمية. فالمصروفات غير المرئية، ومخصصات الاستمالة والرشوى وأعطيات التقاعد دعت المسيو كومبانيي اعتبارا من شهر يوليوز إلى أن يسافر إلى باريس ويقف على باب خزينة فرنسا طالبا الصدقة من جديد للجمهورية المسلمة الفقيرة.
إننا قد نصدق ابن دادة عند ما يدعي وجود أي شيء في موريطانيا إلا أن يزعم بأن كلمة الميزانية لها معنى في تلك البلاد، فهذا شيء يدعو للضحك من دون شك ولا يمكن أن يصدق.
                                                ***
وإذا بحثنا عن المنجزات التي تم إرساؤها في الميدان الاجتماعي بإقليم موريطانيا فلن نجد أي جديد أو أي تقدم منذ استلام ابن دادة الحكم رسميا حتى الآن ولو كان بين يدنا فقط ما صرح به المسئولون في الإقليم من أن اهتمامهم في ظرف سنة كان منصرفا إلى توسيع العاصمة وتغطية المصاريف الجديدة التي اقتضاها نقل الاختصاصات وخاصة مصاريف القوة العمومية والدبلوماسية وتوسيع المصالح الإدارية، لو كان الذي بين يدنا هو هذه التصريحات فحسب، لصرفنا النظر عن الحديث على المشاريع الاجتماعية ولكن هناك أمران يلحان علينا كل الإلحاح في عدم إغفالها بالرغم من ذلك، أول هذين الأمرين التخطيط الاجتماعي الذي وضعه ابن دادة في برنامجه المستعجل المشار إليه في الفقرات السابقة ولم يكن يجد حرجا في الإشارة إليه كلما واتته الفرصة لمواجهة المجلس الوطني، والأمر الثاني هو شدة اهتمام الرأي العام الموريطاني، الذي ظهر في التجمعات على اختلاف إشكالها بهذه الناحية التي تشكل في نظره ضرورة تستوجب الأولوية بالنسبة لغيرها من المشاريع.
ونذكر قبل كل شيء الوعود التي قطعها ابن دادة على نفسه وعلى حكومته المزعومة في البرنامج المستعجل العام لسنة 1961. وتقضي تلك الوعود من ناحية الصحة العمومية بتجهيز المصالح الآتية:
35 مستوصفا قرويا، 13 مركزا طبيا، 7 دور للولادة، ثلاث مستشفيات.
أما في ميدان التعليم فكان الوعد المقطوع أن يتم إحلال اللغة العربية محل اللغة الفرنسية كلغة رسمية للبلاد بخلاف ما ينص عليه الدستور الموريطاني (1) وكان قرآنيا، وإنشاء مدرستين عربيتين، واستقدام مدرسين من تونس والعراق ومن بين أفراد الجالية الموريطانية في المملكة العربية السعودية ومصر (!).
أما فيما يخص العمال الموريطانيين، فسنة 1961 كانت توقينا محددا لإدماجهم في الحياة الاقتصادية وتكوينهم مهنيا وتكتيلهم في نقابة واحدة أطلق عليها قبل أن تظهر للوجود «النقابات الموريطانية المتحدة».
هذا هو الذي رسمته حكومة ابن دادة للسنة الحالية، ولكن ماذا رسمه القدر لهذه المشاريع وفي هذه السنة الحالية بالذات؟.
نظن أن المسئولين في الإقليم لا يتهربون من الاعتراف بأنهم لم يحققوا شيئا، فلا زال هناك طبيب واحد يعالج أبناء غلبة الناس، ولا زالت مسألة التعليم حيث كانت قبل سنتين إذا استثنينا مدرستين  تابعتين للبعثة العلمانية الفرنسية في نواكشوط أطلق عليهما اسم «إبن دادة». أما العمال فإنهم أصبحوا يقبعون شيئا فشيئا على هامش الاقتصاد الموريطاني ويحل محلهم العمال الإسبان القادمون من جزر الكناري أو السود القادمون من السينغال.
?   ?   ?
إن هذه الجوانب الهامة تؤكد انعدام الأسس التي تقوم عليها أو يتصور أن تقوم عليها دولة مهما كان نصيبها من التخلف ضئيلا.
ولعل بعض الناس يتهمون أن هذا الإقليم وإن كان لا يستطيع أن ينهض بسرعة نظرا للمشاكل التي تحيط به على اختلاف أشكالها ودرجاتها، فهو يتوفر على الأقل على بذور للتطور تدعو للتفاؤل، ومن بين هذه البذور التقاليد الديمقراطية التي أصبح يأخذ بها الحكم في موريطانيا.
