islamaumaroc

أضواء على آيات قرآنية -1-

  دعوة الحق

45 العدد

البحث الأول – قال تعالى: « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ،‏ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ،‏ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» سورة الواقعة الآيات: 77-78-79.
تحت هذا العنوان نتعرض لعدة آيات من القرآن الكريم بالفحص والتمحيص، ونعيد النظر في الوجه أو الوجوه التي فسرت به الآية، لنرى أيها أولى وأحق بما أراده الله ويريده في كتابه العزيز وقد أنزله علينا بلسان عربي مبين على أتم جلاء وأكمل وضوح لنتدبره أحسن تدبر، ونتفهم معانيه على الوجه الصحيح كي يتسنى لنا أن نقوم باعتقاد ما يلزمنا اعتقاده، وأداء ما يطلب منا عمله من آداب وأحكام في الدين والحياة.
وذلك على ضوء ما جاء في القرآن نفسه باستعراض عموم الآية الواحدة في المواضيع التي يطرقها القرآن، وهذا لا يفي ولا يكفي حتى نستوعب جميع ما في القرآن من الآيات الواردة في مثل ذلك الموضوع، فإن الآيات تكمل بعضها، وتخصص مطلقها، أو تبين مجملها، وتوضح مشكلها، والقرآن يفسر بعضه بعضا في كثير من الآيات، وذلك أحسن الوجوه وأولاها بالتقديم، لأنه من كلام الله الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيــــــدٍ) [فصلت: 42].
ثم لا بد من عرض آخر على ضوء ما ورد في السنة الصحيحة وبيان الرسول (ص) المنزل عليه من ربه: « وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» [النحل: 44]، كما نستأنس بمفاهيم الصحابة – رضوان الله عليهم- أولئك الذين عاشروا نزول الوحي، وعرفوا أسباب نزوله، وحقائق وروده.
وكل هذا –وذلك- لا يكون إلا على أساس قواعد اللغة العربية والأساليب التي تعرفها العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، إذ هم المخاطبون به أولا وبالذات، فلا يعرف إلا بلسانهم، ولا يفهم إلا على ذوقهم جملة وتفصيلا.
ونحن إذ نعتمد على شيء، فاعتمادنا على هذه الأضواء المنبعثة من العناصر الثلاثة، وما جاء فيها من دلائل قاطعة، وبراهين ساطعة، تنير الأذهان، وتدفع الشك باليقين، فيدخل على النفس برد الرضى، وحلاوة الاطمئنان.
آيات محكمات، ودلائل بينات، جلية في نفسها واضحة في أمرها ودرسها، وبما يحوطها ويكتنفها من جلاء القصد، ونصاعة الموضوع.
نضع كل هذا –حسبما نتوفق إليه إن شاء الله- أمام القارئ الكريم وتحت بصره على صفحات هذه المجلة الزاهرة بـ«دعوة الحق» وما تنشره من أبحاث دينية قيمة، وآراء علمية نزيهة، تنير السبيل، وتهدي للتي هي أقوم، بالحكمة والموعظة الحسنة، والإقناع بالحجة والبرهان على صراط مستقيم، وفي طريق واضح سليم، لا مداجاة ولا تخريف، ولا التواء ولا تحريف، إن شأن من يريد الحق والخير – لنفسه وللناس- المطالبة بالدليل والمحاكمة إليه إذعانا للحق واعترافا به، في جو ملؤه الصفاء وصدق الإخلاص، وذلك مما يبعد عن المراء والجدل الممقوت، وقد جاء في الحديث الشريف: «ما أوتي قوم الجدل إلا ضلوا» الجدل على الباطل وطلب المغالبة به.
نعم إن التنازع والجدل أمر فطري وهو مركز في الطباع البشرية لا محيد عنه بحق أو باطل، قال تعالى: « وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» [الكهف: 54]، وقال: « وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ» [هود: 118-119]، وعليه فإن كان ولا بد من هذين – التنازع والجدال- فليكن ذلك بمعرفة وإحسان، قال تعالى: « وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...» [المومنون: 96]، وقال: « وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [العنكبوت: 46] من غير عداوة ولا بغضاء توصل إلى التدابر والقطيعة، بل بتسامح وعدل وإنصاف، شأن النفوس الزكية الطيبة، والقلوب الطاهرة النقية، وهذا غير بعيد على هذه وتلك، بل ما أسهل الإنصاف والرجوع إلى الحق على المسلم المتأدب بأدب الدين خصوصا بين المسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله، امتثالا لأمر ربهم القائل لهم: « فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» [النساء: 59]، فأي خير هذا؟ وأي تأويل أحسن منه في المدخل والمخرج؟ ولكن –كما قال جل ذكره: « وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» [فصلت: 35] في العلم والفهم، وذو قلب كبير في التسامح وطول الأناة.
