islamaumaroc

نظرة جديدة في أزمتنا الأدبية

  دعوة الحق

45 العدد

لعلي، وأنا أزمع على طرق هذا الموضوع، أشبه بمن يزمع على نبش قبر.. والجثة نتنت.. وتهرأ عن بقاياها الكفن..
ذلك لان الأزمة الأدبية عندنا، تداولها البحث منذ فجر الاستقلال، وتنوعت الأقلام والمواهب والمقدرات التي عالجتها.. وقد عولجت هذه الأزمة في شيء من الوعي، وفي شيء من الشمولية حينا، وفي كثير من السطحية والارتجال والتجزئة في كثير من الأحيان.. ثم أهملت، وهجر التحدث عنها، تماما كما تهجر المائدة بعد الشبع، وهي لا زالت حافلة..
بيد أن كثير من هؤلاء الباحثين أنكروا بتاتا، وجود أزمة أدبية في بلادنا، لأنهم أنكروا أصلا، أن لنا أدبا.. بل، وشك بعضهم كثيرا في إمكان أن يكون لنا أدب.. وكانت حدود أبحاثهم، في أكثر تكاد تقف عند مناقشة هذا السؤال المكرر: هل لنا أدب، حتى نشكو من أزمة أدبية؟.
ويبدو أن هذا سؤال غير مشروع، بل إنني أكاد أعتقد أنه هازل، إذ ليس من المشروعية في شيء أن نتساءل: هل في المغرب حياة؟ هل فيه أمة وقومية وأهداف؟ هل فيه إنسان؟ والسؤال الأول يحمل، ضمنيا، كل هذه الأسئلة، فما من أمة بلغت درجة من الرقي والوعي، وآمنت بقومية، وتطلعت إلى مجموعة أهداف إلا وظهر هذا الوعي، وهذا الإيمان والتطلع في محاولاتها الأدبية.. ولعل من العسير جدا إنكار معالم النهضة الأدبية، والفكرية عامة، التي تطل براعمها في بلادنا، ولعله ليس من اليسير أيضا إثبات التهمة الموجهة إلينا كتهربيين متسلخين من قوميتنا وأهدافها، بل يخيل إلى أن هؤلاء الباحثين الجادين أنفسهم يؤمنون بوجود تيار قومي عربي تحرري، وتيار فكري أدبي هادف، وما ساقهم إلى وضع مثل هذا السؤال إلا الحاجة القومية لتسويد وجه الصحف.. وإلا، فكيف ينكرون وجود أدب مغربي وأزمة أدبية، وهم في اللحظة نفسها، ينتحلون ألقاب: (شاعر، ناقد، أديب، كاتب..) ويلتحفونها، ولا يقبلون بوجه أن تخلع عنهم..
نعم، قد يكون الأدب، في أمة ما، ذا مستوى أخفض، بكثير أو قليل، عن مستوى الآداب العالمية الكبرى، وهذا ما لا سبيل إلى إنكاره بالنسبة للأدب المغربي، فإن حركتنا الأدبية لا تواكب الآداب العالمية في تياراتها الفكرية، ومفاهيمها الجديدة، بل إننا متخلفون، بشكل بارز، عن ركب الأدب الشرقي نفسه، رغم الصلة الوثيقة بيننا وبينه في لغة الأداء، وفي القضايا والأهداف المشتركة، في الآلة والمادة الخام..
وأسباب هذا التخلف أنواع.. إلا أن أخطرها ينبع من داخلنا، من نفسيتنا.. بينما نحن، كلما شعرنا بخطورة تخلفنا عن غيرنا، سعينا إلى تبريره بأعذار وبأخرى، متملصين من مسؤولياتنا، فنفتعل حالة المجبور ساقته، وتسوقه قوى خارجة عن إرادته.. إذ نعدد عوامل كثيرة تفوق ازدهار الأدب والفكر في بلادنا، ونكاد نفرغ كل هذه العوامل عن أصل واحد، هو تدخل الاستعمار في حياتنا الفكرية طيلة المدة التي تدخل أثناءها في حياتنا السياسية والاقتصادية.
