islamaumaroc

حول قصيدة إننا إخوان [تعقيب]

  دعوة الحق

45 العدد

الحقائق الخمس:
لست نادما على هذه المناقشة التي أثرت بها حفيظة زميلنا التواتي، ولست راغبا في أن تتحول المناقشة حول قصيدة فقط إلى مهارشة بذيئة لا تفيد القارئ ولا تحترم الأدب إذ ليس بين النقد الموضوعي النزيه المركز وبين المهاترات الحمقاء التي تختلف معها الحقائق ويلبس فيها الباطل لباس الحق إلا خيط رفيع يجب الحفاظ عليه لأنه حمام الأمن وملاك السلام.. وقد أثرت هذه المناقشة وأنا لا أهدف منها إلا لبعث نشاط فكري تحدوني فيه الرغبة إلى كشف اللثام عن الحقيقة في حدود الحكمة والاحتكام إلى المنطق، فبذلت الجهد في أن أكون موضوعيا، وركزت اهتمامي كله في الجوانب التي تعنيني في هذا النقاش بعيدا عن كل ما يثير زميلنا التواتي ويخرجه عن وداعته واتزانه، ولكنه على الرغم من التزامي ما يلزم في مخاطبة إنسان مثله فقد ثار وافلت من يده الزمام، ومرد هذا إلى أنه قوي الحساسية مرهف الشعور والشاعرية تدغدغه الكلمات وأن بلغت الغاية في اللطف، وتهيجه متى أحس فيها قليلا من العنف، فليسمح لي إذا كنت قد أثرته – عن غير قصد- وحدت في نقاشه عن المجاملة واللياقة الأدبية فأنا أفهم أن المجاملة إذا تعدت حدودها أصبحت مغازلة.
لقد ذهب زميلنا التواتي للدفاع أو التعقيب عندما رأى شاعريته توضع في قفص الاتهام فكيف كان معنا في هذا النقاش؟ هل التزم فيه جانب الأدب واللياقة التي نعاها علينا؟ وهل أعطى حقا لما كتبه صبغة جدية والتزم فيه الصدق والإقناع؟ ذلك ما لم يتقيد به الأخ التواتي وهو يكتب تعقيبه بأسلوب خطابي محموم وفي غمرة انفعال وهياج ونفس ثائر، وليس أضر على العلم والأدب من هذا الأسلوب الذي تضيع فيه الحقائق وتطغى فيه العاطفة على العقل والمنطق – ويعتمد فيه التنطع والالتواء.. وإذا كان الأسلوب الخطابي أداة لإثارة المشاعر وإلهاب الحماس في الجماهير وفي الميدان، وفي مجالس القضاء فهو أيضا أداة للتمويه والتضليل وتغطية للحقيقة التي لا تنكشف بحال إلا باصطناع أسلوب النقاش الهادئ المتبصر.
الحقيقة الأولى: والحقيقة الأولى التي يومن بها التواتي ويعتمدها كسلاح في هذا التعقيب المتحمس، هي أنه لم يقرأ من بداية حياته إلى نهايتها إنتاجا مغربيا إلا ما تفيض به على الناس قريحته السخية، وإلا ما يرسله إليهم من داخل برجه العاجي من نفحات شعرية فواحة.. ومن محنة الأدب والشعر في هذا البلد أن يتصرف عن قراءته ومتابعة تطوراته حتى الذين يضعون أسماءهم وأنفسهم بين الشعراء ويخوضون في الحديث عن مدارسه واتجاهاته وأن من السخافة أن يدافع المرء عن نفسه ويرد كما ردها يوما بسواته عمور.
