المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

دليل العالم المؤطر في ميثاق العلماء

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

سعيد بيهي: فتنة التكفير

 
لقد حذر الشارع من التكفير أشد التحذير، ونفر من الانجرار وراء فتنته أعظم التنفير، فلو لم يرد فيه إلا قول النبي (ص): "ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه"1، لكان فيه أبلغ زاجر، قال ابن حجر الهيتمي: "هذا وعيد شديد وهو رجوع الكفر عليه أو عداوة الله له... فلذلك كانت إحدى هاتين اللفظتين إما كفرا بأن يُسَمِّي المسلمَ كافراً أو عَدُوَّ الله من جهة وصفه بالإسلام، فيكون قد سمى الإسلامَ كفراً ومُقتضِياً لعداوة الله؛ وهذا كفر، وإما كبيرة بأن لا يقصد ذلك فرجوع ذلك إليه حينئذ كناية عن شدة العذاب والإثم عليه"2. كيف وقد جعل الشارع تكفير المؤمن كقتله، وذلك في قوله (ص): "مَن لَعَن مؤمنا فهو كقتله، ومَن قَذَف مؤمنا بكفر فهو كقتله"3، وما ذلك إلا لكون التكفير من أعظم أسباب استسهال إراقة الدماء المحرمة، والاستهانة بإزهاق الأنفس المعصومة. وإذا كان التكفير بهذه الخطورة الكبيرة فما هو يا ترى المقصو00د منه؟ وما هي أسبابه الكامنة وراء نشوئه؟ وهل ورد فـي الوحي ما يتضمن التـنبـيه لتلك الأسباب حتى نتخذها أضواءً كاشفة، تعيننا على فهم هذه الظاهرة؟
 

تعريف التكفير

"التكفير: هو الحكم بالكفر من حيث الإطلاق أو التعيين، على الأفراد، أو الجماعات، بما لم يجعله الشارع كفرا"، وذلك مثل الحكمِ على أهل المعاصي التي هي كبائر لا تصل إلى حد الكفر كالزنا، والخمر، والسرقة، والقذف، وأكل مال اليتيم، ونحوها؛ حيث إن الشارع اعتبر أهلها مسلمين من أهل القبلة، وإنما وقعوا فيما وقعوا فيه من هذه الكبائر تهاوناً، أو تأويلاً، أو تعلقا بالوعد بالتوبة وتغليبا لجانب الرجاء، أو تنـزيلَ الحكم المطلق بالكفر على معين مخصوص من: الأشخاص، أو الهيئات والفرق، أو الجماعات والدول، دون مراعاة توافر شروط الحكم على ذلك المعين وانتفاء موانعه، كما تقتضيه الأدلة الشرعية، وقواعد أهل الرسوخ في العلم ممن لهم قبول عام في هذه الأمة، إذ ليس كل من صدر منه الكفر كافرا، حتى تتضح له المحجة، وتقام عليه الحجة من قبل القضاة المفوضين من ولاة الأمر، إدراجاً لقضايا التكفير ضمن أمور الأمن والخوف التي يختص بها أولو الأمر، باعتبار ما ينشأ عن الخطأ في التصنيف بها من إثارة الفتن، وإشاعة الخوف، وإزالة الأمن، قال تعالى (وإذا جاءهمُ أَمْرٌ مِنَ الامْنِ أو الخَوْفِ أَذاعُوا به وَلَو رَدُّوه إلى الرسول وإلى أُولي الامْرِ مِنهم لَعَلِمَه الذين يَسْتَنبِطونه مِنهم)3، الآية.
 
وليس منع عموم المسلمين من النظر في بعض قضايا الشرع، وتخصيصها بولاة الأمر من باب إنشاء شرع جديد، وإنـما هو أمر اقتضته الضرورة لوجود أسبابه، وفـي مثله قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (ض): "يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، وممن وجه قول عمر (ض) العلامة الزركشي في معرض حديثه عن ثبوت أحكام الشرع إلى يوم القيامة، قال رحـمه الله: "يحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور" أي يجددون أسباباً يقضي الشرع فيها أموراً لم تكن قبل ذلك؛ لأجل عدمه منها قبل ذلك، لا لأنها شرع مُجَدَّد"5. لا أنه تحدث لهم أقضية مبتدعة بالهوى خارجة عن الكتاب والسنة، ومقتضيات النظر الشرعي الصحيح.
 
إن التكفير شر وأي شر، فنحن عندما نتأمل ما نشأ عنه من المفاسد العظيمة، وما ترتب عليه من الجنايات الجسيمة، ندرك لم كان النبي (ص) يحذر ممن سيحملونه، مبينا بعض صفاتهم، ومُبرزا جانبا من سماتهم، لعل الأمة تحصن نفسها ضدهم، فقد ثبت عن النبي (ض) أنه قال: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية..."6 ، ولقد حمل طائفة من أهل العلم هذا الحديث على الخوارج الذين خرجوا على الأمة يكفرون عصاتَها ولا يتحاشون عن برها، فقد بوب عليه الإمام أبو داود «باب في قتال الخوارج»7، والإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم « باب التحريض على قتل الخوارج»8.  
    
