الأحد 28 شوّال 1438هـ الموافق لـ 23 يوليو 2017
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

أحمد التوفيق; حماية الملة والدين وآلياتها في المملكة المغربية

ألقى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد التوفيق بين يدي أمير المؤمنين،  يوم 3  رمضان1435 الموافق لـ 1 يوليو 2014، الدرس الافتتاحي للدروس الحسنية حول موضوع "حماية الملة والدين وآلياتها في المملكة المغربية"، انطلاقا من قول الله تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه".

نص درس  السيد أحمد التوفيق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين،

وعلى آله وصحابته الأكرمين

مولاي أمير المؤمنين

يقوم النظام السياسي في المملكة المغربية، عبر تاريخها الإسلامي، على أن تنعقد البيعة لأمير المؤمنين، وقد نصت البيعات المكتوبة على أن أمير المؤمنين هو حامي الملة والدين، وتأتي هذه المهمة، على رأس المبادئ الكبرى، المعروفة عند الفقهاء بكليات الشرع، وهي حماية الدين والنفس والعقل والمال والعرض.

إن من دواعي شرح هذا التميز والاستمرار المغربيين، حاجة الناس في الداخل والخارج، إلى فهم مرتكزات السياسة التي تتصرف بتوجيهاتكم في تدبير الشأن الديني، في تناغم مع مقتضيات التاريخ الجاري،وانسجام مع الاختيارات الوطنية، وحيث إن هذا النموذج المغربي واقع فاعل في مجتمع له اختياراته وديناميته، فإنه ليس مجرد نموذج نظري، وبالتالي فإن تدبره مفيد في فهم عديد من القضايا المتعلقة بالدين والسياسة في وقتنا الحاضر.

وسنشرح الموضوع يا مولاي في ثلاثة محاور:

1) شرح معنى الدين ومعنى حماية الملة والدين؛

2) عرض آليات هذه الحماية في المملكة المغربية؛

3)  تبعات شرح شمولي للدين على الواقع المغربي خاصة.

المحور الأول، ويتناول نقطا أربع هي: تعريف الدين والملة، وعلاقة الدين بالدنيا، وعلاقة الدين بالدولة، و حماية الدين في إطار البيعة.  

 إن كلمة "دين" في اللغات القديمة، تدل، إما على "الحكم والجزاء" ، أو على "العرف والعادة" أو على "الاهتداء والتوجه"، ورأى البعض أنها من "دان له"، أي أسلم له إسلاما يترتب عليه القيام بواجبات. فالدين من جهة من يفرضه "حكم"، ومن جهة المطالب به "واجب". وعند الجمهور أنه "ما فرضه الله على العقلاء"، من واجبات تقتضي الاستسلام له والرجوع إليه، فهو التوجه المختار للناس في الحياة، في قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، وذكر في القرآن بأوصاف مثل "الدين القيم" و "دين الحق" و "الهدى" و "الدين الخالص"، و"الدين الحنيف"، وشرحت درجاته السنة بأنه إسلام وإيمان وإحسان، وركز بعض أصحاب المذاهب على الإيمان بالقلب، وشرطه آخرون بالأعمال الظاهرة، وتوسع البعض في دور العقل فيه وإعمال الاجتهاد، وركز آخرون على الاتباع والتقليد. وقال رشيد رضا: "الدين ما شرع ليتقرب به إلى الله تعالى من العبادات وترك الفواحش والمنكرات ومراعاة الحق والعدل في المعاملات، تزكية للنفس وإعدادا لها لحياة الآخرة."

أما كلمة "ملة"، فقد تستعمل بمعنى الدين لا غير، وقد تعرف بأنها الشرع المطاع، كما عند الجرجاني، ومن الشراح من رأى أن "الدين" يحيل على الله بينما تحيل "الملة" على الرسول، أي على الدين باعتباره رباطا للأمة.

ومما يوضح تعريف الدين النظر إلى علاقته بالدنيا، هل هما مجالان في حياة المؤمن، أم هو مجال واحد.

يقتضي الإيمان الاعتقاد أن الدين والدنيا من مشيئة الله، لأن الله خلق الموت والحياة ليختبر الناس في الدنيا أيهم أحسن عملا، فالدين أريد به أن يكون عنصر تعديل واعتدال، والمنحى الزهدي الذي مال إلى ذم الدنيا والتنفير منها في القرون الأولى، إنما جاء رد فعل على مظاهر فساد وعلى تغير مفاجئ في نمط حياة فئة من الناس، فقد ظهر الخوف على الدين من الدنيا مبكرا حتى عند الصحابة، وواكب هذا الخوف خوف من الفصل بين الدين والدنيا، لأن المقبلين بجشع على الدنيا سرعان ما تضايقوا بالاحتجاجات على تصرفاتهم باسم الدين، فعملوا على ترسيخ النظرة الضيقة إلى الدين بقصره على جملة من العبادات والطقوس، كما عملوا على أن تتكرس مقابل ذلك دنيا تستغرقها الحياة المادية، مع تعمد تناسي ارتباطها الوثيق بحياة الآخرة، غير أن التوجه السني العام، هو القول بأهمية الدنيا مع الحرص على إخضاعها لمقتضيات الآخرة.

ومما يزداد به الشرح وضوحا النظر في علاقة الدين بالدولة، وبهذا الصدد أقر الجمهور بأهمية الدولة وضرورة التعامل معها بواجب النصيحة، بل واعتبار خدمتها والدخول في وظائفها واجبا دينيا، واعتبروا أن الممارسة السليمة للتدين تتوقف على أمرين أساسيين هما: النظام من جهة، والسلم الاجتماعية من جهة أخرى.