لقد خصصت (دعوة الحق) عددا خاصا لدراسة الأزمة الفكرية في بلدنا والتعرف على أسبابها، وقد فات كثيرا ممن تناولوا أسبابها الكثيرة بالشرح والتحليل أن يذكروا منها الأنانية المغرورة التي تعمي عن كل ما حولها ولا ترى غير ذاتها شيئا جديرا بالاعتبار والالتفات، أن الشاعر الذي ينتج ويصدر للناس وينتظر منهم أن يقرأوه ثم لا يتنازل هو لقراءة الآخرين لأنها في نظره ترهات وسخافات أنما هو واحد من اثنين: مغرور يضع نفسه فوق الجميع ويرى إنتاجه في الدنيا كل شيء، أو متعام لا يطبق رؤية النور المتراقص من حوله فهو يعمي عينه عنه حتى لا يرى ويصم أذنه حتى لا يسمع، وقد كان على التواتي، وهو يبدي استخفافه وعدم اهتمامه بالمحاولات الأدبية التي ما تزال تتلمس طريقها وتكافح من أجل خلق أدب هادف أن لا ينسى تقييم إنتاجه المغربي، وأن لا يحرمنا من إبداء رأيه في شعره وهو يقسو في أحكامه على الآخرين.. أنه لا يعجب كما يقول بأحد إعجابه بالأخوين الطنجاوي والصباغ لأنهما مدرسة قائمة تستجيب لتطورات الحياة وسنة التجديد، ومن المدهش أن يعلن إعجابه بهما وتقديره لشاعريتهما، وهو لم يتنازل قط ليقرأ إنتاجا مغربيا مكتفيا في هذا الإعجاب بالسماع والأصداء – ومع أن الحكم لشاعر ما والإعجاب به لا يكون حكما مأمون النتائج إذا اكتفى فيه بالسماع العابر والأصداء المرجعة، فإن الذي نعرفه هو أن الطنجاوي والصباغ يقرءان ولا يسمعان فلم أذكر قط أني استمعت لواحد منهما إنتاجا إذاعيا، على وفرة إنتاجهما بينما قرأت وقرأ لهما الناس الكثير.
ولعل ما اعتمده التواتي في هذا الإعجاب والإطراء – والذي اعتقد أن الآخرين في غنى عنه وليسا في حاجة إليه- وهو أن الحلوي يعيش على أنقاض القديم ويجتر- في وهمه- ما قاله الأولون وهو ما لا يفعله هو بالطبع أو يفعله الصباغ إذا كانت من وراء الأبراج العاجية التي اعتاد الحياة فيها أخونا التواتي.. أنه بالطبع لا يقرأ شعري لأنه إنتاج مغربي كما اخذ على نفسه، ومع ذلك فهو لا يخجل من أن يعلن رأيه فيه بهذه البساطة متجاهلا نتائج أحكامه الفطيرة المرتجلة.. أن الصباغ الذي نحترمه جميعا ونقدره يمثل في المغرب المدرسة الحديثة في الشعر ما في ذلك من شك، أما الحلوي فأحد الذين ينتمون إلى المدرسة القديمة بكل خصائصها وسماتها تغذت شاعريته من منابعها وعاش طويلا مع أقطابها فتأثر بالأصالة العربية إلى حد كبير.. وأن زميلنا التواتي بعد هذا لن يستطيع أن يزعم لنفسه أو للناس أنه من مدرسة الصباغ لأن الواقع سيكذبه ولن يرضى أن ينتمي إلى المدرسة القديمة التي انتمى إليها أنا لان أصحابها في رأيه يلوكون ويجترون ويعيشون على أصداء الماضي البعيد، فماذا بغي لأخينا التواتي؟ وبماذا احتفظ به هو لنفسه؟.. أن حالي معه كذلك الذي أراد أن يعرف مكانة صديقة الشاعر يوم قال له: أن الشعراء في الدنيا ثلاثة: شاعر وشويعر وعاض بضرامه فمن أي الثلاثة أنت؟ فأجابه ذاك الصديق: الشاعر امرؤ القيس أما أنا فشويعر، واقتسم أنت وغيرك الباقي.
ثم ما هو هذا الاجترار الذي يحاول زميلنا التواتي أن يلمزنا به؟ أنه عند ذوات الأربع مضغ جديد ومحكم لما ملأت به بطونها من قبل، فهي عملية إعادة بغيرها لا تستحيل الأعشاب إلى غذاء نافع.
