وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

كلمة السيد محمد يسف في ندوة السلفية ..تحقيق المفهوم وبيان المضمون

تقدم  د.محمد يسف الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى بكلمة افتتاحية في ندوة السلفية ..تحقيق المفهوم وبين المضمون، المنعقدة بالرباط بتاريخ 12 جمادى الآخر 1436هـ الموافق لـ 02 أبريل 2015.

كلمة السيد محمد يسف في ندوة السلفية ..تحقيق المفهوم وبين المضمون

 نص كلمة د.محمد يسف الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى في افتتاح ندوة السلفية .تحقيق المفهوم وبين المضمون:

عندما تتعرض الحقائق–أيا كان سبيلها – للانتهاك والتحريف،وسوء التوظيف، ولا سيما اذا كانت من جنس ما يتأذى بتحريفه وتزويره ايمان المومنيين، وورع المتقين، وينساق دهماء الناس وغوغاؤهم وراء كل ناعق به، فإن الخائفين على عقد الأمة من الانتثار ينتفضون غيرة، ويغضبون حمية وانتصار للشرعية وتحقيق الحق وازهاق الباطل، ودرءا للمفاسد واستجلابا للمصالح، بالتربية والتهذيب والتقويم حينا، وبالحجة الدامغة والحكمة البالغة حينا آخر، تذكيرا وتبصيرا وتنويرا وتوجيها وتفقيها (ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة).

وإن الزمان الذي تدور على الناس اليوم رحاه، يمور مورا بالفتن المتلاحقة تلاحق الموج في بحر لجي مضطرب هائج،لا يقر للملاحة فيه قرار ولا استقرار، وهذه الفتن التي يأخذ بعضها برقاب بعض لم تحدت صدفة بل أمر دبر بليل، من ورائها محرك يحركها،وصناع في الخفاء يصنعونها، ثم يلقون به بيئات صالحة لاحتضانه، فيتلقفها من أغمار الناس وسذاجهم، وممن في قلوبهم مرض–كذلك-يحسبونه لقطة وغنيمة فإذا هو ثعبان مبين، وشيطان مريد لا يدرون من أين يمسكونه ولا كيف يديرونه.

ذلك هو حال المسلمين اليوم في أوطانهم ومجتمعاتهم  مع كثرة الداعين والمبشرين. مما ينسبونه الى دين الله افتراء على الله، تنطعا و جهلا وجرأة واستهتارا وسعيا في الأرض بالفساد والإفساد، وضربا لوحدة الأمة في الصميم، و الزج بها في صراعات داخلية تزيدها وهنا على وهن، وتشل حركتها العلمية، و تجهز على حظوظها في النهضة والانبعاث والتقدم.

فها هي خير أمة –مع تسامح كبير-تشاهد اليوم بأم عينها، ما حذرها من الوقوع في كتاب ربها سبحانه إن هي تنكبت الصراط المستقيم،واتبعت سبيل غير المومنيين في قوله من قائل: (و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه،ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).

قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس في قوله: ((ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله))، أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم انه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله .

وقال الإمام أحمد بن حنبل، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده، تم قال: (هذا سبيل الله مستقيما ))، وخط عن يمينه و شماله، ثم قال: ((هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو اليه ))، ثم قرأ: (و أن هذا صراطي مستقيما ....)الآية.

إن السبل الكثيرة المرفوعة اليوم راياتها باسم الإسلام ما هي إلا نماذج من هاتيك السبل المفرقة التي على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها .

ومن الشعارات التي وقع إنزالها بكثافة في دنيا الإسلام، وتردد صداها، شعار((السلفية)) و هو في أصله بريء كل البراءة من أي شبهة، إذا ذكره الذاكرون و تداعت أمام أعينهم، وتمثل في مرآة ذاكرتهم، صورة الرعيل الأول التقي النقي في عقيدته وعبادته ومعاملاته، صورة مجردة من أي عنوان مصطنع إلا عنوانا واحدا: هو الإسلام ببساطته وسماحته، ويسره واعتداله، وعفوه ورحمته التي وسعت كل شيء.

ثم مضى زمن خير أمة أخرجت للناس حقا وصدقا، وشق الإسلام طريقه في الآفاق، لا يقف في وجهه شيء، فدخل فيه أقوام مختلفون في أجناسهم وألسنتهم و ألوانهم، وفي ثقاتهم وأعرافهم وتقاليدهم، لم يضق صدره بهذا التنوع الذي قامت ي ظله حضارة تمثلت بها إبداعات الإنسانية وعبقريتها.