إن تدخل الاستعمار هذا، هو العائق الأول الذي تستولده بقية العوائق الأخرى.
ومن هذه العوائق التي تستولدها كذلك، مشكلة عدم الانسجام الثقافي، فالتدخل المستخدم المحطم هو الذي صدع الوحدة الفكرية في بلادنا، حيث كان من تخطيطه عدة مناهج للتعليم كل منها يبتعد عن الآخر.. فتنوعت بذلك ثقافات أفراد الشعب، فثقافة فرنسية وأخرى عصرية، وثالثة دينية، أي أن كل فرد من أفراد الشعب كانت له مع هذا التصدع الثقافي، مفاهيم وقيم تغاير، بل قد تعاكس، مفاهيم وقيم الآخر.. هذا مع العلم أن أكثر من ثمانين في المائة من الشعب لا يكتبون لأن الاستعمار وقف في طريقهم حاجزا بينهم وبين التعلم.. وهذا بالطبع لا يساعد، بل ويعوق خلق أدب متكامل منسجم..
ومن هذه العوائق، التي تمخض عنها الاستعمار، عدم توفر المجال للنشر.. فدور الطباعة التي تشرك الأديب في الربح، وتتحمل وحدها الخسارة، منعدمة في بلادنا، وهذا ما جعل الأديب ينتج، ويبقى إنتاجه في الدرج، أو يعرف مقدما أن إنتاجه لن يرى النور.. فلا يكتب.
ومنها أيضا عدم وجود القارئ الواعي، الذي يستهلك ما ينتج الأديب المغربي، أو قل، يستهلك ما ينشر منه.
والخلاصة، في رأي معالجي أزمتنا الأدبية، أن القضية كلها عدم في عدم، والنتيجة، بالضرورة.. عدم.
ولعل لهذه العوائق، وليدة الاستعمار، أثرا ما في ضآلة وغثاتة أدبنا، إلا أن هذا الأثر ليس من الخطر بالمكان الذي يدعو إلى جعل هذه العوائق أخطر ما يعترض خطأنا الأدبية، فلعلنا، إذا ناقشناها قليلا، نجد أن الواقع يؤيد أن عرقلتها لسير أدبنا ليست جسيمة.. فبالنسبة للعائق الأهم، تدخل الاستعمار، نجد أن ما أنتجه الشاعران الحلوي وعلال الفاسي في ظل الاستعمار أكثف وأكمل مما أنتجاه بعد الاستقلال، ونجد أن ما كتبه الأساتذة محمد الفاسي، وعبد العزيزي بنعبد الله، وعبد المجيد بن جلون، وعبد الكريم غلاب، من ألوان النثر قبل الاستقلال كان أضخم وأعم مما نقرؤه لهم بعد الاستقلال، فتأثير التدخل التسلطي إذا، قد يتمخض عن رد فعل عكسي، مهما بلغت قسوة وحنكة هذا التدخل ما دام يلقي أمامه أديبا مشحونا بطاقات ثورية على الاستعمار، وعلى كل خطط وبرامج الاستعمار..
وأما بالنسبة لوسائل النشر، وعلاقتها بالربح والخسارة، فأنني اعتقد أن الأديب الأصيل لا يبالي بهذه الأشياء، ولا يجعلها من اعتباراته، فإنتاجه لفنه ليس متوفقا على وجود وسيلة للنشر، أو على عدمها، بل هو كالأم، يحمل الفن جنينا في ملكاته الباطنية، ومتى أحس به يتخبط في جوفه.. وضعه.. ولو أن تحقيق الأعمال الفنية يعتمد على سهولة النشر، وضمان الربح منه، لما حفظ تاريخ الفكر لنا تراثا ضخما كثيفا، لم يستفد منه أصحابه درهما.
وأما مشكلة القارئ فمحسوسة من تلقاء نفسها، متى وجد الأدب الذي يقرأ، كالسباحة تجد من يتقنها في قرية يوجد قربها نهر..