إن المتأمل في هذا الحديث يجد أن ألفاظه عامة، ولذا فهي شاملة لهؤلاء المعاصرين أيضا، وأما حمل بعض العلماء هذا الحديث على تلك الفئة التي خرجت زمن علي بن أبي طالب (ض) فإنه لا ينافي أن غيرهم ممن جاء بعدهم يدخل فيهم، وذلك بجامع الاشتراك في الأوصاف التي لأجلها ذم النبي (ص) أوائلهم، قال الحافظ ابن تيمية بعد ذكر بعض الأحاديث التي جعلت من تقدم من أهل العلم يحملون حديث "سيخرج في آخر الزمان.." على الخوارج الحرورية:« وهذه العلامة التي ذكرها النبي (ص) هي علامة أول من يخرج منهم، ليسوا مخصوصين بأولئك القوم. فإنه قد أخبر في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال. وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر.
وأيضا فالصفات التي وصفها تعم غير ذلك العسكر، ولهذا كان الصحابة يروون الحديث مطلقا، مثل ما في الصحيحين عن أبي سلمة وعطاء بن يسار: "أنهما أتيا أبا سعيد فسألاه عن الحرورية: هل سمعت رسول الله (ص) يذكرها؟ قال: لا أدري؛ ولكن رسول الله يقول: يخرج في هذه الأمة – ولم يقل منها- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، أو حلوقهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نَصْلِه، إلى رِصافِه: يتمارى في الفُوقَة هل علق بها شيء من الدم"10... فهؤلاء أصل ضلالهم: اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة.. ثم يَعُدّون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا، ثم يرتبون على الكفر أحكاماً ابتدعوها.
 
فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية.. ونحوهم. في كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام، حتى مرقوا منه كما مرق السهم من الرمية، وفي الصحيحين في حديث أبي سعيد: "يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"11، وهذا نعت سائر الخارجين..فإنهم يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدّون أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين؛ لأن المرتد شر من غيره."12.

إن الأوصاف التي جمعها الخوارج الجدد، مماثلة لأوصاف أسلافهم، وهي مع جملة أخرى غيرها؛ سبب وقوعهم فيما وقعوا فيه من تكفير ولاةِ أُمورهم ومجتمعاتهم والخروجِ عليهم واستباحةِ دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فمن بين تلكم الأسباب:

 1-حداثة السن 
 
إن المتأمل في غالب هؤلاء التكفيريين يجدهم صغار الأعمار حُدَثاء الأسنان، وحداثة السن هنا كناية عن ضعف التجربة، والغيرة غير المتزنة. وإلا فقد يكون من صغار السن من يؤتيه الله الحكمة والعلم، لكنه على ندور. فحداثة السن مذمومة من حيث كونـها سمة عامة لأولئك، وعلامة مطابقة لوصف النبي (ص) لهم بذلك، فهي ليست قاعدة مطردة، وإنما أغلبية لها استثناءات نادرة، والنادر لا حكم له. ومن أظهر علامات أصحابها قيامهم على أهل العلم؛ طعنا فيهم، وتسفيهاً لهم، وخروجاً على مناهجهم، وذلك حتى تخلو لهم حلبة الإرشاد والتنبيه، وتفرغ لهم ساحة القيادة والتوجيه، فيستبدون بأفهامهم القاصرة، ويقتصرون على مداركهم العاطلة، وفـي أمثال هؤلاء قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ألا وإن الناس بخير ما أخذوا العلم من أكابرهم، ولم يقم الصغير على الكبير فإذا قام الصغير على الكبير فقد"13، يعني فقد هلكوا، ونظيره قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كباركم، فإذا كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير"14.
 
إن حداثة السن طاقة هائلة يسعى صاحبها بكل ما أوتي من قوة إلى تصريفها، وحيث إنها كذلك فقد ينشأ عنها من الاندفاع ما يُحدِث الدمارَ والفساد إذا لم تستـثمر الاستثمار الجيد، لأنـها عواطف جياشة يفتقد أصحابـها للعلم والحكمة. ولذا كان حدثاء السن عموما رصيدا هاما للأمم إذا قام الموجهون – وعلى رأسهم العلماء-بحسن توجيههم، وقوة تحصينهم. وما لم يقم أهل العلم بتحمل مسؤولياتهم الكاملة تجاههم، فسنسمع عن صور استقطابٍ لهم، وسوء استغلالٍ لقابليتهم للتوجيه والانقياد بما يحولهم إلى قوة طائشة، واندفاع متهور، يلحقان الضرر بأمتهم.
 
2-سفاهة العقل
 
لاشك أن ضعف العقل، وطيش الحلم، مظنة عظيمة لنشوء التكفير، وبيئة طبيعية لتفريخ العنف، خاصة إذا استحضرنا أن من أعظم خصائص العقل السليم الاستبصارَ والاعتبارَ، قال تعالى: (فاعتبروا يا أولي الابصار )15، وقد جعل الله آيات كتابه كُلَّها بصائرَ هادية فقال: (هذا بصائرُ مِن ربكم وهدى ورحمةٌ لقوم يومنون)16. وإن من أعظم ما يحقق الاستبصار العقلي الموازنةَ بين المصالح والمفاسد، ومراعاةَ مآلات الأفعال، ومراعاةَ مقاصد الشارع في الشرع، وكذا مقاصد الخالق في الخلق. ولا يماري أحد في أن كل ذلك لا مكان له عند ضعاف العقول، سفهاء الأحلام.
 