أما عندما يصف إنسان آخر بالاجترار فإنما يقصد من ذلك أنه لا ينفق مما عنده، وإنما هو طبعة ثانية للآخرين يحادي أساليبهم ويعيد أفكارهم ويرتسم في عمله خطاهم، هذا هو الاجترار الذي توخي التواتي أن ينعتنا به عندما أراد أن يعلن رأيه المحترم فينا، وأنا أبرا من هذا الاجترار لأنه محاكاة عمياء وأمعية ممقوتة ووثنية متنكرة.. وللتواتي العذر في إساءة الظن بي لأنه لم يتنازل من عليائه يوما ليقرأ لي ما أعجب به الكثير ممن لهم رأي ومكانة عالمية في الأدب ولو أنه قرأ هذه القصائد: غرب، سابحة سافرة، صرخة الجزائر، أبو الثلج، من وحي القرية، يوم أبصرتها، ذكرى القرويين، مرثية محمد الخامس، وغيرها كثير لكان له رأي آخر... أن الاجترار الذي أومن به شيء آخر غير هذا، أنه امتداد الماضي القديم إلى الحاضر الجديد، وارتواء هذا الجديد من منابع القديم الصافية.
أن الحفاظ على أسلوب الأدب الأصيل والصياغة الفنية الرفيعة مع مسايرة مفاهيم الشعر الحديث لا يمكن بحال أن يعد اجترارا، أنه أمداد الأدب بروافد أصيلة وإعداده للبقاء والخلود، وهو بهذا المعنى ضروري لحياة أمة تحرص على ماضيها الذي أصبح ذرة من كيانها، فابتعادها عن استيحاء معاني الخير والجمال والقوة من هذا الماضي لن يكون إلا تخليا عنه وعقوقا منها وتنكرا.
أن تسلسل التيارات الفكرية عند الإنسان، هذه التيارات التي كانت انطلاقتها الأولى من عهد الإنسان الأول لدليل على أن التلاقح الفكري عبر القرون والأجيال لم يكن إلا اجترار الإنسان ما اهتدى إليه أخوه الإنسان، وأن وحدة المشاعر عند بني الإنسان التي أكدها الأدب المقارن وتهافتهم على المعاني الواحدة لدليل على أن البشرية جمعاء تعيش في دوامة وتخضع في تطورها وتفكيرها لعملية اجترار متصلة  الحلقات.. ثم ما هي هذه الحضارة التي شيدها الإنسان؟ أليست ميراثا تسلمه هذا الإنسان ممن سبقوه فاخذ يستثمره وينميه ليتركه لأجيال قادمة تمضي في تنميته إلى ما شاء الله؟.. وهل استغنت في يوم ما هذه الثورات الفكرية والحضارات الإنسانية والمذاهب الأدبية والفلسفية عن أن تستضيء بإشعاع الماضي وتتخلص من رواسبه التي حملها الإنسان معه في مجاهل فكره وأغواره نفسه.. أن التواتي عندما ينعب غيره بالاجترار سيجد نفسه عاجزا عن إعطائنا شاعرا واحد لم يتفاعل مع الحاضر ولا مع الماضي فلم يجتر ولم يتأثر، أن اقرب أمراء الشعر إلينا في عصر النهضة هو أحمد شوقي، الذي ترسم المتنبي في حكمه وأبا تمام في متانته ومعانيه وأبا نواس في خمرياته وأبن زيدون في عاطفياته والوشاح الأندلسي في موشحاته، فهل كابر أحد في عبقريته وشاعريته؟ وهل نال من شاعريته أنه اجتر أساليب القدماء واحتدي مناهجهم في الصياغة والأداء؟ وهل ينتظر من التاريخ يوما أن يغير رأيه في شوقي لان زميلنا التواتي هنا ينظر إليه – كغيره ممن يبقى على اتصال وإخلاص للماضي – شاعرا مجترا يلوك ما لاكه الألون؟
ومن المضحكات أن يؤكد لنا التواتي أنه شعبي لحما ودما ونزعة ومذهبا وميولا وهو الارستقراطي الذي لا يقرأ إنتاجا غير إنتاجه ولا يسمع إذنه صوتا غير صوته، أنه مغرم بهذه الشعبية في كل شيء يمارسه في الحياة – حتى في تفكيره- أما في شعره فهو يختار الانعزالية ويضرب على نفسه نطاقا من حديد، حتى لا يخضع لأحد من قريب أو بعيد، وهو بهذا يحاول أن يخدعنا ويخدع نفسه بأنه لم يتأثر بأحد ولم يجتر كما نفعل نحن، وليست هناك عوامل خارجية تغذي شاعريته وتهز عاطفته وإنما هي عصامية أصلية، وموهبة تواتية نبيلة وتبارك الله مبدع العبقريات وصانع المعجزات.
