الأربعاء 3 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ 22 نوفمبر 2017
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

عبد الهادي هَنَرْكامْب: التشريع الأخلاقي في التراث الـروحي المغربي

ألقى الأستاذ عبد الهادي هَنَرْكامْب، أستاذ في جامعة جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية، بين يدي أمير المؤمنين،  يوم 12  رمضان 1435  الموافق لـ 10 يوليو 2014، الدرس الرابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1435هـ تناول فيه بالدرس والتحليل موضوع "التشريع الأخلاقي في التراث الروحي المغربي"، انطلاقا من قول الله تعالى "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم".

 

نص درس  الأستاذ عبد الهادي هَنَرْكامْب

.بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ وَأَصْحَابِهِ الأبْرَارِ

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، وَمِنْ خَوْفِهِ تَتَجَافَى عَنْ مَضَاجِعِهَا الْجُنُوبُ، وبنور هدايته عن كشف حجب الغفلة عن القلب المحجوب نَحْمَدُهُ وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَبْدَاهُ مِنْ مَرْهُوبٍ وَمَرْغُوبٍ، وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى الْقِيَامِ بِطَاعَتِهِ مِنْ مَشْرُوعٍ وَمَنْدُوبٍ، وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ قَابِلَ التَّوْبِ وَغَافِرَ الذُّنُوبِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلـٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُشَهَادَةَ مُحَقِّقٍ لِوَحْدَانِيَّتِهِ، مُقِرٍّ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سيدنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَعْظَمُ نَبِيٍّ، وأَكْرَمُ صَفِيٍّ، وَأَفْضَلُ مَحْبُوبٍ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْمُنَزَّهِينَ عَنْ دَنَسِ الرِّجْسِ وَدَرَنِ الْعُيُوبِ، صَلَاةً تَمْنَحُنَا السِّدْرَ الْمَخْضُودَ وَالطَّلْحَ الْمَنْضُودَ، وَالظِّلَّ الْمَمْدُودَ، وَتَدْفَعُ عَنَّا شَرَّ مَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ فِي الْغُيُوبِ،

مَوْلَايَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ، جَلالَةَالْمَلِكِ مُحَمَّدًا السَّادِس- حَفِظَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَنَصَرَكُمْ وَأَيَّدَكُمْ وَأَمَدَّ اللَّهُ فِي عُمْرِكُمْ، وَوَفَّقَكُمْ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وأعَانَكُمْ عَلى أُمُورِ الْبِلادِ وَالْعِبَادِ، وَجَزَاكُمُ عَنِ الشَّعَبِ الْمَغْرِبِي - خَاصَّةً- وَالأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ- عَامَّةً- خَيْرَ مَا جَزَى بِهِ نَبِيًّا عَنْ قَوْمِهِ، وَرَسُولاً عَنْ أُمَّتِهِ، وَإِمَامًا عَنْ رعيته. وَإِنَّهُ لَمِنْ دَوَاعِي الشرف وَمُوجِبَاتِ السرور أَنْ أُلْقِيَ بَيْنَ يَدَيْكُمُ هَذَا الدَّرْسَ وفِي جَمْعٍ مِثْلِ هَذَا، جَمْعِ الْعُلَمَاءِ والمفكرين والمهتمين وَالأَفَاضِلِ والذي لا يوجد إلا في هذا البلد المبارك وإن هذا لمتأصل في سلالتكم العلوية العالمة الشريفة وَسُّنَّةٍ أَحْيَاهَا أَمِيرُ الـمُؤْمِنِينَ المَلِكُ الحَسَنُ الثَّانِي - رَحِمَهُ اللهُ وَطَيَّبَ ثَرَاهُ.

أما بعد: فإن الدرس الذي أشرف بإلقائه أمامكم يا صاحب الجلالة يعالج قضية التشريع الأخلاقي وعلاقته بالقيم الروحية لدى الفرد والمجتمع عامة ؛ وعلاقة الموضوع بالتراث الروحي المغربي في بناء مجتمع متشبع بالفضائل والقيم الإنسانية المثلى؛ أو بعبارة علماء الأنثرو بولوجيا: كيف تستنبط المبادئ الأخلاقية الإنسانية وكيف تصنع القيم في المجتمعات البشرية. وَقَدْ قَسَّمْتُ هَذَا الدَّرْسَ إِلَى ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ:

vأَتَنَاوَلُ فِي المِحْوَرِ الأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾.وَرَكَّزْتُ فِيهَا عَلَى لَفْظِ «الفِطْرَةِ» كَأَسَاسٍ لِفَهْمِ التَّشْرِيعَ الأَخْلَاقِي.

vوَأُبَيِّنُ فِي الْمِحْوَرِ الثَّانِي الْمَقْصُودَ بِالسَّمَاحَةِ وَخَصَائِصِهَا وَدَوْرِهَا الفَعَّالِ فِي تَحْقِيقِ فِطْرَةِ الْإِنْسَانِ وَمَا يَجْعَلُهُ مُتَخَلِّقًا وَحَسَنَ الَتَّعَامَلُ مَعَ النَّاسِ كافة.

