الاثنين 29 جمادى الآخرة 1441هـ الموافق لـ 24 فبراير 2020
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

حضارة وادي درعة: المآثر المعمارية عبر العصور

وقد‭ ‬شهدت‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬حضارة‭ ‬معمارية‭ ‬ترتقي‭ ‬إلى‭ ‬العصور‭ ‬القديمة،‭ ‬ثم‭ ‬تمتد‭ ‬مسيرتها‭ ‬‭ ‬متقطعة‭ ‬‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭ ‬الإسلامية‭.‬

ومن‭ ‬ملامح‭ ‬ذلك‭ ‬الأطلال‭ ‬العتيقة‭ ‬الباقية‭ ‬على‭ ‬جنبات‭ ‬الوادي،‭ ‬حيث‭ ‬تتناثر‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬لكتاوة‭ ‬وتمنوكالت‭ ‬ونواحي‭ ‬زاكورة‭ ‬وغيرها،‭ ‬وعن‭ ‬الآثار‭ ‬الرومانية‭ ‬‭ ‬بالخصوص‭ ‬‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬الدعة(1)‭:‬

‮«‬وآثار‭ ‬الروم‭ ‬بهذا‭ ‬الوادي‭ ‬كثيرة‭ ‬جدا،‭ ‬ومن‭ ‬أعظمها‭ ‬وأشهرها‭ ‬وأبقاها‭ ‬على‭ ‬ممر‭ ‬الأعصار‭ ‬مدينتهم‭ ‬التي‭ ‬بين‭ ‬جبلي‭ ‬زاكورة،‭ ‬فإن‭ ‬أسوارها‭ ‬وأبراجها‭ ‬باقية‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهو‭ ‬سنة‭ ‬1143‭ ‬هـ‭ ‬‮»‬‭.‬

وبعد‭ ‬عصر‭ ‬هذا‭ ‬المصدر‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬‭ ‬لحد‭ ‬الآن‭ ‬‭ ‬بقايا‭ ‬من‭ ‬أطلال‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬مائلة‭ ‬فوق‭ ‬الربى‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬مدينة‭ ‬زاكورة‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬طريق‭ ‬تمكروت‭. ‬وعن‭ ‬مدينة‭ ‬درعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬يقول‭ ‬البكري(2)‭:‬

‮«‬مدينة‭ ‬درعة‭ ‬يقال‭ ‬لها‭ (‬تيومتين‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬قاعدة‭ ‬درعة،‭ ‬وهذه‭ ‬المدينة‭ ‬آهلة‭ ‬عامرة،‭ ‬بها‭ ‬جامع‭ ‬وأسواق‭ ‬جامعة،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬شرف‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬والنهر‭ ‬منها‭ ‬بقبليها‮»‬‭.‬

ويعلق‭ ‬مؤلف‭ ‬‮«‬طليعة‭ ‬الدعة(3)‮»‬‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬تيومتين‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬ويقول‭: ‬‮«‬لا‭ ‬أظنها‭ ‬‭ ‬في‭ ‬عرفنا‭ ‬والله‭ ‬أعلم‭ ‬‭ ‬إلا‭ ‬بلد‭ ‬تمتيح‭ ‬(4)،‭ ‬ويدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬آثار‭ ‬مدينة‭ ‬خالية‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬شرف‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬إلا‭ ‬أساس‭ ‬سورها‭ ‬وأبراجها‭ ‬وهما‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬من‭ ‬الكبر،‭ ‬ومقبرتين‭ ‬عظيمتين‭ ‬خارجها‭ ‬قد‭ ‬اندرستا‭ ‬تدلان‭ ‬على‭ ‬عمارة‭ ‬المدينة‭ ‬وكثرة‭ ‬الناس‭ ‬بها،‭ ‬وقد‭ ‬بنى‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬هذا‭ ‬‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منها‭ ‬‭ ‬قصبة‭ ‬بعض‭ ‬أشراف‭ ‬سجلماسة،‭ ‬ونزلوها‭ ‬وملكوا‭ ‬بها‭ ‬البساتين‭ ‬الكثيرة‮»‬‭.‬