فهذه العوائق التي ركز الباحثون بحوتهم عليها ليست جذرية بل هناك عوامل أخرى، اغفلناها، وتغفلها اغفلا يكاد يكون تاما، في حين أنها العلل الجذرية الحقيقة لسطحية وهزال وتفاهة إنتاجنا الأدبي، وأهم هذه العوامل وأخطرها، ينبع من ذاتيتنا، ولا يأتينا من مؤثر خارجي.
وأننا، بقليل من التروي وإمعان النظر، يمكن أن نصنف هذه العوامل الجذرية التي تعوق تقدم أدبنا إلى صنفين:
1) عوامل ذاتية، تكمن في نفسيتنا جميعا، سواء منا الناقد، والمبدع والمتذوق..
2) عوامل ليس فيها بد، وقد يكون الناقد والمبدع مسؤولين عنها..
والقسم التالي، محاولة يقصد منها بحث أخطر عوائق هذين الصنفين.
- أصنف عوامل الدرجة الأولى وهي:
                                                      -أ-
مشكلة كوننا نظريين حيال المفهوم الجديد للأدب فبالرغم من إطلاعنا على المراحل التي قطعها الأدب العربي في الشرق، شكلا ومضمونا، منذ بداية سريان الوعي القومي في الوجود العربي إلى الآن..
وبالرغم من استيعابنا للمفهوم الجديد للأدب عند إخوان لنا في اللغة والقومية وفي مشاكل الأمس واليوم، وفي أهداف الغد.
وبالرغم من فهمنا للتيارات الأدبية عند رواد النهضة الحديثة، في شتى ألوان الأدب، وكيف تطور وارتقى الأدب على أيديهم وأيدي من بعدهم، وكيف تسربت إلى الأدب على أيديهم وأيدي من بعدهم، وكيف تسربت إلى الأدب العربي مناهج البحث، ومذاهب الالتزام، ومدارس النقد الغربية.. وكيف احتضنها هذا الأدب العملاق، ومشرقها..
وبالرغم من كل هذا، فإننا نظريون.. إلى حد نشعر معه بالخجل.
ولنأخذ – لنمثل لذلك- شعرنا الذي يعاصر النهضة العربية الحديثة، في الحيز الزمني، ولنغربله ولنصفه، معتمدين على أساليب ومدارس النقد الحديث، نجد أن إنتاجنا لا يساير المفهوم والمقياس الجديدين، ولا يضارع الأدب الشرقي في القيمة والكثافة والأصالة.. رغم مجاراته له سطحيا في الشكل، إذ أن الشعر عندنا، مثلما هو عند إخواننا الشرقيين، يتجه ثلاثة اتجاهات:
1) اتجاه لا زال يتمسك ببعض قوالب وصيغ ومفاهيم النهضة.. القصيدة العمودية، ذات الألف موضوع، المعتمدة على الجناس والمحسنات الأخرى، ويقلب على رواد هذا الاتجاه عندنا، عدم الاحتكاك بالعصر، وقضايا الساعة، إذ أنهم لا يهتمون بشيء، بقدر ما يهتمون بأن تشبه قصائدهم قصائد أبي تمام وأبي الطيب وغيرهما من فحول القدماء.
2) اتجاه اعتنق رواده التيار الجديد، في الشكل أيضا، بينما هذا التيار يدعو إلى تجديد في الشكل والمضمون، حيث يدعو إلى كسر وحدة البيت، أي إلى الاعتماد على التفعيلة في القصيد، بدلا من الشطر، مع عدم التزام القافية الواحدة، بالضرورة، في كل القصيد.. هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون فهو يدعو إلى إشراك الأبيات العدة، في المعنى الواحد، فاستقلال البيت الذي يفرضه الاتجاه الكلاسيكي يصعب معه قول كل ما يجول في نفس الشاعر، ويسوق أحيانا، إلى حشد كلام في القصيد، لا يجول في نفس المبدع، ولا يتسق مع العمل الأدبي.. وإنما فقط لإتمام هيكل البيت.. ثم إن مشاكل العصر تعقدت وتشعبت، فالشعر العمودي يوشك أن يكون مستحيلا..الخ.
