الأربعاء 29 ذو الحجة 1438هـ الموافق لـ 20 سبتمبر 2017
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

زهراء ناجية الزهراوي: إسهام المرأة في بناء الشخصية المغربية

زهراء ناجية الزهراوي: إسهام المرأة في بناء الشخصية المغربية

بحضرة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله، بالقصر الملكي العامر بالدار البيضاء، ألقت يوم الخميس  19 رمضان 1435هـ الموافق لـ 17 يوليوز2014 الأستاذة زهراء ناجية الزهراوي عضو بالمجلس العلمي المحلي لمراكش، الدرس الخامس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1435هـ، تناولت فيه بالدرس والتحليل موضوع "إسهام المرأة في بناء الشخصية المغربية" انطلاقا من قول الله تعالى ﴿والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم﴾.

نص درس الأستاذة زهراء ناجية الزهراوي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام

على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين

مولاي أمير المؤمنين

 أستأذنكم في تناول الحديث في موضوع إسهام المرأة في بناء الشخصية المغربية، وقد حفزني على اختياره ما لجلالتكم  من عناية خاصة بقضايا المرأة، وما توجهون إليه وتبذلونه من جهود لتنخرط في سياسة التنمية وتسهم في بناء المجتمع، إيمانا راسخا من جلالتكم بأَنْ لا تقدم للمجتمع بنصف مشلول.

وقد رأينا من المناسب أن ننطلق من الآية الكريمة الواردة في سورة التوبة في قوله تعالى:﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهمُ أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم﴾. وعلاقة الآية مع الموضوع من ثلاثة وجوه أساسية هي:

الوجه الأول: ما تفيده الآية من الاشتراك بالتساوي بين الرجال والنساء في بناء النظام الأخلاقي الذي يقوم عليه المجتمع، وجاء التعبير عنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛

والوجه الثاني: مايدل عليه المعروف من إتقان في العمل وبذل في العطاء وإحسان في التصرف، فيكون دور المرأة، أي إسهامُها في إطار مجتمع الإيمان ثابتا بمقتضى هذه الآية؛

الوجه الثالث:ما يدل عليه المعروف من وجوه لا حصر لها في باب الخير، استحسانا شرعيا أو استحسانا عقليا، وحيث إن الشخصية المغربية التي تسهم المرأة في بنائها يقصد بها الشخصية الخيرة، أي ما أثمره الاجتهاد من سمات خاصة مميِّزة، فإن هذا المعروف يصبح تعريفا وهوية قائمة.

أما أن تكون للمغرب شخصية خاصة فيعني أنها متميزة بمزيد من العطاء والإبداع داخل الثقافة الإسلامية،أو الثقافة المتوسطية أو الإفريقية، وأما أن يكون للمرأة في بنائها نصيب مثلما للرجل، فإن المقارنة لم تكن لتطرح لو أن عمل المرأة يتم عنه الكلام مثلما يتم عن عمل الرجل، فكما هو معلوم فإن الواقع لا يعكسه الكلام في جميع الأحيان، أي أن الكلام هو الذي يعكس الاعتراف بواقع قائم، وقد يغمطه بالسكوت أو الجحود، فموضوعنا على هذا الأساس يندرج في باب محاولة إصلاح الميزان في هذا الخصوص.

إن الشخصية المتحدث عنها هنا شخصية ذات أبعاد ووجوه، منها ما هو معتاد في الحديث ومنها ما لا يقل أهمية ولكن لا يحظى بما ينبغي له من الالتفات، والوجوهُ التي ستتم الإشارة إليها من هذه الشخصية هي:

  • الشخصية الدينية؛
  • الشخصية العلمية
  •  الشخصية الروحية
  • الشخصية السياسية
  • الشخصية الوطنية
  • الشخصية الاقتصادية
  • الشخصية الثقافية الحضارية

وهذا يعني أننا لا نتوقف عند الشخصية البيولوجية أو السيكولوجية، بل نتعرض للشخصية التي تقوم على المعرفة العلمية والعملية، وتمتد إلى المهارات والإبداع والقيم والعادات والتقاليد.    

ومعلوم أن هذه الجوانب تتفاعل فيما بينها ولا تنفك عن العوامل البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية، ولكن عدمَ فائدة الكلام عن طبع خاص أو ذوق لأهل المغرب يجعلنا نوثر مقاربة الشخصية من خلال المنجز الظاهر المحسوس، وقد ينتهي الأمر في الأخير إلى ما يسميه الإمام الغزالي بالنفس عندما يقول: "هي الإنسان بالحقيقة، وهي نفس الإنسان وذاته. ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها". وكما هو متوقع فإن كلام ابن خلدون أقل تجريدا من كلام الغزالي عندما يتحدث في كتاب "العبر" عن هذه الشخصية المغربية مركزا على جملة من المقومات لبنائها حيث عبر عنها بالفضائل الانسانية، وعلى رأسها: المقوم الديني ـ والاجتماعي ـ والعلمي ـ والسياسي ـ والدفاع عن الوطن. وحلل كل مقوم منها، وختم بتقويم البناء الحضاري للمغاربة بقوله: "فلهم في ذلك آثارنقلها الخلف عن السلف، لو كانت مسطورة لحفظ منها ما يكون أسوة لمتبعيه من الأمم. وحسبك ما اكتسبوه من حميدها، واتصفوا به من شريفها، أن قادتهم الى مراقي العز، وأوفت بهم الى ثنايا الملك، حتى علت على الأيدي أيديهم، ومضت في الخلق بالقبض والبسط أحكامهم". ثم يذكر تميزهم بتعليم الصبيان القرآن وتربيتهم، والعناية بالبوادي بتثقيفهم في أمور الدين.