و بينما كان هذا النموذج الديني العالمي يتشكل رويدا رويدا، كانت حواضر الإسلام تعرف نقاشات بين العلماء حول قضايا فلسفية فكرية ودينية وسياسية وأخلاقية، الفصل بها للحجة و الدليل والبرهان، وفي وهج هذا النقاش الصاخب بدأت تظهر بعض المصطلحات، من ضمنها مصطلح (( السلف )) علامة على الفريق الذي اعتمد الدليل النقلي  في مناظرات خصومه في مقابل مصطلح (( الخلف )) الذي استعمل الدليل العقلي في محاجاته، وبدا في أول الأمر وكأن الكفة تميل لصالح التيار العقلي، لما اصطنعه ي محاجاته من تقنيات فلسفية منطقية، غير أن الأمر انقلب سريعا، عندما دخل حومة النقاش فريق جديد،  طور منهجه الجدلي بمستندات النقل و العقل معا، وهو التيار الذي أصبح يدعى بالمذهب الأشعري الذي تصدى لمكافحة الاعتزال بآلياته وأدواته القاهرة، التي حققت للسنة نصرا كاسحا وفتحا مبينا .

قال القاضي أبو بكر ابن العربي وهو يتحدث عن الفرق التي أخذت على نفسها كيد الإسلام بالطعون فيه، والافتراءات عليه: (( وقد جاء الله بطائفة عاصمة تجردت لهم، وانتدبت بتسخير الله وتأييده للرد عليهم من أعيان الأئمة، إلا أنهم لم يكلموهم بلغتهم ولا ردوا عليهم بطريقتهم، وإنما ردوا عليهم وعلى إخوانهم المبتدعة بما ذكره الله في كتابه، وعلمه لنا على لسان رسوله، فلما لم يفهموا تلك الأغراض بما استولى على قلوبهم من صدإ الباطل طفقوا يهزأون من تلك العبارات و يطعنون في تلك الدلالات وينسبون قائلها إلى الجهالات فانتدب للرد عليهم بلغتهم ومقارعتهم بسلاحهم، والنقض عليهم بأدلتهم أبو احمد الغزالي فأعاد فيما أفاد، وأبدع في ذلك ما أراد الله وأراد، وبلغ في فضيحتهم المراد، فافسد قولهم من قولهم و ذبحهم بمداهم )) (العواصم :78)

وقال في نفس السياق : (( ولم يتعرض لحماية الدين إلا آحاد اختارهم الله له، ونصبهم للذب عنه، فأولهم أبو الحسن الأشعري، و تواتر بعده الأصحاب في الأحقاب على الأعقاب، و حفظ الله دينه )).

وقد سجل التاريخ للقاضي أبي بكر ابن العربي مقولة لازالت الأيام تظهر صدقها، وإذ نقرؤها اليوم نشعر وكأنها قيلت في شأن عصرنا هذا الذي نعيش فيه، وهي قول :إن الكائدين للإسلام كثير، و المقصرون فيه كثير، وأولياؤه المنشغلون به قليل ....)) (( وممن كاده الظاهرية، وهم طائفتان إحداهما المتبعون للظاهر في العقائد والأصول ؛ والثانية : المتبعون للظاهر في الأصول ؛

و كلا الطائفتين في الأصل خبيثة، وما تفرع عنهما خبيث مثلهما، فالولد من غير نكاح لغية، و الحية لا تلد إلا حية .

و هذه الطائفة الآخذة بالظاهر في العقائد هي في طرف التشبيه كالأولى في التعطيل ....)).

ثم استعرض أمثلة من غريب أقوالهم وعجيب تفسيرهم في معاني بعض الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، كقوله سبحانه : ( الرحمن على العرش استوى) قالو إنه جالس عليه، متصل به وأنه أكبر منه بأربع أصابع لأنه لا يصلح أن يكون أصغر منه لأنه العظيم، ولا يكون مثله لأنه ( ليس كمثله شيء ) بل هو اكبر منه بأربع أصابع . قال ابن العربي : (( ولقد اخبرني جماعة من أهل السنة بمدينة السلام أنه ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري الصوفي من نيسابور، فعقد مجلسا للذكر، وحضر فيه كافة الخلق، وقرأ القارئ ( الرحمن على العرش استوى ) قال لي اخصهم : رأيت –يعني الحنابلة- يقومون في أثناء المجلس ويقولون : قاعد قاعد، بأرفع صوت وأبعده مدى، وثار إليهم أهل السنة من أصحاب القشيري، ومن أهل الحضرة، و تثاور الفئتان وغلبت العامة أحجروهم المدرسة النظامية وحصروهم فيها، فرموهم بالنشاب، فمات منهم قوم ....))