إن أحدا لا يمكن أن ينكر ذلك ولكن الذي نريد إلا ينكره أحد أيضا هو العنت الذي تلقاه الأفكار والحريات باسم «الديمقراطية الموريطانية نفسها» ولعله مما يجب التذكير به هو الايعازات التي كانت تصدر عن المجلس التشريعي ضد الهيئات والأشخاص. ولقد أصدر هذا المجلس إلى السلطات التنفيذية – وهي فرنسية طبعا- بالعمل أثناء حوادث فبراير و 9 مارس 1961، ومن المناسب أن يسأل المرء عن أمر هذا المجلس الذي هو الرمز الوحيد للديمقراطية وكيف تطور «كيانه» في خلال هذا العام؟
يمكن أن نقول بأنه مظهر فريد في العالم من مظاهر شذوذ النظام والحكم بوجه عام، وهذا المظهر الذي يدعوه الباحثون في نظم الحكم «بالديمقراطية الضامرة» يصور لنا أوقع ما يمكن أن يضحك به حاكم على ذقون المحكومين وأقوى ما يمكن أن يتجنى به على الديمقراطية.
لقد جمع الاستعمار الفرنسي عام 1958 – إبان حكمه المباشر- خليطا من النماذج البشرية تجمعها صفتان لازمتان منذ ذلك الوقت حتى الآن وهما التملق والخيانة.
وإذا كان هذا المجلس يذكرنا بشيء من خلال مواقفه الطريفة، فهو يذكرنا بالمجلس التشريعي الذي كان السلطان عبد الحميد العثماني قد عينه في نهاية الإمبراطورية، ولم يكن يملك من الأمر إلا أن يردد العبارة التركية التي أصبحت مثلا فيما بعد وهي «أوت أفندم» أي نعم يا سيدي.
ولو كان هذا المجلس يقف عند الحد الذي يجعله فقط وجها مشوها وكاذبا ومضحكا للديمقراطية ولو كانت الطريقة التي تم بها اختيار أعضائه من بين خونة وجهلة من الموريطانيين ومن بين الفرنسيين أنفسهم، لما استوجب منا وقفة خاصة. ولكن الذي يدعونا إلى ذلك كما قلنا هو الصفة التقريبية التي شاءت إرادة الاستعمار أن يتصف بها، والدور الخطير الذي دفع ليلعبه في تقرير مصير الإقليم الموريطاني ثم الأهمية التي تعلقها دول غرب إفريقيا على التقاليد الديمقراطية، تلك التقاليد التي ورثتها موريطانيا عن اندماجها السابق في إفريقيا الغربية الفرنسية طيلة نصف قرن.
لقد كان الحرص شديدا على أن تكون كلمة المجلس هي الفاصلة في نقل سلطات الإدارة الفرنسية إلى حكومة ولد دادة، وفي إبرام الوفاق الفرنسية الموريطانية ثم في تعديل الدستور وتفضيل النظام الرئاسي، وأخيرا في المناداة بابن دادة رئيسا للجمهورية وللحكومة.
وكان المجلس يتطوع في كل مناسبة بمهاجمة المغرب واتهامه بالتوسع والتحريض الأمر الذي اتخذ منه الجيش الفرنسي سندا للقيام بجرائمه المشهورة وخاصة خلال شهر مارس الماضي كما مر بنا.
وإذا قطعنا النظر عن الكيفية التي تم بها انتخاب الأربعين نائيا وعن التوزيع التمثيلي الذي يجعل لبعض المناطق الخالية من السكان نصيب الأسد من ناحية كمية النواب، وحتى إذا سلمنا جدلا بأن كل ذلك كان صحيحا لا طعن فيه، فلا يمكن أن نتجاوز عن مشكلة هامة وهي وجود هذا المجلس كواقع حي في موريطانيا.
لقد أسفرت انتخابات سنة 1958 عن تنصيب أربعين نائبا، ولكن منذ الاجتماع الأول لم يكن يحضر اجتماعات المجلس – حتى بصفة غير منظمة- سوى اثنين وثلاثين.
وبعد مرور سنة واحدة توفي أحد الأعضاء المداومين، وبعد أشهر قتل نائب إطار عبد الله ولد عبيد، وبعد أشهر أخرى انسحب المختار انجاي مع عضو أخر، وبعد ذلك بمدة عين ثلاث نواب كسفراء لموريطانيا في واشنطن وتونس والأمم المتحدة وعند اجتماع المائدة المستديرة أقال ابن دادة النواب الفرنسيين الخمسة في المجلس الوطني الموريطاني.
إذا فالمجلس لم يعد يضم بين جدرانه سوى فئة قليلة لا تبلغ النصف، ولا يمكن أن تسجل الأغلبية النسبية ورغم ذلك فلا زال ابن دادة يفكر في أن يطيل حياة هذه المؤسسة المنهارة سنتين أخريين حتى يتمكن من إتمام مؤامرته بعيدا عن الشعب من جهة، وحتى يضمن لنفسه التفوق المطلق على أمثاله من مزوري إرادة الشعوب والمستخفين بالرأي العام.


 (1) الفصل في المادة الثالثة من دستور موريطانيا بنص على أن اللغة الوطنية في موريطانيا هي العربية، واللغة الرسمية هي الفرنسية (صدر الدستور 22-3-1959).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here