إن من أظهر علامات طيش التكفيريين أنهم لا يلقون بالاً لما يترتب على تكفيرهم للأفراد من المفاسد الخطيرة والمتمثل بعضها في: وجوب التفريق بينهم وبين زوجاتهم، وأنهم إذا ماتوا لا تجري عليهم أحكام المسلمين، فلا يُغَسّلون ولا يُصلى عليهم، ولا يُدفنون في مقابر المسلمين، ولا يورثون، وأنهم إذا ماتوا على حالهم من الكفر استوجبوا لعنةَ الله وطردَهم من رحمته، والخلودَ الأبدي في نار جهنم. وإذا تعلق هذا التكفير بولاة الأمور كان أشد؛ لما ينشأ عنه من التمرد وحمل السلاح عليهم، وإشاعة الفوضى، وسفك الدماء، وفساد أمور العباد والبلاد في دينهم ودنياهم، ولهذا توالى تأكيد النبي (ص) على المنع من منازعتهم، والخروج عليهم، فقد كان من أمر النبي (ص) لما أخذ البيعة من أصحابه على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وأثرة عليهم، وألا ينازعوا الأمر أهله، أن قال: "إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان".
 
   ولنتأمل ما في تكثير القيود التي اشتمل عليها هذا الحديث من الدلالات على خطورة الأمر. فقد أفاد قوله (ص): "إلا أن تروا" أنه لا يكفي مجرد الظن الناشئ عن تَخَرُّص أو إشاعة. وأفاد قوله (ص): "كفراً" أنه لا يكفي الفسوق ولو كبر، كالظلم وشرب الخمر، ولعب القمار، والاستئثار بالمال. وأفاد قوله (ص): "بَواحاً" أنه لا يكفي الكفر الذي ليس بصريح واضح، وأفاد قوله (ص): "عندكم فيه من الله برهان" أنه لابد من دليل صريح، بحيث يكون صحيحا في ثبوته، قطعيا في دلالته، فلا يكفي الدليل ضعيف السند، ولا محتمل الدلالة. وأفاد قوله (ص): "من الله" أنه لا عبرة بقول أحد من العلماء مهما بلغت منزلته في العلم والأمانة إذا لم يكن لقوله دليلٌ صريح صحيح من كتاب الله وسنة رسوله (ص).
 
إن تلك الآثار الخطيرة توجب على من عنده مسكة عقل ممن يتصدى للحكم بتكفير خلق الله أن يتريّث مرات ومرات قبل أن يطلق تلك الأحكام. قال العلّامة أبو حامد الغزالي رحمه الله: "والذي ينبغي أن يميل المُحَصِّل إليه: الاحترازَ من التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة، المصرحين بقول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم"18. 
 
لقد آل خوض هؤلاء الأغمار في قضية التكفير - مِن بين ما آل إليه- إلى مفسدة عظيمة تدل بما لا يدع مجالا للريب على انحراف منهجهم، وسفه عقولهم، ألا وهي مناقضة مقصود الشارع من أن يكون الدين رحمة مهداة للعالمين، ونعمة مسداة للبشر أجمعين، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)19، فصار الدين بسببهم مُعْنِتا لأهله، ومُنَفِّراً لغيرهم، وانقلب التدين من نعمة إلى نقمة، ومن عطية إلى بلية، والله المستعان.
 
3- ضحالة الفهم
 
وأقصد بذلك أنهم رغم  تعلقهم بالوحي كتابا وسنة، والذي دل عليه قوله (ص): "يقولون من خير قول البرية" غير أنهم لا يتجاوزون ظواهرها كما أفاده الإمام النووي حيث قال: "معناه في ظاهرِ الأمر كقولهم لا حكم إلا لله، ونظائرِه من دعائهم إلى كتاب الله تعالى.."20، فهم لضحالة أفهامهم وقلة علومهم، بل وظهور جهلهم، يحملونها على غير محاملها، ويتعسفون في فهمها، مخالفين بذلك قواعد أهل العلم بالدين، ومنحرفين عن مسالك المهتدين. ومما يزيد هذا الأمر بيانا ما اشتمل عليه قوله (ص): "يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، أي لا يجاوزها لمحل الفهم والفقه والانتفاع الذي هو القلب، فليس لهم حظ منها سوى التلاوة بالفم وتقطيع الحروف بالحنجرة والحلق.
 
إن الناظر في مسالكهم عند الخوض في مسائل «الكفر»- وإن زعموا أنهم يستمدونها من الأدلة الشرعية- يجدها مخالفة لمسالك العلماء الراسخين، والذين يعتبرون «الكفر» من الأسماء الدينية الشرعية التي يعتبر الحق فيها لله (ولرسوله)، لهذا يوجبون التثبت فيها غاية التثبت، ولا يجيزون الخوض فيها إلا بمقتضى العلم المحيط بكل قواعدها وضوابطها، والتي منها على سبيل المثال أن يكون دليل الحكم بالكفر واضحا مثل وضوح الشمس في رابعة النهار،كما نص عليه غير واحد، قال العلامة الشوكاني فـي كتابه السيل الجرار: "اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر، لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار"21، إذ إن من ثبت إسلامه بيقين لا يجوز إخراجه منه إلا بيقين مثله، مع ما في الخطأ في الحكم برمي المسلم بالكفر من تعريض فاعل ذلك إلى أن يرجع إليه وصف الكفر، وضرورة التحقق بالمعرفة المحررة بالقواعد الدقيقة للحكم على الأشخاص والأعيان، والتي بمقتضاها يتم التفريق بين النوع والمعين، إذ إن قيام الدليل الشرعي على صحة إطلاق لفظ الكفر من حيث العموم لا يلزم منه جواز إطلاقه على المعين حتى تتوافر شروط ذلك من علمه بالمخالفة الموجبة لكفره، وقصدها.. وغيرها من الشروط، وأن تنتفي موانعه من تأويل أو جهل أو إكراه أو انتفاء قصد.. فما كل من وقع فـي الكفر يكون كافرا. مع ضرورة استحضار أن العلم الظاهر المتواتر بالشيء - والذي يشترط للحكم على جاحد المعلوم بالضرورة من دين الإسلام بالكفر - هو من الأمور النسبية الإضافية، لأنه يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
 
