الأربعاء 6 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ 14 نوفمبر 2018
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

سيرة الإمام الأشعري بين الأوهام والحقائق

مقال للأستاذ يوسف احنانة، عضو المجلس العلمي بتطوان، المجلس العلمي الأعلى، مجلة الجذوة، العدد الأول، أبريل 2013


‏ترتبط شخصية أبي الحسن الأشعري في تراث الغرب الإسلامي ، بمؤسس هذا المذهب العقدي، الذي ساد وترسخ في تربة هذه المنطقة، وترسم بها لما يقرب من عشرة قرون، وشكل نوعا من التناغم والانسجام داخل المنظومة المذهبية لأهل هذه البلاد، إلى جانب الفقه المالكي، والتصوف السني.

 

‏فلئن كان المذهب الأشعري، أو المعتقد الأشعري هو الإطار العام الذي حكم فكر الأجداد، ووجه اختياراتهم العقدية لقرون عديدة ، فقد مارس كل ذلك تكريس جو من الاحترام والتقدير لمؤسس هذا المذهب، فلم يخدش واحد من الأجداد شخصية إمامهم ولا نقص منها، ولا ألحق بها ما لا يليق بها، من عدم الاحترام والتقدير والتبجيل. لكن الساعي إلى استخلاص سيرة هذا الشيخ، لا شك واجد أمامه مجموعة من الحقائق، إلى جانب مجموعة أخرى من الأوهام لحقت الرجل عن وعي، أو غير وعي، اعتملت فيها مجموعة من العوامل الذاتية والأخرى الموضوعية.

 

‏وسنعمل من خلال هذه الورقة، على تصفية سيرة الإمام أبي الحسن الأشعري من التشويه، والتزوير، والتحريف، الذي طال سيرته، والذي يمكننا تسميته ب "قلق السيرة". فالأوهام التي لحقت سيرته كثيرة ومتعددة، ويتم تردادها على العديد من المنابر، وعلى صفحات الكثير من الكتب والنشرات. وهي في الحقيقة إما أوهام مبيتة، صدرت عن أصحابها بوعي تام، وخطة مدروسة، أو أوهام تكرست بنية حسنة، وصدرت من أصحابها عن غير وعي، بل كانت تهدف إضفاء طابع إيجابي معين، يخدم المذهب ومؤسسه.

 

وقد عملنا على مقاربة هذا الموضوع، بطريقة مبسطة، تعتمد على طرح أسئلة، يتم الانطلاق منها للتحليل.

 

هل كان الإمام الأشعري مالكيا ؟

‏من الأمور التي تتعارض فيها الآراء وتتضارب، وتختلف حولها الأفهام وتتباعد، هي تأكيد نسبة الشيخ أبي الحسن الأشعري إلى مذهب فقهي بعينه. فهناك من ينسبه للفقه المالكي، ومنهم من ينسبه للفقه الحنفي، ومنهم من ينسبه للفقه الحنبلي، وآخرون ينسبونه للفقه الشافعي. وأيا كان الأمر فإن ما يهمنا باعتبارنا ننتمي إلى ثقافة الغرب الإسلامي، التي تشربت العقيدة الأشعرية منذ قرون، ورسّمتها في دائرة الثوابت المذهبية للبلاد، أن نرصد التمثلات التي تناقلتها مجموعة من النصوص، ورسمتها في أذهان الناس، في هذه المنطقة. ومن أهمها هي كون الأشعري كان على فقه الإمام مالك. والذي زاد في تكريس وترسيخ هذا التمثل في كتابات أهل هذه المنطقة، هو كون أهل الغرب الإسلامي وبخاصة أهل المغرب الأقصى، كانوا وما زالوا مالكيين، فقد قبلوا دونما تردد، أن يكون مؤسس عقيدتهم مالكيا من غير ما تمحيص، أو كثير تدقيق.

 

‏فقد ساد في كتب العقائد بالغرب الإسلامي أثناء ترجمتها للشيخ أبي الحسن أنه مالكي الفقه. إذ لا يسع هذا البحث المحصور أن يحصي أولئك الذين ساروا في هذا الاتجاه، ونحَوْا هذا المنحى. فقد ورد مثلا في كتاب اختصار المباحث العقلية لأبي عمران موسى الجزولي (من أعلام القرن الثامن الهجري) وهو يؤرخ للإمام الأشعري قوله (وهو مالكي المذهب. وكان مذهب مالك في العراق)(1).ويرى من جهة أخرى الحسن بن محمد الهداجي الدرعي في شرح أم البراهين، في سياق ترجمة الأشعري أنه (مالكي المذهب وإليه تنسب جماعة أهل السنة، ويلقبون بالأشاعرة والأشعرية) (2).

 

‏ويرجع الدكتور حمودة غرابة سبب تنازع المالكية لهذا الإمام، وجعله مالكي المذهب، إلى خلط وقع فيه هؤلاء، ومرده إلى أن الباقلاني كان فعلا مالكيا فاختلط الأمر على الناس فقاسوه على هذا الأخير. علما أنه كان شافعي المذهب يقول الدكتور غرابة (قد تنازعته المذاهب الفقهية بعد موته . ويؤكد صاحب الطبقات أنه كان شافعي المذهب وأن الإمام الباقلاني هو الذي كان مالكيا لا الأشعري كما يزعم بعضهم).

 

‏أما لويس غاردييه وجورج قنواتي، فيرجحان سبب نسبة الشيخ الأشعري إلى الفقه المالكي، وسائر المذاهب الفقهية الأخرى، إلى الليونة التي ميزت مواقفه الفقهية، مما ترك انطباعا طيبا لدى أتباع المذاهب الفقهية في زمانه (فيظن كل إمام أنه يذهب إلى ما يذهب إليه هو. فقد أدى ذلك ببعض المؤرخين إلى أن يذكروه تارة مالكيا، وطورا حنفيا. أما الأغلبية فيطيب لهم أن يروه شافعيا) (3).