وعندما يلجأ زميلنا إلى التغليط يتحدث لنا عن الأحاسيس الإنسانية وإنها قاسم مشترك بين أفرادها، يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال الأخر، ويطرق هذا موضوعا قد يكون طرقه غيره من الناس، يهمس بهذا في إذن وكأنما يهمس بسر، ويحدث به كما لو كان يتقدم للقارئ بشيء جديد وهو لا يجهل أنني عندما فتحت معه هذا النقاش لم أفتحه لأني احتكر الشعر لنفسي أو أدعي الإمارة فيه، ولا لمجرد أنه طرق موضوعا قد طرقته فأنا أعلم – كما يعلم الناس- أن تناول الأحداث والتيارات والتفاعل معها حق مشاع بين أفراد البشرية على السواء – وأنا عندما انتقدته لم أفعل إلا وأنا افرق بين الاشتراك والتواطؤ في الفكرة والموضوع وبين التواطؤ في الصياغة وطريقة الأداء...
إننا جميعا نحيا عصرا طغت فيه الأنانية والخوف والقلق، فمن حق التواتي أن يعيش هذه التجربة وأن يعيش هذه التجربة وأن وفكرة عشنا جميعا تجربتها فليس له مجال أن يتواطأ معي في الصياغة وطريقة الأداء وفي القوالب التي اخترتها والقيم التعبيرية التي فضلتها.
أن أي شاعرين متعاصرين يتواردان على موضوع واحد، ويعالجانه بأسلوب واحد، وفي بحر وروى واحد، ويتعاقبان على صياغة حرفية واحدة لن يثبت واحد منهما أمام موازين النقد الصحيحة قديمها وحديثها، ولن يكون هذا الواحد بالطبع إلا اللاحق منهما..
الحقيقة الثانية: وثانية الحقائق التي أوردها الأخ في تعقيبه تتحدث عن ميلاد قصيدته وقصة حياتها التي بدأت كما يقول – في توات سنة 1659، ففي توات بلد النخيل رأي أول بيت منها النور عندما أرغمه الحاكم على الكفر بالجنسية المغربية التي لم يكفر بها التواتي يوما ما.. وفي غمرة الحرب الجزائرية عادت إليه صورة الحاكم القائمة (الجاهمة)، وهنا استسمح الأخ أولا لأصلح له كلمة الجاهمة وأعرفه بتعريبها الصحيح فإن العرب لم تعرف الجاهم، وإنما قالت الجهم كما نطقت به الخنساء:
جـــــــهم جـمـيـل المـحيــا كـامـل ورع 
                     وللحروب غداة الروع مسعار
وهكذا ترى يا أخانا التواتي أن الاجترار قد أفادنا وعصم ألسنتنا وأقدرنا على إصلاح لغة الآخرين الذين لا يجترون.
ويعود الفضل في أخذ قصيدته صورتها النهائية، وتعديلها، وإدخال الماكياج عليها، وتطعيمها إلى حرب الجزائر.
تلك قصة القصيدة كما يرويها زميلنا التواتي وهو راو أمين عندما يكون الحديث عن نفسه لأنه يعيش بعيدا عن المؤثرات القريبة منه والبعيدة – كما يقول- فهو لم ينظمها في فاس فيتأثر أو يجتر، ولكنه نظمها في توات بعيدا عنها بعشرات الأميال... وكل هذا في نظره يعطيه الحصانة من أن تحوم حول معلقته الظنون.