وهذه‭ ‬القصبة‭ ‬الواردة‭ ‬آخر‭ ‬النص‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬عامرة‭ ‬حيت‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬ميمنة‭ ‬الطريق‭ ‬الذاهبة‭ ‬من‭ ‬زاكورة‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬تمكروت‭.‬

ومن‭ ‬الجدير‭ ‬بالملاحظة‭ ‬أن‭ ‬حديث‭ ‬البكري‭ ‬عن‭ (‬تيومتين‭) ‬وقع‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الهجري‭ ‬الخامس،‭ ‬والغالب‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬تراجعت‭ ‬بعد‭ ‬عصر‭ ‬البكري،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يرد‭ ‬اسمها‭ ‬عند‭ ‬الإدريسي(5)‭ ‬ولا‭ ‬عند‭ ‬مؤلف‭ ‬الاستبصار(6)،‭ ‬وهما‭ ‬‭ ‬معا‭ ‬‭ ‬من‭ ‬المائة‭ ‬الهجرية‭ ‬السادسة‭.‬

وقد‭ ‬صارت‭ ‬قاعدة‭ ‬درعة‭ ‬‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المائة‭ ‬‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ (‬حصن‭ ‬تازاكورت‭) ‬حسب‭ ‬ابن‭ ‬القطان(7)‭ ‬أو‭ (‬بلد‭ ‬تازاكورت‭) ‬حسب‭ ‬ابن‭ ‬الزيات(8)‭.‬

وسيختفي‭ ‬الإسمان‭ ‬‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬المتداولة،‭ ‬ليخلفهما‭ ‬‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الهجري‭ ‬الثامن‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬‭ ‬تيديسي‭ ‬‮»‬‭ ‬حسب‭ ‬ابن‭ ‬خلدون(9)،‭ ‬ومن‭ ‬العروف‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تيديسي‮»‬‭ ‬استمر‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬القرية‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬تاكمادارت‭ ‬شرق‭ ‬مدينة‭ ‬زاكورة‭ ‬الحالية،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الناحية‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬أطلال‭ ‬الآثار‭ ‬الرومانية‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬الإلماع‭ ‬لها‭. ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬تيديسي‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬موطن‭ ‬السعديين‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتصير‭ ‬لهم‭ ‬الدولة(10)‭.‬

ومع‭ ‬بزوغ‭ ‬عصر‭ ‬الشرفاء‭ ‬صار‭ ‬مركز‭ ‬ولاة‭ ‬المنطقة‭ ‬هي‭ ‬قصبة‭ ‬اغلان‭ ‬بمقربة‭ ‬من‭ ‬زاكورة،‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬قصبة‭ ‬تمنوكالت‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬شأن‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الفترة،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تشير‭ ‬له‭ ‬الأطلال‭ ‬الباقية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القرية‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬بمزجيطة‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬أكدز‭.‬

وقصبة‭ ‬اغلان‭ ‬‭ ‬بدورها‭ ‬‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تجاورها‭ ‬أطلال‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬قصر‭ ‬الأمير‭ ‬العلوي‭ : ‬الشريف‭ ‬اسماً‭ ‬بن‭ ‬اسماعيل،‭ ‬والي‭ ‬درعة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدولة‭ ‬الإسماعيلية،‭ ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬ترجمته(11)‭ ‬أنه‭ ‬أنشأ‭ ‬‭ ‬بأغلان‭ ‬برسم‭ ‬سكناه‭ ‬‭ ‬دارا‭ ‬شامخة‭ ‬البناء،‭ ‬واسعة‭ ‬الفناء،‭ ‬مزخرفة‭ ‬الجدران‭ ‬والأبواب،‭ ‬بألوان‭ ‬الأصبغة‭ ‬الجميلة‭ ‬وبديع‭ ‬النقوش‭ ‬على‭ ‬الجبس،‭ ‬فكأنها‭ ‬الروضة‭ ‬في‭ ‬أزهارها،‭ ‬والعروس‭ ‬في‭ ‬عطورها،‭ ‬يعلوها‭ ‬متنزه‭ ‬صاعد‭ ‬في‭ ‬الجو،‭ ‬بهي‭ ‬المنظر،‭ ‬مشرف‭ ‬على‭ ‬البسائط‭ ‬والآكام،‭ ‬وقد‭ ‬أثارت‭ ‬مباهج‭ ‬هذه‭ ‬الدار،‭ ‬إعجاب‭ ‬شاعر‭ ‬معاصر‭ ‬فقال‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬قصيدة‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الدار‭:‬