هذا الاتجاه الجديد اعتنقه كثير من أدبائنا الشباب، بعد أن فهموه فهما مغلوطا، فراح أكثرهم يكتبون شيئا لا هو بالشعر ولا هو بالنثر، ومع ذلك ينشر في صحفنا.. الصحف التي تبقى بعض أعمدتها بيضاء، فتعمد إلى تسويدها بالدعاية لغلم يعرض بدار لم تندبها للدعاية لها..(هذا مع تشكينا من ضيق مجال النشر).
3) وبين هذا الاتجاه وذلك، يوجد اتجاه معتدل، يحاول أن يأخذ محاسن كل من الاتجاهين السابقين ومحاولات رواد هذا الاتجاه تهدف إلى مسايرة المفهوم الجديد للأدب باعتدال، فهي مقتصدة في التمسك بالقديم، وفي اعتناق الجديد.. أو قل إنها تحتفظ من القديم بما لا يجمل التخلي عنه، وتأخذ من الجديد ما أكد العقل، والمنطق وجاهته وأصالته.
ولكن مثل هذا الأدب، عندنا، ضئيل جدا بالنسبة لأدب الاتجاهين السابقين فإنه الالماسة في كومة فحم..
ثم أن هناك جانبا لا نسائل إنتاجنا الأدبي عنه، وهو الجانب الفلسفي فأدباؤنا لا يضعون إبداعهم على أساس الفكرة الفلسفية إلا لماما، ونقادنا لا يلتمسونها في أعمالنا الأدبية، وإذا ألتمسها بعضهم لا يكاد يعثر إلا على لقطات يسيرة، عابرة.. غير ذات خطر في الأثر.. هذا مع علم كل من الأديب والناقد، بأن علاقة الفلسفة بالأعمال الأدبية، أصبحت، منذ زمان كالعلاقة بين الماء والورد.
هذا عن الشعر، ولعل شبيها منه يمكن أن يقال عن بقية ألوان الأدب الأخرى.
                                                - ب -
مشكلة علاقة الإبداع، بالمثل الأعلى الذي يترسمه المبدع..
أي علاقة الشاعر المبدع، مع شخصيات الشعراء، أو شخصية الشاعر الذي يؤثر فيه أثناء تحقيق العمل الأدبي.
ولنأخذ الشعر، مرة أخرى، لنمثل.. فالشاعر عندنا، يقيس أعماله الأدبية بقياس فأسد، إذ يعتبر نفسه مجيدا، أو بعيدا عن الإجادة، تبعا لكون قصيدته قريبة أو بعيدة الشبه بقصيدة نظمها شاعر كبير يؤثر فيه، ومن هنا كان عدم ظهور شخصية أدبية كبيرة في بلادنا، لها نكهتها، وسماتها المميزة لها عن الشخصيات الأخرى، بحيث تقرأ القصيدة فتتنسم فيها روح أو سجية أو أسلوب أو مذهب صاحبها، أو تقرؤها فتتنسم فيها هذه الأشياء جميعها.
وليس هذا القول جزافا، لأنني في الواقع لو قرأت قصائد ثلاث، أغفلت من إمضاء، أحداها لأبي ماضي، وأخرى للشابي، وثالثة لنزار، استطعت في يسر أن أضع على كل قصيدة اسم الشاعر الذي نظمها.. فهل تراني، استطيع ذلك حيال ثلاث قصائد لثلاثة شعراء مغاربة؟
أكاد أومن باستحالة ذلك..
وقريب من هذا القول، أيضا، يمكن أن يقال عن بقية ألوان الأدب الأخرى، بل أن أغلب أدبائنا الباحثين فضلا عن صعوبة تنسم سماتهم الشخصية في بحوثهم في لون معين، يزيدون الطين بلة، حين يريدون ألوانا مختلفة من الفن.. فمقال سياسي يطلع عليك اليوم لكاتب قرأت له أمس بحثا عن الموسيقى وستقرأ له قصة عاطفية غدا.. فيكاد القارئ يجزم أن أغلب أدبائنا تهافتيون..