وقبل أن نعرض لبعض جوانب الشخصية المغربية التي للمرأة إسهاماتها المشهودة فيها، لابد من التذكير بالجانب الذي تتفرد به المرأة أينما كانت، ولا مقارنة جائزة فيه مع الرجل، ولا يدخل في الإسهام في الشخصية المتميزة لبلد من البلدان، وهو دور المرأة في الأمومة وهو عطاء لا يشبهه عطاء.

مولاي أمير المؤمنين

بعد هذه المقدمات، نورد نماذج من إسهام المرأة في الشخصية المغربية في جانبين أساسيين هما: إسهام المرأة بالسلوك والمشاركة وحمل العلم، وإسهام المرأة في العمل والإبداع.

ففي موضوع الجانب الأول، جمعنا قاموسا لشهيرات النساء في تاريخ المغرب، ترجمنا فيه لثلاثمائة وخمس وسبعين من النساء، اشتهر ما يقرب من ثلثهن على أساس الانتماء للتصوف، وما يزيد عن الربع على أساس المشاركة في السياسة، والربع اشتهرن بحمل مختلف العلوم، ثم تتوزع شهرة الباقيات على المقاومة وأعمال الإحسان والأدب والطب والفن.

ونورد نماذج من هؤلاء الشهيرات:

أولهن خيرونة الأندلسية الأصل الفاسية النشأة والدار في منتصف القرن السادس الهجري. لازمت مجالس العلامة عثمان السلالجي المتوفى سنة  574هـ إمام الأصول والعقائد، فتخرجت به فقيهة ضابطة متقنة لعلم العقائد، ولأجلها ألف السلالجي كتابه الذي عنوانه "البرهانية" في العقيدة الأشعرية، فكانت رائدة في نشرها وتقريبها من النساء بفاس.

وقد نهج بعض علماء سوس نهجا شبيها بنهج السلالجي من أجل تقريب الفقه المالكي من النساء لما علموا من أن المرأة هي العنصر الفعال في تنشئة الأجيال والحفاظ على هوية الأمة.

وعلى رأس هؤلاء الشيخ محمد بن سعيد المرغيثي المتوفى سنة 1089هـ الذي ألف مختصرا فقهيا مبسطا برسم ابنته رحمة لتلقين وتعليم النساء أمور دينهن.

أما الشيخ محمد بن ناصر الدرعي فقد وضع مقررا إجباريا لأهل بيته، قبل أن ينتقلن للتبحر في العلوم، فبعد حفظ الناصريات للقرآن الكريم يتبعنه بقراءة المنظومات التي كتبها لهن الشيخ في التوحيد والعبادات والتوسل. فكان ممن تتلمذ عليه ابنته سارة التي خضعت لبرنامجه فشبت عالمة ناسكة أفادت النساء إفادة مشهودة.

ورغبة في إفادة الناس وتحقيق التواصل مع من لا يتقن اللغة العربية عمد بعض العلماء إلى ترجمة بعض المؤلفات المعتمدة في الفقه المالكي إلى الأمازيغية مثلما نجد عند الشيخ أكبيل الهزالي الذي ترجم مختصر خليل إلى الأمازيغية. وكان ممن استفاد منه الفقيهة عائشة بنت الطيب الاغرابوئية الاكمارية، التي أتقنت هذا المؤلف وتصدرت مجالس الوعظ الخاصة بالنساء في جهتها. إضافة إلى مساعدة زوجها فيما يتوقف عليه من الفتاوى بالرجوع إلى كتاب الفقيه المشهور بتبسيط الفقه بالأمازيغية، وهو أوزال أو الهوزالي. وممن تخرجن به من  الفقيهات وعم نفعهن النساء والرجال أم هانئ العبدوسية التي ترجم لها العديد من العلماء المغاربة والأجانب ومنهم الشيخ أحمد بابا السوداني في كتابه " نيل الابتهاج " وذكر بأن جدة الشيخ أحمد زروق كانت من جملة من تتلمذ عليها، حسب كناشة حفيدها.

