وههنا، تجدر الإشارة إلى أن أحمد باب أيام إقامته بالمغرب، أنتج جل وأهم مؤلفاته، بما فيها " نيل الابتهاج" الذي ترجم فيه لرجالات المذهب المالكي، ومختصره " كفاية المحتاج". ويدلنا هذا المؤشر ـ أكثر من غيره ـ على مدى التكامل الثقافي بين المغرب وإفريقيا الغربية.
6-5- كتاب "الشفا" ودوره في دعم الثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا الغربية
إن كلّ من تقصّى تاريخ الثقافة العربية الإسلامية بإفريقيا الغربية، لا يمكنه بأي حال أن يتجاهل الدور الحاسم للمغرب بهذا الشأن. فقد كانت المصنفات المغربية ـ في جل العلوم السائدة وقتئذ ـ رائجة ومعتمدة في مناهج التدريس وحلقات العلم بالمنطقة، كما أن أسماء العلماء والفقهاء المغاربة كانت تتردد في مؤلفات السودان بطريقة تلقائية ومعتبرة، مما يؤكد مكانتها الجوهرية في سندهم العلمي والصوفي. وسنقتصر هنا على طرح نموذج على سبيل المثال والتمثيل لا غير.
فقد كان كتاب الشفا للقاضي عياض بن موسى(ت. 1149م) متداولا في حلقات الدرس بتنبكت منذ القرن 14م، كما كانت قراءته في الأعياد والمناسبات الدينية عادة جارية لدى السودان. وإلى غاية القرن العشرين ظل الكتاب معتبرا لديهم، حيث أذكر أني حضرت حفلا دينيا صنعه أحد علماء تنبكت في شهر رمضان من العام الهجري 1386 ( ديسمبر 1966)، وتخلل الحفل قراءة كتاب الشفا، ثم شرح له باللغة السّنغية. وكانت للرحالة الإيكوسي الأصل منـﮔـو بارك، تجربة مماثلة في أحد قرى مالي عام 1797.(1)لقد كان "للـشـفـا" تأثير واسع في المنطقة، يتجاوز كل ما يمكن أن ننتظره من السودان بخصوص اعتبارهم وتقديرهم الكبير لمصنفات الأمداح النبوية، ولذلك يعدّ من حيث الأهمية ثالث المؤلفات المعتبرة في مناهج التدريس الأساسية لدى الديولا، حيث يأتي مباشرة بعد موطأ مالك بن أنس، وتفسير الجلالين.(2)
ويتناول "كتاب الشفا" في صفحاته الأخيرة مسألة الكفر والتكفير، وقد استحضر الفقيه المغيلي(ت. حوالي 1509م) نفس المعالجة التي طرحها القاضي عياض أثناء جوابه على أسئلة سلطان سنغاي، الحاج أسكيا محمد(1493-1528). وكان هذا الأخير قد طلب فتوى بشأن تكفيـر عمل الملك الذي سبقه، سُنِّي عـلي (1464-1492)، ونجح في غرضه، إذ تمّ تكفير سني علي بسبب ما كان يأتيه من أعمال غير شرعية، حيث كان حسب السلطان الحاج أسكيا محمد يستحل الحرام، ولا يصوم رمضان ولا يقيم الصلاة بقواعدها المعروفة. وقد شنّع بهذه الأعمال مؤرخا تنبكت: محمود كعت وعبد الرحمن السعدي، إذ كثيرا ما لقبوه بالظالم الفاجر أو الفاسق.(3)
ونفس الحجج التي طرحها الفقيه المصلح محمد بن عبد الكريم المغيلي بشأن الكفر والتكفير في نهاية القرن 15م، تم تداولها في القرن 19م من لدن زعماء الحركات الإصلاحية ببلاد السودان مثل الشيخ عثمان بن فودي والشيخ الحاج عمر الفوتي. إذ حاول كلاهما التأكيد على أن ممارسة الجهاد ضد كل من يأتي أعمال الكفر، أمر جائز شرعا، وذلك على الرغم من ادعاء الأعداء السياسيين لهما بأنهم مسلمون ينتمون لأمة ودار الإسلام، مما يوجب إسقاط الجهاد شرعا.(4)
ويتضح مما تقدم أن كتاب الشفا للقاضي عياض كان له تأثير واسع في إفريقيا الغربية، سواء فيما يتعلق بجانبه الروحي أو الفقهي التشريعي، حيث اعتُمِد في معالجة مسألة الكفر والتكفير. ولهذا احتل مكانة متميزة (بعد القرآن الكريم، وصحيح البخاري، ومختصر خليل) في قلب وعقل السودان، وهي مكانة ما تزال فاعلة ومؤثرة لحد الآن.