فالدين على هذا الأساس يقوم على العلاقة بين الإنسان المؤمن وربه، ولكنها علاقة لا تقتصر على علاقة الإنسان بربه فردا، بل هي علاقة تأخذ بالاعتبار سياق الدنيا بمكوناته، الجماعة والوطن والدولة، صحيح أن مظهر الدين الأبرز يتجلى في العبادات، ولا سيما الصلاة، ولكن الصلاة صلة لإنتاج سلوك خال من الفحشاء والمنكر، ومن ثمة فثمرتها في صالح الفرد والجماعة والدولة، فالفقه عبادات ومعاملات، ومنها المعاملات السياسية أو الأحكام السلطانية، ومعلوم أن المعاملات تهم الجماعة في حياتها المادية والعلائقية، وحيث يقال إن الصلاة عماد الدين، يقال: الدين المعاملة، فكأن الذي يفسد المعاملة لا دين له، ولو كان متعبدا، والذي يحسن المعاملة ولا عبادة له، يكون خارج مرجعية الدين. بيد أن معظم ما نزل به الوحي يتناول الأخلاق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

لقد اهتم العلماء بهذه العلاقة بين العبادات والمعاملات والأخلاق، و سعوا إلى فهم شمولي لا يقف عند العبادات باعتبارها النواة الصلبة في الدين، وبينوا ذلك على مستوى عضوي راق هو مستوى الحقوق، ومن هؤلاء العلماء العز بن عبد السلام، من أهل القرن السابع، فقد فصل في كتابه "قواعد الأحكام في إصلاح الأنام"، الكلام في أسباب جلب المصالح وأسباب درء المفاسد، وبيَّن المصالح التي في الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات، وأن الشريعة كلها نصائح بدرء مفاسد أو جلب مصالح، وأنها مصالح ومفاسد تتعلق بالدارين، الدنيا والآخرة، في اتصال شديد. ويهمنا من كلامه ما ورد ضمن القاعدة التي وضعها في بيان الحقوق الخالصة والمركبة، والمركبة هي في نفس الوقت حقوق الرب وحقوق الرسول وحقوق العبد الفرد وحقوق الجماعة.

أما حقوق المخلوقين فهي حقوق المكلف على نفسه، وحقوق بعض المكلفين على بعض، وتدخل في الإعانة على البر، وفي المعاملات، والأمر بالمعروف وفي حكم الحكام.

مولاي أمير المؤمنين

إن الإنسان من منظور الحقوق المركبة مدعوٌّ إلى الالتزام بالشروط المترتبة عن إيمانه وعن الصلة التي اختارها بربه؛ فإذا حقوقه الخاصة وحقوق الناس عليه مشمولة بما لله عليه من حقوق، أو ما يتطوع لفعله من المكارم، إذا هو نوى التقرب بها إلى لله. وعلى هذا الأساس تصبح مقولة: "ما لقيصر لقيصر" مفهومة في سياقها الذي هو أن الدين لا يجيز التملص من الضرائب المستحقة للدولة.

وعلى أساس هذا الفهم الشامل المعتبر للطبيعة المركبة لكثير من الحقوق، تأتي حماية الملة والدين، شاملة للعبادات والمعاملات والأخلاق، سواء تعلق الأمر بالأفراد أو بالجماعة، ومن تأصيل هذه الحماية الواجبة ما جاء في قوله تعالى من سورة الشورى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾، قال الطبري: "أقيموا الدين، اعملوا به، وهي وصية واحدة لجميع الأنبياء، وقال الرازي:"إقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق." قال القرطبي في جامع أحكام القرآن:"معنى أقيموا الدين، اجعلوا الدين قائما، أي مستمرا محفوظا من غير خلاف فيه ولا اضطراب".ووافقه على تفسيره أبو حيان، وزاد أبو السعود بأن قال:"إقامة الدين تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ، والمواظبة عليه والتشمر له". تؤصل هذه الشروح ضرورة "حماية الملة والدين". بمعنى أن الرسول قد أدي رسالته بتبليغ الدين، في استمرارية لما أمر الله به الرسل من قبله، فعلى من جاءوا بعده من نوابه من أئمة المسلمين أن يظلوا على هذه الاستمرارية، بأن يتبعوا الرسول في الحرص على ما تقتضيه تلك الحماية، فالأديان التي وصى الله الأنبياء الأولين بحمايتها قد أصابها الفتور والتغيير، ودين خاتمة النبوات لابد أن تدوم حمايته، فهو دين الذكر المنزل والذكر المحفوظ. ويدل النهي عن التفرق فيه  على أن الدين المطلوب هنا يشمل الأمر السياسي الجامع للأمة على أساس مرجعية الدين، ومصطلح "حماية" في المفهوم الحقوقي الحديث يشمل الحفظ والضمانةProtection وGarantie، ومن استقراء الوقائع يتبين أن المغاربة فهموا حماية الملة والدين في هذا البعد الشامل المتجاوب مع النظر التكاملي للحقوق، أي أن البيعة ضمانةٌ لجميع الحقوق الدنيوية التي تتحقق بها سعادة الدارين، الأولى والآخرة.

ومن الأمثلة التاريخية على هذا النظر الشامل ما كتبه علماء فاس في البيعة الشهيرة للسلطان مولاي حفيظ، فقد وقعت على عقد البيعة شخصياتٌ باسم فئات اجتماعية هي الأشراف والرماة، والعلماء والقضاة والكبراء والنقباء والمرابطون والصلحاء والأعيان والخاصة والعامة. والشروط الواردة فيها هي:

  1. حماية الحرمات؛
  2.  حماية الدماء؛
  3. حماية الأموال؛
  4. حماية الأعراض؛
  5. حماية الدين؛
  6. حماية الحقوق؛
  7. نشر العلم؛
  8. التأطير الديني، لاسيما في المساجد؛
  9. تصحيح وضع الأحباس؛
  10. اختيار الأفاضل لتولي المناصب؛
  11. منع استبداد العمال بالتدخل في اختصاص القضاة.