 

‏والحقيقة أن الذين ترجموا  للأشعري من أهل الغرب الإسلامي جروه إلى فقه إمامهم مالك حتى تتطابق فيه العقيدة والفقه، اللذان هما ما يتبناهما أهل هذه المنطقة. وهو ترجيح يستند إلى الحمية المذهبية. فمالكية الشيخ الأشعري لم تكن إلا وهما في أذهان من أرخ له من أهل الغرب الإسلامي وغيرهم. أما الحقيقة فهي أن الذي ترجح عنده هو فقه الشافعي كما يؤكد على ذلك السبكي في طبقات الشافعية حيث يقول " ذكر غير وا حد من الأثبات أن الشيخ الأشعري- كان يأخذ مذهب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي، وأبو إسحاق يأخذ عنه علم الكلام) (4) وهذا حسم واضح في النسبة الفقهية للإمام والتي لا تدع مجالا للتذبذب وترجيح ما لا يترجح في هذا السياق.

 

هل تخلى الشيخ الأشعري عن علم الكلام؟

‏إذ ا كان علم الكلام هو العلم الذي تولى الدفاع عن العقائد الإيمانية، بالأدلة العقلية. وكان المعتزلة يمثلون الفرقة الكلامية التي مثلت في البداهة هذا العلم في أجلى صوره وتجلياته. وقد كان الشيخ الأشعري كما هو معروف ومتداول عنه هو أنه كان في البدء معتزليا وظل على هذا المعتقد ردحا من الزمن، يجادل بحججهم، ويستعمل طرائقهم في المناظرة، ويدافع عن أصولهم دفاعا مستميتا حتى برز في هذا العلم، وصار من أشهر طبقاتهم. لكنه ولأسباب ما تخلى عن الاعتزال وأعلن انسلاخه من منظومة المعتزلة جهارا، أمام من يعرفه ومن لا يعرفه.

 

فما هي أولا دواعي هذا الانسلاخ وهذه القطيعة المعرفية ؟ وهل حقا كانت هذه المرحلة إيذانا بتخلي الشيخ الأشعري عن علم الكلام ؟

 

تعلم الأشعري من المدرسة الاعتزالية أدب المناظرة والحوار وضوابط الجدل والسجال وهو شاب

‏الواقع أن المعتزلة باعتبارها فرقة كلامية كانت قد مثلت علم الكلام بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. حيث إن علماءها تولوا الدفاع عن المعتقدات الإيمانية بالأدلة العقلية، وفق ثوابتهم وأصولهم الخمسة، وبرعوا في ذلك أيما براعة. لاسيما حينما تصدوا للفرق الدهرية، و.....، واليهودية، والمسيحية، والزنادقة، والغلاة من جميع المشارب، لكن جاء حين من الدهر قلبت لهم السلطة العباسية ظهر المجن، وانقلب عليهم أصدقاء الأمس، وسحبوا من تحتهم بساط النفوذ والغلبة.

 

 فهل كان انتقال الشيخ الأشعري من الاعتزال اعتزالا لعلم الكلام، وتمهيدا لاستقالة العقل عن وظيفة الحجاج والدفاع عن العقائد الإيمانية ؟

 

‏الواقع أن الأشعري بانفصاله عن المعتزلة وتأسيسه لمذهب أهل السنة في العقائد، حافظ على نفس وظيفة علم الكلام، فقد تعلم الكثير من مدرسة الاعتزال، لا سيما ما يتعلق بفنون المناظرة، والمساجلة والحجاج، حيث كان يعتبر من كبار المتفننين في قوة المجادلة والإفحام. حتى إن زوج أمه المعتزلي الشهير أبا علي الجبائي كان إذ ا "دهمه الحضور في المجالس يبحث عن الأشعري ويقول له: " نُب عني"(5).

 

‏فقد استفاد الأشعري كثيرا من انتمائه للمعتزلة حيث علمته هذه المدرسة المنطق، والمناظرة، والسجال وأدب المجادلة. لقد تعلم الأشعري من المدرسة الاعتزالية أدب المناظرة والحوار وضوابط الجدل والسجال وهو شاب كان متشيعا للاعتزال وذابا عن مبادئه وأصوله. لكن الاعتزال لم يستطع أن يجيب عن أسئلة كبرى وعميقة، أسئلة فلسفية لم تتمكن مدرسة الإعتزال أن تشفي ظمأه وتطفئ أوار نفسه الحائرة (6).

 

‏إذن تم الانفصال حقيقة بين الأشعري ومدرسته الأولى. لكن تبرير هذا الانفصال طاله ما طاله من الكلام فهناك من جهة من يرى أن الأشعري لم يتخل في يوم من الأيام عن مذهبه المعتزلي، وأنه ظل ينافق ويداري الناس فقط. فلم يتنكر يوما عن قناعاته الاعتزالية (7) ومن جهة أخرى هناك من يؤكد هذا الانفصال و يفسره بأسباب داخلية كالموقف الذي يذهب إليه المفكر التونسي محجوب بن ميلاد(8). فالأشعري بالنسبة إلى هذا الأخير هو ذاك المفكر الطموح الذي لم يجد في منظومة المعتزلة الفكرية والعقدية إجابات شافية عن قضايا فكرية عميقة. مما اضطره إلى الانفصال وتكوين مدرسة كلامية جديدة كفيلة بالإجابة عن مثل الأمور الفلسفية العميقة التي عجزت المدرسة الإعتزالية عن الإجابة عنها .

 

‏كما أن هناك تفسيرا وتبريرا آخر لهذا الانفصال، يرجع ذلك إلى الحلم والرؤيا، ذلك أن الأشعري ناظر يوما أستاذه المعتزلي أبا علي الجبائي في ثلاثة إخوة اخترم الله أحدهم قبل البلوغ، وبقي الإثنان فآمن أحدهم وكفر الآخر فأين يذهب الصغير؟ فأجاب الجبائي: إنه يذهب إلى مكان لا سعادة فيه ولا عذاب . فقال الأشعري إن أراد الصغير أن يذهب إلى أهل الدرجات هل يؤذن له ( قال الجبائي: لا. لأنه يقال له : إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات. فقال الأشعري فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة. فقال الجبائي : يقول الباري، جل وعلا : كنت أعلم أنك لو بقيت لعميت وصرت مستحقا للعذاب الأليم فراعيت مصلحتك. فقال الأشعري : فلو قال الأخ الكافر : يا إله العالمين كما علمت حاله فقد علمت حالي فلم راعيت مصلحته دوني (9)؟

 

وتأتي الروايات المتعددة لترى أن هذا الاختلاف في هذه المناظرة ومناظرات أخرى مع شيخه الجبائي أدت به إلى حيرة حقيقية وتردد واضح. ولندعه يروي ذلك بلسانه "وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم. ونمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك بسنتي. فانتبهت وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار ‏فأثبته ونبذت ما سواه ورائي ظهريا(10).