عليّ‭ ‬بديع‭ ‬الحسن‭ ‬أشرق‭ ‬في‭ ‬داري

وأخجل‭ ‬من‭ ‬إشراقه‭ ‬يُوحَا‭ ‬والزهرا

ولـي‭ ‬منــزه‭ ‬كــالـمشتري‭ ‬في‭ ‬سعــوده

ومنظره‭ ‬الأسنـــى‭ ‬وطلعتــــه‭ ‬الغـــرا

لدي‭ ‬فسرح‭ ‬طــرف‭ ‬طــرفــك‭ ‬رائــدا

نسخـت‭ ‬بديعــا‭ ‬كـان‭ ‬في‭ ‬البلـدة‭ ‬الحمــرا

فلــم‭ ‬أبـق‭ ‬ذكــرا‭ ‬للقصــور‭ ‬بــأسرهــا

وفقت‭ ‬نسيــم‭ ‬النسر‭ ‬والــورد‭ ‬والشقــرا

وبعد‭ ‬هذه‭ ‬الأطلال‭ ‬الباقية‭ ‬في‭ ‬قصبتي‭ ‬أغلان‭ ‬وتمنوكالت،‭ ‬ننتقل‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬لكتاوة‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬تاكونيت،‭ ‬وكانت‭ ‬–‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬–‭ ‬تتوفر‭ ‬على‭ ‬مركز‭ ‬إداري‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬وبالضبط‭ ‬عند‭ ‬أواسط‭ ‬العصر‭ ‬السعدي،‭ ‬وستتأدى‭ ‬لنا‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬نقد‭ ‬مغربي‭ ‬سكه‭ ‬القائم‭ ‬ابن‭ ‬أبي‭ ‬محلي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬بالذات،‭ ‬وقد‭ ‬كتب‭ ‬عليه‭: ‬‮«‬ضرب‭ ‬بلكتاوة‭ ‬حرسها‭ ‬الله،‭ ‬عام‭ ‬إحدى‭ ‬وعشرين‭ ‬وألف‮»‬(12)‭.‬

وبعد‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1040‭ ‬هـ،‭ ‬سيزور‭ ‬درعة‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬الحج‭ ‬–‭ ‬رحالة‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬مراكش‭: ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬القيسي‭ ‬الشهير‭ ‬بالسراج،‭ ‬والمعروف‭ ‬بابن‭ ‬مليح،‭ ‬وقد‭ ‬دون‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الوجهة‭ ‬الحجازية‭ ‬رحلة‭ ‬باسم‭: ‬‮«‬أنس‭ ‬الساري‭ ‬والسارب‭ ..‬(13)‮»‬،‭ ‬وفيها‭ ‬يسجل‭ ‬ارتساماته‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الواحة،‭ ‬ويذكر‭ ‬ببعض‭ ‬معمارياتها‭ ‬وسكانها‭ ‬حسب‭ ‬الفقرة‭ ‬التالية‭:‬