vوَفِي المِحْوَرِ الثَّالِثِ أُوَضِّحُ أَهَمَّ مُمَيِّزَاتِ التُّرَاثِ التَّرْبَوِيِّ الرُّوحِيِّ الْمَبْنِي عَلَى الْفِطْرَةِ وَالسَّمَاحَةِ عِنْدَ المَغَارِبَةِ،الَّتِي تَشَبَّعْتُ بِهَا مُنْذُ تَعَرُّفِي عَلَى هَذَا البَلَدِ الكَرِيمِ قبل أَكْثَرَمِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا؛ مستوحيا كلامي من عالم مغربي مشهور؛ ومفكر خَلّفَ من الرسائل في مجال التربية الدينية والروحية ما شغل الباحثين وأثار فضول المتخصصين في جامعات دولية لا زالت مهتمة بتراثه الثمين؛ ذلك هو العلامة – محمد ابن عباد الرندي السلاوي الفاسي – رضي الله تعالى عنه.

الْمِحْوَرُ الْأَوَّلُ

مَوْلَايَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، نَعِيشُ حِقْبَةً زَمَنِيَّةً يُوَاجِهُ فِيهَا الْعَالَمُ وَالإِنْسَانِيَّةُ جَمْعَاءُ تَغَيُّرَاتٍ وَتَحَدِّيَاتٍ سِيَاسِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً وَاقْتِصَادِيَّةً وَدِينِيَّةً وأخلاقية؛ وتشكل أزمة الأخلاق محور كل هذه التحديات.

وَمِمَّا لا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الأَزْمَةَ الأَخْلاقِيَّةَ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِي أُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ،أَوْ في زَمَنٍ مِنَ الأَزْمِنَةِ؛ فهي كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

 كُلَّمـَا رُمْـتُ لِأَشْكُوَ عِلَّتِي           لَا أَرَى غَيْرَ ذَوِي قَلْبٍ قَرِيحْ

 كُلُّهُمْ يَشْكُو الَّذِي أَشْكُو بِهِ         يَا لَقَوْمِي مَا عَلَيْهَا مُسْتَرِيحْ

لكن المثير في أزمتنا الحالية هو ظهورها في مُجْتَمَعَاتِنَا الإِسْلامِيَّةِ ظُهُورَ الشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ- مما يرفع تساؤلا كبيرا ؛ ألا وهو: "كيف تقع مثل هذه الأزمة الأخلاقية في مُجْتَمَعَاتِنَا الإِسْلامِيَّةِ الَّتِي بُنِيَتِ الأَخْلاقُ وَالْقِيَمُ فِيهَا عَلَى مَنْهَجٍ اسْتَوْحَى أُصُولَهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الشريفةِ؟» أَوَل لَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيح: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ»؟ خَاصَّةً وَأَنَّ الْعَلاقَةَ بَيْنَ الأَخْلاقِ وَالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلاقَةٌ أَصِيلَةٌ لَا يُمْكِنُ تَجْزِئَتُهَا أَوْ تَقْسِيمُهُا.

فَلَوْ نَظَرْنَا يَا مَوْلَايَ وَتَأَمَّلْنَا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الَّدينُ الْقَيِّمُ﴾[الروم:30] عَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الخِطَابَ مُوَجَّهٌ إِلَى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ المُكَلَّفِينَ؛ وَهَذَا مَا نَبَّهَ إِلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الأُصُولِيُّ التُّونُسِيُّ المَشْهُورُ مُحَمَّدٌ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُور فِي كِتَاِبهِ مَقَاصِدُ الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ عَنْ مَعْنَى الفِطْرَةِ حَيْثُ يَقُولُ: «فَالْفِطْرَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُرَادٌ بِهَا جُمْلَةُ الدِّينِ بِعَقَائِدِهِ وَشَرَائِعِهِ». وَمِن ْهُنَا نَفْهَمُ- يَا مَوْلَايَ - أَنَّ الْمَقْصِدَ الْأَعْظَمَ مِنَ الدِّينِ وَمِنَ التَّشْرِيعِ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ جَلْبُ الْمَصَالِحِ، وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ؛ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بِإِصْلَاحِ حَالِ الْإِنْسَانِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ أَيْ جَسَدًا وَعَقْلًا وَرُوحًا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى:«فِطْرَتَ اللهِ»الْمَعْنَى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْحَنِيفِ الْفِطْرَةِ؛ وَالَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ لَفْظَةِ «فِطْرَتَ»كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةأَنَّهَاالْخِلْقَةُ وَالْهَيْئَةُ الَّتِي فِي نَفْسِ الطِّفْلِ الَّتِي هِيَ مُعَدَّةٌ وَمُهَيَّأَةٌ لِأَنْ يُمَيِّزَ بِهَا مَصْنُوعَاتِ اللهِ تَعَالَى وَيَسْتَدِّلَّ بِهَا عَلَى رَبِّهِ - جَلَّ وَعَلَا - وَيَعْرِفَ شَرَائِعَهُ وَيُؤْمِنَ بِهِ.وَقَدْ حَلَّلَ ابْنُ عَاشُور هَذَا الْمَظْهَرَ مِنَ الْفِطْرَةِ قَائِلًا: «لِذَلِكَ نَرَى الْإِسْلَامَ عَالَجَ صَلَاحَ الْإِنْسَانِ بِصَلَاحِ أَفْرَادِهِ الَّذِينَ هُمْ أَجْزَاءُ نَوْعِهِ، وَبِصَلَاحِ مَجْمُوعِهِ وَهُوَ النَّوْعُ كُلُّهُ؛ فَابْتَدَأَ الدَّعْوَةَ بِإِصْلَاحِ الاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ إِصْلَاحُ مَبْدَإِ التَّفْكِيرِ الْإِنْسَانِيّ الَّذِي يَسُوقُهُ إِلَى التَّفْكِيرِ الْحَقِّ فِي أَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ؛ثُمَّ عَالَجَ الْإِنْسَانَ بِتَزْكِيَّةِ نَفْسِهِ وَتَصْفِيَّةِ بَاطِنِهِ لِأَنَّ الْبَاطِنَ مُحَرِّكُ الْإِنْسَانِ إِلْى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» رَوَاهُ البخاري.