وإذا كان هؤلاء النسوة قد حصرن اهتمامهن في العلوم الشرعية، فإن هناك من اشتغلن بالعلوم العقلية والمنطق على وجه الخصوص، مثل العالية بنت محمد الطيب بنكيران التي تخرجت على والدها وبرزت في المنطق، فكانت تدرس الرجال بعد الظهر والنساء بعد العصر. وقد لقي تخصصها في المنطق اهتمام الرحالة الفرنسيAuguste Moulieras  الذي جاء للمغرب مكتشفا سنة 1895م، ونقل أخبارها ومشيختها وقدمها الراسخ في المنطق وتعجب قائلا: "تصوروا معي امرأة عربية تدرس المنطق"، ثم يتوجه إلى من ينعت المغرب بالتخلف قائلا: "لاحظوا معي كيف أن العالية لا تقوم بتحفيظ القرآن بالطريقة العقيمة التي نعرفها، فالذكاء المغربي يحلق في سماء العلوم وهو علم البرهان كما عرفه الرِّواقيون، إنه العلم الذي حددهHamilton وKantمعيارا للفكر. هذه اعترافات رحالة أجنبي تكشف مكانة المرأة المغربية العلمية ودورها الرائد في تكوين الشخصية المغربية رجالا ونساء .

 وقد اشتهرت بعض الأسر بتعليم بناتها على أيدي الآباء أو الأقارب، وهؤلاء المحظوظات هن من كان لهن النصيب الأوفر في التعليم ومن ثمة في بناء الشخصية المغربية، وخير مثال لهؤلاء النسوة هندو بنت عبد الله المجلسي، المرأة المغربية الصحراوية المتألقة علما وتربية. اشتهرت بالتدريس والتأليف والتحقيق.

ومن أعمالها نسخ مخطوط عمها عبد القادر المجلسي المتوفى سنة 1937م والذي عنوانه "ثمان الدرر في هتك أسرار المختصر"، وهو في ستة أجزاء، ضمنه فتواه في توغل الاستعمار الأوروبي في الصحراء، فندد بالسياسة الاستعمارية وحذر من الجبن والاستسلام، وبذلك اكتست فتواه أهمية بالغة في التاريخ السياسي والديني بالمغرب لما تطرقت إليه من روابط البيعة والدفاع عن الوحدة الترابية.

إدراكا من هندو المجلسية لدلالة هذه الفتوى قامت بنسخ هذا المخطوط سنة 1953م في ظروف طبعت بالتوتر واشتدت فيها المؤامرة على الشعب المغربي، فاستطاعت أن تبث عبرها مقوما من ثوابت الأمة التي تطبع الشخصية المغربية وهو إمارة المؤمنين والتمسك بالبيعة والدفاع عن الوحدة، وهي مبادئ كانت تبثها في الأقاليم الصحراوية عبر حلقات الوعظ التي كانت تكتسي صبغة دينية سياسية. وكان أولَ من استفاد منها ابنها أحمد حبيب الله الذي درس عليها القرآن وعلوما أخرى، وتشبع بمبادئها التي ظلت تدافع عنها حتى توفيت عام 1972م.

ووفق ما قرره ابن خلدون في حق المغاربة، من طبع مميز لهم في باب حفظ كتاب الله العزيز، نقف على مثالين للنسوة اللائي اعتنين بالقرآن عناية خاصة وحذقن فيه ووقفن حياتهن على نشره وتدريسه، ومنهن المقرئة خديجة الحميدية الفاسية التي حفظت القرآن برواية ورش وقالون والمكي، وكانت عارفة بوجوه هذه القراءات وأحكامها. فكان ممن تخرج على يدها الشيخ عبد الحفيظ الفاسي الذي أجازته في القراءات الثلاث سنة 1323هـ.

وإجازة المرأة المغربية للرجل تتردد في كتب التراجم، كما نجد في حالة مومنة بنت عبد الله بن يحيى الفاسي المجاورة بالحرمين الشريفين، والتي أجازت الشيخ عبد الله بن عمر بن العز بن جماعة.

 ومثل عائشة الصنهاجية العالمة بالحديث، وقد روى عنها العلامة ابن حجر بواسطة.

وإذا كان التصوف تربية وتزكية ذات أثر في سالك طريقه وفي غيره من الناس في محيطه، فقد دخل في تشكيل وجدان الشخص المغربي وسلوكه الاجتماعي، وقد برزت في ذلك نساء متصوفات تصدرن للتربية الروحية فكان لهن حضور في المجتمع ونلن تقدير العامة والخاصة لا سيما العلماء: فالعالم القاضي يوسف التادلي تبرك بمنية الدكالية دفينةِ مراكش سنة 595هـ. وكانت هذه المرأة ذاكرة مرجعية للحياة الصوفية، دؤوبة على لقاءات رباط شاكر في عهدها. كما أن القاضي المؤرخ أحمد بن قنفذ القسطنيطيني زار الولية الصالحة فاطمة الصنهاجية بأزمور للتبرك، وطلب الدعاء منها. ولم يكن دور الصوفيات مقتصرا على الدعاء والتربية الروحية، بل تجاوز ذلك إلى التدخل في الإصلاح السياسي. فهذه الولية الشهيرة لالة عزيزة السكساوية الرجراجية جمعت بين العلم والتربية الروحية، مما أكسبها الثقة والاحترام بين قبائل الأطلس الكبير الغربي، فكانت دعوتها مستجابة، وإرشاداتها نافذة في السكان، وقد استطاعت أن تحقن دماء المواطنين بمهمتها السفارية بين وزير السلطان أبي عنان، فارس بن ميمون، قائد الحركة إلى الجبل، وبين عبد الله السكسيوي المناصر للأمير المريني أبي الفضل الذي كان السكسيوي في طاعته وخدمته، وقد تدخلت السيدة عزيزة أو للا عزيزة، ونجحت في عقد الصلح بينهما سنة754هـ. ومن العلماء الذين زاروا هذه الولية، ابن قنفذ المذكور، مؤلف" أنس الفقير وعز الحقير"، وقد أورد فيه ذكرا لمكانتها العلمية. أما فاطمة الهلالية المعروفة ب"تاعلاَّط"، العالمة السوسية، فقد ترجمها الحضيكي في طبقاته، ووصفها برابعة زمانها.