لقد توقف بعض المحللين عند هذه البيعة واعتبروها من تباشير الفكر الدستوري بالمغرب، على أساس أن فيها ما يفيد تقييد سلطة السلطان، والواقع أن هذه البيعة ليس فيها من حيث المبادئ أي جديد، لأن اشتراط حفظ الأمور الخمسة: الدين والنفس والعقل والمال والعرض، قد ورد بنفس المصطلحات المعهودة في البيعات عبر التاريخ. وما ورد في هذه مما يتعلق بالفصل بين سلطة العمال وسلطة القضاة، ليس فيه من جديد كمبدإ، منذ رسالة عمر بن الخطاب في القضاء، ومعلوم أن هذا الفصل لا يتحقق بمجرد إقرار مبدئه،وإنما أخذت تتوفر شروطه في وقتنا الحاضر بدرجات.

 

مولاي أمير المؤمنين

إن التقدم المادي والتنظيمي والفكري والسياسي، وما وقع من انبهار بالتاريخ الغربي، عوامل أسفرت عما يشبه الذهول عن تراثنا السياسي الذي توجد البيعة في صلبه، وأدت بالتالي إلى التوجه في التنظيم السياسي إلى الشكل الدستوري الحديث، ويتميز هذا الشكل بالتفصيل في نفس الحقوق والآليات، دون جعل الدين محور حياة الجماعة في معظم الدول، كما يتميز باستعمال مصطلح له تعريفات في علم قائم بذاته هو علم السياسة الحديث. أما شروط البيعة في المغرب، فتشمل إجمالا كل المبادئ الكبرى التي تحفظها الدساتير، وتحيل على كتب الفقه، وتزيد عليها بحفظ الدين الذي تضعه في صدارة الشروط، لكن إمكانات الإنجاز ظلت رهينة بالشروط المادية والوسائل التنظيمية المشارإليها أعلاه.

 

مولاي أمير المؤمنين

بعد أن بينا أن الدين يشمل كل ما يهم حياة المؤمن، وأن حمايته ينبغي أن تمتد إلى العبادات والمعاملات والأخلاق، نستعرض من خلال واقعنا الحاضر في المملكة المغربية كيف تحفظ إمارة المومنين هذه الشروط المتضمنة في البيعة، بما يتوافق مع الآليات المعمول بها اليوم في تدبير الحياة العامة.

نقصد بآليات حماية الدين كل التدخلات القطاعية التي تتحقق بها الكليات الشرعية الخمس المؤسسة عليها البيعة مع مختلف تجلياتها، سواء كانت مقاصد أو وسائل تتحقق بها المقاصد، وأقرب ترجمة لمصطلح "آلية" في هذا السياق قد تؤديها كلمة mécanisme،التي تفيد ترتيب عدة كيانات فاعلة قصد اشتغال منسجم، كما يناسبها مفهوم dispositif، كما شرحه الفيلسوف Michel Foucault، ويعني شبكة علائق بين جوانب ينظر إليها عادة على أنها منفصلة في مقاصدها.

وسيتبين ذلك من الإشارة المختصرة إلى أهم هذه الآليات، مع ذكر تأصيلها وتجلياتها الجارية، وهي مسوقة على ترتيب يراعي الأولويات الحيوية.

1-آلية حفظ الدين بالدفاع عن الأرض:

 إن الأرض أولُ مقومات حياة الدين، والدفاع عنها بالجيش أعظم الجهاد، ولذلك استعمل المسلمون عبارة "حماية بيضة الدين"، وتحدثوا منذ قرونهم الأولى عن الثغور، وهي المواقع التي على الحدود، وعما يجب أن يقام فيها من ترتيب الدفاع، بالاستناد إلى التوجيه القرآني في الربط والمرابطة.وفي الحديث أن أحب الأعمال إلى الله:"الصلاة على وقتها". ثم "بر الوالدين" ثم "الجهاد في سبيل الله". قال شراح هذا الحديث: الصلاة تربي المجتمع والجهاد يحميه من العدو الخارجي.

2-آلية حفظ الدين بحفظ النفس

يُعتبر حفظ حياة الإنسان من القتل والعدوان، أبرز الشروط وأقدسها من منظور حماية الدين، وتتحقق حماية الأنفس في الداخل بالشرطة، وهي من النظمِ الأولى في الإسلام، ووُصفت بأنها الجند الذين يعتمد عليهم ولي الأمر والوالي في استتباب الأمن وحفظ النظام، وتفيد تسميتها بالشرطة أنها النخبة المختارة، ومهمتها حمايةُ الأرواح وضمان السكينة اللازمةِ للتعبد والمعاملات، وقد امتن الله على قريش بأن آمنهم من خوف، لأن الخوف يلغي الحرية، ولا تدين مع الخوف أو الإكراه. وأدلة وجوب حفظ الحياة من العدوان كثيرة في الكتاب والسنة.