 

‏والحقيقة أن هناك تكاملا بين التبريرين فالحيرة والتحير كانا سابقين، لانعدام وجود الرؤية الفكرية والمذهبية التي من شأنها خلق نوع من التوازن الفكري في ذهن شخص نابغ وجهبذ في أصول الدين. في حمأة هذه الحيرة يأتي الحل من الحلم والمنام فيظهر الرسول الأعظم باعتباره الدال على الحق، والمرشد إليه. هو الخلاص النهائي من هذه الحيرة مما دفع بأبي الحسن الأشعري إلى إعلان انفصاله عن المعتزلة جهارا، حيث دخل إلى مسجد بالبصرة في يوم الجمعة وصعد كرسيا ونادى بأعلى صوته من عرفني فقد عر فني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي : أنا فلان بن ‏فلان كنت قلت بخلق القرآن ، وأنه لا يرى بالأبصار، وان أفعال الشر أنا أفعلها . وأنا ثائب مقلع(11).

 

‏إن هذه القضايا الكلامية الثلاث (خلق القرآن، ورؤية الله، وفعل الإنسان) في منظور المعتزلة ‏هي التي مثلت مصدر حيرة الأشعري وشيئا من دواعي انفصاله عن المعتزلة لأنها بالطريقة التي يطرحها المعتزلة لا تؤدي إلى اليقين التام والى اطمئنان القلب. لكن هذا الانفصال لم يمثل بأي حال من الأحوال عزوفا عن علم الكلام، واستقالة منه بل كرس نضجا في علم الكلام واستمرارية مناسبة لشروط الواقع الجديد، والتوجهات السياسية المستجدة.

 

لكن يحلو الكلام لمجموعة ممن تعرضوا لحياة الأشعري، أن يجهروا بالقول بأن الأشعري لما ألف كتاب الإبانة استقال عن علم الكلام، .حيث قفل راجعا إلى مذهب أهل السلف الذي يستمد كل معتقداته من الكتاب والسنة، ولا يعطي للعقل أي فسحة للدفاع عن هذه المعتقدات وتبريرها وتدعيمها. والحقيقة أن وجهة النظر هاته وجهة نظر براقة في مظهرها لكنها تنم عن خلفية إيديولوجية سافرة سنلمسها خلال هذا العرض.

 

‏والحقيقة أن العديد من المؤرخين، المفكرين أثاروا نقاشا حاميا حول انتماء أبي الحسن الأشعري الكلامي . فمنهم من جعله معتزليا واعتبره ظل كذلك إلى يوم وفاته. وأنه ظل ينافق ويداري فيختفي حيانا في عقائد أهل السنة، ثم في عقائد أهل السلف، في كل مرة كان يتظاهر بذلك وقاية وجنة، وخوفا من أن يفتضح أمره ويتبين انتماؤه الاعتزالي(12).

 

 والذي زاد في تأكيد هذا في ‏نظر هؤلاء هو أنه كتب كتاب الإبانة وذلك لكي يحتمي من خلاله وراء المذهب الحنبلي، ويكسب ود أتباع هذا المذهب. في وقت لم يكن فيه مقتنعا بذلك ولا يعترف ‏بهذا التوجه بتاتا.

 

‏وهذا الرأي على ما يبدو يحمل في طياته وشاحا إيديولويا واضحا فهو يعتبر أن فكر أبي الحسن الأشعري ظل معتزليا وأنه لم يغير من قناعاته شيئا. ولم يعبر في يوم من الأيام عن نضج فكري أو تحول عقدي. فما موقع العقيدة الأشعرية من الإعراب إن كان الأمر على هذه الحال ؟ فتراث الأشعرية هو خواء وعماء ، وفوضى لا تنتظم داخل منظومة فكرية منسجمة ومتناغمة.

 

إن هذا الوهم يصدر عن نية مبيتة تريد نسف المذهب من جذوره، على اعتبار أن مؤسسه لم يكن في يوم من الأيام أشعريا. لكن الحقيقة والواقع يكذبان ذلك تكذيبا ، فالمذهب الأشعري تكرس وتطور في بقاع العالم الإسلامي ولم ينسف ولم يتوقف كما حدث لمجموعة من المذاهب. فلو أن هذه الأوهام كانت حقيقة، لما استطاع هذا المذهب أن يصمد طويلا ، ولكان من المذاهب البائدة.

 

هل انتهى الأمر الاشعري على عقيدة أهل التسليم والتفويض؟

‏بين أيدينا رسالة مخطوطة بخط مغربي متأخر لمؤلف مشرقي هو أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس بعنوان "الذب عن الأشعري رحمه الله". لكن القارئ لهذه الرسالة يجد نوعا من التوجيه للإمام الأشعري وقراءة قسرية لاختياره المذهبي. حيث نجده يتبرأ من جميع كتاباته الكلامية ولا يقِرُّ له سوى كتاب الإبانة. يقول مؤلف هذه الرسالة في مقدمتها "فاعلموا معشر الإخوان وفقنا الله وإياكم للصراط المستقيم أن كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده وبما كان يدين الله سبحانه وتعالى بعد رجوعه عن الاعتزال . . . وكل مقالة تنسب إليه مما يخالف ما فيه فقد رجع عنها وتبرأ إلى الله سبحانه منها. كيف وقد نص فيه على أنه ديانته التي يدين الله سبحانه بها وروى وأثبت ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضين وقول أحمد بن حنبل ‏رضي الله عنهم أجمعين" (13).