فَمَا أَحْوَجَنَا الْيَوْمَ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْخِطَابِ وَمَا أَشْعَرَهُ فِينَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي ظَهَرَفِيهِ الصِّرَاعُ السَّيَاسِيُّ وَالاخْتِلافُ الْفِكْرِيُّ وَالأَخْلاقِيُّ وَالتَّشَتُّتُ الاجْتِمَاعِيُّ وَالطَّائِفِيُّ؛ فَكَمْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ مُعَاصِرِينَا يَتَسَاءَلُ، وَأَخُصُّ بِالذِّكْرِ الشَّبَابَ، فَيَقُولُ: «كَيْفَ يَعِيشُ الإِنْسَانُ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَيَاةً مَبْنِيَّةً عَلَى الأَخْلاقِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالشَّمَائِلِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِكَيْ يَرْتَقِيَبِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ رَبَّهِ مَعْرِفَةً يَسْلَمُ بِهَا مِنْ موارد الْجَهْلِ ويكرع من مواهب الفضل، يُجَاهِدُ فِيهَا نَفْسَهُ وَيُرَبِّي فِيهَا قَلْبَهُ حَتَّى يَنْشَأَ نَشْأَةً يَصْدُقُ عليه فِيهَا قَوْلُ رَسُولِنَا الْكَرِيمِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجَالِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا».

الْمِحْوَرُالثَّانِي

يَتَطَلَّبُ مِنَّا الْجَوَابُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ أَنَّنَا إِذَا فَهِمْنَا فِي الْمِحْوَرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَعْنَى «وَصْفِ الْإِسْلَامِ» بِأَنَّهُ «فِطْرَتَ اللهِ» نَصِلُ بِذَلِكَ إِلَى مَعْنَى السَّمَاحَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا ابْنُ عَاشُورٍ بِأَنَّهَا: «أَوَّلُ أَوْصَافِ الشَّرِيعَةِ وَأَكْبَرُ مَقَاصِدِهَا».

وَالسَّمَاحَةُ هِيَ اعْتِدَالُ الشِّدَّةِ وَاللِّينِ؛ قَالَ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «رَحِمَ اللهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إذَا اقْتَضَى» أخرجه البخاري. فَقَدِ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى أَنَّ الاعْتِدَالَ وَالْوَسَطِيَّةَ هِيَ قِوَامُ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَمَنْبَعُ الْكَمَالَاتِ،كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنَّهَا أُمَّةً وَسَطاً، لَا تَضْيِيقَ وَلَا تَسَاهُلَ؛ قَالَ تَعَالَى:﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾[البقرة:142]؛ وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عَنْ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَعْنَى الْآيَةِ: «أَنَّ الْوَسَطَ هُوَ الْعَدْلُ»؛أَيْ، بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ؛ لِأَنَّ ذَيْنِِكَ الطَّرَفَيْنِ يَدْعُو إِلَيْهِمَا الْهَوَى، الَّذِي حَذَّرَنَا اللهُ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [سورة ص الآية26]. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ كَلِمَةِ «وَسَطًا» فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ وَبِهِ فَسَّرُوا أَيْضًا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَلَم: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾[الآية 28]؛ أَيْ «أَعْلَمُهُمْ وَأَعْدَلُهُمْ».

وَقَدْ ثَبَتَ وَصْفُ الْإِسْلَامِ بِالسَّمَاحَةِ بِأَدِلَّةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾[البقرة:184]؛ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾[الحجّ:76]؛وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ»؛أَيْ أَحَبُّ الْأَدْيَانِ إِلَى اللهِ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ. وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:«إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ». وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّاطِبِيُّ فِي الْمُوَافَقَاتِ: «إِنَّ الْأَدِلَّةَ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَلَغَتْ مَبْلَغَ الْقَطْعِ».