‮«‬ثم‭ ‬نزلنا‭ ‬بلاد‭ ‬درعة،‭ ‬محل‭ ‬سكون‭ ‬ودعة،‭ ‬جعله‭ ‬الله‭ ‬محفوف‭ ‬الجناب،‭ ‬مأمونا‭ ‬من‭ ‬المخاوف‭ ‬في‭ ‬المال‭ ‬والرقاب،‭ ‬يا‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬واد‭ ‬ما‭ ‬أحسنه،‭ ‬ومنزل‭ ‬خصب‭ ‬ما‭ ‬أطيبه،‭ ‬وسكانه‭ ‬رقاق‭ ‬القلوب،‭ ‬وغيوث‭ ‬الجدوب،‭ ‬محبون‭ ‬لمن‭ ‬ينتسب‭ ‬لعلام‭ ‬الغيوب،‭ ‬كرام‭ ‬السجايا،‭ ‬رحاب‭ ‬العطايا،‭ ‬ضاعف‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬نعماءه،‭ ‬ووالى‭ ‬عليه‭ ‬آلاءه‭.‬

فأول‭ ‬منزلة‭ ‬منه‭ ‬مزجطية‭ ‬بإزاء‭ ‬قصبة‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬ناصر،‭ ‬فقام‭ ‬صانه‭ ‬الله‭ ‬بضيافة‭ ‬الركب،‭ ‬وأنزلهم‭ ‬منه‭ ‬منزلا‭ ‬رحب،‭ ‬فأقام‭ ‬لديه‭ ‬الركب‭ ‬يوما،‭ ‬فأكرمهم‭ ‬بأنعم‭ ‬عماً،‭ ‬ثم‭ ‬لتابرنوست‭ ‬حل‭ ‬الركب‭ ‬بها‭ ‬يوم‭ ‬سوقها،‭ ‬ثم‭ ‬لزاوية‭ ‬سيدي‭ ‬موسى،‭ ‬ثم‭ ‬لقصبة‭ ‬السلطان‭: ‬تينزولين،‭ ‬ثم‭ ‬لتن‭ ‬اردن‭: ‬زاوية‭ ‬المرابط‭ ‬الخير‭ ‬الدين‭ ‬البركة،‭ ‬الميمون‭ ‬السكون‭ ‬والحركة‭ ‬سيدي‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬محمد،‭ ‬فتلقاهم‭ ‬بالبشر‭ ‬المبذول،‭ ‬وحمد‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬الإلمام‭ ‬به‭ ‬والنزول،‭ ‬وقدم‭ ‬من‭ ‬ضيافته‭ ‬ما‭ ‬جل،‭ ‬وأرضى‭ ‬به‭ ‬الكل،‭ ‬فيا‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬سيد‭ ‬ارتدى‭ ‬من‭ ‬السيادة‭ ‬رداء‭ ‬جميلا،‭ ‬ومن‭ ‬فاضل‭ ‬ما‭ ‬أحسن‭ ‬شمائله‭ ‬جملة‭ ‬وتفصيلا،‭ ‬ثم‭ ‬لموضع‭ ‬يعرف‭ ‬باستور،‭ ‬على‭ ‬الوادي‭ ‬المذكور،‭ ‬ثم‭ ‬لموضع‭ ‬يعرف‭ ‬بتجمدارت،‭ ‬وقاه‭ ‬الله‭ ‬الآفات،‭ ‬ثم‭ ‬لزاوية‭ ‬المرابطين‭ ‬الأنجاد،‭ ‬أولي‭ ‬الفضل‭ ‬والرشاد‭ ‬ذرية‭ ‬السيد‭ ‬الصالح،‭ ‬القدوة‭ ‬الناصح،‭ ‬سيدي‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬إبراهيم‭ ‬التمجروتي(14)،‭ ‬فخيم‭ ‬الركب‭ ‬بفنائهم‭ ‬يومين،‭ ‬في‭ ‬كرامة‭ ‬وقرة‭ ‬عين،‭ ‬ثم‭ ‬لبني‭ ‬علي‭ ‬بإزاء‭ ‬زاوية‭ ‬المرابط‭ ‬القدوة،‭ ‬الشهير‭ ‬البركة‭ ‬والحرمة،‭ ‬سيدي‭ ‬عبد‭ ‬العالي(15)،‭ ‬صانه‭ ‬الله‭ ‬فأكرم‭ ‬مثواه،‭ ‬وأحسن‭ ‬مرعاه،‭ ‬فركب‭ ‬–‭ ‬صانه‭ ‬الله‭ ‬–‭ ‬بغلته،‭ ‬وشد‭ ‬حزامه‭ ‬وعصابته،‭ ‬مع‭ ‬نفر‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬تامجروت،‭ ‬فسلكوا‭ ‬بالركب‭ ‬في‭ ‬وعر‭ ‬بين‭ ‬جبلين،‭ ‬يقال‭ ‬له‭ ‬خنك‭ ‬الكتاوة،‭ ‬حرصا‭ ‬عليه‭ ‬واتقاء‭ ‬أن‭ ‬يصيبه‭ ‬مكروه‭ ‬من‭ ‬طائفة‭ ‬من‭ ‬اللصوص‭ ‬تجتمع‭ ‬فيه‭ ‬غالبا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قطعوا‭ ‬الوعر،‭ ‬فحلوا‭ ‬ببني‭ ‬حيون‭ ‬بلكتاوة،‭ ‬فأقام‭ ‬هنالك‭ ‬الركب‭ ‬ثمانية‭ ‬أيام،‭ ‬في‭ ‬نعمة‭ ‬هنية،‭ ‬وعيشة‭ ‬مرضية،‭ ‬لانتظار‭ ‬رسول‭ ‬الملك،‭ ‬ثم‭ ‬لبني‭ ‬مسنان،‭ ‬فمن‭ ‬ثم‭ ‬تأهب‭ ‬الركب‭ ‬للمسير،‭ ‬وشدوا‭ ‬الأزر‭ ‬لقطع‭ ‬الصحاري‭ ‬وركوب‭ ‬البعير،‭ ‬وفيه‭ ‬يقال‭:‬