3- آلية حفظ الدين بحفظ العقل

إذا كانت الحرية ضرورية لمنطق الدين، فإن العقل ضروري لقيام الحرية، والمقصود بالعقل قدرة قوم على الوعي بما فيه صلاحهم، وهو ما يتجلى في الاحتكام إلى نظام مرجعي عام متوافق عليه يجلب المصالح ويحفظ السكينة، وأكبر ما يتهدد العقلَ اتباعُ الهوى، هوى الأطماع والعصبيات، وفي مقابل الهوى يتحدث اليوم عن النزاهة و"الموضوعية"، صفة لحالة اتباع العقل، ولذلك توجه الخطاب القرآني كثيرا إلى أولي الألباب بصيغة الجمع، ونبه إلى عواقب عدم استعمال العقل بأسلوب التعجب الذي فيه الإنكار والتوبيخ في مثل قوله تعالى مرات عديدة: ﴿أفلا تعقلون﴾، فالأمر في موضوع العقل، لا يتعلق بالصحة العقلية للفرد، بقدر ما يتعلق بالتوازن المعنوي الذي تدرك فيه الجماعة مصلحتها العامة، فهو على هذا الأساس شرط للمعروف، ويزداد المقصود اتضاحا إذا اقتنعنا بأن العقلاء إنما تقع عليهم مسؤوليةُ الدين لأنهم هم المفروض فيهم أن يجدوا لكل المشاكل حلولا لا تترك للفتنة مجالا، والله يقول: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾. ولهذا السبب أيضا حض الدين على التحري من أجل معرفة الوقائع على حقيقتها. ويتجلى حفظ الدين بالعقل هنا بالسياسة الحكيمة لأمير المؤمنين، مستمدةً في كل المجالات من المصلحة العليا للبلاد، سواء بالتحكيم أو التوجيهِ لأمور الداخل والخارج على السواء.

4– آلية حفظ الدين بحفظ الصحة

يرتبط حفظ الدين بحفظ الصحة لأن سلامة البدن شرط في الاستطاعة المرهونةِ بها عددٌ من العبادات والتكاليف، ولأن عددا من الضرورات الشرعية لا تكتمل إلا بحفظ الأبدان، وحماية الصحة يدخل في تحقيق التكريم الذي تفضل الله به على الإنسان، فالله تعالى قال في حق النفس: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا﴾، وصورة الجماعة في السنة كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، والشكوى من المرض السياسي أو الاجتماعي أو الخلقي الذي يتبادر إلى الذهن بصدد الحديث المذكور، توازيه الشكوى من مرض الجسد الفردي، سيما ونحن نعرف اليوم عبء الصحة على المجتمع، فعملكم يا مولاي بهدف ضمان الصحة العامة للبلاد والصحة الخاصة للأفراد، أي الرعاية الصحية، عمل في صميم حماية الملة والدين. 

5- حفظ الدين بتيسير العبادات

يغلب على تصور الناس كما ذكرنا،أن العبادات، وهي الأركان الخمسة على الخصوص، هي كل الدين أو معظمه، والواقع أنها حقوق الله التي تتحقق بها كثير من حقوق الفرد الذي يؤديها، وكثير من حقوق جماعته الصغرى والأكبرِ منها، وحيث إنها صلة مباشرة بين المؤمن وربه، وحيث إنها وسيلة وغاية في ذات الوقت، فإن تيسير أدائها بصورها، هو بحق من أولى ما يضمن به الإمام المبايع حماية الدين، ولا نحتاج إلى الوقوف عند لوازم القيام بالأركان، كما لا نحتاج إلى تعداد الإنجازات المتوالية لأمير المؤمنين في هذا المجال، وإنما نشير إلى أننا ذكرناها في المقام الخامس لأن ما قبلها شروط لقيامها.

6 - آلية حفظ الدين بتمكين مشيخة العلماء من القيام بأدوارها في التبليغ والإشهاد والإفتاء والإرشاد.

إن الدين في الإسلام إيمان وعلم، والإمامة العظمى تستعين بطائفة متفقهة في الدين، بالرجوع إلى قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).

فرسالةُ هذه الطائفة تبليغُ الدين وتعليمُ أحكامه، وتوعيةُ الناس بأن الحفاظ على الأمة يحتاج إلى وعي سياسي كبير للتمييز بين الحق والباطل، وهو ما تفيده في الآية المذكورة كلمةُ "يحذرون"، وقد تبلورت هذه الطائفة عبر التاريخ في ما سمي بمشيخة العلماء، وقد أحييتموها ونظمتموها يا مولاي في المجلس العلمي الأعلى، والعلماء يقومون في إطاره بدورهم التربوي الكامل.

ومن معالم اشتغالهم الفكري بيانُ أن الإرهاب ليس له دليل في الدين، حيث قرروا في ندوتهم المنشورة أن كل من أعلن الإسلام باللسان لا يمكن أن يوصف بالجاهلية. وأن عدم تحقق الكمال في الحكم في أي مستوى كان لا يجيز التكفير والتضليل، وأن تدبير الحكم منظور فيه إلى المقاصد لا إلى التسميات، وأن مصطلح الحاكمية محدث في الدين، وأن فكرة الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة مخالفة لأصول أهل السنة، وأن القول باللامذهبية يراد به خلق فراغ لاستغلالات مغرضة، وأن مصطلح السلفية، قد صار يستعمل خطأ لهدم كثير مما بناه المسلمون باجتهاداتهم من آفاق الاكتمال الإنساني، وأن مفهوم الولاء والبراء الذي يحض على التضامن قد حرف ليصبح مدعاة للفتنة والاقتتال، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يصح أن يقام به إلا وفق قواعده. وأن تكفير الناطق بالتوحيد محرم بنصوص قطعية، وأن الجهاد في الشريعة له ضوابطه وقواعده وأحكامه.

ومن مميزات علماء المغرب أنهم وطنيون لاسيما في تمسكهم باختيار المغاربة في الثوابت، وهذا لا يقلل من اهتمامهم بالقضايا الحق على المستوى الأعم للأمة.