وَأَرَى - وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ سَمَاحَةَ الشَّرِيعَةِ رَاجِعَةٌ لِلْفِطْرَةِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ؛ حَيْثُ سَهَّلَ اللهُ عَلَى النُّفُوسِ تَقَبُّلَهَا بِسُرْعَةٍ؛ كما أن َالْفِرَارَ مِنْ مَوَاطِنِ الشِّدَّةِ وَالْعَنَتِ مِنَ الْفِطْرَةِ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ؛ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾[النساء:28].

فَاسْتِعْدَادُ الْإِنْسَانِ لِلْكَمَالِ وَسَعْيُهُ إِلَيْهِ يَحْصُلُ بِالتَّدْرِيجِ فِي مَدَارِجِ تَزْكِيَّةِ النَّفْسِ. وَلَنَا فِي تَطَوُّرِ التَّشِرِيعِ الْأَخْلَاقِي مِنِ ابْتِدَاءِ بِعْثَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ هَادٍ يَقُودُنَا إِلَى فَهْمِ عُنْصُرِ التَّدْرِيجِ فِي وُصُولِ الشَّرِيعَةِ إِلَى الإِصْلَاحِ المَنْشُودِ. وَمُجْمَلُ الْقَوْلِ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو عَمْرو سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ. قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ ثُمّ َاسْتَقِمْ» رواه مسلم. وَهَذَا الْكَلَامُ يَفْسَحُ لَنَا الْمَجَالَ لِكَيْ نَدْخُلَ الْمِحْوَرَ الْأَسَاسِيَّ فِي هَذَا الدَّرْسِ؛ وَهُوَ بَابُ التَّشْرِيعِ الْأَخْلَاقِيِّ كَمَنْهَجٍ رُوحِيٍّ مغربي.

المحور الثالث

تَنَاوَلْتُ فِي مَا سَبَقَ مَعْنَيَيْ الْفِطْرَةِ وَالسَّمَاحَةِ انْطِلَاقًا مِنْقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا؛ فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾[الروم:29] وَمِنْ هَذَا الْمَطْلَعِ - يَامَوْلَايَ - سَأَتَطَرَّقُ إِلَى الْكَلَامِ عَنْ مِنْهَجِ التَّقْوِيمِ لِلْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْأَهْدَافِ وَالْكَمَالَاتِ، الَّذِي كَانَ يُعَبِّرُ عَنْهُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ بِمَنْهَجِ السُّلُوكِ الْأَخْلاقِيِّ حَتَّى أَصْبَحَ الْمَغْرِبُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَزَايَاهُ الْأُخْرَى مَعْرُوفَاً بِهَذِا المَنْهَجِ.

واسْمَحُوا لِي يَا صَاحِبَ الْجَلالَةِ أَنْ أَتَنَاوَلَ فِي هَذَا الْمِحْوَرِ الْأَخِيرِ مَوْضُوعَ التُّرَاثِ الْأَخْلاقِيِّ الرُّوحِيِّ الْمَغْرِبِيِّ بِمُقَارَبَةٍ لِكَلَامِ أَحَدِ كبار الْمَغَارِبَةِ الَّذِينَ أَلَّفُوا فِي السُّلُوكِ وَالتَّرْبِيَّةِ وَالأَخْلاقِ عَلَى شَاكِلَةِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِ الْحَدِيثِ عَنْهُ: إِنَّهُ الْوَلِيُّ الصَّالِحُ وَالْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ سَيِّدِي مَحَمَّدُ ابْنُ عَبَّادٍ الرّنْدِيُّ السلاوي الْفَاسِيُّ؛- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ونَفَعَنَا بِبَرَكَاتِهِ؛ الَّذِي عَاشَ أَيَّامَ دَوْلَةِالْمَرِينِيِّينَ فِي الْقَرْنِ الثَّامِنِ الْهِجْرِيِّ، وَكَانَ إِمَاماً وَخَطِيباً بِجَامِعِ الْقَرَوِيِّينَ فِي مَدِينَةِ فَاس- حَرَسَها اللَّهُ- وبها توفي ودفن سنة 792 هـ وقد شهد لَهُ مُعَاصِرُوهُ أَنَّهُ كَانَ قُدْوَةً فِي سُلُوكِهِ وَآرَائِهِ مِمَّا جَعَلَهُ يَحْظَى بِاحْتِرَامِ عند الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ بل كان من أبرز من أسسوا للثوابت الروحية الدينية للممكلة المغربية بعد انفصالها عن الأندلس؛ وقد مثل في سلوكه المسلك الأخلاقي المغربي المعتدل الأصيل .