وإذا انتقلنا الى الجانب الإحساني الذي يعتبر من الشيم التي تطبع الشخصية المتميزة، نجد أن المرأة المغربية قد أبانت، عبر العصور، عن توجهها الإحساني الذي تلتقي فيه مختلف شرائح نساء المغرب، حسب مؤهلاتهن المادية، من أميرات وعالمات وصوفيات قرويات وحضريات. وقد تعددت أوجه مشاركة المرأة الإحسانية من بناء للمساجد والقناطر وإطعام المحتاجين وخدمتهم، لا سيما إطعام طلبة الزوايا الأفاقيين الذين هم في وضعية طلبة داخليين، وتلامذة الكتاتيب القرآنية. وأبرز ظاهرة عرفها إحسان النساء هي ظاهرة الوقف. وأبرز مثال عليه فاطمة بنت محمد الفهري، أم البنين، وأختها مريم حيث تركت كل منهما معلمة خالدة تحمل ذاكرة امرأة من أهل البر والإحسان. لقد وجدت الأختان في المحيط الديني والتربوي ما دعاهما لتوظيف نصيبهما في الإرث في العمران الديني. فبنت فاطمة أم البنين جامع القرويين المعلمة التاريخية. وبنت أختها مريم مسجد الأندلس.

نضيف إلى هذا المثال الشهير في فاس مثالا من العهد السعدي بمراكش حيث نجد مسعودة الوزكيتية أم السلطان المنصور الذهبي التي بنت مسجد باب دكالة، فكان من أكبر المساجد بالمدينة وأغناها بما حبست عليه من الأوقاف، وما وفرت له من الكراسي العلمية ومن الكتب المودعة في خزانته، كما قامت هذه السيدة بإصلاح قنطرة أم الربيع وقنطرة واد إسيل التي في مدخل مراكش، وإصلاح عدد من الطرق.

وفي باب الوقف حظي حفظة القرءان بالجزء الأكبر من وقف النساء:

 فخديجة بنت محمد المنوني حبست جزءا من تركتها على قراء الحزب بعد صلاة الصبح والمغرب كل يوم، وعلى قُرَّاء دلائل الخيرات كل جمعة بمسجد الحسن بن مبارك بمكناس، وذلك سنة 1230هـ.

ورقية بنت الحاج عبد الواحد صفيرة المعروفة بشدة تعلقها بكتاب الله، حبست ثلث ممتلكاتها على الطلبة الذين يقرأون القرآن بمسجد القرويين، صباحا ومساءا وذلك سنة 1245هـ.

وبعد مجال العلم والولاية والإحسان نورد امثلة على ما كان للمرأة من مشاركة في الحياة السياسية التي يفترض فيها أن تكون حكرا على الرجال، بيد أن المرأة امتازت بأدوار حاسمة سيما من موقعها كأم وكزوجة، بدءا بكنزة الأوربية، زوجة المولى إدريس الأكبر الذي جعل من المغرب دولة مستقلة عن الخلافة ببغداد، فقد ظهر أنها اكتسبت من زوجها خبرة في تدبير الشأن العام والعمل السياسي، ومما يدل على حكمتها ورباطة جأشها بعد مقتل زوجها نجاحها وهي حامل في شهرها السابع في سياستها مع أولي الأمر وحفاظها على الملك لابنها. ولما وَلي الملك ازدادت خبرة واهتماما بالسياسة فكانت مستشارته في مهمات أمور الدولة. وانعكست توجيهاتها على مجرى الأمور، وبفضلها استمر حكم الأدارسة قرابة قرنين من الزمن.

ومن أمثلة المرأة الزوجة التي استطاعت أن تدخل السياسة من بابها الواسع وتكون لزوجها وزيرة صدق زينب النفزاوية التي أعانت زوجها يوسف بن تاشفين على أعباء إمارة المسلمين بدهائها وحسن سياستها، وجعلت أبا بكر بن عمرو اللمثوني، زوجها السابق، يلتحق بالمجاهدين في الصحراء، دون أن تسيل قطرة دم بينه وبين ابن عمه. فكانت مستشارة ابن تاشفين في التدبير السياسي إلى أن توفيت.