 

‏والحقيقة أن من الأمور التي حيرت الباحثين والدارسين لشخصية الإمام الأشعري وتأليفه هو كتاب (الإبانة عن أصول الديانة) الذي قيل إنه ألفه من أجل أن يشتري به ود الحنابلة أو من أجل الوقاية منهم (14)‏.

 

ويرى الكوثري أن هذه الرسالة هي « على طريقة ‏المفوضة في الإمساك عن تعيين المراد وهو مذهب السلف وأراد بها انتشال المتورطين في أوحال التشبيه من الرواة والتدرج بهم إلى مستوى الاعتقاد الصحيح. . . .والنسخة المطبوعة في الهند من الإبانة نسخة مصحفة محرفة تلاعبت بها الأيدي الأثيمة فيجب إعادة طبعها ‏من أصل وثيق"(15).

 

‏أضف إلى ذلك أن مجموعة من المذاهب العقدية شككت في نسبة جميع كتاب الإبانة للشيخ الأشعري لما يتضمنه من تناقضات صارخة مع المعتقد الأشعري من جهة ومن العقيدة الإسلامية العامة فإثبات التجسيم، والجهة لله سبحانه، لا يمكن أن يكون من زلات رجل خبرعلم الكلام والمنطق والسجال والحجاج. فلا يعقل في نظر مجموعة من الباحثين أن يكون هذا الكتاب كله منسوبا للأشعري (16).

‏ويرى كل من غاردييه وقنواتي أن كتاب الإبانة في أصول الديانة "هو كتيب نتبين حدسا وتخمينا ما في سطوره من رعشة الهوى. ومن المؤسف أن الأشعري المناظر البصير بفنه لا يحسن التأليف"(17).

 

‏ ‏وعلى الرغم من هذه الملاحظة والملاحظات الأخرى التي أوردها الأستاذ عبد الرحمن بدوي حول عدم ثبت هذه الرسالة  في أثبات من أرخوا للأشعري (18)، ‏بالإضافة إلى تعليقات العديد من الباحثين ‏والمستشرقين على صحة نسبته للشيخ أبي الحسن، فإن العديد من التناقضات خلقتها هذه الرسالة، فمن جهة هناك توظيف إيديولوجي رهيب لها من قبل مجموعة من الحنابلة وعلى رأسهم ابن درباس السابق الذكر حيث حملوا شعار كونها آخر ما ألف الأشعري في حياته وبذلك تكون هي مستقره ومعتقده ومنتهاه. فتكون بذلك قد أحدثت قطيعة معرفية مع كل ما ألف هذا الرجل في المرحلة السابقة عليها. والى اليوم ما تزال الذريعة الوحيدة التي تحرك خصوم الفكر الأشعري هي نسبة هذه الرسالة إلى الإمام الأشعري. وهذا الموضوع في نظرنا يحتاج المزيد من التدقيق والتفصيل ليس هذا محل بسطه وأيا كان الأمر فإن الذي عليه الناس والعمل، أن الأشعري أشعري بالكتب التي تم تداولها وتمت صحة نسبتها لصاحبها. أما ما اختلف فيه الناس وتضاربت حوله الأقوال، فلا يصح أن يكون عمدة لأهل المذهب الاعتماد عليه، والاعتداد به.

 

هل الإمام الأشعري واضع علم الكلام ؟

‏في جل كتب العقيدة في الغرب الإسلامي التي تتصدى في بدايتها لحد علم الكلام وثمرته واسم واضعه.....تقف عند واضع ومؤسس علم الكلام. وتكاد تجمع على أنه هو الإمام الأشعري. على أن هذا الادعاء هو محض وهم، فعلم الكلام سابق في الوجود على الإمام الأشعري، وأن ظهوره وتبلوره كعلم عرف إرهاصاته الأولى مع الصراع الأول بين المسلمين حول الخلافة زمن علي كرم الله وجهه. كما أن تطوره سيكون بعيد ذلك، مع فرق الخوارج والشيعة والمرجئة. وسيعرف أوج تطوره مع المعتزلة.

 

‏وعلى هذا الأساس فلن يكون أبو الحسن الأشعري مؤسسا لعلم الكلام ولا واضعا له. لكن الفهم البسيط قد يحدد علم الكلام تحديدا سنيا ضيقا فيرفض كل الأوجه التي تمظهر بها هذا العلم وتطور مع الفرق والمذاهب الأخرى غير الأشعرية. ولقد هيمن هذا ‏التوجه في العديد من المؤلفات الأشعرية في الغرب الإسلامي حتى صار من الأوائل والمسلمات التي لا تستدعي التمحيص والتدقيق.

 

‏على أن المدققين من أواخر أشعرية الغرب الإسلامي، يقفون أحيانا وهم يقلقون، أو يحشون، أو يشرحون كلاما من هذا القبيل، يلمسون فيه شيئا من عدم التناغم والانسجام. ومن ذلك ما علق به البلغيثي بقوله " من أطلق أنه واضعه الأشعري غير ظاهر. فإن أريد أنه أول من دون فيه فغير ظاهر أيضا إذ ألف الإمام مالك (ض) رسالة قبل ولادة الأشعري . وإن أريد أنه أول من بسط الفن وألف فيه التصانيف المفيدة فمسلم ولكن هذا لا يقتضي أنه الواضع"(19).

 

‏إن هذا التخريج من أحد علماء المغرب المتأخرين إنما جاء للتعبير عن المفارقة التي وقع فيها أولئك الذين زعموا أن الشيخ الأشعري هو أول من وضع وألف في هذا العلم. ونحن نعتقد جازمين أن هؤلاء لم يذهبوا هذا المذهب، ولم يزكوا هذا الزعم والوهم عن جهل بسيرورة ظهور علم الكلام وتطوره في العالم الإسلامي بل إن ذاتيتهم هي التي تدخلت حين رفضت أن يكون هناك سابق عن الشيخ الأشعري ألف أو وضع في علم الكلام على الحقيقة . على اعتبار أن علم الكلام على الحقيقة لم يتجسد إلا مع الأشعرية وبذلك تكرس هذا الوهم وترسخ.