إن ما تقدم يقتضي ضرورة تأسيس معاملة الناس على قاعدة التماس المعاذير لهم، والرفق بهم، والاشتغال بتعليمهم وإزالة جهلهم، وتكثير عددهم، بدل الاشتغال بتصنيفهم والحكم عليهم، وتقليل عددهم بإخراج من هو مسلم من دائرتهم، بل والفرح بذلك والذي يدل عليه شدة تكلفهم لهذا الأمر، وعظيم تطلبهم له، حتى صار ديدنهم في غدوهم ورواحهم. وتأمل المُدْرَك الذي أسس عليه العلامة ابن الوزير اليماني التحذير من التكفير بالشبهة لطوائف الابتداع، مما يصلح أن يكون منطلقا لتقرير أن المفسدة في تكفير عموم المسلمين أشد، ولذلك كان أولى بسد باب الجراءة عليه، لكونه أشد مناقضة لمقصود الشارع في فتح أبواب استمالة الخلق للإسلام، وتكثير سواد المسلمين، والفرح بازدياد أعدادهم، قال رحمه الله تعالى: "وكم بين إخراج عَوامِّ فِرَق الإسلام أجمعين، وجماهير العلماء المنتسبين إلى الإسلام من الملة الإسلامية وتكثير العدد بهم، وبين إدخالهم  في الإسلام ونصرته بهم وتكثير أهـله، وتقوية أمره، فلا يحل الجهد في التفريق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المُعارَضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة ويقوي الإسلام، ويحقن الدماء، ويسكن الدهماء حتى يتضح كفر المبتدع اتضاح الحق الصادق وتجتمع عليه الكلمة"22.
 
وإن من أظهر علامات ضحالة فهم أولئك الغلاة تَعَلُّقَهم بأفرادٍ من النصوص يجعلونها أصلا في بابها، متنكبين طرائق سائر أهل العلم، والمتمثلة في رد الجزئيات إلى الكليات، وفهم الأفراد في ضوء قواعد الشريعة ومقاصدها العامة، وملاحظة مقتضيات الجِبِلَّة التي هي بعض سنن الله في الخلق، والتي من أظهر صورها النفور من كل مسلك مناقض للسماحة، موقع في الإعنات والمشقة. 
 
إن السماحة لما كانت أكمل وصف لاطمئنان النفوس إلى هذا الدين، وأجمل حلية لإقبال الخلق عليه، فقد جعل الله لها في الفطرة ما يَسْنُدُها، ورَكَزَ لها في الجبلة ما يَعْضُدُها. ذلك أن أمور الفطرة ترجع إلى الجبلة التي خلق عليها الناس، فهي كائنةٌ في نفوس سائر الناس، سهلٌ عليها قبولها، ولذا وجدنا من الفطرة نفور الناس من الشدة والإعنات، قال تعالى: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا)23، قال العلامة ابن عاشور: "أعقب الاعتذار الذي تقدّم بقوله: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)24 بالتذكير بأنّ الله لا يزال مراعياً رِفْقَه بهذه الأمّة وإرادته بها اليسر دون العسر، إشارة إلى أنّ هذا الدين بَيَّن حفظ المصالح ودرء المفاسد، في أيسر كيفية وأرفقها، فربما ألغت الشريعة بعض المفاسد إذا كان في الحمل على تركها مشقّة أو تعطيل مصلحة، كما ألغت مفاسد نكاح الإماء نظراً للمشقّة على غير ذي الطول. والآيات الدالّة على هذا المعنى بلغت مبلغ القطع كقوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله: (ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم)، وفي الحديث الصحيح: "إنّ هذا الدين يسر ولن يشادّ هذا الدين أحد إلاّ غلبه"28 ، وكذلك كان يأمر أصحابه الذين يرسلهم إلى بثّ الدين؛ فقال لمعاذ وأبـي موسى: "يسِّرا ولا تُعَسِّرا"29 وقال: "إنما بعثتم مبشرين لا منفرين"30. وقال لمعاذ لمّا شكا بعض المصلّين خلفه من تطويله "أفَتَّان أنْتَ". فكان التيسير من أصول الشريعة الإسلامية، وعنه تفّرعت الرخص بنوعيها.
 
وقوله: "وخلق الإنسان ضعيفاً" تذييل وتوجيه للتخفيف، وإظهار لمزية هذا الدين وأنّه أليق الأديان بالناس في كلّ زمان ومَكان، ولذلك فما مضى من الأديان كان مراعىً فيه حال دون حال، ومن هذا المعنى قوله تعالى: (الان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً) الآية في سورة الأنفال33".
ولا ريب أن كل ما ذُكر من الشروط السابقة مستلزم لأهلية علمية كاملة، أهلية لا تتأتى إلا لكبار أهل العلم، ممن جمعوا بين الرسوخ في العلم، والحلم في الحكم، إذ بـمقتضى تلك الأهلية يُفرق بين أنواع الأدلة واختلاف دلالاتها، وبمقتضاها يُتمكن من تحقيق مناط الحكم عند تنـزيله على الواقع، وبمقتضاها يُنظر إلى مآلات إطلاق الحكم بالكفر، سواء ما كان منها راجعا إلى نظرة الخلق للشريعة، أو ما كان منها راجعا إلى الجناية على الأفراد والمجتمعات، وبمقتضاها تراعى مستلزمات الفطرة الإنسانية، وبمقتضاها يُعلم هل المقصود الاشتغال بالحكم على الخلق، أم الاضطلاع بوظيفة الهداية والإبلاغ!؟
 