وبالشمال المغربي انفردت السيدة الحرة عائشة بنت علي بن راشد باستحقاقات قلما حظيت بها امرأة أخرى، إذحققت لنفسها السلطة ودخلت مع المجاهدين ضد الغزو الأجنبي بأسطولها الذي كان مرابطا بمارتيل. وبعد وفاة زوجها محمد المنظري الصغير خلَفته في الحكم فكانت "حاكمة تطوان"، الى أن اعتزلت السياسة عند قيام الدولة السعدية.

ومن الأميرات الأمهات اللواتي كان لهن الفضل في الحفاظ على ولاية العهد الأميرة سحابة الرحمانية البربوشية التي قادت المعارضة مع ابنها الأمير عبد الملك السعدي وإخوته. واستطاعت أن تحظى باستقبال الخليفة العثماني سليم الثاني وتقنعه بعدم التدخل في شؤون النظام بالمغرب، ومن جملة ذلك احترام قرار محمد الشيخ في ولاية العهد من الابن الأكبر فالكبير، فنجحت في مسعاها.

أما عائشة مباركة البربوشية فيقول عنها زوجها السلطان المولى إسماعيل "كانت أعقل من أغلب الرجال"، حظيت عنده بنفوذ كبير في تدبير الشأن السياسي، سيما الوساطة في تدبير الشؤون العامة على المستوى الداخلي والسفاري .

ولا يخفى ما كان لزوجة هذا السلطان، الأميرة العالمة، أم الملوك وجدة الملوك، خناثة بنت بكار، من أدوار في تدبير الشأن السياسي وتميز بمشاركتها العلمية التي تشهد عليها هوامشها على كتاب "الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر العسقلاني، وقد عم إحسانها المشرق والمغرب، من ذلك ما ظهر في وقائع حجتها مع حفيدها سيدي محمد بن عبد الله، وهي حجة أنفقت فيها أموالا وذخائر طائلة على الحرمين الشريفين. وأوقفت دارا في الحرم المكي على الطلبة. وفي الشأن السياسي عُرفت عنها أمور منها الوساطة للسفراء الأجانب في إطلاق سراح أسراهم وحل قضاياهم.

وفي مطلع القرن العشرين، عندما بدأت أطماع الاستعمار الأجنبي تمتد إلى قبائل ومدن المغرب، اتخذ الدفاع عن الوطن مسارا آخر تجلى في حركة المقاومة التي هي ترجمة عملية في الميدان للشعور الوطني، وقد شاركت فيها المرأة بكل الوسائل المتاحة لها.

ومن أمثلة النساء اللائي سقطن شهيدات الوطن والعرش في مختلف مدن وقرى ومداشر وصحراء المغرب نذكر:

يطو بنت موحى أحمو الزياني التي شاركت والدها في المقاومة بالأطلس المتوسط. ورقية احديدو فارسة قبيلة أيت يزدك التي هاجمت جيش المستعمر بالرغم من تقدمها في السن. ويطو بنت العربي المكلدي التي لازال النصب التذكاري الذي يحمل اسمها على جانب الطريق بين الحاجب وأزرو شاهدا على بطولتها. وفاطمة الزهراء شهيدة مراكش في 14غشت 1953م التي تركت صبيتها، وخرجت مع المتظاهرين للتعبير عن التمسك بالولاء والوفاء للملك الشرعي المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه. اقتدى بهؤلاء النسوة مئات من بنات جنسهن ترجمن وطنيتهن إلى مقاومة فعلية ودخلن في معركة الدفاع عن الشرعية وثوابت الأمة، ولقن الأجيال دروسا في التضحية من أجل الوطن بكل عفوية هي عفوية الشخصية المتأصلة.

 مولاي أمير المؤمنين

إن الشهرة عند الناس خاضعة لأمرين هما: وجود الشخص المعروف بعينه وصفته من جهة، وظهوره في فضاء من الفضاءات، من جهة اخرى، وعلى هذا الأساس فإن السؤال حول شهرة المرأة في الماضي لا يتوقف الجواب عنه على مدى الاستحقاق، وبالتالي لا يمكن أن يكون ما وصل إلينا في هذا الشأن مرآة لذلك الاستحقاق، لأنها بصفة أساسية مرهونة بداخل البيت، وبمهمات داخلية مكرسة معروفة لها لا تنتظر إلا منها، وعليه فاشتهار بعض أسماء النساء بمهمات  تنسب على العادة للرجال كالعلم والصلاح المعترف به والزعامة السياسية والإحسان العمومي أمور استثنائية، لا لقصور النساء عنها، ولكن لأن المجتمع لم يكن في الماضي يرشح لها المرأة عادة ولا يتيح لها فرصة الظهور فيها بقدر ما يتيحها للرجال. ومع ذلك فإن ثلة من الأسماء التي ذكرنا، قد فرضن الظهور حتى في ميادين الرجال بنسبة قد تصل إلى عشر عدد مشاهير الرجال في تاريخنا، إذا اتخذنا كتب التراجم مرجعا في ذلك. وبهذا الاعتبار فإذا نحن أردنا أن نقترب أكثر من تقدير إجمالي كيفي لإسهام المرأة فيما يميز المغاربة من وجوه الحضارة أو مما يمكن أن يصدق عليه وصف الشخصية المغربية، فلابد أن نتخلى عن أمرين، أولهما ربط الإنجاز بأسماء بعينها، حيث تصبح المرأة جنسا لا شخصا، وثانيهما التوغل في أعماق الفعل الثقافي الذي يتسم بالمكتسب في ما تقوم به  الحياة من المجهود وما تتميز به في جانب الذوق والأسلوب،ويرتبط الجانبان في الغالب بداخل الدار بمثابة مختبر لصنع جوانب ثرية من الحضارة، ومعظمها مما يتصل بالإتقان الذي يحيل عليه مفهوم المعروف، و بالإسعاد بصفة عامة.  