فالرجوع إلى الله والرسول يكون في الشيء المتنازع عليه بين المسلمين، وأما الدفع بالتي هي أحسن فيكون مطلقا عاما مع المخالف وغيره، حتى مع الأعداء بما جاء في تمام الآية: « فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» [فصلت: 34] وفي أولها قال «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ» وصدق الله، فهما لا يستويان أبدا شرعا وطبعا، فما أعظم آداب الإسلام، وما أجل أمره وحكمه.
جئنا بهذه المقدمة ونحن مقبلون على الخوض في معلومات ألفها الناس فاستقرت في بعض الأذهان، لا يبغون عنها حولا، شأن المقلد الذي لا يفهم، أو بالأحرى لا يريد أن يفهم، وبالأخص من كان يحسب أنه على شيء من العلم، والناس أعداء ما جهلوا، أو من جهل شيئا عاداه، كما يقولون.
نقول هذا مشفقين بلا منة ولا غرور، معترفين بما قال الله جل ذكره «كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ» [النساء: 94]، وقد آمنا وتبينا، فلله المنة والحمد، على أن هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
اللهم زدنا هداية وتبصرة لاتباع الحق، وسلوك أقوم الطرق، وأحسن الأقوال.
ولندخل الآن في صميم الموضوع من الآيات الثلاث المصدر بها في عنوان هذا المقال، وهي قوله تعالى «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» [الواقعة: 77-79].
فأقول: إن هذه الآية الكريمة جاءت جوابا من الله عن قسمه العظيم الذي أقسم به قبل قوله جل ذكره «فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ»، وذلك ردا على المشركين المكذبين، وإبطالا لزعمهم الباطل، إذ قالوا: إن القرآن الذي أتى به محمد(ص) تنزلت به الشياطين.
وفي عرف مشركي العرب واعتقادهم من عهدهم بالملة الإبراهيمية: أن الشياطين أنجاس غير مطهرين. قالوا ذلك على سبيل الذم والتحقير من شأن القرآن ومن أتى به، فرد الله عليهم بقوله –الصادق الحق- في سورة الشعراء «وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ,‏ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ» [الآيات: 210-211-212].
ولما كانت الشياطين أنجاسا حقيقة، فبالطبع لا يتنزلون إلا على أمثالهم من بني الإنسان، «الخبيثات للخبيثين»، أنباهم الله بقوله آخر السورة نفسها «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ،‏ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ» [الآيات: 221-222-2223]، أما الملائكة المطهرون فهم لا ينزلون إلا على أمثالهم من صفوة البشر أنبياء ورسلا «والطيبات للطيبين».
فالقرآن طاهر – وهو «فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ،‏ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ،‏ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ» [عبس: 13-16]- لا يتنزل إلا على طاهر وذي نفس مطهرة من الله، قال تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ،‏ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ» [الشعراء: 193-194]، وفي آية أخرى: «قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ» [النحل: 102].
والمراد بالروح في الآيتين: جبريل عليه السلام، وهو من الملائكة الذين طهرهم الله، وأين الملائكة المطهرون، من الشياطين الأنجاس؟، وأين الرسل المعصومون من الكهان الافاكين الأثماء؟.