4- اتباع المتشابه
 
 إن من أظهر سمات هؤلاء الغلاة اتباعَ ما كان مشتبه الدلالة محتمل المعنى، وجعلَه أصلا تُرَد إليه المحكمات المعنى، الواضحات الدلالة، في مسلك يناقضون به مراد الله في التعامل معها، قال (ص) (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله، وما يعلم تاويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الالباب)34. وإنما كانت بعض الآيات متشابهات لأنها من جهة تحتمل موافقة المحكمات، ومن جهة أخرى تحتمل مخالفة المحكمات، فقول الله عن المحكمات (هن أم الكتاب) المقصود به: أصله وغالبه. وحيث إن المحكمات كذلك فينبغي فهم المتشابهات في ضوئها كما هو مسلك الراسخين في العلم.
 
ولقد خالف التكفيريون -الذين زاغت قلوبهم- ذلك المنهج القرآني فاتبعوا المتشابهات محدثين بذلك في الأمة فتنة عظيمة، وفـي الدين تحريفا خطيرا. وإن من أظهر الأمثلة على ذلك مسألةَ نفي الإيمان في كلام الله عز وجل ورسوله (ص)، والتي تُعَدُّ أحد الأُسُس التي بَنَى عليه أولئك الغلاة مسلكَهم فـي التكفير، فقد وقع بسبب خوضهم فـيها خطأ كثيـر وفساد كبيـر، فـهم عندما يقرأون قول الله تعالـى (فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)35، لا يفهمون منه إلا أن الإيمان المنفي فيه هو الإيمان من أساسه وأصله، ومن ثم حصول ضده وهو الكفر، فليس عندهم إلا إيـمان أو كفر، وليس ثـمة بينهما مرتبة اجتمع لأصحابـها موجبات الوعد والوعيد فـي نفس الوقت. 
 
إن أولئك التكفيريين يجتزئون بتلك الأفراد من النصوص المشتبهة دون ردها إلى المحكم الناشئ عما قام به الراسخون من أهل العلم من استقراء تام لنصوص الوحيين، استقراء يفضي إلى أن نفي الإيمان عند عدم الأعمال الصالحة يدل على أن تلك الأعمال هي من الكمال الواجب الذي لا يزول أصل الإيمان بزواله، وإنما يكون صاحبه من العصاة، ومن أمثلته الكثيرة: قوله (ص) "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"36، وقوله: (ص) "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه"37، وقوله: (ص) "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن.."38، وقوله (ص): "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"39، قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: "فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، واسم الإيمان غير زائل عنه؟ قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا، غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بِمُحْكِم لعمله: ما صنعت شيئا، ولا عملت عملا، وإنما وقع معناهم هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم، وغير عامل في الإتقان. حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كرجل يعق أباه، ويبلغ منه الأذى فيقال: ما هو بولد، وهم يعلمون أنه ابن صلبه. ثم يقال مثله في الأخ والزوجة والمملوك. وإنما مذهبهم في هذا المُزايلَةُ الواجبةُ عليهم من الطاعة والبر. وأما النكاح والرق والأنساب، فعلى ما كانت عليه أماكنها وأسماؤها، فكذلك هذه الذنوب التي يُنفَى بها الإيمان، إنما أحبطت الحقائقُ منه الشرائعَ التي هي من صفاته، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك، ولا يقال لهم إلا مؤمنون، وبه الحكم عليهم. وقد وجدنا مع هذا شواهد لقولنا من التنـزيل والسنة"40.
 
ومن أمثلته كذلك تعلقهم بظواهر نصوصٍ أُطلق فيها لفظ «الكفر» دون أن ينتبهوا لما يقتضيه مسلك أهل العلم المبني على استقراء نصوص الكتاب والسنة كلها من التفريق بين «الكفر العملي» و«الكفر الاعتقادي»، فليس كُلُّ لفظِ «كفرٍ» يقصد به الكفر المخرج من الملة. فلو أخذنا مثلا قوله (ص) "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"41، هل نحكم بكفر المسلم القاتل دون ملاحظة أن الله عز وجل سماه أخاً لولي القتيل في قوله (ص) "فمن عُفِي له من اَخيه شيءٌ فاتِّباعٌ بالمعروف وأداءٌ اليه بإحسان.."42 ، والذي قصد بها أخوة الدين، ولا يعنينا هنا أن عفو أولياء القتيل لا يُسقِط الحق العام الذي يضطلع به ولي الأمر، لأن موضوع هذا المبحث عن التعلق بالظواهر المشتملة على وصف الكفر دون ردها إلى
المحكمات التي تبين المراد منها، وكذلك سمى الله عز وجل المقتتلين مؤمنين في قوله: (وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما..)43.
 