7- آلية حفظ الدين بالتعليم:

إن أولوية التعليم من منظور الدين قد قررتها بداية الوحي بكلمة "اقرأ"، كما يؤكدها ما في الجهل من خطر عظيم على الدين والمتدينين، وينبغي أن يفهم من التعليم هنا، تعليم جميع العلوم والمهارات التي تعين على الإيمان والتدبر والمعاش وجودة الحياة والعزة المادية والمعنوية للأمة. ولابد من التوقف عند منهج الحكماء من أمثال ابن رشد الذين اجتهدوا من داخل الالتزام الديني، حتى يكون الإيمان والحكمة العقلية والسلوكية معادلة واحدة، إذ بدون هذا الاقتران يكون التعليم الديني نفسه حاملا لمخاطر التحريف والتأويل والانتحال.

8- حماية الدين بالإعلام

المصطلح القرآني الذي يقابل ما يسمى اليوم بالإعلام هو التبليغ، ومما جاء فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾. وإذا كان العلماء هم المرشحون لمهمة التبليغ، فإن أمرين أساسيين مرهونان بإمام الأمة:

أولهما: حرصه على أن يجري التبليغ بما يناسب مقاصد الدين، سيما وأن مجال الإعلام الديني مجال يزدحم عليه طلاب الزعامة باسم الدين، وتُستغل فيه الحرية في هذا العصر للتشويش على الناس، إما بالتحريض على مفارقة الجماعة، وإما بتضخيم الخلاف الجزئي للاحتيال على العامة، ولو توفر الورع وسلمت القلوب لوجب أن يبادر كل صاحب علم للإسهام في التبليغ في صف علماء الأمة.

والأمر الثاني هو توفير وسائل العمل للمكلفين بالتبليغ، وهذا الشرط متحقق في مملكتكم يا مولاي، وذلك ببعث حيوية متجددة في منابر المساجد، وبتوفير فرص غالية لمعرفة  أحكام الدين وفضائله بواسطة الإعلام السمعي البصري.  

9- آلية حفظ الدين بالشورى وبذل المناصحة

إذا كان قيام النظام السياسي ضروريا للدين والدنيا، فقد شهد التاريخ أنه ظل مهددا بالاستبداد المنافي للشرائع القائمة على المرحمة والإنصاف، وقد كان سلاطين المغرب يقفون عند أحكام الشرع، ويمضونها في الناس بالوسائل المتوفرة لهم، وكان رعاياهم متشبعين بفكرة العدل عامة، إذ تراكمت في البيئة الاجتماعية للمغاربة مرجعيات في التعامل بالإنصاف بين الحاكم والمحكوم، تسمى ب"السنن المرعي" أو "القاعدة"، أو"العادة" أو "الطرقة"، وهي قواعد لا يجوز خرقها على الناس. يضاف إلى ذلك وزن النخب الدينية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والزعامات القبلية التي كانت تعين السلاطين على احترام هذه القواعد والأعراف.

وأصل هذه الحماية في القرآن واجبان مركزيان، هما الشورى والنصيحة، ولهما اليوم تجليات في شكل مجالس منتخبة من كل الناس بالتساوي، والمفروض أن ينتخب الأفضل، ولكن الأفضلية حكم قيمة لا تحل إشكاله إلا الإرادة المعبر عنها بالانتخاب، ومن الطريف أن نلاحظ أن كلمة Conseil، أي المجلس أو الهيئة، في اللغة الأجنبية، لها في نفس الوقت معنى النصيحة، وهكذا فإن تنظيم النصيحة والشورى على هذا المنوال الحديث واجب ديني بحكم مقاصده.  

10- حماية الدين بتنظيم الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر

 إذا كان وجود طائفة العلماء لتفقيه الناس في الدين فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فإن آلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعني جميع أفراد الأمة، بالشروط المحددة في الشرع، وإذا كانت للإسلام هذه الأسبقية في خلق المجتمع السياسي الذي يهتم فيه كل فرد بمصير الأمة اهتماما يترتب عليه الإسهام في جلب المصالح ودفع المفاسد، فإن الإمكانات المتوفرة اليوم للاضطلاع الجماعي الملموس بهذه المسؤولية لم تكن متوفرة في الماضي، أما في عصرنا هذا فإن تنظيمَ الحسبة السياسية الكبرى بالقانون، وتوفرَ وسائل حفظ الأمن، والتوافقَ على النظام العام، أمورٌ تتيح تنظيم الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر في صورة التعبير عن المطالب أو الاحتجاج، دونما خوف من الفتنة أو من إقحام الدين، وذلك في إطار هيآت وجمعيات ينظمها القانون، مما جعل هذا الأمر العزيز من قبل يتحقق اليوم على نطاق واسع.

11- حفظ الدين بتحقيق العدل

يمكن القول إن الدين يشمل العدل في معناه الواسع، لأن عمل الإنسان كما رأينا، يدخل في الحقوق، إما إزاء الله وإما إزاء النفس وإما إزاء الغير، والإسلام يشمل هذه الأصناف ويرتبها، فنهى عن معصية الله واعتبرها ظلما، ونهى عن ظلم النفس كما نهى عن ظلم الآخرين، وحماية الدين على يد أمير المؤمنين بإقامة العدل تكون أولا بإتاحة شروطه وتهيئة بيئته، سيما وأن النظر إلى العدل قد توسع إلى أبعاد منها البعد الاجتماعي، ونظرية العدل ليست من البساطة بمكان، والمأمول أن يُكتب في هذه النظرية شيء نفيس من منظور الإسلام، مقارنة بما تحقق في الفلسفة السياسية الغربية على أيدي كتاب من أمثالRawls وAmartya Sen، على أن أوكد العدل هو العدل المباشر الذي يلجأ الناس من أجله إلى القضاء. وما فتئتم يا مولاي تمهدون لما يتوقف عليه إصلاح هذا العدل من التخطيط والتوجيه.