 

هل كان الأشعري مطعونا في عدالته ؟

‏في القرنين الرابع والخامس الهجريين لم يكن المذهب الأشعري قد ترسم في الغرب، الإسلامي، كل الغرب الإسلامي ، بل كان يعرف إرهاصات انتشاره بين العلماء، والنخبة المثقفة، ممن هاجر إلى المشرق واحتك بأحد أعلام المذهب هناك وعاد إلى بلاده شغوفا ومقتنعا بتعاليم المذهب، ومعتقده وثوابته ومرتكزاته، فما إن كان يعود إلى موطنه حتى يشرع في عملية نشره بين الناس. فما كاد القرن الخامس الهجري ينتصف حتى صار الخطاب الأشعري واسع الانتشار في هذه المنطقة كثير الأتباع المؤيدين. وحدث نقاش وسجال حقيقي بين الأشاعرة الجدد في الغرب الإسلامي، وأصحاب عقيدة التسليم والتفويض، من كبار المالكية هناك فوصل الأمر إلى التراشق بين الفريقين واللمز، ووصف كل طرف آخر بالأوصاف والنعوت الساقطة القبيحة. وأدى الأمر بالمحافظين من المالكية الذين كانوا على عقيدة أهل التفويض والتسليم، إلى وصف الأشاعرة بمن فيهم الأشعري بقادة حيرة وعماية وكفر ، وأنهم على ضلالة، ويخوضون في جهالة. فاختلط الأمر على العامة من الناس في أمر هذه النعوت والأوصاف. وهل من وصفوا بها هم كذلك ؟ ووصل الأمر إلى أمراء المسلمين من الدولة المرابطية، فاحتاروا هم بدورهم، فرفعوا السؤال إلى علماء الوقت وفقهاء الزمان ساعتها وكان أبو الوليد ابن رشد الجد على رأسهم. وجاء السؤال على الشكل التالي : "ما يقول الفقيه القاضي الأجل الأوحد أبو الوليد وصل الله توفيقه وتسديده ونهج إلى كل صالحة طريقه، في الشيخ أبي الحسن الاشعري، وأبي إسحاق الإسفرايني، وأبي بكر الباقلاني وابن فورك وأبي المعالي وأبي الوليد الباجي ونظرائهم ممن ينتعلون علم الكلام ويتكلم في أصول الديانات ويصنف للرد على الأهواء، أهم أئمة رشاد وهداية أم هم قادة حيرة وعماية ؟ ‏وما تقول في قوم يسبونهم ويستنقصونهم ويسبون كل من ينتمي إلى علم الأشعرية ويكفرونهم ويتبرأون منهم وينحرفون بالولاية عنهم ويعتقدون أنهم على ضلالة وخائضون في جهالة ؟ ‏فماذا يقال لهم وماذا يصنع بهم ويعتقد فيهم؟ أيتركون على أهوائهم أم يكف عن غلوائهم ؟ وهل ذلك جرحة في أديانهم ودخل في إيمانهم ؟ ‏وهل تجوز الصلاة وراءهم ؟ أم لا ؟ بين لنا مقدار الأئمة ‏المذكورين ومحلهم في الدين " (20).

 

‏وقد تولى ابن رشد الرد على جواب أمير المسلمين ‏المرابطي، فكان جوابه نافيا لكل الصفات الذميمة التي جاءت على لسان الخصوم والأعداء. والواقع أن أبا الوليد بن رشد لم يكن أشعريا، ومع ذلك فقد أظهر في إجابته انتصارا لأقطاب المذهب الأشعري، واعتبارهم أئمة خير وهدى، وممن يجب بهم الاقتداء؟ لأنهم قاموا بنصرة الشريعة ، وأبطلوا شُبَه الزيغ والضلالة، و أوضحوا المشكلات ، وبينوا ما يجب أن يدان به من المعتقدات بل إنه اعتبر أن كل من اعتبرهم على جهالة وضلالة غبي جاهل، أو مبتدع زائغ. ولذا وجب أن يبصر الجاهل منهم ، ويؤدب الفاسق ، ويستثاب ‏المبتدع الزائغ عن الحق (22).

 

‏واضح وجلي من هذا السؤال والجواب، أن الوهم الذي حاولت طائفة من الناس نشره وتكريسه عن شخصية الشيخ أبي الحسن الأشعري، لم يعمر طويلا في الغرب الإسلامي. فسرعان ما صار هو إمام أهل الغرب الإسلامي في العقيدة لا سيما مع الدولة الموحدية وما نهضت به من تشجيع هذا المذهب وقامت به من عمليات الترسيم، فصار بعيدا كل البعد عن الشبهات، وصار كلما ذكر اسمه إلا وأتبعته الترضية عليه، عملا بما درج أهل هذه المنطقة مع أئمة المذاهب، ورؤوسهم، والعلماء والصالحين .

 

الحنابلة وأوهام التجريح والقدح في شخصية الأشعري

‏عندما يشتهر شخص، ويعلو كعبه في ميدان من ‏ميادين الفكر، أو الفقه، أو العقيدة، يكثر خصومه ويزداد الطاعنون فيه. فتتعرض شخصيته للتشهير من طرف المنافسين، والخصوم الساخطين، فتسيل عليه السيول من النعوت القادحة والصفات الجارحة، والطعون في أخلاقه وعدالته، وورعه وتقواه ومواقفه. وهذا النوع من التدليس والتلبيس تمثل بشكل سافر في كتابات خصوم الإمام الأشعري من الحنابلة، مع وضوح في الأهداف ، وجلاء في الأغراض والغايات

 

‏هل الأشعري من حفدة أبي موسى الأشعري؟

يلتقي الشيخ أبو الحسن الأشعري مع الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري ويؤكد العديد من المؤرخين هذه النسبة، وأن أبا الحسن من حفدة ذاك الصحابي. على أن الحاقدين الطاعنين من الحنابلة نفوا هذه النسبة، وشككوا فيها، واعتبروا أبا الحسن مدلسا على الناس في هذه النسبة، وأن وراء فعلته هذه أغراضا دنيئة، تتمثل في التلبيس على الناس. فحتى وإن ادعى في نظرهم هذا النسب، فهو إما صادق مصدق ومع ذلك لا ينفعه ذلك لأن العديد من النبيئين والصالحين خرج من نطفهم ومن ذريتهم الكافرون. يقول الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد الأهوازي "فليس ما يدعيه ( أبو الحسن الأشعري) " نسبه بنافعه لأن الأنبياء والصديقين رضوان الله ‏عليهم أجمعين ولدوا الكفار وعبدة الأوثان(23) بل إنه يزيد ليرى أنه إن كان "ما يدعيه من نسبه زورا وبهتانا فقد لعنه النبي صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك ذلة وصغارا"(24).