وحتى لا نقع في إقصاء آخر بتفضيل المدينة على البادية، لأن رقائق الحضارة مرتبطة في الأغلب بالمدينة، نؤكد على ما هو معروف بداهة من كون الضروري هو الذي يجعل الكمالي ممكنا، أي أن الإسهام يشمل المستويين الضروري والكمالي، لأن ما نسميه بناء الشخصية المغربية تضافرت فيه البادية والمدينة، بل إن البادية هي ظهير المدينة وسندها الاقتصادي والبشري على مر التاريخ، والمرأة في البادية ليست محجورة بين جدران البيوت بل يقع عليها عبء الكدح في اليوم والليلة لا للقيام بمهماتها العادية كزوجة وكأم فحسب، بل للإسهام بقدر وافر في تكاليف الحياة لاسيما في الالتقاط والفلاحة والرعي، وفوق ذلك فلها نصيبها من الأساليب والمهارات لجعل حياة أهلها بوسائلها المحدودة سائغة رائقة، وهذه الوسائل والمهارات  موضوع شيق مثير يستدعي البحث الأنطروبولوجي.

إن هذا التدقيق في قضية الإسهام والشهرة ضروري لتعديل الفكرة السائدة في الربط بين المدينة والبادية، ولكي نقرر بخصوص موضوعنا أن إسهام المرأة البدوية في الشخصية المغربية هو نفس الإسهام المنسوب إلى المرأة في المدينة، وهي شخصيات بحسب تجلياتها في العلم أو الصلاح أو السياسة أو الإحسان أو النضال أو الثقافة والحضارة والجمال والاقتصاد والصناعة والأدب والفنون، وسنورد ملامح بعضها على سبيل المثال.  

فبعد أن ذكرنا أمثلة شخصية من النساء المسهمات في بعض الميادين، نذكر في ما تبقى من العرض مجالات أسهمت فيها المرأة إسهاما جماعيا غير مرتبط بأشخاص نسوية بعينها، وهي مجالات منسوبة إلى المرأة على التحقيق، ويمكن حصرها في مظهرين أساسين:

  • أولا تربية الأجيال ونقل القيم.
  • ثانيا الحفاظ على بعض المظاهر الحضارية بالعمل و الابداع.

1 ـ تربية الأجيال و نقل القيم

يقول (ص): "والأم راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها"و الرعاية هي الحفظ و التعهد بالتهذيب و تلقين الأخلاق السامية، وإعداد الأبناء للاندماج في المجتمع والمشاركة في بنائه، لأن الأم تنقل لأبنائها منظومة قيم المجتمع، و توجه سلوكهم في إطار توقعاته ومتطلبات تقدمه "فهي الوسيط السيكولوجي للمجتمع". وهي بوظيفتها التواصلية هذه لن تنقل إليهم إلا ما تملكه هي، وبذلك فإنها تحتاج في عصرنا الحاضر الى ثقافة تمكنها من تربية أبنائها و ضمان أن لا يتجاوزوها إذا تقدموا في تعليمهم.

 لقد مارست المرأة المغربية عبر التاريخ دورا رائدا في تربية الأجيال والحفاظ على الهوية، يشهد بذلك بعض كبار العلماء أمثال: الفقيه العلامة أحمد السكيرج الذي يستهل فهرسته التي عنونها "قدم الرسوخ فيما لمؤلفه من الشيوخ" بترجمة والدته فيقول: "أول شيخ لي على الحقيقة هي والدتي رحمة الله عليها". والفقيه محمد بن الحسن الحجوي وهو من أكثر المؤلفين المغاربة تصنيفا وأعمقهم فكرا، وهو يقول: "إن تأثير التربية الأولى على حياتي هي التي أوضحت لي أن الأمهات لهن دخل كبير في تهيئة الرجال النافعين". وعبد الحي الكتاني الذي ألف كتابا في مناقب وسيرة والدته منوها بجهودها في تربية أبنائها وعنوانه: "ترقية المريدين مما تضمنته سيرة السيدة الوالدة من أحوال العارفين". والعلامة المختار السوسي الذي يقول عن والدته: "إنها هي التي سمعت منها بادئ ذي بدء تمجيد العلم وأهله، فكان كل مناها أن تراني يوما ما ممن طلعوا من تلك الثنية".