أن صدقا لا أحس به      ?      هو شيء يشبه الكذبا
الحقيقة الثالثة: أما في هذه الحقيقة الثالثة فإن التواتي يريد أن يسخر من شعري الذي لا يستحق – في رأيه- أن يعارض ولا أن يدرس ولا أن يقرأ ولا أن يجامل ولا أن يوثق بنسبه وليس لي مع هذا التجاهل الرخيص من حيلة إلا أن أرفع بالكلاليب أجفان الأعمى حتى يرى النور، وأضرب بالمقارع آذن الأصم حتى يسمع أصوات الشعراء تهدر من حوله، وله أن شاء بعد هذا العمى أن يتصور الليل نهار ناصع البياض والنهار ليلا حالك السواد، فلن يقوى تصور المريض يوما ما وهو فاسد سقيم على أن يحيل الليل إلى نهار مشرق ولا النهار إلى ليل حالك مظلم.. نعم كان علي أن أتناول القصيدة مقطعا مقطعا وبيتا بيتا ولكني – مع الأسف- لم أجد ما يغريني بالوقوف فتناولت منها ما آثار اهتمامي وتركت الباني لحكم التاريخ إشفاقا على نفسي وضنا بوقتي.
الحقيقة الرابعة: عندما تنكر زميلنا التواتي للقوميات والقوانين والدساتير وأعلن في شعره أنها خرافة من وضع عابدي الأوثان، كان كما أشرت في تعليقي متناقضا مع نفسه أبعد التناقض يقدس هذه القومية ويومن بها في حديثه الإذاعي (وهو ناثر) ويكفر بها مستهزئا عند ما ينقلب إلى إنسان شاعر، فيتسع قلبه للإيمان بالشيء والكفر به، وينطلق لسانه هناك مسبحا ممجدا، ويتعثر هنا جاحدا مشككا في صلاحيتها، ولكنه يكابر مرة أخرى ولا يعترف بهذا التهافت متعللا بأن الشاعر عندما يرتفع عن محيطه المحسوس إلى ما وراء المادة قد يتخطى حتى ما اصطلح على قداسته كل البشر، وهو تعليل بارد قد ينفع زميلنا لو أنه ارتفع به ما نظمه عن محيطه المحسوس وفقد فيه وعيه ونفسه في سبحات صوفية خالية مجنحة، ولكن التواتي لم يرتفع شبرا عن أرضه ولم يحلق مترا فوق برجه العاجي، ومع ذلك فهو يبيح لنفسه هذا الاضطراب والجموح لأنه يعتقد أن للإنسان منطقتين: منطقة العقل، ومنطقة القلب، فهو في منطقة القلب والعاطفة بعيد عن سلطان العقل ونفوذه وتدخلاته، حر في أن يقول للناس أن سماءهم أرض وأرضهم سماء، وأن قانونهم سخافة ودساتيرهم هراء وعذره في هذا الهديان أنه في منطقة القلب أنه بهذا يضع خطا فاصلا بين العقل والعاطفة ويفهم أن الشاعر في شعره العاطفي يصح له أن يتجرد كامل التجرد من عقله فلا يبقى لهذا العقل سلطان على عاطفته ليوجهها ويضبطها أو يكبح من جماحها وغلوائها، وهو فهم خاطئ يؤكد أن مفاهيم الأشياء اختلطت في ذهنه هولا في ذهني –كما يقول- أن منطقة العواطف المجردة عن العقل يا أخانا التواتي هي منطقة الحمقى والمأفوفين، فإذا صح لنا أن نعد عواطف هؤلاء التي تجردت عن توجيه العقل وقيادته شعرا أو كلاما له قيمة واعتبار، فلن نمانع قط في اعتبار ما قاله التواتي في منطقة قلبه المتجردة عن عقله شعرا وكلاما له وزن واعتبار، لقد فاتني – لسوء حظي- أن اعرف أن التواتي الواحد بالشخص له جهتان وهذا في نظره يرجع على جهلي بالأصول وعلم القليات التي حرمتني منها دراستي بالقسم الأدبي، ومادام الأخ التواتي لا يلتزم اللياقة الأدبية التي نعاها علينا في بداية هذا النقاش، فمن حقي أن اخبره بأني لا أغبطه على بضاعته في عقلياته وأصوله لأنه لم يستطع أن ينتفع بهما في هذا التعقيب.