7- التصوف المغربي وتأثيراته في الحياة الدينية بإفريقيا
القضية الأخيرة التي أود تناولها في هذه المحاضرة، تتعلق بالتصوف المغربي، وتأثيراته العميقة في الحياة الدينية بإفريقيا. وسنتناول المسألة من خلال شخصيتين ذات وزن معتبر: سيدي أحمد التجاني، وسيدي أحمد بن إدريس الفاسي، المعروف بالعرايشي.
7-1- الطريقة التجانية
ازداد سيدي أحمد التجاني بقرية عين ماضي بالجزائر عام 1737، غير أن الفترة الأخيرة من حياته(حوالي 25 سنة)، وهي الفترة الهامة في سيرة الرجل وتكوينه الصوفي، قضّاها بفاس، حيث أنشأ بها زاويته التجانية، وبها يوجد مرقده وضريحه(ت. 1815).
وعلى الرغم من أن الفيض الروحي للطريقة التجانية، ينهل من تراث التصوف الإسلامي، خاصة من كتابات الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (ت.1240)، فإن سيدي أحمد التجاني كان يعتبر نفسه، خاتم الأولياء وقطب الأقطاب، باعتبار رؤيته للرسول (صلعم)، وأخذه ورد طريقته عنه دون واسطة شيخ أو وليّ.(5)
انتقلت الطريقة التجانية إلى إفريقيا الغربية، عبر بعض المريدين الشناقطة من قبيلة إيدّ أُوعْلِ، نخص بالذكر منهم محمد الحافظ العلوي الشنقيطي (ت.1838م). وكانت العادة الجارية في طلب العلم لدى أهل السنغال وغيرهم من أهالي السودان الفرنسي، الانتقال إلى محاضر العلم الشنقيطية، ثم بعد ذلك يرحلون للمراكز العلمية المغربية. وعبر هذه القناة، عرفت التجانية طريقها الأول بين السودان جنوب نهر السنغال، ومنهم الحاج عمر بن سعيد الفوتي(1794-1864).
على أن الرحلة الحجية للشيخ عمر بن سعيد، وفّرت له بالحجاز فرصة لقاء ومصاحبة أحد أركان الطريقة التجانية، وهو المغربي محمد الغالي بوطالب التجاني(توفي بالحجاز عام 1829م)، حيث صاحبه مدة من الزمن وأصبح من مريديه المخلصين، مما جعل محمد الغالي ينصبه ويعينه خليفة للطريقة التجانية ببلاد السودان. وعند عودة الحاج عمر لبلده، واستقراره بفوت جالون، أخذ يعطي الورد التجاني لأصحابه، وينصب المقدمين عليهم. فشاع أمره في منتصف القرن 19م؛ ثم طمح لتأسيس دولة إسلامية تجانية، عرفت نجاحا كبيرا على المستوى الروحي بالسودان الغربي، لكنها اصدمت على المستوى السياسي بطموحات ومكائد الاستعمار الفرنسي، فضلا عن مناورات الأمراء والزعماء المحليين المنافسين. فانهارت الدولة العمرية التجانية على إثر دخول العسكر الفرنسي للعاصمة: سيـﮔو أو سِـﮒُ، عام 1892.(6)
وللتجانية فروع عديدة بالسنغال، أهمها الفرع الذي أنشأه إبراهيم نياس في عشرة الثلاثين من القرن العشرين، وعرفت باسمه. وقبل القيام برحلته الحجية عام 1937، توقف إبراهيم نياس ـ كعادة السنغاليين ـ بفاس، حيث التقى بشيخ التجانية بها، سيدي سكيرج (ت.1964). وتذكر روايات أن هذا الأخير، كان له الفضل في انتماء نياس للطريقة التجانية، بينما تفصح أخرى عن أنه كان من مريدي الطريقة قبل وصوله لفاس، وأن اللقاء بين الرجلين، إنما جاء لترسيخ مكانة الشيخ نياس، حينما نعته سيدي سكيرج بـ " غوث الزمان".
ومهما يكن من أمر اختلاف الرويات بهذا الشأن، فإن الشيخ إبراهيم نياس يعد أحد الأعلام البارزين الذين كان لهم فضل كبير في نشر الطريقة التجانية بالسنغال، وفي غيرها من دول إفريقيا الغربية بفضل تجواله بها ودعوته لها، خاصة في غانا وشمال نيجيريا، حيث نجد الآلاف المؤلفة من المريدين التابعين للطريقة التجانية الإبراهيمية.(7) وللتجانية مريدون في أقطار إفريقية أخرى، مثل مصر وجمهورية السودان، حيث توجد فروع عديدة للطريقة.