2 ـ إسهام المرأة في الحفاظ على مظاهر من الحضارة المغربية بالعمل والإبداع

نقتصر منها على ذكر أربعة مظاهر هي: الطعام واللباس والجمال وتدبير النفقة:

أ ـ مهارات الطعام: من المعايير التي تصنف بها ثقافة الأمم التفنن في الطبخ، وتفنن المغرب لا يخفى في هذا المضمار، وهو تميز صنعته المرأة المغربية التي طورت الطعام سواء في بيئة الرحل أو أشباه الرحل أو المستقرين، ووصلت في ذلك الى تهيئ أنواع من التحضيرات المتفاوتة التعقيد. وإبداعها في هذا المجال  خدمة وولع، تنتقل المهارة فيه بالتعليم من جيل الى جيل. وقد يكون الاطمئنان على الاستمرارية في توارثه مما أقعد الكتاب عن تدوين أوصافه، إلا ما كان من بعض الكتب النادرة، مثل: "أنواع الصيدلة في ألوان الأطعمة" وهو مخطوط لمؤلف مجهول يعود للقرن 7هـ حققه د.أبو العزم ومعه "كتاب الطبخ" لأبراهيم بن المهدي، وجعلهما تحت عنوان "الطبيخ في المغرب والأندلس في عهد الموحدين". ثم هناك كتاب: "فن الطبخ في الأندلس والمغرب" لابن رزين السبتي التوجيبي من تحقيق د.محمد بن شقرون وعنوانه "فُضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان". وقد أثار ازدهار الطبخ المغربي انتباه أبي الحسن علي التمكروتي في كتابه "النفحة المسكية" عند حديثه عن المولد النبوي في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، فقدم صورة تثير الاعجاب وتسجل مهارة المرأة المغربية في هذا الفن الحضاري. ويوجد في خزانتكم يا مولاي كناش بعنوان "كناش لبيان ما تحسنه النساء الخاصة بمولانا أيده الله من أنواع الأطعمة والحلاوى" يحمل تاريخ 1307هـ الموافق ل1890م أي أنه يعود الى عهد السلطان مولاي الحسن الأول. والقائمة الواردة في هذا الكناش تزيد عن ثلاثين نوعا من أنواع الحلاوى وعلى أربعين نوعا من أنواع الأطعمة. على أن هذا التراث ليس مقصورا على البيوتات الميسورة، بل إن مكانته الاجتماعية وأثره النفسي مما هو حاضر بين مختلف الفئات من حيث دلالته وقيمته كإسهام من المرأة في شخصية هذا الوطن.

ب ـ من المهارات التي حققت فيها المرأة إبداعا و استقلالا "اللباس" الذي يعكس المستوى الحضاري للأمة، و الإسلام يحث على حسن الهندام، يقول تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، ويقول (ص): "أصلحوا لباسكم حتى تكونوا شامة في الناس فان الله لا يحب الفحش ولا التفحش".

والمرأة المغربية أينما تكون في العالم تعرف بلباسها المغربي المتميز سواء كان لباس احتفال أو لباس عمل. وهو كما يمتاز بالأناقة يمتاز بالتنوع، يتعرف من خلاله على صاحبته والجهة التي تنتمي إليها من المغرب. وقد أورد الحسن الوزان في كتابه "وصف إفريقيا" وصفا دقيقا لحلي و لباس المرأة المغربية. كما نالت المرأة المراكشية والمكناسية بحُليها ولباسها اهتمام مارمول كربخال في كتابه "إفريقيا".

ولباس المرأة المغربية متأصل في الألوان الفاتحة و الداكنة، ما عدا السواد الذي لم يعرف في لباس النساء إلا في مقابلة ما تحته أو فوقه من البياض. وعلى صعيد الوطن يعكس اللباس خاصية الوحدة و التنوع، و هو قائم على عدة قواعد منها، التناسب بين القطع، وأنه مع التزامه الحشمة من حيث الطول والوسع فانه لا يغمط حق الفراهة والقوام.

وكما أسلفنا بالنسبة للطعام، فان اللباس النسائي يطبع المغرب بالشهرة والتميز في العالم، ويُشَغِّل اليوم مئات الآلاف، مابين تجار وصناع وعارضين، من مختلف المستويات. فكان الى جانب المعمار التقليدي من عوامل الحفاظ على الهوية و الاعتزاز بها.

   ج ـ المهارات المتعلقة بالتزين والتطيب وتعهد الجمال في حياة المرأة: إن الحياء لم يقتل التجمل في حياة المرأة المغربية فهي لم تفرط في حقها الطبيعي والديني في هذا المضمار. والإسلام يحث على التزين في حدود الشرع، ففي حجة الوداع أمر (ص) من لم ينو القران أن يتحلل و يتمتع بين العمرة والحج باللباس والعطر و غيرهما، فقدم علي رضي الله عنه من اليمن ووجد فاطمة رضي الله عنها قد لبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر عليها ذلك فقالت:"إن أبي أمرني بهذا" فذهب الى النبي (ص) مستفتيا وأخبره أنه أنكر عليها ذلك فقال (ص): "صدقت، صدقت أنا أمرتها بذلك".