وقالوا : إن الله يتكلم بحرف وصوت، وأنه ذو يد وأصابع،وساعد وذراع، وخاصرة وساق، ورجل يطأ بها حيث شاء، و أنه يضحك و يمشي ويهرول .

قال القاضي ابن العربي : (( وأخبرني من أثق به من مشيختي أن أبا يعلى محمد بن الحسين الراء، رئيس الحنابلة ببغداد، كان يقول إذا ذكر الله تعالى و ما ورد من هذه الظواهر في صفاته يقول (( الزموني ما شئتم، فإني التزمه إلا اللحية، والعورة ...(( و يعلق القاضي على أصحاب هدا المذهب يقول: (( إنهم عصبة عصية عن الحق، وعصبية على الخلق، ولو كانت لهم أفهام ورزقوا معرفة بدين الإسلام لكان لهم في أنفسهم وازع، لظهور التهافت على مقالاتهم، وعموم البطلان لكلماتهم،ولكن الفدامة استولت عليهم، ليس لهم قلوب يعقلون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل )) ( العواصم :211)

هذا و إن موضوع (( السلفية (( الذي كان قبل يوم الناس هذا بردا وسلاما على القلوب المومنة، عاد اليوم غولا مفترسا، وكائنا غريبا له تشكلات وتمثلات لا يدرك كنهها، ولا يحصى عددها ولا يدري أحد عاقبة أمرها ووقع الناس بسببها في حرج كبير، يتساءلون عن ماهيتها وحقيقة أمرها، وأين هو الحق حتى يمكن اتباعه؟ و أين الباطل حتى يتأتى اجتنابه ؟

من أجل ذلك قرر المجلس العلمي الأعلى، بتعاون وتنسيق مع وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، تنظيم ندوة علمية بعنوان : (( السلفية قضايا و إشكالات (( سيتولى فريق من العلماء المتخصصين بسط الكلام حولها والنظر فيها من جميع زواياها .

وهذا السِّفر اللطيف الذي نقدمه اليوم، يتضمن خلاصة للبحوث التي ستعرض نصوصها كاملة في الندوة المنوه عنها .

ويطيب لي أن أعرب باسم المجلس العلمي الأعلى للعلماء الباحثين الأجلاء عن صادق العرفان، وخالص الامتنان على غيرتهم الدينية، وأريحيتهم العلمية، منوها بالمستوى العلمي والمنهجي الرفيع، الذي تمت على ضوئه معالجة هذا الموضوع ذي الأهمية الفائقة وما اتسمت به بحوثهم من دقة في البحث والاستنتاج، وعمق في التحليل والتأصيل، وموضوعية ونزاهة في البيان والتبيين.

سائلا البارئ تعالى أن يجعله نافعا ماتعا دالا على الخير، هاديا الى سواء السبيل.

للاطلاع أيضا

المجلس العلمي الأعلى يصادق على مجموعة من التوصيات في ختام أشغال دورته العادية ال26 بمراكش

ثلاثة عشر(13) درهما مقدار زكاة الفطر بالنقود في كافة أرجاء المملكة

برقية ولاء وإخلاص إلى جلالة الملك من الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى بمناسبة اختتام أشغال الدورة العادية الـ25 للمجلس

اختتام أشغال الدورة العادية الخامسة والعشرين للمجلس العلمي الأعلى

المجلس العلمي الأعلى: رأي اللجنة المالية الشرعية التشاركية في تحديد شروط وكيفيات مزاولة البنوك للأنشطة والعمليات التي تزاولها البنوك التشاركية

المجلس العلمي الأعلى: رأي اللجنة المالية الشرعية التشاركية في تحديد شروط وكيفيات تلقي وتوظيف الودائع الاستثمارية من قبل البنوك التشاركية وغيرها من مؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها

المجلس العلمي الأعلى: رأي اللجنة المالية الشرعية التشاركية في تحديد المواصفات التقنية الخاصة بمنتجات التمويل التشاركي وكيفيات تقديمها إلى العملاء

انعقاد الدورة الخريفية العادية للمجلس العلمي الأعلى بالرباط يومي 23 و24 دجنبر 2016

المجلس العلمي الأعلى يعقد دورته الثانية والعشرين يومي 15 و16 يوليوز 2016 بالرباط

زكاة الفطر لعام 1437 ما بين 12 و15 درهم في جميع أنحاء المملكة

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يترأس حفل الولاء بالقصر الملكي بتطوان
facebook twitter youtube