 بَعْدَ هَذِهِ اللَّمْحَةِ الْمَوْجَزَةِ مِنْ حَيَاةِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عَبَّادٍ الرُّنْدِيِّ نَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْقَصِيدِ وَهُوَ مَنْهَجُهُ فِي التَّقْوِيمِ الْأَخِلَاقِيِّ الرُّوحِيِّ. وَبِالمُناسَبَةِ أَوَدُّ أَنْ أُشِيرَ إِلَى أَنَّ خِطَابَ ابْنَ عَبَّادٍ فِي التَّقْوِيمِ السُّلُوكِيِّ لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا إِلَى المُرِيدِينَ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ فَحَسْبُ، رغم تعدد الطرق الصوفية في عهده حتى تكلم ابن قنفذ في كتابه أنس الفقير وعز الحقير عن المغرب وعن تعدد شيوخ الطرق الصوفيه فيه آنذاك حيث قال: "هو الأرض التي تنبت الصالحين كما تنبث الكلأ" وَإِنَّمَا كَانَ خطابه تَوْجِيهًا عَامًّا هَدَفُهُ الإِصْلَاحُ. فقد وجه معظم رسائله إلى مجموعة من زملائه من علماء المملكة. منهم فقهاء ومحدثين وأدباء وغيرهم، أشهر منهم الشيخ أبو زكريا يحيى بن أحمد السراج المتوفى سنة 803 .

فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ عُلُوِّ كَعْبِ ابن عباد فِي عِلْمِ السُّلُوكِ وَالتَّصَوُّفِ إلَّا أَنَّهُ يَعْتَبِرُ هَذَا العِلْمَ وَسِيلَةً غَايَتُهَا تَصْحِيحُ مُعْتَقَدِ العَبْدِ وَالسُّبُلُ السَّلِيمَةُ وَالقَوِيمَةُ لِمُعَامَلَاتِهِ مَعَ رَبِّهِ وَمَعَ نَفْسِهِ وَمَعَ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ جِنْسِهِ.

يَقُولُ ابْنُ عَبَّاد- رَحِمَهُ اللهُ – يبين ذلك في الرِّسَالَةِ الأُولَى مِنْ رَسَائِلِهِ الْكُبْرَى:

«وَجُمْلَةُ التَّصَوُّفِ كَوْنُ الْعَبْدِ عَلَى حَالَةٍ تُوَافِقُ رِضَى مَوْلاهُ عَنْهُ وَمَحَبَّتَهُ لَهُ؛ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ: عِلْمٍ وَعَمَلٍ. فَالْعِلْمُ يُسْتَفَادُ بِهِ تَصْحِيحُ عَقَائِدِ أَهْلِ الدِّينِ وَمَقَاصِدِ الْمُكَلَّفِينَ؛ وَالْعَمَلُ يُسْتَفَادُ بِهِ قِيَامُ الْعَبْدِ بِحُسْنِ الأَدَبِ بَيْنَ يَدَيْ رِبِّ الْعَالَمِينَ، لِتَحَقُّقِ عُبُودِيَّتِهِ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ وَفِي كُلِّ حِينٍ. وَهَذا هُوَ حَقِيقَةُ مَا جَاءَنا بِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَدِينِ الإِسْلامِ الَّذِي لا يَقْبَلُ اللَّهُتَ عَالَى سِوَاهُ  وَلا يَرْتَضِي مِنَالأَدْيَانِ حَاشَاهُ. وَمَعْنَاهُ: الْخُضُوعُ وَالاسْتِسْلامُ لِنَوَازِلِ الأَحْكَامِ، واَلانْقِيَادُ وَالإِذْعَانُ لِمُقْتَضَيَاتِ أَوَامِرِالإِيمَانِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَسِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ غَيْرِحَرَجٍ فِي الصَّدْرِ وَلا ضَيْقٍ فِي الْقَلْبِ وَلا تَلَكُّئٍ فِي النَّفْسِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْنَى التَّصَوُّفِ لَمْ يُتَصَوُّرْ مِنْ أَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ وَالآخِرِأَنْ يُهْمِلَهُأَ وْيَشْتَغِلَ بِغَيْرِهِ؛ فَمَنْ أَهْمَلَ النَّظَرَ فِيهِأَ وْتَشَاغَلَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ فَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِهِ».

فَمِنْ خِلَالِ هَذَا الْمَفْهُومِ الشَّامِلِ للأخلاق؛يُقَدِّمُلَنَا ابْنُعَبَّادٍ نَظَرِيَّةً عِلْمِيَّةً، وَمَنْهَجًا وَاضِحًا، وَحَلاًّ جذريا لِأَزْمَةِ الْأَخْلَاقِ مبنيا على الأسس الحقيقية للأخلاق- رسالة نبي كل الأمم والشعوب ؛ محمد – صلى الله عليه وسلم - إذ لا أخلاق بدون روح ولا روح بدون أخلاق.