7-2- الطريقة الإدريسية
والشخصية المغربية الثانية التي كان لها إشعاع صوفي بإفريقيا خلال القرن 19 للميلاد، وجايلت سيدي أحمد التجاني، تتعلق بالشيخ سيدي أحمد بن إدريس، الذي أمضى معظم حياته خارج المغرب. وعلى الرغم من التقدير والاعتبار الذي حظي به من جانب رجال التصوف، فقد ظل مجهولا لدى الجمهور العريض، ربما بسبب شخصيته الغامضة والمثيرة للقلق.
ونتطلع من خلال الدراسة الحديثة التي أنجزها الأستاذ الإنجليزي الأصل: أوفاي(8) (O’Fahey)، وكذلك من خلال الأبحاث التي يجريها نخبة من الباحثين النرويجيين المنتمين لجامعة بيرﮔر( Berger )، أن تكشف لنا عن الجوانب المغمورة في حياة وسيرة الشيخ سيدي أحمد بن إدريس، وأن تلقي المزيد من الضوء بما يعرّف به لدى جمهور المهتمين والمختصين.
وتصدر طريقة الشيخ سيدي أحمد بن إدريس في سلوكها عن النهج النبوي، بحيث يتم تربية المريد على السنة النبوية بصرامة بالغة. وهذا ما جعل الطريقة تجد قبولا حتى بين العلماء المناهضين للتصوف والطرقية، باستثناء الوهابيين بالحجاز.
قلنا قبل قليل، إن سيدي أحمد بن إدريس قد أمضى معظم حياته خارج المغرب، حيث أقام مدة طويلة بالحجاز وجنوب مصر، ثم أمضى بقية حياته في اليمن. وخلال تنقلاته وجولاته التقى بعدد من العلماء والفقهاء المسلمين، وتدريجيا أخذ نهجه وسلوكه ينتشر ويتوسع بين المريدين بشكل محدود في [جمهورية] السودان وجنوب مصر. والواقع أن الطريقة التي اتخذت اسمه (الإدريسية)، لم تظهر ولم تعرف شهرتها ـ التي أصبحت عليها ـ إلا بعد وفاته، وذلك من خلال عدد من مريديه، الذين استقلوا وأقاموا عدة زوايا باسمهم الخاص في نواحي مختلفة من إفريقيا؛ أشهرها، الطريقة السنوسية بليبيا.
وخلال الربع الأخير من القرن 19م، شهدت الطريقة السنوسية انتشارا واسعا في التشاد والنيجر وشمال نيجيريا ودارفور. كما وجدت قبولا في أعالي حوض النيل، بسبب عمل أحد المكّيين من مريدي الشيخ سيدي أحمد بن إدريس، يُدعى محمد عثمان المرغيني. وكان المرغيني قد جال في السودان المصري مدة طويلة بغاية كسب المريدين، ثم أسس زاوية أطلق عليها اسم "الخاتمية"، أصبح لها شأن كبير في الحياة الدينية والسياسية بالمنطقة.
وفي القرن الإفريقي الذي يجمع كلا من إيريثيريا وإثيوبيا والصومال، خرجت زاويتان من رحم النهج الإدريسي: الأحمدية والصالحية؛ وهاته الأخيرة، ليست سوى زاوية مستقلة عن الزاوية "الرشيدية" بالسودان.(9) وتوجد حاليا العديد من الزوايا أو الفروع التي تمتح من النهج الإدريسي، منتشرة في شمال شرق إفريقيا، بل إننا نجد بعض المريدين لها في أصقاع بعيدة، مثل الهند وماليزيا.
وغني عن البيان أن النموذجين اللذين استحضرناهما (الطريقة التجانية والإدريسية)، لا يمثلان إلا النزر القليل من الروح الصوفية التي فاضت عن المغرب، وتجاوزت حدوده الجغرافية إلى كافة أنحاء العالم الإسلامي، مثلما الحال مع طريقة أبي الحسن الشاذلي( القرن 13م)، التي انتشرت بمصر والمشرق الإسلامي، غير أنها لم تعرف نجاحا واسعا ـ مثل التجانية ـ في دول إفريقيا جنوبي الصحراء.(10)
خاتمة
وأخيرا، أقول بأني حاولت مقاربة موضوع شاسع ما يزال بحاجة للدرس والتقصي الدقيقين، وما توقفت عنده لا يمثل سوى ملامح عامة، تحصّلت لدي من خلال تجربتي في حقل الدراسات الإفريقية. فالأكيد أن العلاقات الثقافية والاقتصادية والسياسية بين المغرب ودول إفريقيا جنوبي الصحراء موغلة في القدم. وحينما بلغ الإسلام المغرب الأقصى وأخذت بشائره تظلل الصحراء وما وراءها من بلاد السودان، بات التأثير المغربي على المستوى الثقافي ـ في مختلف الأبعاد التي مرّت بناـ، أكثر وضوحا ورسوخا. وحينما نضجت تجربة الإسلام والثقافة العربية الإسلامية بالسوداني الغربي، لم يجد السودانيون بدا من الرجوع بزادهم العلمي إلى ينابيعه الأصلية، وبذلك ساهموا في إخصاب الحياة الثقافية المغربية.