12- حماية الدين بحماية الأسرة

ومما يدخل في حماية الملة والدين، آلية أخرى أجرتها جلالتكم بأسلوب مسدد استرعى اهتمام العالم، ألا وهي آلية صيانة الأسرة، ومن مفاتيحها صيانة حقوق عنصرها الأساس وهو المرأة، وأنتم يا مولاي ما فتئتم تعملون على تمتيع المرأة بما أوجبه الله لها ورسوله من الحقوق الخاصة، ولا سيما في جانب المساواة، فقد أتاح الشرع لها المساواة في المسؤولية الإنسانية عن الأعمال، والمسؤولية في الالتزام بالأحكام، والمسؤولية السياسية، لأن المرأة مطالبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل الرجل، والمساواة في حق التملك، وفي الاستقلال المالي والاقتصادي، وفي المسؤولية القانونية والجنائية، إلى غير ذلك إلى غير ذلك من وجوه المساواة، فلا يتصور والحالة هذه أن يُحفظ الدين إذا لم تخول المرأة حقوقها، وهذا ما فتحتم فيه يا مولاي أحد أوراشكم الإصلاحية الكبرى، مناضلين ضد عائقين هما سلطان العوائد، والفهم القاصر للدين.  

13- حفظ الدين بحفظ العرض

وتدخل فيه الأمور التي تهم كرامة الإنسان، بعضها يتعلق بالحصول على القدر الأدنى من الضروريات، وبعضها تصونه القوانين، وبعضها تدعو إليه الأخلاق والأعراف، فقد امتد مجال حقوق الإنسان إلى كثير مما حضت عليه مكارم الدين، فعلى سبيل المثال، نذكر حرمة الخصوصية الشخصية وإسعاف ذوي الاحتياج.

ففي الحديث: "من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"، وفي حديث آخر: "ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد من يغنيه ويستحيي أن يسأل الناس ولا يفطن له فيُتصدقَ عليه".

ويدخل في صيانة العرض ما جاء في ذم التسول ومدح الشغل وكل أنواع التعامل بالمعروف، ويدخل فيه النهي عن تحقير الإنسان وإهانته وعدم الاكتراث إلى الاحتياجات الدنيا المتصلة بكرامته، ولا يخفى ما نجم عن التفريط في صيانة الأعراض من فتن كبرى وويلات عظيمة.

14- حماية الدين بتيسير أسباب المعاش.

يدخل تيسير أسباب المعيشة في حماية المال كما ورد ضمن كليات الشرع، وتشمل هذه الحماية كل نتائج العمل أجورا وإنتاجا وتملكات، فهو الاقتصاد بمفهوم العصر، على أساس أن غايته النهائية ما هي في الحقيقة سوى تيسير أسباب المعاش، وهي من صميم حماية الدين لسبب واضح، وهو أن شدة الاحتياج قد تؤدي إلى الفتنة، وأن الفقر يكاد يكون كفرا، ومن أجل هذا التيسير نظم الرسول الأكرم الأسواق ومدح الاحتراف وعمل اليد وشجع على الاستيراد، والسماحةِ في البيع والشراء، ولعن الغش والاحتكار، وكان رائدا في الشراكة الاقتصادية عندما أدخل المهاجرين للعمل في مزارع الأنصار.

15- حفظ الدين بالصدقة والصدقة الجارية.

إن ما هو كمالي في الدين، بل وحتى ما هو ضروري في بعض الأحيان، لا يدرك كله بالحقوق، إذ يتوقف على المكارمة بالإنفاق بجميع أشكاله كما فصلها وحض عليها القرآن الكريم، ومن صور المكارمة في الإسلام الصدقة، وقد صارت لها في عصرنا تنظيمات وترتيبات تخفف من شعور الحرج المصاحب لليد السفلى مقابل اليد العليا. أما الصدقة الجارية أو الرأسمال الموقوف، فعلى غرار المشاريع المدرة للدخل في مبادراتكم البشرية. وحيث إن المادي والرمزي لا ينفصلان في الدين، فإن من المكارمة أمورا من قبيل ما ورد في الحديث من تعليم العلم، وبناء المرافق العامة، والأشغال النافعة، كإجراء الأنهار وحفر الآبار و غرس الأشجار ووقف ماء الشرب و بناء المساجد  ووقف الكتب وتربية الولدان تربية صالحة، وهكذا فالصدقة تشمل كل عطاء صادر من نفس الإنسان إذا زكت وفاح طيبها، وتدخل فيها الكلمة الطيبة، ويدخل فيها حتى أخص ما في العلاقة بين الرجل وزوجته. وأجلى صور الصدقة في المملكة، ثمرات مؤسسات التضامن التي أنشأتموها يا مولاي في مختلف الميادين، ولفائدة فئات عريضة من المستفيدين، حتى صار التضامن من العلامات البارزة في سياستكم العامة ومشروعكم الاجتماعي.

16- حفظ الدين برعاية مقام الإحسان (التصوف)

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث من رواية البخاري أن هذا الدين ثلاثةُ مقامات: الإسلامُ والإيمان والإحسان، وجاء تعريف الإحسان أنه أن تعبد الله كأنك تراه، وقد سعت طوائف من الأمة في كل جيل إلى إدراك هذا المقام، وعُرف منهج السلوك إليه ب"التصوف"، أساسه الخلُق القويم الذي يُثمره ذكر الله، وغايتُه التزكية، وأعلاها التحقق بتوحيد الله بالحال لا بمجرد المقال، وقد ظهر المغاربة على امتداد تاريخهم في التصوف على الصعيدين الوطني والعالمي، وما يزالون.

