islamaumaroc

العائد

  دعوة الحق

45 العدد

رفع أحمد رأسه إلى السماء لينظر إلى الغيوم الثقيلة وهي تتمزق لتفسح لأشعة القمر نافذة على المدينة الهاجمة..
كانت الريح البحرية قد حرثت المحيط ذلك المساء، وأرسلت أمواجه عالية على أسوار المدينة الكئيبة.. ومع العشاء تهاطلت الأمطار، وهدأت الريح البحرية.. وحين أقلعت السماء، بدأ صخب البحر يسمع بوضوح..
وسار أحمد في الشوارع الضيقة الخالية، ورائحة الأرض الطيبة تملأ خياشيمه.. وقلبه تملأه الروعة.
وبعد عشر سنوات من الاغتراب يعود إلى أرض الوطن حواسه كلها مرهفة.. ويكاد يجهش بالدمع لغير ما سبب.. كل شيء في مدينته الصغيرة جميل.. حتى البيوت الخربة التي تأوي إليها القطط والعفاريت.. وحتى.. وحتى.. كل شيء..
وفي المساء كانت نافذة هائلة تشرف منها ملايين النجوم.. واسند أحمد ظهره إلى السور وأصاخ بسمعه لخرير ماء في باطن الأرض.. وذكره ذلك بيوم خروجه من المدينة أو هروبه على الأصح.. منذ عشر سنوات، حين كان سنه لا يزيد على السابعة عشرة..
إنه يذكر ذلك كما لو كان حدث قبل ساعة! كان قد خرج هاربا من وجه أبيه الغاضب وانطلق إلى الشارع يشق الريح، ودموعه تبلل شفتيه.. وظل يعدو حتى وجد نفسه على الشاطئ.. فقد كان البحر دائما ملجأه الأمين.. وكانت برودة الريح ضد حرارة وجهة تشعره بقليل من الانتعاش..
وقضى تلك الليلة يجوب شوارع المدينة حافي القدمين، عاري الرأس.. وقد انشطر جلبابه من الأمام شطرين..
شعور واحد كان يستولى عليه: الإهانة! وتذكر الغصة.. تلك الغصة الحامية التي كادت تحرق حلقه.. وكم بكى وكم أخذته العزة.. وتحول شعوره بالإهانة إلى الرغبة في التحطيم.. تحطيم أي شيء.. لقد كاد القهر يفجره.. كان يحس الآن أنه تحول إلى برميل ديناميت.. لو أعترضه شيء.. أي شيء لسحقه!
واستعرض أحمد في تلك اللحظة من ذكرياته تلك اللحظات التي كان يملا فيها أبوه بالكراهية والمقت.. كان يوقظه في جوف الليل.. بركله في ظهره أو بطنه.. لا يناديه حتى لا يوقظ أخواته النائمات.. فيقول تحت كابوس ثقيل، والهم يتقل قلبه، ويتحرك إلى المغسل لينام بعض الدقائق على حافتيه.. أنه لم يتم أكثر من إغفاءة عامرة بالأحلام المرعبة، بعد نهار أسود من المتاعب والأهوال.. ثم يأتي فيقعد بجانب فراش والده الوثير، ويبدأ في تكرار القرءان بينما أبوه ينعم بالدفء والراحة تحت لحافه الصوفي الثقيل.
كان والده مدرس قرءان في المدرسة.. فلم يكن يقنع بنصيب أبنه من حصص القرءان التي يأخذها إلى جانب الدروس الابتدائية.. فكان يأخذه إلى البيت بمجرد خروجه من المدرسة حين يذهب رفاقه إلى البحر اللعب والتمتع بملذات الصبا.. وكان قلبه عامرا رغم كل ذلك بأن العطلة الصيفية قادمة.. وأنه سوف يتمتع مثلهم بالبحر والشمس، والكرة، وصيد السمك.. لقد كانت هذه أول عطلة صيفية تأخذها مدرسته خالصة من دون أية دراسة..
وبدأت العطلة.. وكان قلبه يكاد ينفجر من الفرح والأستاذ المكلف يعلنها لهم برزانة ويعقبها بعدة وصايا على المحافظة على الأخلاق العامة..
وحين وصل باب المدرسة الخارجي كان أبوه في انتظاره ليمسك بيده ويأخذه إلى البيت ومن تم بدأت مأساته..
لقد وضعه في قفص من جديد.. الليل قرءان.. والنهار قرءان.. ولا طعم للنوم ولا وقت للراحة..
وبدأت آثار الإرهاق تظهر على جسمه الناحل.. فاحمرت عيناه من قلة النوم.. وظهرت حول عينيه دائرتان سوداوان من شدة القلق.. ولجأ، في غمرة حرمانه، إلى عادات رديئة يمارسها حين يخلو له الجو.. فكانت بديله الوحيد عن ملذات الحياة الصحية الأخرى..