 

‏والحقيقة أن هذا الطاعن في نسب الأشعري يأبى عليه إلحاقه بأي شكل من الأشكال بالنسب الأشعري لأبي موسى الأشعري فحتى ولو كان ذلك حقا فإنه لا يستحق ذلك. كل ذلك بهدف النيل من شخصيته، والطعن في أخلاقه، والقدح في شهرته، والتشكيك في ورعه وتقواه. بل إنه يعتبر أن كل هذا الطعن والسب ‏مسلك يحتسب به التواب والأجر من الله (25).

 

‏وقد تولى ابن عساكر الرد على هذا الوهم في كتابه "تبيين كذب المفتري فيما نَسَبَ- بفتحات ثلاث على البناء للمعلوم- لأبي الحسن الأشعري(26) وفصل في ‏ذلك القول تفصيلا.

 

‏ومن جهتنا وتعليقا على هذا الوهم، نقول إن المبدأ الذي نصدر منه نحن المسلمين هو أن الناس مصدقون في أنسابهم إلى أن يثبت العكس. والقيمة كل القيمة التي يتحلى بها المرء لا تكمن في نسبه وأرومه، بل في أفعاله وأقواله ومواقفه، وفي ما يترك للناس. فهذا هو الذي يعمل للمرء قيمته، ويكسبه بين الأنام شهرته. أما المزايدات التي يوردها خصوم الأشعري في هذا الجانب، ما هي في الواقع إلا مهاترات لا معنى لها، فلا تخدم إلا التخريب والهدم، ولا تقيم بين الناس إلا العداوة المجانية، والبغضاء والحقد الرخيص.

 

هل كان الأشعري ملحداً ؟

‏فمن الأمور التي يحار أمامها عقل البسطاء من الناس، أن يتهم الإمام أبو الحسن الأشعري بالإلحاد. فقد روى عنه خصومه الحنابلة أنه كان حاضرا في جنازة حفيلة وكان الحفار يقول "اللهم وسع له حفرته، ولقنه حجته، وبرد مضجعه، وهون عليه ما هو لاقيه" فقال الأشعري "وألعقه خراه" فلما قيل له إن هذا الكلام ‏كلام الملحدة. اعترف بأنه ولد ملحدا"(27).

 

‏بل إنه يزيد ليرى أن الأشعري وابن الراوندي الملحد سيّان، فكلاهما كان معتزليا ثم خرج عن الاعتزال إلى الإلحاد، ومظاهر الإلحاد بالنسبة لهؤلاء في الشيخ الأشعري هي أنه كان يتهاون بالشريعة، ويركب الفواحش، ويترك المفروضات، حتى قيل في رجلان كانا من المعتزلة خرجا عن المذهب فألحدا: ‏ابن الراوندي والأشعري(28).

 

‏أما أن يكون الأشعري ملحدا، فهذا وهم زائف، ومزايدة لا طائل من ورائها سوى القذف، والطعن المجاني. فيكفي هذا الرجل أنه كرس مجهوداته الفكرية والعقدية، في خدمة العقيدة الإسلامية، والدفاع عنها، ودفع شُبَه المارقين،وأهواء الخارجين عن الدين. وتآليفه في ذلك خير شاهد على ما نقول. أما أن يكون رديفا لابن الراوندي الملحد، فهذا غير صحيح بالمرة، لأن الأشعري قد تصدى في غير ما مناسبة من كتابه مقالات الإسلاميين لابن الراوندي الملحد، ووصفه باللعين. ومن الأمثلة الدالة على ما نقول، نورد هذا النص للشيخ الأشعري في الرد على ابن الراوندي الملحد ، حيث يقول : "وذكر ابن الراوندي أن طوائف من المنتحلين للتوحيد قالوا:لا يتم التوحيد لموحد إلا بأن يصف البارئ  سبحانه بالقدرة على ‏الجمع بين الحياة والموت والحركة والسكون، وأن يجعل الجسم في مكانين في وقت واحد ، وأن يجعل الواحد الذي لا ينقسم مائة ألف شيء من غير زيادة، وأن يجعل مائة ألف شيء شيئا واحدا من غير أن ينقص من ذلك شيئا ولا يبطله.

 

‏وقال إنهم وصفوا الباريء -سبحانه- بالقدرة على أن يخلق الدنيا في بيضة والدنيا على كبرها والبيضة على صغرها، وبالقدرة على أن يخلق مثله وأن يخلق نفسه، وأن يجعل المحدثات قديمة والقديم محدثا وهذا قول لم نسمع به ولا نرى أن أحدا يقوله. وإنما دله ‏اللعين ليعتقده من لا معرفة له ولا علم"(29).

 

‏علاوة على ذلك فقد ألف في الرد على ابن الراوندي الملحد كتابا يرد فيه عليه في مسألة ‏الصفات والقرآن(30).

 

‏وعليه فإن تهمة الإلحاد والمروق عن الدين، وتصنيف الإمام الأشعري في صف واحد مع الملاحدة والزنا دقة أمر مستنكر غير مقبول ولا يمكن لذي لب أن يقبله، أو يؤكده أو يوافق عليه. إلا أن الذي أشاع عنه هذه الدعاوي، أوردها وأكدها بحكايات شبيهة بتلك التي تنسب لجحا، أو لشخصيات شعبية لا يمكن لعقل بسيط أن يماثل بينها وبين شخصية الشيخ أبي الحسن الأشعري، ناهيك عن عقول المثقفين والعلماء. فهل يعقل أن يقول إمام من شهرة الأشعري في جنازة حفيلة مثل في ذاك القول، أو تصدر منه مثل هذه الحركة ؟

 

‏إننا نخلص من هذا الوهم الحنبلي أن الشيخ الأشعري كرس حياته للرد على شبه المبتدعين ودفع زيغ الزائغين، ومروق الكافرين، والحاد الملحدين. فلا يتأتى والحال هذه أن يكون من شاكلتهم، ومن طينتهم، أو يسلك في توجهه ما يسلكونه.