وما شدنا من التأثيرات المتبادلة بين ضفتي الصحراء مما فرضه موضوع المحاضرة، لا يقلل في شيء من أمر العلاقات الثقافية الزاخرة والمتواصلة عبر التاريخ بين المغرب ومصر أو الحجاز. فالأفكار والنخبة المتنورة على اختلاف مشاربها المعرفية والعرفانية في العالم الإسلامي لا تعترف بالحدود الوطنية ولا بنوع الجنس أو لون جلده.
وأود في الختام أن أدعو الجيل الجديد من الباحثين الشباب المغاربة لبذل المزيد من الجهود بهدف التعريف بتاريخ العلاقات الثقافية بين المغرب ودول إفريقيا جنوبي الصحراء، حتى نكتب صفحة جديدة من تاريخ إفريقيا.
الهوامش:
(1) - Travels in the Interior Districts of Africa Performed in the Years 1795, 1796 and 1797 with an Account of a Subsequent Mission to that Country in 1805, 3e édition, Londres, 1816, t. I, pp. 478-9
(2) - G. Wilks, « The transmission of Islamic learning in the Western Sudan », in Jack Goody (éd.), Literacy in Traditionel Societies, Cambridge University Press, 1968.
(3) - J. O. Hunwick, Shari’a in Songhay: the Replies of al-Maghili to the Questions of Askia al-Hâjj Muhammad, Oxford University Press, 1985, pp18-19.(text arabe)73-74.
(4) - الشيخ عثمان ناظر الشيخ محمد الأمين أمير برنو وجاهد ضد أمراء حوس، والحاج عمر الفوتي ناظر الشيخ أحمد البكاي وجاهد ضد أمير ماسن شيخو أحمدو، بسبب مساندته لأمير وثني سوداني كان في صراع مع الحاج عمر. انظر وراجع: محمد بل، إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور. الرباط: منشورات معهد الدراسات الإفريقية 1996. تحقيق بهيجة الشاذلي. صص 70-75، 81-96، 140-141، 232-248. الحاج عمر عمر بن سعيد الفوتي، بيان ما وقع. نشره وترجمه للفرنسية مهيبو وترييو:
- Mahibou, S. M. et Triaud, J. L., Voilà ce qui est arrivé, Paris, CNRS, 1983.
(5) - انظر: الحاج عمر بن سعيد، رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم، مصر 1963. الباب العاشر. (نشر على هامش جواهر المعاني لعلي حرازم).
(6) - بخصوص سيرة الحاج عمر، والتطورات التي عرفتها دولته سلما وحربا مع الإمارات والدول السودانية من جهة، أو مع الاستعمار الفرنسي من جهة ثانية، ينظر:
_ B. G. Martin, «Notes sur l’origine de la tarîqa des Tigâniyya et sur les débuts d’al-Hâĝĝ Umar», Revue des Etudes Islamiques XXXVII (1969), 267-290; Fernand Dumont, L’Anti-Sultan ou al-Hajj omar Tall du Fouta, Dakar- Abidjan : Les Nouvelles Editions, 1974; David Robinson, The Holy War of Umar Tall : the Western Sudan in the midnineteenth century, Oxford : The Clarendon Press, 1985.
(7) - Ousmane Kane, « La confrérie Tijaniya Ibrahimiyya de kano et ses liens avec la zawiya mère de Kaolack », in Islam et Sociétés au sud de Sahara, III (1989), 27-40, et les références citées là – dedans.
(8) - Enigmatic Saint , Ahmad Ibn Idrîs and the Idrîsî Tradition, Londres: Christopher Hurst/ Evanston: Northwestern University Press, 1990.
ـ وراجع مضمون الهامش رقم 53.[المترجم]
(9) - Nichole Grandin, « Les turuq au Soudan, dans la Corne de l’Afrique et en Afrique orientale» dans les Ordres Mystiques dans l’Islam : cheminements et situation actuelle, publié sous la direction de A. Popovic et G. Veinstein, Paris : Editions de l’E. H. E. S. S., 1986, pp. 165-204.
(10) ـ ينظر بهذا الشأن الدراسة القيمة التي أنجزتها الأستاذة الباحثة زكية الزوانات عام 1998 عن الولي الصالح عبد السلام بن مشيش، شيخ الطريقة الشاذلية[المترجم]:
- Zakia Zouanat, Ibn Mash ish : Maître d’al-Shādhili, Casablanca : Imprimerie Najah el jadida, 1998.