الحقيقة الخامسة: يزعم زميلنا التواتي أنني أقحمت في تعليقي الحديث عن القومية العربية إقحاما لا مبرر له وهو زعم من لا يحتكم إلى أصول العقل. كيف لي أن أثير في تعليق بسيط قضية شغلت رؤوس العرب والمسلمين أحقابا طويلة لولا أن أخانا التواتي سخر بالقوميات والدساتير وكفر بها وبواضعيها لأنه كان في منطقة القلب كما يقول، ولكنه تنازل للتعقيب عليها رغم أنها طفيلية ومقحمة في وهمه ليقول لنا – بكل فخر- أنه لا يؤمن بفكرة القومية العربية لأنها في رأيه دعوة جاهلية ونعرة عصبية، ونزعة طائفية خير منها أن ندعو إلى وحدة إسلامية ينضوي تحتها المسلمون من كل جنس، والتواتي وهو يطرق قضية شائكة من أكبر القضايا عاطفي لا يريد أن يبارح منطقة القلب، ولو كان واقعيا يدرك ما في تحقيق وحدة إسلامية من عراقيل وصعوبات تحول دون أن ينصهر المسلمون جميعا في بوتقة واحدة لإدراك أن نجاح فكرة القومية العربية وتجسيمها في جامعة عربية يعتبر ربحا عظيما ومكسبا حققه العرب رغم مناورات الدخلاء ومكسبا حققه العرب رغم مناورات الدخلاء ورغم ما اعترض طريقهم ويعترضهم من تيارات معاكسة، أن التنكر للقومية الذي يفتخر به التواتي كلام لا يرتكز على منطق سليم، لأن الوحدة الإسلامية التي ليس هو أول داع إليها رغم قداستها، ورغم إيمان المتحمسين للإسلام بها، ورغم إيمان المتحمسين للإسلام بها، ورغم المصاعب التي تقوم دون تحقيقها، والأجيال اللازمة لانجازها، هي نفسها عصبية ودعوة جاهلية لأنها تكتل يقابل في الطرف الأخر المسيحية واليهودية واللادينية.
إن الحقيقة الإلهية الصحيحة التي يدعو إليها الإسلام والتي لا يرد عليها ما أورد التواتي ليست هي في قومية عربية ولا إسلامية، وإنما هي في وحدة إنسانية شاملة تقوم على التعايش السلمي واحترام العقائد والأفكار وتلاشي الفروق والطبقات تحت شعار «يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» وشعار الدين لله والوطن للجميع – فإذا أراد التواتي أن يفر من الدعوات الجاهلية كما يرى فليدع على هذه الوحدة الإنسانية التي هي وحدها الحقيقة الالاهية.. على أنه ليس من اللازم أن تكفر بالقومية العربية التي ناهضت بتكتلها الاستعمار لندعو إلى الوحدة الإسلامية التي ستكون الخطوة التالية في سبيل تعايش أنساني شامل.
الشكلية والفنية:
تحدث الأخ التواتي في حذلقة وسخاء عن نفسه وعن حاكم التوات وعن مناطق القلب والعواطف وعن القومية العربية، فما باله يلوذ بالصمت ويدور ويلف عندما ينتهي في تعقيبه إلى الجانب الشكلي والفني الذي تناولته في تعليقي؟ وأن هذا التهرب من الأخ راجع إلى سببين اثنين: أحدهما أنه يستخف بالجانب الشكلي والفني في الشعر وفي نقد الشعر ولا يراه جديرا، بالاعتبار ولذلك وقف منه موقف السلبي، وثاني السببين أنني لست شخصية عالمية في النقد يحسب لها حسابا أو يقيم لنقدها وزنا.