ولقد‭ ‬جرى‭ ‬يوم‭ ‬النوى‭ ‬دمعي‭ ‬دما

حتى‭ ‬لقال‭ ‬الصحب‭ ‬أنك‭ ‬فان

والله‭ ‬إن‭ ‬سمح‭ ‬الزمان‭ ‬بقربنا

لكففت‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬النوى‭ ‬وكفان

ثم‭ ‬لموضع‭ ‬يعرف‭ ‬بالمنكوب‭ ‬شعب‭ ‬كثير‭ ‬الآبار،‭ ‬ومحل‭ ‬إقامة‭ ‬وقرار،‭ ‬ذي‭ ‬مياه‭ ‬عذبة،‭ ‬ومراع‭ ‬خصبة،‭ ‬ثم‭ ‬منه‭ ‬لموضع‭ ‬بعل،‭ ‬لا‭ ‬ماء‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬نخل،‭ ‬ثم‭ ‬لمورد‭ ‬يقال‭ ‬له‭ ‬زكد،‭ ‬غدير‭ ‬تحت‭ ‬عصف‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬مرتفعة‭ ‬عذب‭ ‬ماؤه،‭ ‬حلو‭ ‬مذاقه،‭ ‬ثم‭ ‬بعده‭ ‬مرحلتين‭ ‬صحرا،‭ ‬وزيزار‭ ‬قفر،‭ ‬ثم‭ ‬مورد‭ ‬يقال‭ ‬له‭ ‬الحمير،‭ ‬ويعرف‭ ‬بالدورة،‭ ‬ينحدر‭ ‬إليه‭ ‬ماء‭ ‬وادي‭ ‬تافيلالت‭ ‬كثير‭ ‬الرعي‭ ‬والكلأ،‭ ‬ثم‭ ‬لبئر‭ ‬يعرف‭ ‬بأبي‭ ‬العظام‭ ‬بإزاء‭ ‬شعبة‭ ‬عمقها‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬بعيد‭ ‬المرام،‭ ‬هناك‭ ‬التقينا‭ ‬بالقائد‭ ‬جوهر‭ ‬مملوك‭ ‬السلطان،‭ ‬ثم‭ ‬مرحلتان‭ ‬صحرا،‭ ‬لا‭ ‬ماء‭ ‬بها‭ ‬يرى‮»‬‭.‬