                                                - ج -
الاستعلاء والتحقير..
إن كثيرا من أدبائنا الكبار يستعلون، بل ويحقرون من شأن الآخرين.
تصل درجة الاستعلاء والاعتزاز عند بعضهم، أن يقدم قصيدة كلاسيكية متنوعة الموضوع، عادية مألوفة، طويلة مع كثرة حشو.. يقدمها على أساس أنه نظمها، لتكون ردا قاطعا على من يزعم بوجود نكسة أدبية عندنا.. وتصل درجة تحقير الآخرين عند بعضهم أن يقف شاعر ناشئ أمام مسؤول في الإذاعة يطلب تسجيل قصيدته التي نالت الصف الثالث في مباراة، فيلتفت شاعر كبير نالت قصيدته الصف الرابع في نفس المباراة، يلتفت الأديب الكبير إلى رفيق له، ويقول بصوت يقصد منه إسماع الناشئ (صارت القصائد عصائد).
ثم أن هناك نوعا آخر يجمع التحقير والاستعلاء معا، ذلك هو التحقير الجريري.. الصمت، فكبار أدبائنا يسكنون عمدا وعن اختيار، عن أدب الشباب، فلا يقيمونه، ولا يقومونه، ولا يظهر أبدا أنهم عازمون على الالتفات إليه في يوم من الأيام، تماما كما لم يحفل جرير بهجاء بشار له، احتقارا واستصغارا..
وقد اعتبرت هذه العوامل ذاتية نفسية بالنسبة للمبدع والناقد، والمتذوق لأنها تعيش في فكر وفي نفس كل منهم، فكل من الناقد والمبدع، يقيسان الأثر الأدبي بمدى اقترابه أو بعده عن كبار الشعراء..والمبدع والناقد يتجاهلان المفهوم الجديد للأدب، وهما معا يستعليان ويحتقران الآخرين.
والمتذوق يجاريهما في المقياس والتجاهل والاستعلاء، لأنه لا يعبر عن رأيه، ولا يقيم العمل الأدبي كمستهلك عادي، ولكنه يعرف مدى أصالة أو رداءة البضاعة التي يستهلكها، ثم أن الإنسان متى استعلى واعتز واحتقر الآخرين، فإنه يشعر في قرارة نفسه، وبالضرورة، أنه بلغ الكمال، فلا يسعى بعد إلى مزيد من الرقي، لأنه لا شيء فوق الكمال، هذا بالنسبة للمبدع والناقد، أما القارئ المتذوق فيزيد بلاده تماما، ويستهلك آداب أمم أخرى لأنها أرقى وأنضج.. وأن أغلب قرائنا يقتاتون من خبز الآخرين، يلتهمون من موائد الجمهورية ولبنان وغيرهما، ويتخمون بسرعة، ثم، ينامون، فلا يكاد يكلف نفسه قراءة كتاب أو مقال لأديب مغربي إلا قليل من قرائنا.. وهذا لا يعني أننا ندعو إلى هجر أدب أقطار العروبة إلى أدبنا، ولكن ندعو إلى جعل أدبنا المحلي في مكان بين أدبنا العربي العام، فنقرأه، ونقيمه، ونقومه، وأن ذلك لمن الواجبات التي تضعها القومية العربية، وإنهاضها على كواهلنا.