ينبني مَنْهَجَ ابن عبادُ عَلَى أُصُولٍ ثَلاثةٍ؛ وَعَلَيْهَا مَدَارُ مَفْهُومِ التَّشْرِيعِ الأَخْلاقِيِّ عِنْدَ عَامَّةِ الْمُرَبِّيِنَ الْمَغَارِبَةِ بِمَقَاصِدِهَا: وَهِيَ بِالتَّرْتِيبِ: أَوَّلاً الْيَقِين الإيماني، ثَانِيًا: الْمُشَاهَدَةُ التَّوْحِيدِيَّةُ، وَثَالِثاً: السُّلُوكُ التَّرْبَوِيُّ. وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ خَصَائِصُ وَمُمَيِّزَاتٌ.

فَيَبْدَأُ ابْنُ عَبَّادٍ بِالْيَقِينِ الإيماني: وَهُوَعِنْدَهُ أَسَاسُ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ، و"أعز شيء نزل من السماء ؛ بِهِ يَصِلُ الْعَبْدُ إِلَى دَرَجَةِ الْقَطْعِ فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ وَفِي هَذَا يَقُولُ فِي رِسَالَةٍ مِنْ رَسَائِلِهِ عَنْ حَالِ مَعْرِفَةِ مَنْ تَحَقَّقَ بِالْيَقِينِ الإيماني: «لَمْ يَقَعْ لَهُ إِشْكَالٌ فِي شَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ؛ وَلا يَبْقَى لَهُ فِيهَا تَعَارُضٌ وَلا تَنَاقُضٌ».

فَالْيَقِينُ الإيماني عَامِلٌ فَعَّالٌ فِي مُمَارَسَةِ السُّلُوكِ الأَخْلاقِيِّ، وَاكْتِمَالِ الْمَقْصَدِ الأَسْنَى وَالْحِكْمَةِ الْعُلْيَا فِي خَلْقِ الإِنْسَانِ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ، التَقْوِيمِ الفِطْرِيِّ الَّذِي فَطَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ ابْنِ عَبَّادٍ ثَمَرَةُ الْيَقِينِ الإيماني هِيَ الْمُشَاهَدَةُ التَّوْحِيدِيَّةُ الَّتِي تُوَافِقُ مَقَاصِدَالسُّلُوكِ التَّرْبَوِيِّ.

وَالْأَصْلُ الثَّانِي مِنْ هَذِهِ الأُصُولِ هُوَ الْمُشَاهَدَةُ التَّوْحِيدِيَّةُ: وَهِيَ أَنْ يَرَى الْعَبْدُ رُؤْيَةَ الْعَيْنِ كُلَّ الْمَظَاهِرِ الْكَوْنِيَّةِ تَحْتَ التَّصَرُّفَاتِ الإِلهِيَّةِ حَقِيقَةً، ويُعَبِّرَ عَنْهَا بِنَفْسِهِ. أَوْ بِمَعَنًى أَدَقَّ؛ أَنْ يَرَى الْعَبْدُ بأن اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُدَبِّرَ الأَوَّلَ وَالْمُصَرِّفَ الْمُقَدِّرَ، وَأَنْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِالله. وَهَذِهِ الْخَاصِيَّةُ عِنْدَهُ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هِيَ الْسَّبَبُ الَّذِي خُيِّرَتْ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةُ عَنْ سَائِرِ الأُمَمِ. فمن ذَلِكَ المنظور يُمَيِّزُ ابْنُ عَبَّادٍ بَيْنَ مَفْهُومِ الْعُبُودِيَّةِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُشَاهَدَةِ التَّوْحِيدِيَّةِ؛ وَمَفْهُومِ الْعُبُودِيَّةِ الْمَبْنِيِّ عَلَى اعْتِمَادِ الْعَبْدِ عَلَى عَمَلِهِ وَعِلْمِهِ وَحَالِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِيمَا يَجَلِبُ لَهُ المَصَالِحَ  وَيَدْرَأُ عَنْهُ المَفَاسِدَ.

فَالْمُشَاهَدَةُ التَّوْحِيدِيَّةُ تَرْفَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ؛ يَقُولُ مُواصِلًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَمِنَّْ تم يَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الظَّاهِرُ الشَّاهِدُ، وَيَرَى لِلْمَخَاوِفِ وَالزَّوَاجِرِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ- مَعَ أَهَمِّيَّتِهَا فِي الإِيمَانِ وَالثِّقَةِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ - دَوْرًا جَدِيدًا فِي تَحْقِيقِ مَكَارِمِ الْأَخْلاقِ الَّتِي قَدْ أُسِّسَتْ عَلَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالسُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ؛ فَلَا يَؤُولُ الْمَقْصِدُ وَرَاءَ هَذِهِ الْمَخَاوِفِ وَالزَّوَاجِرِ إِلَّا لِتَرْبِيَةِ النَّفْسِ». فَيَرَى ابْنُ عَبَّادٍ أَنَّ هَذِهِ الْمُشَاهَدَةَ التَّوْحِيدِيَّةَ تَتَمَكَّنُ مِنْ كُلِّيَّةِ الإِنْسَانِ وَتُؤَثِّرُ على جميع جوانبه من العقل والقلب والروح ثم على عمل الجوارح.