وإلى‭ ‬هنا‭ ‬تنتهي‭ ‬فقرة‭ ‬‮«‬أنس‭ ‬الساري‭ ‬والسارب‮»‬،‭ ‬ونذكر‭ ‬–‭ ‬بعدها‭ ‬–‭ ‬أن‭ ‬ولاية‭ ‬درعة‭ ‬قبل‭ ‬التقسيم‭ ‬الإداري‭ ‬الحديث،‭ ‬كانت‭ ‬تخضع‭ ‬إلى‭ ‬تجزئة‭ ‬قديمة‭ ‬توزع‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬ستة‭ ‬أخماس،‭ ‬كل‭ ‬خمس‭ ‬يمثل‭ ‬مقاطعة،‭ ‬وتبتدي‭ ‬العملية‭ ‬من‭ ‬مقاطعة‭ ‬أكدز،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬إسم‭:‬

  • ‮«‬خمس‭ ‬مزكيطة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬راس‭ ‬الحجر‭.‬
  • ثم‭ ‬‮«‬خمس‭ ‬تينزولين‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أزلاك‭.‬
  • ثم‭ ‬‮«‬خمس‭ ‬ترناتة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬زاكورة‭.‬
  • ثم‭ ‬‮«‬خمس‭ ‬فزواطة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الخنك‭.‬
  • ثم‭ ‬‮«‬خمس‭ ‬لكتاوة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ابن‭ ‬سلمان‭.‬
  • وأخيرا‭ : ‬‮«‬خمس‭ ‬المحاميد‮»‬(16)‭.‬

 

(1) ‭ ‬اسمها‭ ‬الكامل‭ :‬(طليعة‭ ‬الدعة،‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬وادي‭ ‬درعة)‭ ‬تأليف‭ ‬محمد‭ ‬المكي‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬الناصري‭ ‬ح،‭ ‬ع‭ ‬،‭ ‬د‭ ‬3786 ‭- ‬أول‭ ‬مجموع‭ ‬ص‭ ‬6‭.‬

(2)‭  ‬(‬كتاب‭ ‬المغرب)‭ ‬ط‭ ‬الجزائر‭ ‬سنة‭ ‬1857 ‭- ‬ص‭ ‬155‭.‬

(3)‭  ‬ص‭ ‬3‭‬

(4)‭  ‬ينطق‭ ‬بها –‭ ‬الآن‭ ‬–‭ ‬بالكاف‭ ‬الساكنة‭ ‬أخيرا‭ ‬مع‭ ‬كسر‭ ‬التاءين‭ ‬وسكون‭ ‬الميم‭.‬

(5)‭  ‬القطعة‭ ‬المنشورة‭ ‬من‭)  ‬نزهة‭ ‬المشتاق) ‭ ‬بعنوان‭ : ‬وصف‭ ‬إفريقيا‭ ‬الشمالية‭ ‬والصحراوية،‭ ‬الجزائر‭ ‬ص38.

(6)‭  ‬مطبعة‭ ‬جامعة‭ ‬الإسكندرية‭ ‬–‭ ‬ص‭ .‬206 – 207 ‬

‭(‬7‭)  ‬جزء‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬(نظم‭ ‬الجمان)،‭ ‬ط‭  ‬تطوان‭ ‬–‭ ‬ص ‭ ‬.195  ‬

‭(‬8‭)  ‬ا‭) ‬التشوف‭ ‬إلى‭ ‬رجال‭ ‬التصوف)،‭ ‬نشر‭ ‬معهد‭ ‬الأبحاث‭ ‬العليا‭ ‬المغربية‭ ‬بالرباط‭ ‬–‭ ‬ص‭ ‬.137 ‬

(9)‭  ‬( ‬العبر)،‭ ‬نشر‭ ‬دار‭ ‬الكتاب‭ ‬اللبناني‭ ‬–‭ ‬مج‭ ‬6‭ ‬ص‭ ‬134،‭ ‬وقد‭ ‬وردت‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬المطبوع‭ ‬باسم‭ ‬)‭ ‬تادنست)‭ ‬،‭ ‬وتصحيحها‭ ‬باسم‭) ‬تيدسي)‭ ‬من‭ ‬المخطوطة‭ ‬الباريسية‭.‬