ومع أن الجانب الشكلي والفني ليس كل شيء في الإنتاج إلا انه أول شيء يبرز فيه، فالتجربة الشعورية التي مر بها وعاناها التواتي لا يمكن أن تقيم، ولا أن تكون محلا لحكم أدبي كيفما كان وزن الحاكم وثقله في دنيا الأدب والنقد إلا إذا اتخذت شكلها، وأعطى لها من القيم التعبيرية والجمال الفني ما يؤهلها لان تكون عملا أدبيا محترما.. والجانب الشكلي في الشعر العربي – والمحافظ منه بالخصوص- يتمثل في جمال الأداء، وحسن الصياغة، وأصالة الأسلوب، والتزام القواعد الموضوعية.. ومن هذا الجانب الذي اخل به التواتي انتقدته، لان الالتفات إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والتاريخية والفلسفية في أي عمل أدبي مرحلة ثانوية يمر إليها الناقد عن طريق الشكلية وجمال الأداء.. فعندما نظم التواتي شعره بأوزان الخليل وتعثر في تفاعليه وكسر الكثير من أبياته.. وعندما تحدث عن السمات ذات الألحان وذات الرنين المشرق حديثه عن صدى القبلات في (موكب الربيع)، وعندما وصف الجمال بأنه رائق فتان يأخذ كل الوجود والنيران كان في كل هذا مخلا بالجانب الشكلي والفني لم يرض القواعد ولا الذوق الأدبي. وتناول الإنتاج وتفسيره بالمقاييس والقواعد الموضوعية لن يحتاج كما يزعم التواتي إلى موسوعية في الثقافة وإلى شخصية عالمية في النقد لان إنتاج أخينا التواتي لم يرق بعد إلى هذا المستوى العالمي، وهو الذي لم ينجح بعد في توفير الجانب الشكلي والفني لعمله الأدبي.
أن أكبر الأدباء العالميين استهدفوا في حياتهم إلى النقد الذي رفعهم إلى القمة ولم يستنكفوا منه لأنه لم يأتهم من شخصيات عالمية، ولكنهم عرفوا كيف يستفيدون منه، ولم يكونوا أنانيين ومغرورين يرفضون كل نقد لا يهبط إليهم به جبريل من السماء... أن التواتي يراني غير شيء، وله أن يرى في الناس ما يشاء ويتجاهل الدنيا جميعها من حوله، ولكنه لا يجوز له بحال أن يتجاهل أصول الشعر وقواعده الموضوعية إذا أراد من الناس أن يحترموا علمه وإنتاجه.    
رحم الله زكي مبارك لقد كان على حق عندما قال: (.. فاحمد أمين ليس بكاتب ولا أديب وأن سود الملايين من الصفحات). لم يكن أحمد أمين أديبا عبقريا ولا فنانا ملهما، وإنما كان عالما ميالا إلى البحث والدراسات العلمية، ومن هذا يعلم أخونا التواتي مكانه، أنه ليس بالعالم وأن عرف الواحد بالشخص له جهتان، لان تعقيبه كشف عن جهله باللغة وبحقائق الأشياء وبأصول النقد، وليس بأديب وأن سود ما سود لان زكى مبارك نازع أحمد أمين – وهو من هو- أن يكون أديبا أو كاتبا، لقد رمانا التواتي بسهم ليس له ولم يحسن تسديده فارتد إليه.
أن الأخ التواتي لا ينس أن يشكرني على اهتمامي بقراءة شعره ويؤكد مرة أخرى أنه لا يقرأ شعري – على قلته- ولا يصرف وقته في قراءة الآخرين، وأنا أؤكد له أنني مغرم بقراءة جميع المحاولات حتى ولو كانت فاشلة لأني أعرف كيف استفيد منها، وأعرف بها مكاني بين الآخرين وهي تمدني بطاقة وحيوية جديدة- وإلا فمن أين لي أن اكتب لدعوة الحق ما كتبته من تعليق لولا أني قرأت التواتية العاجية.
ومرة أخرى أؤكد له أنه لم يقل في تعقيبه شيئا ما دام قد تهرب من الجانب الشكلي إلا ما أضافه من اختراعه في اللغة، وأني غير مستعد للقاء ثالث إذا كان على أسلوب مصارعة الثيران.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here