إن المقصود مِن إطلاق وصف الكفر هنا كفر العمل الذي لا يخرج به صاحبُه عن الدين، وإنما أراد الشارع مِن ذلك الإطلاقِ زجرَ المتجرئ
على القتل ببيان أن فعله ذلك لا يُتصور أن يكون من أعمال المسلم. وهذا النوع هو الذي يسميه أهل العلم كفرا دون كفر، قال العلامة ابن الوزير اليماني مقررا اشتمال النصوص الشرعية على ذلك: "قد جاء كفر دون كفر، كقوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، ومنه أن النبي (ص) وآله لـما وصف النساء بالكـفر، قال أصحابه يا رسول الله يكفرن بالله تعالى؟ قال لا، يكفرن العشير، أي الزوج، وهو متفق على صحته، فلم يحملوا الكفر على ظاهره حين سمعوه منه (ص) وآله لاحتمال معناه ووجود المعارض وهو إسلام النساء وإيمانهن، ولم ينكر النبي (ص) وآله عليهم التثبت في معنى الكفر، والبحث عن مراده به، وكذلك تأولوا أحاديث: سباب المؤمن فسوق، وقتله كفر، ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، مع الاتفاق على صحتها وكثرتها، وللإجماع المعلوم والنص المعلوم على وجوب القصاص، ولو كان كفرا على الحقيقة لأسقط القصاص. وكذلك تأول كثير من علماء الإسلام حديث ترك الصلاة كفر، مع ما ورد فيه من لفظ الشرك فـي صحيح مسلم، وغير ذلك، وكذلك حديث النياحة كفر، وحديث الانتساب إلى غير الأب كفر."45. 
 
لقد أدى اتباع تلك النصوص  المتشابهة - والذي هو مسلك أهل الزيغ والضلال من التكفيريين - إلى مفاسد عظيمة في الدين بتحريفه عن مدلوله وعن مقصود منـزله، وفي الناس بإشاعة الفتنة ببلبلة تصوراتهم وزعزعة أفكارهم، وشحن صدورهم بالغيظ على مجتمعاتهم، وبإرادة الانتقام منها. ولا ريب أن الدين بريء من ذلك كله براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب عليهما السلام.
 
5 - الغُلوّ
 
إن الغلو من أظهر سمات أولئك التكفيريين، وقد دل عليها قوله (ص) "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، ذلك أنه ليس المقصود بالمروق من الدين هنا الخروج منه إلى الكفر، فقد قيل للإمام علي (ض) لما سئل عن سلفهم الأوائل "أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا. قيل فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا فقاتلناهم"، ومما يؤكد عدم تكفيره لهم أنه (ص) لم يسر فيهم سير الصحابة في المرتدين كمسيلمة وأمثاله. وإنما المقصود من المروق في هذا الحديث وأمثاله: ما وقعوا فيه من اعتقاد كفر ولاة الأمر وجماعة المسلمين اللائذة بهم، وذلك لاعتقادهم أنهم ضلوا بخروجهم عن العدل، ثم ترتيب أحكام مبتدعة على ذلك التكفير، من اعتبار بلاد المسلمين دار كفر، واستحلال دمائها وأموالها وأعراضها، ومن ثم مشروعية الخروج عليها. 
 
إن التعبير عن ضلال أولئك التكفيريين - والمتمثل فيما رتبوه من الأحكام المبتدعة على تكفير ولاة الأمر، وجماعة المسلمين اللائذة بهم، لاعتقادهم أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون- بعبارة "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، ليدل بما لا يدع مجالا للشك على أن مخالفة أولئك التكفيريين ليست هينة، بل هي عظيمة، لأنها مخالفة لمنهج أهل السنة في قواعد كلية، وخروج عن الجماعة في أصول مِلِّيَّة، إنها مخالفة تُصَيِّرُ ما عند أولئك الغلاة خروجاً عن الدين ، وتأمل قول النبي (ص): "من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".
إن منشأ ذلك المروق من الدين إنما هو الغلو المنافي لمسلك الاعتدال، وإنما سماه النبي (ص) مروقا تشنيعا به، وزجرا للناس عن أن يكونوا من أهله. وقد استحق الغلو وصف المروق لما فيه من الإفساد للدين والإهلاك لأهله في الدنيا والآخرة، قال رسول (ص): "إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: "هلك المتنطعون (ثلاثا)"49  قال الإمام النووي: "قوله (ص): "هلك المتنطعون" أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم". 
 
إن الغلو خروج عن الحدود التي أمر الله عز وجل بلزومها وحذر من تعديها، قال تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعدّ حدودَ الله فأولئك هم الظالمون)، والحدود: هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة- المأمور بها وغير المأمور- وتعديها هو تجاوزها وعدم الوقوف عليها. وهذا التعدي هو الهدف الذي يسعى إليه الشيطان، إذ إن مجمل ما يريده الشيطان تحقيق أحد الانحرافين الغلو أو التقصير، فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلوّ. ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، ذاك بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد. 
 
ولنـتأمل اسم الإشارة في قوله تعالى: (فأولئك هم الظالمون) فإنه مقصود منه تمييز المشار إليهم أكمل تمييز، وهم من يتعدون حدود الله، اهتماما بإيقاع وصف الظالمين عليهم. وكفى الغلو قبحا أنه ظلم، وأن صاحبه ظالم بمجاوزته وتعديه لحدود الله، وأضاف الله الحدود إليه تعظيما لها، وبيانا لعظيم شناعة مجاوزتها بسبب الغلو. ولا ريب أن الحكم بكفر الأفراد والمجتمعات غلو لأنه تعدٍّ لما لا يباح الخوض فيه إلا في أضيق نطاق، ولمن كان متأهلا من أهل الحكم والقضاء خاصة، وبأوضح البينات وأظهر الحجج، وذلك لخطورة ثمراته العملية، وآثاره الواقعية.
إنه لو لم يكن في صفة الغلو من الشر إلا أنها مانعة من استحقاق شفاعة النبي (ص) يوم القيامة، لكانت كافية للابتعاد عنها أشد الابتعاد، والنفور منها أشد النفور، فقد ثبت عن النبي (ص) أنه قال: "صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق"52.  
 6 - اتباع الهوى
 