    د ـ المهارات المتعلقة بتدبير النفقة؛ تسهم المرأة في البادية على وجه الخصوص في أشغال الفلاحة والرعي على نطاق واسع، ولا يعفيها من مهامها كزوجة وأم، ولها مشاركة محدودة في التجارة بتسويق بعض منتوجاتها أو حتى بالمشاركة في أسواق خاصة بالنساء في بعض المناطق. وهذا ما دعا ابن عرضون الشفشاوني في القرن العاشر لإصدار فتواه حول كد وسعاية النساء بالبادية والتي لقيت معارضة من صاحب العمل الفاسي أبي زيد عبد الرحمان الفاسي، يقول:

و خدمة النساء في البـوادي                للزوج بالدرس و بالحصـاد

قال ابن عرضون لهن قسمة                  على التساوي بحساب القسمة

لكن أهل فاس فيها اختلفوا                  قالوا في ذلك عرف يعـرف

وفي المدينة تشارك المرأة في الإنتاج إما بما يكمل موارد الرجل أو بالحصول على كل المورد في حالة عجز الرجل أو غيابه بالموت أو الطلاق، وذلك من خلال أعمال تمهيدية لمصنوعات تقليدية. ولكن إسهامها التربوي المكون الباني للشخصية يكمن خاصة في مهارتها في تدبير نفقة دارها، فهذا الجانب هو الذي ينطوي على التميز والابتكار لأنه يتعلق بالموازنة بين المدخول والمصروف كما يقال، مع مراعاة العفة تجاه الزوج. فالمرأة تتولى حفظ هذا السر الذي  ضمن الاستمرار للأسر التي معظم أربابها من صغار ذوي الحرف والمتسببين في التجارات. وهذا السر من أعظم الأسرار الذي تحمله البنت عن الأم إذا انتقلت الى بيت الزوجية، سر تدبير النفقة والتعفف على الزوج، ولاشك أن الذكاء التجاري الذي تميزت به بعض الأوساط الحضرية أو البدوية يعود إلى هذه التربية المعيشة على الاقتصاد كما دبرته المرأة داخل البيت، فمن الأقوال الشائعة على لسان النساء وهن يتجهن إلى الرجال ولاسيما بالأمازيغية: "دعونا ندبر شأن المطبخ نَدْعكم تقررون في ما عدا ذلك".           

الخاتمة

مولاي أمير المؤمنين

إن تميز الشخصية المغربية حقيقة تشهد بها الأمم إلى يومنا هذا والعالم متجه نحو التشابه في كل شيء، والعولمة تضغط لفرض نمط وحيد في كل المجالات، والتميز الحضاري يعني وضع بصمات لا تمحى في سجل التراث الإنساني، وقد رأينا جانبين من إسهام المرأة عالمة وعاملة، فأما جانب العلم فكانت له عوائقه ولذلك فمن المناسب أن ينظر إليه على أنه مشاركة تدل على الجواز والقدرة والإمكان والحضور، وأما جانب العمل وما صاحبه من الإبداع فرأسمال ثقافي مادي مصنع يعيش منه اليوم ملايين المواطنين والمواطنات، طبيخا ولباسا ومهارات، ولا يزيد عليه ويسمو إلا ما غرسته الأمهات في قلوب الأبناء والبنات من قيم الوفاء للوطن ومن شيم التضحية للدفاع عنه عند الاقتضاء.

مولاي أمير المؤمنين

إن نهضة المرأة المغربية المعاصرة انطلقت في عهد جدكم محمد الخامس طيب الله ثراه، وتوسع نطاقها في عهد والدكم المنعم، لتبلغ أوجها في عهدكم الزاهر بفضل عنايتكم وحرصكم على إشراكها في بناء المجتمع فحققت السبق في مجالات رائدة، إضافة إلى ترقيتها في مناصب عليا برهنت فيها على كفاءتها واستحقاقها. ولازلتم تعملون على رفع كل التحديات عنها حتى تؤدي وظيفتها التربوية والاجتماعية على أحسن وجه. سدد الله خطاكم وأدام عزكم ونصركم، وحفظكم في ولي عهدكم المولى الحسن وفي صنوكم المولى الرشيد وسائر أسرتكم آمين.

والختم من مولانا أمير المؤمنين

للاطلاع على التسجيل المرئي المواكب للدرس الخامس الخامس من الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1435 والذي ألقته بحضرة أمير المؤمنين  الأستاذة زهراء ناجية الزهراوي، عضو بالمجلس العلمي المحلي لمراكش، تناولت فيه بالدرس والتحليل موضوع "إسهام المرأة في بناء الشخصية المغربية" المرجو الضغط هنا

للاطلاع أيضا

ختم صحيح البخاري

زهراء ناجية الزهراوي: إسهام المرأة في بناء الشخصية المغربية

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "للا أسماء" بالرباط
facebook twitter youtube