أما عوامل الدرجة الثانية فاهمها:
أ‌- سكوت النقد عن بعض المبدعين تماما، وسكوته عن بعض الأدب، بينما يتضح حديثه عن مبدعين بعينهم، وعن فنون أدبية بذاتها، ففن القصة، مثلا، في بلادنا يرتاد منذ زمان، ولكن متى قرأت نقدا موضوعيا لقصة، أو لرواية مغربية؟
ب‌-  تحامل النقد في بلادنا، فلو أننا بحثنا، تقييم وتقويم أعمالنا الأدبية، فأكثر من يريدون النقد الأدبي عندنا، لا زالوا ينظرون إلى العمل الأدبي بعين أبن الشعر خاصة، حيث يركزون جهودهم في اقتناص الزحافات واختلال الروي.. وضعف القافية، وفي تصيد الأغلاط النحوية واللغوية والبلاغية، مع الإشارة الضرورية إلى أن شبيها من هذا المعنى جاء في بائية فلان.. أو أن هذا الشاعر يؤثر فيه الشاعر الكبير فلان..
وأنا لا أدعو إلى السماح بفشو اللحن في الأدب، مهما كان نوعه، كما لا أدعو إلى تجاهل السرقات الأدبية، ولكني اعتقد أن أهم وانفع من ذلك أن نلتفت إلى العلاقة السيكولوجية بين الثالوث المنتج ( الشاعر والتجربة، والبيئة الموحية) من جهة، وبين التيار الفكري، واللحظة الحضارية والمدارس الأدبية الحديثة من جهة أخرى، أن ذلك شيء يجب الاهتمام به أكثر من أي شيء آخر.. كما يجب أن نبحث عن الهدف الذي قصد إليه المبدع، وعن مدى توفقه في بلوغ، أو عدم بلوغ هذا الهدف.
ولا يتأتى ذلك أبدا مع تجزيء، وتصيد أغلاط.. بل مع النظرة الشمولية التي تأخذ العمل الأدبي المحقق ككل موحد، لا يتجزأ، لأنه كالكائن الحي تماما، متى جزأته فقد الحياة..
وطبعا، إذا سكت النقد، أو تحامل، أو قاس بميزان صدئ، فإن ذلك يقود إلى عدم تقدم الإبداع.
ولعل سائلا يسأل: ما دام النقد مسؤولا عن السكوت، أو التحامل، أو تشغيل الميزان الصدئ، فما وجه اشتراك التذوق له في المسؤولية؟
والجواب على ذلك، أن المتذوق يصبر على السكوت، ويبتلع التحامل، ويقبل تشغيل الكيل الصدئ، هذا، وهو يعلم بوجود كيل جديد لا يبخس الحق، ولا يلوث البضاعة، فلذلك وقع عليه جزء من المسؤولية، فالمتذوق، وقد سبقت الإشارة إلى هذا، يجب عليه إلا يكون سلبيا، حيال تراث أمته الأدبي، والفكري عامة، بل من واجباته أن يعبر عن رأيه، وأن يحاول، ويدافع عن وجهة نظره، فربما تكون أصوب من نظرة الناقد أو الفكر.. وأن البلاد ذات النهضات الأدبية والفكرية الحقة، لا يخوض غمار ميادين الفكر والأدب أدباؤها ونقادها ومفكروها فقط.. بل والقارئون المتذوقون أيضا..
وبعد، فهذه نظرة، حاولت أن تكون شمولية، لأزمتنا الأدبية، والبحث عن عواملها، وقد تبين أن عوائق تقدمنا الأدبي إما خارجية، كالاستعمار وبناته، وهذه، وإن كان لها أثر ما، ليست من الخطورة بحيث وضعها بعض باحثي هذه الأزمة، وأما ذاتية بالنسبة للمتذوق والناقد، والمبدع، أي بالنسبة لنا جميعا كمغاربة مسؤولين عن رفع شؤون الفكر في بلادهم.. وأما ذاتية بالنسبة للمتذوق والناقد فقط، وهذه هي العوامل الجذرية لتأخرنا الأدبي، التأخر الذي لا يقدم لنا واقعنا أية مساعدة على إنكاره.. إلا أنني كبير الأمل في أنه يلتفت المغربي، أيا كان، إلى هذه العوائق الكامنة في خلاياه، وينتزعها..
وأنا متأكد، بعد ذلك، من أن أدبنا سيسير بخطى واسعة سريعة.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here