 

‏ نفي صفة علوم الدين عن الإمام الأشعري

‏يعمل هؤلاء الحنابلة على المزيد من تشويه سمعة الأشعري، والتشكيك في علمه فهم يعمدون إلى نفي صفة العلم الديني عنه، فهم يرون أنه وإن كان عالما ، فإن علومه لا تمت إلى علوم الدين بشيء. فهو في نظرهم لم يكن من علماء علوم القرآن، ولا من الفقهاء، ولا من علماء الحديث. بل يعملون على تصنيفه مع الفلاسفة، وعلماء الرياضيات، والمنطق، والزندقة.

 

‏وهذا الوهم الذي تردد بخاصة على لسان أحد خصوم الإمام الأشعري من الحنابلة، جاء مجملا في هذا القول: "فليس لهم مع الراء ذكر ولا مع الفقهاء ولا في أصحاب الحديث بل نجدهم في الصدر مع الفلاسفة، وأصحاب الهندسة، والمنطق والزندقة، ومع من يقول بالكفر والإلحاد وترك الكتاب والأثر، وركوب القياس والنظر" (31).

 

 وللمتأمل في هذا القول فسحة واسعة ‏للتكذيب، والرد، لأنه محض تخريف، وقول لا يطابق الواقع والحقيقة، ولا يقبله عقل عاقل. فلم يكن أبو الحسن الأشعري في يوم من الأيام من الفلاسفة، ولا من المقبلين عليها. بل كان من الرافضين لها. ولم تذكره كتب التاريخ والفهارس، عالما بالرياضيات والهندسة. وحتى لو كان كذلك، فذلك لا يقدح في شخصيته العلمية بأي حال من الأحوال. أما أن يكون من الداعين للنظر العقلي، فالقول محتاج إلى تفصيل. فالأشعري صحيح يقول بذلك. لكن بعد أن يكون النص الديني (الكتاب والأثر) قد أعطيت له الأولوية المنهجية والمعرفية.وهذا بيِّن في كتابات الأشعري والأشاعرة عموما. وهو منهجهم .

 

وحتى نخلص من وهم الطعن في عدالة الأشعري، نورد نصا لابن عساكر يقول فيه " روى أبو عمران موسى بن أحمد بن علي الفقيه.قال "سمعت أبي يقول : خدمت الإمام أبا الحسن بالبصرة سنين وعاشرته ببغداد إلى أن توفي رحمه الله فلم أجد أورع منه، ولا أغض طرفا. ولم أر شيخا أكثر حياء منه في أمور الدنيا ولا في أمور الآخرة"(32).

 

‏فكيف يعقل والحال هذه أن يكون الأشعري على صفات تقدح في عدالته، وتطعن في أخلاقه، وتشوه سلوكه ومواقفه؟ إن البسيط من الناس ليفهم أن ذلك الطعن لم يكن ولن يكون إلا بغرض تصفية مذهبية، وصراع مواقع. وإلا كيف يمكن في المقابل تبرير انتشار هذا المذهب في الأمصار والبقاع الإسلامية ومؤسسه أبو الحسن على ما يذهب إليه خصومه من قبيح الصفات ؟ إن لم يكن الأمر محض افتراء، وخالص كذب وبهتان، وصرف أوهام.

 

نسبة كتاب شجرة اليقين 

‏عندما يشتهرا لأعلام، وتفوق شهرتهم الآفاق، فيقبل الناس على كتبهم، ويشيع بين الناس نشر عدالتهم وورعهم وعلمهم، يستغل بعض الناس هذه الشهرة، فينحلون لأصحابها كتبا ليست من تأليفهم ويدسون لهم تأليفهم وهم منها برآء. ومن هذا نورد كتابا منسوبا بالوهم إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو كتاب "شجرة اليقين ونخلة نور سيد المرسلين وبيان حال الخلائق يوم الدين" زعم ناحله أنه من تأليف الشيخ العالم العلامة ‏أبي الحسن الأشعري رحمه الله.

 

‏يبتدئ الكتاب بما يلي : "الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير البرية محمد وآله أجمعين، أما بعد فقد جاء أن الله خلق شجرة ولها أربعة أغصان، فسماها شجرة اليقين، ثم خلق نور محمد صلى الله عليه وسلم في حجاب من درية بيضاء مثله كمثل الطاووس وضعها على تلك الشجرة فجعل يسبح عليها مقدار سبعين ألف سنة ثم خلق مرآة الحياة هو موضع استقباله فلما رأى الطاووس فيها صورة وضيئة فاستحيا من الله حق الحياء" (33).

 

‏وهذا الكتاب إذ ا ما تتبعناه وجدناه كتابا يعج بالأساطير الموضوعة، والصور الخيالية المبتدعة، التي تعمل على تقديم صورة معينة عن مسألة خلق الله للعالم، وتفاصيل عملية خلق آدم، ومكونات هذا الخلق. كما يتطرق الكتاب إلى تفاصيل تدبير الملائكة، مثل جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل ... وعلاقتهم بهذا التدبير إلى يوم القيامة. وخلق الموت، وملك الموت، وكيفية عمله. والشيطان وكيفية سلبه للإيمان . والقبر ونداء الروح، وخروجها والكرام الكاتبين وأحوالهم، وماهية الروح، وصور الحشر والبعث...