إن من أعظم أسباب التكفير اتباعَ هوى النفس الموقع في اعتماد الظن، قال تعالى: (اِن يتبعون إلا الظن وما تهوى الاَنفُس ولقد جاءهم من ربهم الهدى)53، والمتأمل في أحوال التكفيريين يجد أنهم لا يرجعون في أحكامهم على من كفروه إلى دليل صحيح، كما لا يتجردون فيما يحكمون به للحق، وإنما يحملهم على ذلك الهوى، ومما يؤكد ذلك ويشهد له ما يعرف عنهم من شدة النفور من حَمَلَة العلم العارفين به، بل إنهم يكفّرون عموم مخالفيهم، بما فيهم علماء الملة الذين اعتبرهم الوحي ورثة النبي (ص)، بدعوى أنهم علماء داخلوا السلطان، متناسين أن الله أمر كل المسلمين بالتعاون لإقامة الخير والصلاح، وإشاعة البر والفلاح، فقال (تعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاِثم والعدوان، واتقوا اللهَ، إن الله شديد العقاب)54، ولا شك أن الأمراء والعلماء أَوْلَى الناس بامتثال هذا الخطاب بما يحقق مراد الله من تعاونـهم، فهل يتصور هؤلاء أن السلطان لا ينبغي أن يـخالط!؟ ولا ينبغي أن تمد له اليد لتحقيق التعاون المأمور به!؟ 
 
إن تكفير المخالف وخاصة العلماء من أظهر علامات أهل الأهواء والبدع، تحملهم عليه الشهوة الخفية، يدل على ذلك ما يؤول إليه صنيعهم من إقصاء حملة الشريعة الذين هم وُرّاث النبوة، والذين هم أولى بكل فضيلة في فهم أو عمل، وأحرى بكل مكرمة في إصابة أو توفيق، يصنع التكفيريون ذلك حتى يخلو لهم الجو من كل مزاحم يمنعهم من تشويه الدين، وإفساد الدنيا. فالتكفيرُ بغير مستند شرعي واتباعُ الهوى متلازمان، كما أن العدل مع المخالف يتضمن التجرد من الهوى، ولذا أمر الله رسله بالعدل عند الحكم وحذرهم من اتباع الهوى55، قال تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى)، وقال تعالى: (وأنُ احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع اهواءهم)56.
 
إن من أظهر علامات كون التكفيريين من أهل الأهواء اتباع المتشابه. فقد وصفهم الله لأجل ذلك بزيغ القلوب كما فـي قوله عز وجل (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله..)57، وإنما زاغت قلوبهم لما فيها من أهواء النفس وشهواتها، ولقد آلت بهم تلك الأهواء إلى التعلق بكل متشابه، وسلوك غير ما أراد الله منه تحريفا له عن مراده، وإيقاعا للفتنة بسببه.
 
لقد آل منهج التكفير المبتدع في فهم الدين إلى مسخ من المفاهيم والتصورات لا يستسيغها ذو فطرة نقية ولا عقل سليم، تصورات حولت شريعة أحكم الحاكمين القائمة على العدل والحكمة إلى ظلم وسفه يتنـزه عنهما الموصوف بكل صفات الكمال، المنعوت بكل نعوت الجمال والجلال. ولا ريب أن أهل العلم أكثر الناس رفضا لذلك المنهج، كيف لا وهم يستشعرون أن الله عز وجل إنما أقام الثناء عليهم عندما قرنهم بنفسه وملائكته لما شهدوا له بانفراده بالتوحيد، وقيامه بالعدل، وملاحظة دوران أمريه الشرعي والقدري على مقتضى كمالـي عزته وحكمته!؟ قال تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو، العزيز الحكيم)58.
 
إن أهل العلم هم أكثر الناس استشعارا لعظيم جناية هؤلاء التكفيريين على دين الله الذي أراد سبحانه بمقتضى حكمته أن يكون مظهرا لحمده والثناء عليه. ولأجل ذلك كانت مسؤولية العلماء عظيمة، إنهم يتحملون أمانة بيان أن هذا المنهج لا صلة له بالدين، وإنما نسب إليه بنوع من التحريف الناشئ عن الغلو، أو التأويل القائم على الجهل، أو ادعاء امتلاك الحق من المبطل العاري عنه، قال رسول الله (ص) "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"59.  
 
إن العلماء مدعوون لبيان أن الله عز وجل أراد ببالغ حكمته وسابغ رحمته أن يكون هذا الدين رحمة عامة مهداة، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، رحمة يفيء إليها العالمون أجمعون من هجير حر مكابدة الدنيا وفتنها، وقلق واضطراب النفوس بها، يتفيئون ظلال الطمأنينة التي يشيعها، ويستروحون نسمات الإيمان التي بالأمن يحفظها.
 
 فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة، المصرحين بقول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم. 
 
لقد آل خوض هؤلاء الأغمار في قضية التكفير - مِن بين ما آل إليه - إلى مفسدة عظيمة تدل بما لا يدع مجالا للريب على انحراف منهجهم، وسفه عقولهم، ألا وهي مناقضة مقصود الشارع من أن يكون الدين رحمة مهداة للعالمين، ونعمة مسداة للبشر أجمعين، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، فصار الدين بسببهم مُعْنِتا لأهله، ومُنَفِّراً لغيرهم، وانقلب التدين من نعمة إلى نقمة، ومن عطية إلى بلية، والله المستعان. 
  