(10)‭  ‬أنظر‭ ‬التعليق‭ ‬رقم‭ ‬.41 ‬

(11)‭  ‬(الدرر‭ ‬المرصعة)‭ ‬لمحمد‭ ‬المكي‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬الناصري،‭ ‬خ‭ ‬،‭ ‬ع‭ ‬،‭ ‬ك‭ ‬265،‭ ‬ص‭ .‬167 – 169 ‬

(12)  J.D. Bretkes : Contribution à l’Histoire du Maroc… page 211

(13)  مطبعة‭ ‬محمد‭ ‬الخامس‭ ‬الثقافية‭ ‬والجامعية‭ ‬بفاس‭ ‬–‭ ‬ص 26 - 28.

(14)‭  ‬الغالب‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬ذرية‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬الحاج‭ ‬الأنصاري‭ ‬مؤسس‭ ‬ ( زاوية‭ ‬سيد‭ ‬الناس )‭ ‬بتمكروت،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬يشير‭ ‬لها‭ ‬النص،‭ ‬وانظر‭ ‬عن‭ ‬ترجمة‭ ‬أبي‭ ‬إسحاق‭ ‬الأنصاري‭: ‬االدرر‭ ‬المرصعةب‭ ‬ص‭‬125 - 126.

(15)‭  ‬الظاهر‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬المترجم‭ ‬في‭ ‬ (الدرر‭ ‬المرصعة)‭ ‬ص 223-224.

(16)‭  ‬ورد‭ ‬ذكر‭ ‬هذه‭ ‬التجزئة‭ ‬بخط‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬المخطوطة‭ ‬السالفة‭ ‬الذكر‭ ‬من‭ ‬طليعة‭ ‬الدعة‭ ‬–‭ ‬ص‭ ‬2،‭ ‬وورد‭ ‬ذكر‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأخماس‭ ‬–‭ ‬بمفرده‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬(الدرر‭ ‬المرصعة)‭ ‬ص‭ ‬20‭ ‬و154،‭ ‬217،‭ ‬وفي‭ ‬(طلعة‭ ‬المشتري)‭ ‬لأحمد‭ ‬بن‭ ‬خالد‭ ‬الناصري،‭ ‬ط،‭ ‬ف‭ ‬–‭ ‬ج‭ ‬1‭ ‬ص‭ ‬160‭ ‬و166‭ ‬و171‭ ‬مع‭ ‬ج‭ ‬2‭ ‬ص‭ ‬10،‭ ‬وانظر‭ ‬ (الرياحين‭ ‬الوردية)‭ ‬لمحمد‭ ‬المكي‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬الناصري،‭ ‬خ‭ ‬،‭ ‬ع،‭ ‬ج‭ ‬88،‭ ‬ضمن‭ ‬مجموع‭ ‬–‭ ‬ص‭ ‬.82‭ ‬

للاطلاع أيضا

محمد الـمنوني: حضارة وادي درعة من خلال النصوص والآثار

حضارة وادي درعة: الهوامش

حضارة وادي درعة: ملحق نـماذج من مخطوطات الـخزانة، ثانيا: مخطوطات أخرى مهمة

حضارة وادي درعة: ملحق نـماذج من مخطوطات الـخزانة، أولا: أصول علمية

حضارة وادي درعة: ملحق نـماذج من مخطوطات الـخزانة

حضارة وادي درعة: دار الكتب الناصرية

حضارة وادي درعة: النشاط الثقافي في المائة الحادية عشرة هـ

حضارة وادي درعة: النشاط الثقافي في المائة العاشرة هـ

حضارة وادي درعة: النشاط الثقافي عبر ثلاثة قرون : 7 – 9 هـ

حضارة وادي درعة: النشاط الثقافي خلال القرنين 5 – 6 هـ

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد خالد بن الوليد بمدينة أكادير
facebook twitter youtube