وفي رعايتكم، يا مولاي، لهذا المقام وفاءٌ لصنيع أجدادكم الذين عرفوا لطلاب مقام الإحسان إسهامهم في بناء الأمة على قيم الدفاع عن الأرض ونشر العلم وبذل الخدمة والإسعاف، والتصوفُ، وإن كان اختيارا، فهو في العادة معدود في ثوابت المملكة، بعد إمارة المؤمنين والعقيدة والمذهب.فرعايته في نظر عموم المغاربة من جملة حماية الدين. 

17- حماية الدين بآلية حسن التساكن مع العالم.

أصل هذه الآلية ما أمر به القرآن الكريم من التعارف والتعاون، وما أقره من حرمة القيم المشتركة بين الناس كافة، وقد بدأت هذه الآليةُ في الإسلام بالوفود والرسائل التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رؤساء الدول المجاورة، وتتصرف هذه الآلية اليوم بالعلاقات الخارجية المفضية إلى النفع والسلام. فلما كان بقاء الأمة أولوية تتوقف على الحكمة والكياسة والعفو بل وحتى على كظم الغيظ في بعض الأحيان، فإن حمايتها من الكيد والعدوان الخارجيين من مسؤولية الإمام الأعظم، لاسيما في هذا العالم الذي لا يخلو من مغامرين. فالدين مسؤولية فردية ومسؤولية جماعية ومسؤولية كونية. ويتبين اليوم على الصعيد الكوني كيف يمكن أن يحسن قوم أو يسيء قوم آخرون بتصرفاتهم إلى الدين كهوية جماعية، ولذلك ما فتئتم يا مولاي تحرصون على إظهار الوجه المناسب لهذا لدين أمام الأمم الأخرى، بالمواقف الحكيمة والغيورة من مختلف القضايا، وبالمثال العملي، اعتبارا للمسؤولية التي يلقيها على المغرب دينه وموقعه الجغرافي وتاريخه وهويته الثقافية والحضارية.   

 

مولاي أمير المؤمنين

بعد أن شرحنا في المحور الأول معنى الدين والمقصود بحمايته، وبعد أن استعرضنا في المحور الثاني بعض آليات هذه الحماية في مملكتكم الشريفة، نأتي إلى المحور الثالث لننظر في بعض تبعات هذا الشرح الشمولي على الصعيد السياسي عامة، وعلى صعيد النظام المغربي بصفة خاصة.

ويمكن تبيان هذه التبعات على الصعيدين المتداخلين من خلال النقط الآتية:

1)- إن عمل الإنسان في مضمونه لا يختلف بحسب هوية العامل أو مكانه أو زمانه أو جنسه أو لونه، ولكن الفرق الجوهري يكمن في مرجعية العمل، هل هي مرجعية ربانية، أم فلسفية، أم أن السؤال حولها لا يطرحه العامل أصلا، فالذي يعمل وهو مؤمن أنه مخلوق لله، لا يرى عمله منفصلا عن منطلقه، ثم إن لعمله ضابطا هو شرع الله، أحكاما وأخلاقا، وإن لعمله مقصدا ومآلا، هو رضى اللهِ والفوزُ في الآخرة، وهذا يعني أن الأعمال التي بها تتم حماية الدين هي في نفس الوقت من جهة إمارة المؤمنين حقوق لله وحقوق للناس، ويمكن لمن شاء أن ينظر إليها أو يطالب بها على أنها حقوق في إطار المواطنة، بمعنى أن الغايتين مركبتان متماثلتان في المضمون، وإنما تختلفان في تفسير العامل أو المستفيد من العمل، وبقدر التعمق في هذه الفكرة يصير إشكال التفاوت النظري بين النظام الذي يدمج الدين والذي لا يدمجه أقل حدة، بالرغم من خطورة الفرق ميتافيزيقيا، هذا إذا توفر شرطان هما: أن تقوم الدولة على الحقوق، وألا يُنسب للدين تعويق حق من الحقوق الجوهرية للناس.         

2)- إن ما يصدق على العمل يصدق على الحرية في قوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر﴾. ويمكن تنزيلها على أن الالتقاء على صعيد الحقوق وارد دون أن يعني ذلك تنازلا عن الحق أو مشاطرة فيه، كما كان الإشكال عند نزول هذه الآية، أما في هذا العصر فهناك اتفاق على الحرية شرطا لمعنى الحياة بقطع النظر عن المرجعيات، وبالتالي فإن حمايتها من حماية الدين، ولا يهم الاختلاف بين النظر الديني والنظر الميتافيزيقي إلى الحرية على صعيد المواطنة.

3)- إن تراكب الحقوق يجمع المواطنين على صعيد ما هو مقرر منها بالقوانين، وفي هذا المجال يكون احتمال المصادمة بين الدين والقانون معدوما، لأن أمير المؤمنين لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا، وشرط التمرس بهذا التوافق أن يتوفر أمران هما: الفهم السليم للدين، وهو مرهون بمهمة العلماء، والأمر الثاني هو الأخذ بخلق التسامح، ما لم يستعمل الإيمان أو عدمُه أو الاختلافُ فيه للاستفزاز أو العدوان، فآية نفي الإكراه في الدين لا يمكن أن تكون من المنسوخ، لأنها الوضع المناسب لتبين الرشد من الغي، ومما يَدعَم التسامح قبولُ الاختلاف في تفسير وجهة التاريخ، مع إقرار براغماتي منصف بأن الإيمان السليم كله خير، ومن خيره قدرته على التعبئة في مجالي الحقوق والأخلاق، وما لذلك من أثر إيحابي على تخفيف الآلام وتخفيض كلفة الحياة.

