اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

لزوم النمط الأوسط ونبذ ظاهرة الغلو والتطرف

الوسطية والاعتدال منهج به صلح أمر الأمة قديما، لفشو العلم وحسن الفهم، وهو المسلك الأصل الذي اختاره الله للمسلمين: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"(البقرة:143)

قال جمال الدين القاسمي: «من المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة قوي شأنها، وكثر سوادها أن يوجد فيها الأصيل والدخيل، والمعتدل والمتطرف، والغالي والمتسامح، وقد وجد بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى وأعظم استجابة، لأن الوسط منزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كل عصر ومصر، وأما الغلو فمشرب الأكثر ورغيبة السواد الأعظم..وأول من فتح هذا الباب الخوارج..ثم سرى هذا الداء إلى غيرهم» ([1]).

وحين يقل أهل الاعتدال يسود الجنوح والتنطع، ويتكاثر دعاته ممن يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وهذا من آفات الناس في أي زمان.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك في حديث الْعِرْبَاض بْنِ سَارِيَةَ حيث قال:« فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»([2]). وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنة رسوله»([3]).

وقد قال علي رضي الله عنه «خير الناس هذا النمط الأوسط يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي»([4]) والنمط الأوسط هو منهاج النبوة وفيصل التفرقة بين حد الاعتدال وطرفي الغلو والتسيب. إذ المنهاج أصول التدين التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة علما وعملا، من لزوم هدي القرآن والسنة، ورعاية مقاصد الدين، والتسليم للشريعة عند التنازع.

ويجري هذا في الأصول والثوابت التي لا يسع مسلما خلافها، أما ما يتعلق بالوسائل الخادمة لهذه الأصول، فإنها تتجدد باختلاف الزمان والمكان، وبها يناط تجديد الدين وحسن تنـزيله على واقع المسلمين.

وظاهرة الغلو آفة قديمة حديثة تتجدد كلما وجدت القابلية في الناس لذلك، لقلة النضج العلمي، وسيادة الجهل، واستشراء سوء الفهم، والعصبية لهوى النفوس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»([5]).

وقد يكون الغلو الظاهر بسبب جنوح ذوي الأغراض السيئة ممن يصنعون تيارا من العوام لا يعرفون يمينا من شمال إذا غابت نجوم السماء.

قال الطاهر بن عاشور: «فالغلو في الغالب يبتكره قادة الناس ذوو النفوس الطامحة إلى السيادة أو القيادة، بحسن نية أو بضده إفراطا في الأمور، وذلك إما بداعية التظاهر بالمقدرة، وحب الإغراب لإبهات نفوس الأتباع، وتحبيب الانقياد.. أو حب الإكثار و الزيادة و التفريع في الأمور المستحسنة لديهم، فإن النهم في المحبوب من نزعات النفوس»([6]).

ولذلك لزم رد الناس إلى الأمر العتيق، ونشر العلم بينهم، وربطهم بالمذهب ؛ أُصُولِهِ وأدلته ؛ حتى لا يزهد فيه الجهال الذين يحسبون الدليل نصا مجردا يطير به المرء هنا وهناك، دون مراعاة ما توارد معه في منازع الخلاف.

وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه:«من كان مستنا فليستن بمن قد مات ! أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم» ([7]).

وكان الإمام مالك رضي الله عنه كثيرا ما يشير إلى هذا المعنى ويقول: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».²



[1]- الجرح والتعديل، لجمال الدين القاسمي: 4.
[2]- أخرجه أبو داود 4/200 باب لزوم السنة، والترمذي 5/44، ابن ماجة في المقدمة حديث رقم43 والدارمي في السنن باب اتباع السنة:1/57. والحاكم في المستدرك: 1/175 وابن حبان:1/179.
[3]- رواه الحاكم:1/93، ومالك في الموطأ بلاغا: 1663.
[4]- مصنف ابن أبي شيبة:7 /100 حديث 34498.
[5]- أخرجه النسائي 3075 وابن ماجة 3029 وابن حبان 9/183.
[6]- أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، للطاهر بن عاشور: 23.
 [7]- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصفهاني: 305/1-306.

للاطلاع أيضا

الوفاء بالعهود والمواثيق

الإسلام ينعم في ظل الحوار وحسن الجوار

لزوم النمط الأوسط ونبذ ظاهرة الغلو والتطرف

ترك الدخول في المضايق المثيرة للفتن

مراعاة التكريم الإلهي للإنسان

رعاية حقوق الإنسان كما قررها الإسلام

حق الحياة

حق الحرية والعيش الكريم

رعاية حق الإنسان في المساواة

حِرمة الدماء والأموال والأعراض

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "للا أسماء" بالرباط
facebook twitter youtube