فالقرآن تنزيل من رب العالمين، وهو –أي القرآن- معلوم عند الخاص والعام، هذا الكتاب المتعبد بتلاوته، المعجز بفصاحته للعرب قبل غيرهم- وهم أهل اللسان، وفرسان البيان، والمعجز بأسلوبه ومعانيه للإنس والجن أجمعين – تحديا لهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا- لا يقدرون على الإتيان بمثله- ولو بأقل سورة منه- لا في الماضي ولا المستقبل البعيد على مدى الزمن، وهو الكتاب الذي تكفل الله بحفظه دون الكتب السماوية ليبقى أبد الدهر.
أما «الكتاب المكنون» فلا نعلم عنه شيئا إلا ما أخبرنا به الله في كتابه الكريم، أو جاء على لسان نبيه (ص) فيما صح عنه: أنه اللوح المحفوظ، والكتاب المبين، في مختلف الآيات والسور: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ،‏ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ»، «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ،‏ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ» [البروج: 21-22]، «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ،‏ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ» [الزخرف: 3-4].
فيذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات كلها: أن القرآن كريم، مجيد، وأنه لعلي –أي على كل كتاب قبله- حكيم- أي ذو حكمة بالغة- وقد جعله الله قرآنا عربيا، وأنزله بلسان عربي مبين- هو مثبت عنده ولديه في كتابه الذي في السماء، مكنون مصون، ومحفوظ لا تصل إليه أيدي الشياطين، ولا يمسه إلا المطهرون من الملائكة بالتلقي والإنزال على عبده ورسوله محمد بن عبد الله (ص).
فيظهر من كل هذه الآيات المتناسقة – وهي متظافرة على شيء واحد بمختلف الأساليب والألفاظ- أن آية: «لا يسمه إلا المطهرون» لا علاقة لها بنهي أصحاب الأحداث من البشر عن مس المصحف المعلوم حتى يتطهروا الطهارة الشرعية الخاصة.
ثم إن الآية مكية قبل أن يكون هناك مصحف مجموع، وهو بعد لم يكمل ولم يجمع، وزيادة على ذلك فإن الاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة، وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية كما هو مقرر في علوم القرآن وما حققه الأئمة العظام من علماء السلف الصالح رضوان الله عليهم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الآية لا نهي فيها وقد سيقت للإخبار في جواب القسم، وأخبار الله حق وصدق، لا يرد ولا ينقض، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى مؤكدا: أن هذا القرآن في كتاب وهو في السماء عنده – مكنون مصون، لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة،أما المصحف المعلوم، فهو في الأرض غير مكنون ولا مصون فيستطيع أن يمسه المنافق والكافر، والمشرك النجس.
ومن قال من المفسرين إن الخبر في الآية يراد به النهي – كما جاء في تفسير الجلالين- فقد تكلف تأويلا شططا لا داعي له، وهو –في هذه الآية- بعيد كل البعد، إن لم يكن باطلا لا يصح، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، فإن فعل (لا يمس) مرفوع بالضمة، ولو كان نهيا لكانت السين منصوبة بالفتحة كما هو الشأن في الفعل المضاعف المضارع المجزوم، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: « ما يمسه إلا المطهرون» بالنفي الصريح الذي لا يحتمل النهي مطلقا، وذلك مما يؤيد الفهم الراجح الذي ذهب إليه معظم المفسرين واقتصر عليه جمهور المحققين.
هذا من جهة اللفظ، وأما من جهة المعنى فلا يصح أن يكون هناك نهي يتوسط جملة إخبار في جواب القسم.
وكذلك جملة «في كتاب مكنون» فهذا الوصف غير واضح، إذ يقال: عن أي شيء مكنون؟ ولماذا؟ فتكون الجملة –حينئذ- مبهمة خصوصا وأنها متلوة بجملة يقصد بها النهي – كما يؤولون- ويكون الإخبار عن القرآن الكريم: أنه في كتاب مصون، ثم لا يجوز أن يمسه –أي القرآن- إلا المطهرون أي المتطهرون من الأحداث. هكذا يؤولون ويقولون.
 
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here