4)- إن الضمير المؤمن لا يتصور الانفصال بين الدين والسياسة إلا حيث تتكفل إمارة المؤمنين بحماية الدين، لأنه لا يتصور تهميش المعنى بالنسبة للحياة.      

5)- إن التعريف الشمولي للدين، كما رأيناه، تترتب عنه حماية لا تنحصر في باب تكليف العلماء وتيسير العبادات، بل تمتد إلى البعد الاستراتيجي الذي له الأثر المباشر على سكينة الوطن أولا وعلى رقيه ثانيا، لأن الأمة تنظر إلى أمير المؤمنين ضامنا للدين والحياة في آن واحد، وضامنا للدين في ارتباط مع الحياة، ذلك لأن طبيعة البيعة ومضمونها ومنطقها وفكرة الملتزمين بها، أمور تجعل لحماية الدين بعدا شاملا لكل ما يهم هويةَ الوطن وكرامَته ومصيره، وللمختصين أن ينظروا في مدى استيعاب هذه الحقيقة أو هذه العقيدة على مستوى الدستور.

6)- إن حماية الدين لا تقتصر على الجانب التأملي الروحي والأخلاقي، لأنها لا يمكن أن تترك لما يسمى بالأصولية استغلال الفراغ لمراقبة العبادات وتأطيرها، بل إن إمارة المؤمنين تحرص على رعاية الالتزام بالعقيدة والمذهب، كما تحرص على الجانب الخدماتي الذي توجد في قلبه المساجد، وهذا على خلاف ما ذهب إليه أحد كبار الباحثين وهو هارفي كوكس Harvey Coxفي كتابه مستقبل الإيمان، The future of Faith،حيث يرى أن الأصولية في جميع الأديان صائرة في العالم إلى زوال، لأنها تركز على الشعائر والعقائد، بينما المستقبل في العالم سيكون لتدين زاهر لا يهتم إلا بالروحانيات والأخلاق، يريده الناس لحياتهم الدنيا قبل أن يطلبوا به الدار الآخرة. إن المؤلف المذكور، وكان أستاذا في جامعة هارفارد لأكثر من أربعة عقود، يعد من أكبر الاختصاصيين في الأديان وتاريخها، وهو وإن كانت فكرته مقنعة فيما يخص الاضمحلال المرتقب للأصولية، فإن ما يتصوره من عدم الاكتراث مستقبلا لجانب العقائد والشعائر، استنتاج لا يعززه وضع الإسلام المعتدل، ولا يؤيده النموذج الشامل الذي تبنيه جلالتكم في هذه المملكة، لأن الناس في هذا الدين شديدو الحرص على العبادات، وينظرون لقوله تعالى ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾لأن الحياة لا تتخذ معنى ولا تطيب ولا تعتدل إلا بهذا الاعتقاد المتعلق بالآخرة.     

 

مولاي أمير المؤمنين

اسمحوا لي أن أختم الدرس بالسؤال التالي: ما هو جوهر التميز المغربي في ما يتعلق بحماية الدين؟ الجواب هو الآتي:

إن العنصرين الحاسمين المتكاملين في بناء النموذج المغربي هما حماية الدين وأعمال الإصلاح التي يقوم بها أمير المؤمنين.

أما العنصر الأول وهو حماية الدين، فيترتب عنه عدمُ مشروعية أي برنامج ديني خارج الثوابت، وعدمُ مشروعية أي برنامج سياسي يُقحِم الدين في بعدي التبليغ والتأطير الدعوي والخدماتي، فإمارة المؤمنين وحدها الحجة في هذا الشأن، في عقيدة العلماء والأئمة وكافة المؤمنين.

أما العنصر الثاني وهو أعمال الإصلاح التي تترجم بها جلالتكم، في صيغ العصر، كليات الشرع بمقاصدها وثمراتها الملموسة في الميدان، فهي في نفس الوقت ذات الإصلاحات المطلوبة من المنظور المدني، والنقاش حولها وحول أطرها القانونية والمسطرية، نقاش مدني يتسم بكامل الوسع والمرونة.

فلو وقف الأستاذ هارفي كوكس على هذا النموذج الحي المعيش، ولو اعتبر البعد المندمج  للحقوق في فكرة المسلمين، ولو تعمق في الأهمية القصوى للعبادات في حياتهم، لعدل عن تعميم فكرته في مستقبل الإيمان والتدين، وهذا يعني أنكم، يا مولاي، في ريادة تجربة تاريخية سيلاحقها الوعي المتأخر، ويدركها التحليل المنصف، وستدعو لها الحاجة.  

والختم من مولانا أمير المؤمنين

للاطلاع على التسجيل المرئي بالدرس الحسني الأول الذي ألقاه بحضرة أمير المؤمنين وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد التوفيق حول حماية الملة والدين وآلياتها في المملكة المغربية المرجو الضغط هنا

للاطلاع أيضا

محمد يسف: المجتمع المدني في خدمة القيم الدينية

الأنشطة الإعلامية والدينية الموازية للدروس الحسنية لعام 1435

عبد الهادي هَنَرْكامْب: التشريع الأخلاقي في التراث الـروحي المغربي

علي بن مخلوف : حقوق البدن في الإسلام

أبو بكر دوكوري: أهمية الحديث الشريف فـي معرفة الأحكام والأخلاق

أحمد التوفيق; حماية الملة والدين وآلياتها في المملكة المغربية

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة عيد الفطر بالمسجد المحمدي بالدار البيضاء ويتقبل التهاني بهذه المناسبة السعيدة
facebook twitter youtube