 

‏إن كتابا مثل هذا بهذه المضامين لم يرد ذكره في أي ثبت من الأثبات التي تؤرخ لكتب الأشعري، ولم يشر إليه أحد من قريب أو بعيد. علاوة على أن طريقة عرضه للمضامين، وكذا أسلوب العرض، لا يرقى إلى مستوى عالم من طينة الشيخ أبي الحسن الأشعري . أضف إلى ذلك أن الروح التي تؤسس لهذا الكتاب هي روح التشاؤم والقنوط، والارتماء في أحضان الأساطير، بنوع من اليأس والاستسلام، مما يجعل زمن تأليف هذا الكتاب غير زمن الأشعري.

 

‏ثم إن هذا الكتاب الذي أوردناه مثلا ، لا شك أن له أمثالا وأشباها منحولة إلى الأشعري، هدفها جميعها هو تكريس الوهم، وتلبيس الحقيقة، والتدليس على الشيخ وعلى سيرته المعرفية. فالغرض واضح يخدم هدفين في نفس الوقت، هما أن يتم التشويش على سيرة الرجل المعرفية من جهة، ومن جهة أخرى أن يكتب النجاح لكتاب من نوع آخر عن طريق نسبته إلى أحد الأعلام الكبار في العقيدة، والأمثال الشاهدة على ما نقول، كثيرة وفي حقول معرفية متنوعة ومختلفة.

 

‏إن ما طال شخصية أبي الحسن الأشعري من التشويه والتزوير، والأوهام لم ينل منه شيئا ، ولن ينال منه أي شيء. فقد بقي هذا المذهب:على مر العديد من القرون صامدا مستمرا في المسير، يتطور ويتقدم، ويغني الفكر الإسلامي، ويؤثث فضاءه العقدي ببديع الأفكار، وعظيم التصورات والمعتقدات. فلم يزد هذا التزوير، وذاك التشويه هذا الرجل ومذهبه إلا نجاحا، ولم يثن أتباعه عن المزيد من التعلق به والتمسك بمذهبه.

 

‏إن التوظيف الإيديولوجي للوهم أحيانا ينهض بدور الهدم، فينجح في ذلك، لكنه مع الشيخ الأشعري لم ينجح في ذلك، فقد ظل معول الهدم الإيديولوجي يستعمل في تخريب صورة الأشعري، وتقديم صورة قاتمة عنه على امتداد القرون والعصور، و إلى يومنا هذا . ومع ذلك ظلت صورة الأشعري كالصخرة، تواجه قرون الوعول الحانقة، التي سرعان ما تهن أمام قوة هذه الصخرة. وهذا يؤكد لنا من جديد أن العقيدة الأشعرية، والإمام الأشعري يشكلان ما ينفع الناس. وأما الأوهام، والتلبيسات، والتدليسات زبد زائل وذاهب لا محالة. فقد قال عزمن قائل:" فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" صدق الله العظيم.


الهوامش

1 ‏- الجز ولي : اختصار المباحث العقلية مخطوط نسخة يوسف احنانة ص 5

2 ‏- الهد اجي الدرعي : شرح أم البراهين مخطوط نسخة يوسف احنانة ص 31

3 ‏- لويس غاردييه وجورج فنواتي : فلسفة الفكر الديني في الإسلام بين الإسلام والمسيحية ترجمة صبحي الصالح وفريد جبر د‏ار العلم للملايين بيروت 1967 ‏ص 97

4 - السبكي طبقات الشافعية ج 2 ‏المطبعة الحسينية طبعة أولى ص 248

5 ‏- ابن عساكر: تبيين كذب المفتري

6 ‏- انظر محجوب بن ميلاد في سبل السنة الإسلامية دار بوسلامة للطباعة والنشر تونس 1962 ‏ص 37

7 ‏- الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد الأهوازي : مثالب ابن أبي بشر

Institut français de Damas. bulletin d’études orientales .tome23-1970

8- نفس المصدر السابق ونفس الصفحة

9 ‏-انظر بدوي (عبد الرحمن) مذاهب الإسلاميين الجزء الأول دار العلم للملايين بيروت 1971 ص499

10 ‏- نفس المصدرص 493

11 ‏- انظر نفس المصدر والصفحة

12 ‏- انظر حمودة غرابة: الأشعري (أبو الحسن) مطبعة الرسالة 1953 ‏ص 4

13 ‏-الذب عن الأشعري لأبي القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس مخطوط محمد احنانا/ تطوان /المغرب ص 1

14 ‏- ابن عساكر : تبيين كذب المفتري ص 388

15 ‏- نفس المصدر ص 28

16 ‏- انظر مثلا وهبي سليمان غاوجي : نظرة علمية في نسبة كتاب الإبانة جميعه إلى الإمام الجليل ناصر السنة أبي الحسن الأشعري/ دار ابن حزم / بيروت / لبنان ص 74 ‏وما بعدها .

17 ‏- لويس غاردييه وجورج فنواتي : فلسفة الفكر الديني في الإسلام بين الإسلام والمسيحية ترجمة صبحي الصالح وفريد جبر دار العلم للملايين بيروت 1967 ‏ص 99

18 - بدوي : مذاهب الإسلاميين ص 516

19 ‏-أحمد بن المامون البلغيثي العلوي: الابتهاج بنور الديباج.المطابع المصرية، مطبعة محمد أفندي مصطفى ج1 ص144.

20 ‏- فتاوى ابن رشد تحقيق المختار الطاهر التليلي /دار الغرب الإسلامي ج 2 ‏ص 803

21 ‏- نفس المصدر ص 805 ‏/ 804

 22 ‏- نفس المصدر ص 805

23 - الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد الأهوازي : مثالب ابن أبي بشر

 Institut français de Damas. bulletin d’études orientales .tome23-1970

24-نفس المصدر

25- نفس المصدر

26- ابن عساكر تبيين كذب المفتري ص 35

27-مثالب ابن أبي بشر

28-نفس المصدر

29-انظر تفصيل ذلك في عبد الأمير الأعسم : تاريخ ابن الريوندي الملحد دار الآفاق الجديدة بيروت 1975 ص52

30-أنظر بدوي مذاهب الإسلاميين ص 508

31- الأهوازي: نفس المصدر

32-ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ص141

33-مخطوط في ملكية محمد احنانا تطوان المغرب ص1

انتهى المقال

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء
facebook twitter youtube