هوامش

1 أخرجه مسلم، كتاب الإيمان،1 /80.
2 الزواجر عن اقتراف الكبائر 2 /273.
3 أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعان،4/7/111.
4 النساء: 83.
5 البحر المحيط 1 /131.
6 أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام،4 /179،ومسلم مع النووي، كتاب الزكاة، وبوبه له النووي بقوله: باب التحريض على قتل الخوارج،4 /181.
7 4 /244.
8 صحيح مسلم بشرح النووي 4 /181.
9  انظر ما رواه ابن ماجه في سننه 1 /74، باب في ذكر الخوارج، عن ابن عمر أن رسول الله (ص) قال: «ينشأ نشءٌ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قَرْنٌ قُطِع». قال ابن عمر: سمعت رسول الله (ص) يقول: «كلما خرج قرن قُطِع - أكثر من عشرين مرة - حتى يخرج في عِراضِهم الدجال». وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة، 1 /75-76.  
10 رواه البخاري في صحيحه، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، 4/8/374، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، 2 /743-744.
11 رواه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى (ص) تعرج الملائكة والروح إليه(ص)..،4/8/537، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة،2 /741-742.
12 مجموع الفتاوى، لابن تيمية 28 /495-497. 
13 جامع بيان العلم 1 /158.
14 المصدر السابق 1 /159.
15 الحشر:2.
16 الأعراف:203.
17 رواه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب قول النبي (ص) «سترون بعدي أمورا تنكرونها»، 4/8/422-423، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، 3 /1470-1471. 
18 الاقتصاد في الاعتقاد، ص:157.
19 الأنبياء:107. 
20 شرح النووي على مسلم 4 /184.
21 السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، 4 /578.
22 إيثار الحق على الخلق ص 401-402.
23 النساء: 28.
24 النساء: 26.
25 الحج: 78.
26 البقرة: 185.
27 الأعراف: 157.
28 رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، وقول النبي (ص): «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة»،1/1/18. 
29 رواه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع،3/5/128.
30 رواه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، 1/1/76، وأحمد في مسنده 2 /239، وغيرهما كثير بألفاظ مقاربة. 
31 رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً، 4/7/127، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،1 /339.
32 الأنفال: 66.
33 التحرير والتنوير 3/5/22.
34 آل عمران:7.
35 النساء:65.
36 رواه أحمد في مسنده 3 /251.
37 رواه البخاري، كتاب الأدب ، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه ، 4/7/103.
38 رواه البخاري في كتاب الأشربة، باب قول الله تعالى ( إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) 3/6/599، ومسلم في كتاب الإيمان،1 /76.
39 رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، 1/11، ومسلم في كتاب الإيمان،1 /67.
40 الإيمان لأبي عبيد، ص:41. 
41 رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر،1/1/22، ومسلم،كتاب الإيمان،1 /81. 
42 البقرة:177.
43 الحجرات:9.
44 المائدة:44.
45 إيثار الحق على الخلق ص: 389 - 390.
46 رواه ابن أبي شيبة في المصنف (37942).
47 رواه أحمد في مسنده 5 /180، وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في قتل الخوارج 5 /118، وصححه الألباني في تخريجه لكتاب السنة لابن أبي عاصم، ص: 420.
48 رواه أحمد في مسنده 1/ 215، والنسائي في سننه، كتاب مناسك الحج،باب التقاط الحصى،3/5/268، وصححه الألباني.
49 رواه مسلم، كتاب العلم 4 /2055.
50 شرح مسلم 8 /473. 
51 البقرة: 229.
52 رواه أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث 5/2/120، والجرجاني في الفوائد 1 /112، وأبو بكر الكلاباذي في مفتاح المعاني 2 /360، وصححه الألباني في الصحيحة (471).
53 النجم: 23.
54 المائدة:3.
55 ص:25.
56 المائدة:49.
57 آل عمران:7.
58 آل عمران:18.
59 أخرجه البزار في مسنده، انظر مختصر زوائد مسند البزار لابن حجر 1 /122-‍‌، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث ص‌‌: 8‌‌‌‌، وابن أبي حاتم الرازي فـي الجرح والتعديل‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‍‍‍‍‍‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ ‌‌‌‌‌‍ /17، وابن وضاح في البدع والنهي عنها ص :1، والحديث مشهور صححه غير واحد كالإمام أحمد كما نقله عنه الخطيب في شرف أصحاب الحديث ص: 29، واحتج به الحافظ ابن عبد البر، ونسب تصحيحه إليه ابن الوزير اليماني في العواصم والقواصم ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍1 /308، وصححه ابن الوزير، المرجع السابق ، وابن القيم في مفتاح دار السعادة 1 /163-‍.والحديث حسن لغيره لكثرة طرقه واعتضاد بعضها ببعض.
60 الأنبياء:107.

 من كتاب الندوة العلمية "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ 2 جمادى الأولى 1428 الموافق لـ 19 ماي 2007

للاطلاع أيضا

توفيق‭ ‬الغلبزوري‬‬‬‬: الشورى والديمقراطية

‬الزبير‭ ‬دحان :الخلافة الراشدة، الوهم والحكم‬‬

إدريس خليفة: اللامذهبية في الفقه

ادريس بن الضاوية: الخوارج سماتهم وجامع أفكارهم

محمد بوطربوش: السلفية بين الغلوّ والاعتدال

فريد الانصاري: مفهوم الولاء والبراء في الإسلام

الحاكمية وظاهرة الغلو في الدين

عبد الرزاق الوزكيتي: الجاهلية مفهومها وسماتها وحكم من يصف المجتمع المسلم بها

رضوان بنشقرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اليزيد الراضي: الإرهاب ودعوى الجهاد

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "للا أسماء" بالرباط
facebook twitter youtube