وَالثَّالِثُ مِنْ هَذِهِ الأُصُولِ   مَوْلَايَ هُوَالسُّلُوكُ التَّرْبَوِيُّ الأَخْلاقِيُّ؛ أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: التَّخَلُّقُ عَلَى أَسَاسِ الْيَقِينِ الإيماني وَالْمُشَاهَدَةِ التَّوْحِيدِيَّةِ؛ فالتَّدْرِيبُ التَّرْبَوِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى بُعْدَيْنِ - الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، لِكَيْ يَتَمَكَّنَ تَأْثِيرُهُ من كُلِّيَّةِ الإِنْسَانِ فِي سَائِرِ أَعْمَالِهِ جَسَدًا وَرُوحًا؛ وَبِهَذَا يُوَافِقُ ظَاهِرُالْعَبْدِ باطنه وباطنه ظاهره فلا يبقى مجال للنفاق الاجتماعي ولا السياسي ولا الديني وهو الآفة الكبرى التي أصابت مجتمعاتنا في العصر الحاضر وأثرت سلبا على المنظومات الأخلاقية الانسانية.

 وَهنا يا مولاي أريد أن المح إلى أشارة مهمة تفيد أن مقام الشكر له علاقة وطيدة بالأصول السالفة الذكر الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا ابْنُ عَبَّادٍ السُّلُوكَ الْأَخِلَاقِيَّ وَالتَّرَقِّيَّ التَّرْبَوِيِّ، فَالشُّكْرُ يناسب الشعور القلبي للانسان حتى لا ينقلب تَصْحِيحِ التَّوْحِيدِ عَنْ طَرِيقِ الْيَقِينِ الإيماني وَالْمُشَاهَدَةِ التَّوْحِيدِيَّةِ إلى اعْتِقَادٍ عَقْلِيٍّ فَقَطْ، بَلْ يترجم ذَلِكَ الشعور إِلَى مُمَارِسَاتٍ سُلُوكِيَّةٍ راقية. وَبِهَذَا يَكُونُ سَيْرُ الْعَبْدِ مُوَازِنًا بَيْنَ مُمَارَسَتِهِ التَّعَبُّدِيَّةِ  فِي سلوكه وَبَيْنَ شُعُورِهِ وَفَهْمِهِ بِمُطْلَقِ رُبُوبِيَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَالْمَقَامُ الَّذِي تَنْتَظِمُ فِيهِ سَائِرُ الْمَقَامَاتِ، وَمَنْبَعُ الْفِطْرَةِ وَالسَّمَاحَةِ. كما يَقُولُ ابْنُ عَبَّادٍ مُبَيِّنًا ذَلِكَ:

«وَالشُّكْرُ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي قَعَدَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ اللَّعِينُ لِيَصُدَّ عَنْهُ مَنْ تَبِعَهُ مِنَ الضَّالِّينَ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مُخْبِرًا عَنْهُ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ؛ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ؛ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ؛ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾؛[ الأعراف 16-17 ]َلمْ يَقُلْ صَابِرِينَ، وَلا قَانِتِينَ، وَلا زَاهِدِينَ، وَلا مُخْبِتِينَ، وَلا عَابِدِينَ، وَلا مُتَوَكِّلِينَ؛ وَلا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَقَامَاتِ الأَبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِينَ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ مَقَامَ الشُّكْرِ تَنْتَظِمُ فِيهِ سَائِرُ الْمَقَامَاتِ، وَتَنْدَرِجُ فِيهِ الأَحْوَالُ وَالْكَرَامَاتُ. فَانْظُرْ كَيْفَ عَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْعَدُوَّ اللَّعِينَ مَنْهَجَ الْحَقِّ وَطَرِيقَهُ، لَكِنْ حَرَمَهُ هِدَايَتَهُ وَتَوْفِيقَهَ».

 وَهَذِهِ الأُصُولُ الثَّلاَثةُ مَعَ خِصْلَةِ الشُّكْرِ لَا تُعَدُّعِنْدَ ابْنِ عَبَّادٍ مِنَ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ أَوْ مِنْ بَابِ التَّحْسِينَاتِ؛وَمَنْ عَدَّهَا كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ النَّظَرَ. بَلْ فِي مَنْهَجِهِالتَّرْبَوِيِّ تُعَدُّ هَذِهِ الأُصُولُ هِيَ جَوْهَرُ التَّشْرِيعِ الْأَخْلَاقِيِّ؛ فَاِمْتِثَالُ السَّالِكِ لِهَذِهِ الأُصُولِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ هُوَعَيْنُ اِمْتِثَالِ الْمُؤْمِنِ لِمَبَادِئِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْخَالِدَةِ؛ وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُصُولَ الثَّلاَثةَ مَعَ خَصْلَةِ الشُّكْرِ هِيَ أَهُمُّ سِمَاتُ التَّشِرِيعِ الْأَخِلَاقِيِّ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَمَا أَبْرَزَهَا فِي التُّرَاثِ الرُّوحِيِّ الْمَغْرِبِيِّ! ففِيهَا طَرِيقُ النَّجَاةِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ هِيَ فُلْكُ الْأَمَانِ الَّذِي يَرْكَبُهُ الْعَبْدُ وَسَطَ عَوَاصِفِ الْأَمْوَاجِ لِيَصِلَ بِسُلُوكِهِ التَّرْبَوِيِّ الْأَخْلَاقِيِّ إِلَى رِضَى الْخَالِقِ وَمَحَبَّةِ الْخَلْقِ.

مَوْلَايَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله"، أقر بَعْدَ تَجْرِبَتِي فِي الْمَغْرِبِ بِأَنَّ هَذِهِ الْأُصُولَ هِيَ مَلَامِحُ التُّرَاثِ الرُّوحِي الْمَغْرِبِيِّ الَّتِي شرح الله بها صدري للإسلام وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى هذه النعمة وكفى بها نعمة ملأت قَلْبِي إيمانا وَجَعَلَتْنِي مُحِبًّا لِهَذَا الْبَلَدِ الْعَظِيمِ؛ لَيْسَ فَقَطْ لِطَقْسِهِ وَجَمَالِهِ الطَّبِيعِيِّ وَتَارِيخِهِ الْعَرِيقِ؛ بل شُعُورِي فيه بِالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ وَالْأَخْلَاقِ السَّمْحَةِ، وَالسُلُوكَاتِ الْقَوِيمَةِ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ الْكَرِيمِ الَّذِي أَصَّلَهُا فِيهِمْ عُلُمَاءُ أَجِلَّاءُ مِنْ طِينَةِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عَبَّادٍ الرُّنْدِيِّ رحمه الله ورضي عنه.

وَقَبْلَ أَنْ أَخْتِمَ دَرْسِي هَذَا أحب يا مولاي أن اذكر فِي حَضْرَةِ  جَلالَتِكُمْ تبركا بعض المُخْتَارَاتِ مِنْ دُعَاءِ ابْنِ عَبَّادٍ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ بِحَقٍّ فِكْرَهُ وَمَنْظُورَهُ فِي التَّخَلُّقِ مَعَ الْعِبَادِ وَرَبِّ الْعِبَادِ، وهي الأَدْعِيَّةَ ْمُرَتَّبَةَ عَلَى أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى أقتصر منها على ما يلي:

يَا اللَّهُ دُلَّـنِـي بِــكَ عَـلَيْــكَ، وارْزُقْـنِـي مِنَ الثَّبَاتِ عِنْدَ وُجُـودِكَ مَا أكُـونُ بِهِ مُـتَـأَدِّبًا بيَـنَ يَدَيْــكَ.

يَارَحْمـٰنُ اِرْحَمْنِي بِسُـبُـوغِ نِعَمِكَ وَآلاَئِــكَ، وَبُلُوغِ الأَمَلِ فِي شَدَائِـــدِكَ وَلَأْوَائِــــكَ.

يَا فَتَّاحُ اِفْتَحْ لِي أَبْـوابَ السَّـعَادَةِ، وَحَقِّـقْ لِي بِحَقائِـقِ أَهْـلِ الإِرَادَةِ

يَا عَدْلُ اِجْـعَـلْـنِـي مِمَّنْ يَقُـومُ بِالعَدْلِ فِي جَميعِ عَـمَـلِـهِ، وَيَبْـلُــغُ مِنَ الرُّقِــيِّ فِي دَرَجَاتِ الإحْـسانِ غايَـةَ أمَـلِـهِ

يا شَكُورُ اِجْعَلْني شَكورًا لِمَا أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنْ نَعْمائِكَ، ذَكُـورًا لإحْسانِكَ وآلائِكَ.

وَالْخَتْمُ مِنْ أمير المومنين

 

للاطلاع على الدرس الرابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1435ه/2014م الذي ألقاه بين يدي  أمير المؤمنين الأستاذ عبد الهادي هَنَرْكامْب، أستاذ في جامعة جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية متناولا فيه بالدرس والتحليل موضوع "التشريع الأخلاقي في التراث الروحي المغربي" المرجو الضغط هنا

للاطلاع أيضا

محمد يسف: المجتمع المدني في خدمة القيم الدينية

الأنشطة الإعلامية والدينية الموازية للدروس الحسنية لعام 1435

عبد الهادي هَنَرْكامْب: التشريع الأخلاقي في التراث الـروحي المغربي

علي بن مخلوف : حقوق البدن في الإسلام

أبو بكر دوكوري: أهمية الحديث الشريف فـي معرفة الأحكام والأخلاق

أحمد التوفيق; حماية الملة والدين وآلياتها في المملكة المغربية

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

إقامة صلاة الاستسقاء يوم الجمعة المقبل بمختلف جهات وأقاليم المملكة
facebook twitter youtube