وأصابه داء النسيان.. وبدأ تعثره في تكرار القرءان بكثرة بعد أن كان يتلو الستين من البداية حتى النهاية بدون توقف.. وذعر أبوه لذلك فزاده تعذيبا وإرهاقا.. وبدأ صراخه يسمع في الحي ليل نهار حتى قلق الجيران، وبدأوا يشتكون من الإزعاج.. وحينئذ قرر الرجل أخذ أبنه إلى زاوية منعزلة عن المدينة، حتى لا يكون هنالك رقيب..
وكان المارة يسمعون بكاء الغلام وصوت الحبل وهو يتقطع على ظهره كلما مروا من هناك.. كان الصراخ يبدأ حادا قويا في الصباح.. ومع المساء لا يبقى إلا أنين متقطع يطغى عليه صوت الحبل..
وفي الليل كان صوته يبح.. فلا يسمع إلا عواء ضعيف كعواء ذئب داخل عاصفة ثلجية هوجاء..
وبين البيت والزاوية كانت تمر على أحمد أصعب اللحظات.. الناس يتفرجون عليه وأبوه ممسك به من قبه يجره كالبهيمة.. واصنع من ذلك أن يصادفه في تلك الحالة صديق أو زميل.. وبدأ مظهر الخارجي يثير الرثاء.. فقد بدأت علائم الشلل والعيى تبدو عليه بوضوح..
وانتهى الصيف..
وسافر أصدقاؤه إلى بلاد أخرى لإتمام دراستهم الثانوية.. وكانت ما تزال بقية أمل تراوده في أن يرسله أبوه هو أيضا إلى أحد المدن الكبيرة لإنهاء دراسته..
وبدأ الضياع يصبغ حياته.. واليأس يعم قلبه الصغير.. ولم يعد يهمه أي شيء.. فحياته كلها نقطة كبيرة سوداء.. يسميها الناس أباه.. ومر عام.. وكأنه نهر خائر من الدم والصديد.. ومر عام آخر.. ونفس الأبخرة والروائح العفنة تفوح منه..
وفي إحدى ليالي شتاء العام الثالث بدأ شيء ما في داخله يستيقظ.. وأحس بطريقة غامضة أن شيئا ما سيقع له.. بد ما ستمتد لتخرجه من أنهاره المتعفنة الآسنة..
وتحول ذلك الشعور الغامض إلى إيمان قوي.. وأشرق في داخله أمل رائع دافئ.
ومرت بضعة أيام.. وتساقطت الأمطار بغزارة خلالها..وكأنها تتساقط بداخله لتحيي شيئا كان ميتا..
ولأول مرة في حياته تجرأ على ألا يحضر صلاة العشاء وقراءة الحزب.. وعاد مع العشاء إلى البيت غير عابئ بما ينتظره من ويلات..
وحين دخل وجد جميع من في البيت يصلون لأجله.. أنه يومه الأخير.. وعاد أبوه من صلاة العشاء.. وسأل عنه فقيل له أنه رجع.. فذهب مباشرة إلى الحبل.. ثم ناداه فدخل عليه..
وبعد سؤالين أو ثلاثة أرتفع الحبل.. ولم يرتفع معه صراخ أحمد هذه المرة، بل يده.. لقد فر قراره على أن يدافع عن نفسه حتى النهاية.. وانتزع الحبل من يد أبيه، فارتمى هذا عليه يريد خنقه.. وأمسك أحمد باليد الممتدة بقوة، فلواها حتى كاد يقصفها.. وهناك سمع صراخ أبيه: «أخرج.. أخرج.. من بيتي.. عليك اللعنة أيها المجرم.. سأقتلك إن رأيتك في بيتي!»، فأطلق أحمد اليد المرتعشة، ودفع أباه فألقاه فوق سريره.. وخرج هاربا من البيت بين بكاء أمه وعويل إخوته الصغار..
وفي الصباح سافر إلى طنجة.. وهناك استطاع أن يلتحق بخدمة باخرة صيد أمريكية.. وبعدها بالأسطول الأمريكي.. وقضى هذه السنوات العشر متجولا بين البحار الشمالية وجزر الباسفيك..
واليوم يعود إلى مسقط رأسه.. وحالما يجد نفسه داخل الإطار الذي عاشت فيه مأساته، تعود إليه ذاكرته حية كما لم تكن من قبل..
وغاب صخب البحر.. وبدأ يسمع خطواته على الأرض.. وحفيف أنفاسه وهي تتلاحق.. وأبواب البيوت المتهالكة تمر من حوله كالأشباح..
كان قد عاهد نفسه حين وضع رجله على تراب الوطن ألا يزور مدينته حتى لا يرى والده.. ولكنه عدل عن خطته على أن يزور المدينة دون بيت أبيه..
وقد وجد نفسه الآن منساقا في نفس الشوارع الضيقة التي كانت تلفظه صغيرا نحو بيت أبيه بتوجيه غريزي..
وظهر باب بيت أهله.. لم يتغير فيه إلا لون الطلاء.. إنه ما يزال كما كان منذ عشر سنين.. يا ترى ماذا فعل الدهر بقلب صاحبه؟ دق قلبه بعنف وهو يحاول جاهدا أن يمنع يدا مرتعشة من أن تمتد إلى جرس الباب..
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here